11~زواجٌ عــلـى الــورق
لطالما سمعنا عن الحب الأعمى....
لكن ماذا عن الكبرياء الأعمى...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
داخل قاعة الحفلات الداخلية يقف إدريان شامخًا أمام نافذة تطل على الخارج ، تلك البذلة الفاخرة ذات التطريز الفريد التي احتضنت جسمه المتناسق زادته جاذبية ، خاصة مع تسريحة شعره الذي بلون البُن
ماذا يراقب؟
لا شيء
قد يبدو متّزنًا من الخارج ، لكن كيانه مهتز ، و السبب يدركه تمامًا ، سيليا
لماذا ؟
هو لا يدري ، فقط يعلم أنّها تثير عاصفة في قلبه و عقله ، و هذا ليس بالأمر الجديد
شروده طال لدرجة أنّه لم ينتبه للثلاثي الذي مرّ من خلفه و رمقوه بنظرات قاتلة قبل إلتحاقهم بالقاعة الخارجية ، لكن صوت واحد هو ما انتشله من دوامته ، صوت خطوات كعبها الثابتة الذي أنتبأه بنزولها الدرج المؤدي له
إلتفت بهدوء ليقابل نهاية الدرج ، و أول ماحطّت عليه بنّيتاه هو وجهها الفاتن ، رغم خلوه من التعابير إلّا أنّه كان يخطف الأنفاس ، فكيف لو ابتسمت؟!
خصلات شعرها الفحمي المنسدل من طرحتها التي أخذت تتحرك بنعومة مع كل خطوة أطفت عليها لمسة لطيفة ، أمّا فستانها الناصع الفضفاض فقد صمم بطريقة لا تظهر مفاتنها ، عكس أغلب نساء العائلات المخملية ، سيليا تفضل عدم عرض تفاصيل جسمها للناس
و دعونا نقول أنّ هذا من أكثر الأمور التي تثير إعجاب إدريان بها
هي فقط ... سيليا
تقدم بدوره نحوها بخطوات ثابتة ، رفعت خلالها سيليا نظرها له و اِلتقت فُستقيّتاها ببُنيتاه ، تأملت مظهره لبرهة قصيرة ، و الغريب أنّ مشاعرها المتمردة التي سيطرت عليها قبل نزولها قد اِختفت تمامًا ، و شعور الغرابة يزداد كلما تقدم نحوها
توقفت أقدامهما حين أصبحا فوق السجادة البيضاء المؤدية للصالة الخارجية حيث لا يفصل بينهما سوى خطوة واحدة خطوة قد تغير الكثير لكن لا أحد منهما يجرؤ على خَطْوها، هذا المنظر بالذات يشرح طبيعة العلاقة غير المفهومة التي جمعتهما منذ الصغر
قد يخال أي أحد يمر من أمامهما أنّ الصمت سيد الموقف بينهما ، لكن بالنسبة لهما فالمكان صاخب ، صاخب بالأفكار و المشاعر المتناقضة
كسر إدريان حاجز الصمت قائلًا بصوته البارد:
"جاهزة ؟"
لترد سيليا بنبرتها المتمردة:
" ماذا تظن إذًا ؟"
" لستِ كذلك"
إستغربت سيليا قوله قاطبة حاجبيها و قبل أن تستوعب ماذا يقصد رأته ينسحب من مكانه عائدًا أدراجه نحو غرفة كانت تقع في ممر مقابل لها
مهلًا !
هل هرب ؟!
هي تعلم أنّ العيش معها لا يطاق لكن ..
بهذه السرعة ؟!
إنّه رقم قياسي
غاب لبضع ثواني قبل أن يظهر مجددًا أمامها لكن تبيّن لها أنّه يخفي شيئًا خلفه ، فتحت ثغرها لتسأله لكنه سبقها بإظهاره أمام ناظريها
لانت ملامحها فجأة و بدت متفاجئة ممّا أمامها
إنّه ورد العروس
لكن ليس أي ورد
ورد التوليب
المفضل لديها
كانت أوراقه مصفوفة بشكل حلزوني كالقالب أمّا السيقان فغُلّفت بورق لامع مع شريط أبيض بنفس لون الورد
" لا أعتقد أنّك كنتِ تنوين الخروج دون ورد "
انتشلها صوته من حالتها تلك ، فغيرت ملامحها و قالت مدّعية عدم المبالاة:
" في الواقع ، كنت سأختار شيئًا أجمل لكن لا خيار الآن "
و أخذت منه الورد مقلبة إيّاه ، فيما أخذ إدريان يخفي إبتسامته مدّعيًا فرك ذقنه
من تخدع ؟!
