8~كَعَيْنَاكِ
أمام بوابة قصر آل كاروفا الحديدية المتصلة بالأسوار العالية المهيبة، توقفت سيارة مرسيدس سوداء يقبع بداخلها إدريان، أعاد ظهره للخلف قليلاً قبل أن يخرج هاتفه من جيبه و يرسل رسالة لسيليا يعلمها فيها أنه وصل ، أعاد هاتفه لجيبه ينتظر قدومها ، كان يرتدي سروالًا أسود مع قميص رمادي و معطف طويل أسود
كان ذهنه شاردًا بالجهة المقابلة الخالية من أي منازل ، هذا بديهي فقصر عائلة كاروفا يقع في حي لا يضم منازل متجاورة بل قصور فخمة متباعدة ، عقله يفكر بعدة أمور ، الشركات ، عائلته التي لازالت لم تقتنع بموضوع الصلح و لا يستبعد الأمر نفسه بالنسبة لعائلة كاروفا ، لكن أكثر شيء لا ينفك يفكر به هو سيليا
أخرجه من شروده صوت فتح الباب الأمامي لسيارته ، لقد أتت ، لكن صوت رجولي صدر:
" أهلاً يا صهرنا "
إلتفت إدريان بتفاجؤ للجالس بجانبه ، ليجد كايل ينظر إليه بإبتسامة جانبية و عينين حادتين بمعطف الجلد الأسود، رفع إدريان حاجبه لكنه لم يبدي تعبيرًا معينًا
إلتفت مجددًا خلفه إثر صوت فتح الباب الخلفي للسيارة ليرى سيليا راكبة و هي تنظر له بعينيها الخضراوتين ، و قالت له:
" كيف حالك يا ... عريس"
قالت كلمتها الأخيرة بنفس النبرة التي ناداها بـ'عروس' ، حينها فهم أنها تحاول معاقبته على إغلاقه للخط في وجهها ، و بمن؟ كايل
ضحك ضحكة خافتة و قال بنبرة باردة:
" ستحتاجين أكثر من هذا لإستفزازي"
إكتفت سيليا بإبتسامة صفراء ، و عاد إدريان لوضعيته للقيادة و ملامح وجهه لا تظهر سوى الهدوء و الهيبة
تحركت السيارة مبتعدة عن بوابة القصر و أسوارها ، تاركين السيارة التي كانت مركونة خلفهم تحمل داخلها صاحبها الذي شدّت أنامله على المقود بعنف ، و عيناه الرماديتان تلمعان بدموع تؤنبه على كبت مشاعره لسنين
.
.
.
وسط مدينة أدريمارا ، و تحديدًا في سيارة إدريان ، لم يمضي سوى دقائق معدودة على إنطلاقهم ، لكن شجارات باردة بين كايل و إدريان جعلت الطريق يبدو أطول بساعات
" إلى أين سنذهب؟ "
" ستعرف حين نصل"
" افتح النافذة "
" المكيف يعمل "
" إنه بارد جدًا"
" كان عليك إرتداء معطف أدفأ"
" كيف حال الباترون آلفرد "
" بخير "
" زد سرعتك فعلى هذا الحال سنصل عند تخرج أحفادي"
" صدّقني أرغب بإنهاء رحلتنا أكثر منك"
" ما شعورك و أنت على وشك أن تصبح صهر عائلة آل كاروفا"
" شعور لا يوصف ، يجعلني أفكر بالذنب الذي اقترفته حتى يحصل هذا معي"
و الكثير و الكثير من هذه الخصامات ، و سيليا تجلس مستمتعة بالعرض أمامها بين ابن خالتها و الشخص الذي سيصبح بعد أسبوع زوجها
أخيرًا ، توقفت عجلات السيارة أمام المكان المقصود ، ترجل الثلاثة من السيارة بهدوء ، تأملت سيليا المكان لتكتشف أنهم أمام محل مجوهرات ، و ليس أي محل ، أشهر محل مجوهرات في البلاد ، لطالما سمعت عنه سيليا لكنها لم تزره لأنها ليست من النوع الذي يهتم بجمع المجوهرات الثمينة ، على عكس نساء العائلات المخملية
مهلًا ، هل يود حقًا شراء مجوهرات؟!