بالطبع إختياره للورد لم يكن عشوائيًا
" أظن أنّنا تأخرنا بما فيه الكفاية يا زوجتي"
ارتفع حاجباها بغيض ، ككل مرة يناديها بهذا اللقب _زوجتي_، فاِلتفتت معاتبة:
" لم أصبح بعد زوجـ.."
تجمدت مكانها حين وجدت يده ممدودة لها من أجل الخروج لحفل الزفاف ، دقات قلبها في إزدياد و أحاسيس مختلطة هاجمتها ، نظرت لوجهه إذ به مركز على عينيها ، هو حتى لم يبعد ناظريه كالعادة
في تلك اللحظة خطر سؤال على بالها
كيف ستعيش معه في بيت واحد في حين أنّ مسكة يد بعثرتها هكذا؟!
رمشت عدة مرات لتطرد هذه الأفكار ، ثم مدّت يدها له بهدوء دون النطق بكلمة واحدة ، حين شعرت بلمسه لها سرت رعشة في جسمها جعلتها تتوتر ، و هذا أكثر شيء يزعجها ، أن تتوتر بسبب شخص ، خاصة إن كان هذا الشخص أوله إدريان و آخره درافان
سارا معًا على طول السجادة البيضاء المؤدية للصالة الخارجية ، و دخلاها تزامنًا مع عزف الفرقة الموسيقية معزوفة كمان هادئة خاصة بدخول العرسان
تعالت التصفيقات من كل مكان تحت ضوء غروب الشمس الذي أعطى إنارة مميزة تخطف الأنفاس تناسب الديكور ، واصلا التقدم بين الطاولات العامرة بالضيوف و كاميرات التصوير راسمان إبتسامة مجاملة مزيفة
حتى مرّا على طاولة آل درافان ، و مقابلها مباشرة طاولة آل كاروفا التي لمحت فيها كايل و لوكاس و هما يحملان تعابير داعمة ، على عكس البقية ، فمثلًا خالها رون ينظر بإستصغار و هي النظرات الوحيدة التي رأتها عليه اِتجاهها ، جدتها لا تحمل تعبيرًا معينًا ، أمّا جوليا فكانت تضحك ضحكة صفراء ذابلة ، لكن ما أثار ضحك سيليا هو اِرتداؤها لفستان أسود ذو ياقة تخفي عنقها لتعلم أنّ آثار يدها لم تزل بعد عنها
لم تكلف نفسها بالنظر لعائلة آل درافان الذين لا تعرف منهم أحد سوى إدريان و السيد آلفرد ، على كل حال ستتعرف عليهم عاجلًا أم آجلًا
وصلا لطاولتهما حيث استقبلهما المأذون الشرعي ، جلست سيليا بمساعدة من إدريان رآها الجميع تصرفًا نبيلًا لكن سيليا اِعتبرته تقليلًا منها ، يستحيل أن تفكر به بمنظور إيجابي
بعدما جلسا أخيرًا ، بدأ عقد الزواج بإفتتاحية ألقاها المأذون الشرعي قائلًا:
" سيداتي سادتي ، اليوم نحن مجتمعون في هذا المكان من أجل ربط قلبين إتفقا على بناء حياة جديدة معًا مليئة بالحب"
تعالت التصفيقات مجددًا بعد المقدمة التي اعتبرتها سيليا ساخرة بكل معنى الكلمة ، ألقت نظرة على الجالس بجانبها إذ به شاردًا و بدت بنيّتاه مركزتان على شيءٍ ما
نظرت للمكان الذي ينظر له لتجد شابة تبدو في عقدها الثاني ذات شعر بندقي و بشرة بيضاء كالثلج ، كانت ترتدي فستان أخضر و تجلس رفقة رجل ممسك بيد إمرأة أربعينية ، على الأرجح زوجته ، لكن ما جعل قلب سيليا ينسى الخفق هو إدراكها أنّ تلك الشابة كانت تبكي ، و قد بدا ذلك واضحًا من خلال انعكاس ضوء المصابيح المعلقة بين الأشجار
هل يعقل أنّها ... لا لا مستحيل ، صحيح ؟!
مجرد التفكير بأنّ إدريان شاغلٌ باله بنزول تلك الدموع من عيني الفتاة جعل أنفاسها تتسارع لسبب لم تفهمه ، نفسيتها تغيرت تمامًا لدرجة أنّها أسقطت إبتسامتها المزيفة
ما الذي يحدث لها ؟
حتى لو كان ما تفكر به صحيحًا
لماذا تهتم ؟
لماذا تأثرت ؟
حوّلت أنظارها مجددًا نحو إدريان لتجده لايزال على نفس حالته ،مجرد جسد بنظرات جامدة معلقة على نفس المكان ، و ابتلعت ريقها حين لاحظت إطلاقه لتنهيدة عميقة لم يلحظها أحد غيرها لقربها الشديد منه
خلال تلك الأثناء كان المأذون الشرعي قد أنهى خطابه المليء بالمشاعر و القيم الأسرية التي كان من المفترض أنّها موجهة لهما ، المسكين لا يعلم أنّهما الوحيدان اللذان لم ينصتا و لو لحرف واحد منه
لكن من الجيد أنّ التصفيقات التي انتشرت دفعت سيليا لتهدئة نفسها و تحسين هيئتها
" الآن ، أطلب من الشاهدان التقدم للشروع في عقد الزواج"
نهضت ميليس من مقعدها و توجهت لطاولة عقد الزواج بصفتها الشاهدة الأولى لتجلس على يسار سيليا التي أومأت لها بإبتسامة باهتة لم ترق لميليس
و ما إن استقرت بفستانها مكانها وقعت أنظارها مباشرة على الشخص الذي كان آخر من تتوقع أنّه سيكون الشاهد الثاني
صدمتها كانت كبيرة و جعلت زرقاوتيها تتوسعان كلما خطا مقتربًا منها ، تأمّلت للحظة لو أنّ مايحدث من نسج خيالها لكنّ أملها تبدد حين جلس إيفان بهيئته الرسمية و بكامل أناقته بجانبها ، و ما زاد الأمر غرابة هو أنّها لم تستطع حتى إبعاد ناظريها عنه
لم تعد لرشدها حتى وكزتها سيليا بكعبها العالي لتجعلها تتأوه بصمت ، لتقابلها نظراتها المتسائلة عن سبب حالتها هذه ، فأومأت لها مطمئنة لها و معدلة لجلستها
" بعدما حضر الشاهدان ، يمكننا البدء ، آنسة سيليا كاروفا هل تقبلين السيد إدريان درافان زوجًا لكِ؟ "
حلّ صمت مهيب في الأرجاء ، جعل صدى السؤال يجول في عقل سيليا تاركًا في كيانها شكًا من معرفتها للجواب ، ليس جواب هذا السؤال بل الجواب الذي ظنّت أنّها تعرفه طيلة تلك السنين
نظرت سيليا لطاولة آل كاروفا ، و بالتحديد جدتها راميةً لها نظرات خاوية كأنها تعاتبها على وضعها الحالي لكن جدتها لم تبدي أي تعبير صريح فقد تعايشت مع تأنيب الضمير لعقود، ثم أعادت نظرها للمأذون الشرعي لترسم إبتسامة خفيفة و هي تقول:
" أنا أقبل "
ارتفع صوت التصفيقات المهللة لتتنهد السيدة ماري بإرتياح ، نصف الحمل الثقيل الذي حملته لسنوات قد أزاح بعد جملة واحدة من حفيدتها فنظرت نحو السيد آلفرد في الطاولة المقابلة على الجهة الأخرى لتجده يعلق أنظاره على حفيده هو الآخر ، مع أنه متيقنٌ أنّ إدريان ليس من النوع الذي يتراجع عن قراره لكن كل شيء وارد
" و أنت سيد إدريان درافان هل تقبل الآنسة سيليا كاروفا زوجة لك ؟"
صمت إدريان لوهلة و أشاح بنظره لسيليا يراقب نظراتها كأنّ بُنيَّتاه تُناجيها لإظهار أي تعبير و لو كان صغيرً، لكن تلك الخضراوتان قابلته بالجمود
ليعيد نظره مجددًا قائلًا بصوته العميق:
" أنا أقبل "
تعالت التصفيقات المهنئة من كل الطاولات في أرجاء المكان ، فيما قال المأذون الشرعي موجهًا السؤال لميليس و إيفان:
" و أنتما هل تشهدان ؟"
" نشهد"
" نعم بالطبع"
بعدها حمل ورقة عقد الزواج واضعًا إيّاها أمام إدريان مباشرة مع قلم حبر أسود ، أمسك إدريان القلم لكنه قبل أن يوقع حدّق بنفس المكان السابق ، انتبهت سيليا لذلك لتنظر بدورها لتلك الطاولة لتتفاجأ برؤية تلك الشابة تترك مكانها و مسرعة نحو الداخل حاجبةً وجهها ، أو بالأحرى دموعها التي أفسدت مظهر مساحيق تجميلها
و ما إن غابت عن ناظريهما حتى وجدت إدريان يتمم توقيعه لعقد الزواج ليناولها الورقة و القلم ، أمسكتهما متجنبة النظر له و و ترددت عند وضع القلم فوق المكان المخصص لتوقيعها ، تفكر به و بها و بتلك الفتاة ثم...
((ما الذي أفكر به؟! أنا لم أتزوجه لأنني أحبه أو ماشابه ، و هو كذلك ، أنا أوقع هذه الورقة فقط من أجل العشيرة ، لتذهب تلك الفتاة للجحيم من يأبه!))
طردت تلك الأفكار من عقلها و تنفست بعمق قبل أن تحرك القلم بين أناملها فوق عقد الزواج طابعة توقيعها عليه ، بعدها ناولت العقد لميليس و إيفان بصفتهما الشاهدان ليوقعاها أيضًا
لينتهي الأمر بإعلان المأذون الشرعي قائلًا:
" مبارك لكما ، أصبحتما زوجًا و زوجة "
نهض كل من في القاعة بتصفيقاتهم المهنئة لهذا الزواج ، بالرغم من أن أفراد آل درافان و آل كاروفا بدا عليهم التوجس أكثر ، طبعًا بإستثناء السيدة ماري و السيد آلفرد اللذان حملت نظراتهما الراحة
" الآن يمكنني مناداتكِ زوجتي كيفما أشاء"
همس بها إدريان لسيليا التي ردّت بتكبر دون النظر له :
" لا تتحمس كثيرًا ، فهذا زواجٌ على الورق فقط"
تنهد بضيق و أشاح نظره بعيدًا مدّعيًا عدم الإكتراث لكلامها الذي كان بمثابة الصفعة الموقظة لعقله
انسحب كلٌ من ميليس و إيفان من الطاولة ، لكن عند مروره بها قال بصوت خافت بالكاد سمعته:
" سررت بلقائك مجددًا أيتها المواطنة الصالحة"
تلعثمت بعد سماع صوته و لم تدري بماذا تجيبه و عندما إلتفتت وجدته ابتعد بين الطاولات ، شعرت بالإنزعاج و الحيرة في نفس الوقت لتعود إلى طاولتها و هي تستطرد سيل أفكارها
بينما كانت سيليا تتأمل اسمها الكامل الجديد المطبوع على عقد الزواج ~سيليا درافان~
اللقب الثالث الذي تحمل في حياتها
وُلدت و هي تحمل لقب والِدها ثم عاشت أواخر طفولتها و كل مراهقتها بلقب عائلة أمها و الآن جاء دور لقب زوجها ، و أكثر جزء مثير للشفقة هو أن الحياة هي التي أجبرتها على حملهم كلهم
فقط ، حرّكها القدر ...
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!