إستغربت سيليا الموضوع ، و حتى كايل الذي نظر نحوه نظرة شك ، و هما لا يلامان على ردة فعلهما ، فبإمكانه أن يطلب منها إختيار ماتريده و هو يطلبه فقط أو حتى إرسال فريق المحل إليها ، لماذا أتى بها للمحل كأنها خطيبته ؟!
حسنًا ، هي حقًا خطيبته
لكن ليس هذا ما تقصده ، من المفترض أن هذا الزواج على الورق فقط ، لماذا بدأت تحس أن الموضوع يأخذ منحى آخر؟!
" بما أن الزفاف بعد أسبوع ، أظنه الوقت المناسب لإختيار خاتم الزواج"
قال إدريان و هو يتقدم نحو المحل بخطوات ثابتة ، لحقت به سيليا قائلة:
" كان بإمكاني إختياره وحدي ، إستعراض الخطيب الشهم لا فائدة منه"
توقف إدريان فجأة و رمقها بنظرة جانبية و هو يقول بنبرة جادة:
" ربما بالنسبة لكم ، لكن عند آل درافان هذا الذي تسمينه إستعراضًا هو مسؤولية"
أكمل جملته و تابع سيره نحو المدخل ، وقفت سيليا مكانها لوهلة قبل أن تتبعه و من خلفها كايل الذي بدأ يشد على أعصابه من طريقة كلام إدريان ، لكنه يكبح نفسه لأن سيليا قد طلبت منه قبل خروجهما ألّا يضخم أي شجار فقط لو هي فعلت
فتح البوّاب مدخل محل المجوهرات لهم ملقيًا التحية ، كان المحل يوحي بالفخامة و الرقي ، ناهيك عن التصاميم الفريدة من نوعها التي زينت كل زاوية منه
ثواني و كان الموظف أمامهم ببذلته الرسمية و إبتسامة مرحبة:
" سيد درافان ، أهلاً بكم "
أومأ له إدريان ثم قال :
" هل كل شيء جاهز ؟"
" طبعًا ، كما طلبت ، اتبعوني من فضلكم "
تقدم أمامهم الموظف ليقودهم إلى الطابق العلوي ، حيث وجدت أريكة فخمة تتوسط رفوف المجوهرات مع طاولة متوسطة الحجم أمامها ، أشار لهم بالجلوس ، جلست سيليا و بجانبها كايل ، أما إدريان ففضل الوقوف
أشار الموظف لمجموعة عاملين بيده ، فتقدم كل واحد منهم و هو يحمل صندوقًا فخمًا ، وضعوها أمامهم على الطاولة و كلٌ فتح الصندوق الذي أحضره
كل صندوق كان يحتوي مجموعة خواتم ذات تصاميم و ألوان مختلفة ، لمعانها الشديد جعل سيليا بالكاد تستطيع التفرقة بينهم
" هذه أندر جواهرنا ، صنعت بعناية فائقة ، اختاري ما يعجبك يا آنسة"
قالها الموظف متفاخرًا بمكانة محلهم ، و فعلًا تلك الجواهر المرصعة تبدو ساحرة للأنظار لدرجة أن الإختيار بينهم صعب جدًا
تقدمت موظفة أخرى إلى جانب سيليا و بدأت تريها مواصفات كل خاتم لمساعدتها على الإختيار ، لكن سيليا تمتلك ذوقًا صعبًا
" ما رأيك بهذا سيدتي "
" لم يعجبني"
" ماذا عن هذا"
" لا أريد اللون الكلاسيكي الأبيض"
" حسنًا ، و هذا "
" مبالغ فيه"
" هذا صنع بحجر نادر "
" كبيرة جدًا"
" هذا ذو تصميم مميز "
" شكله غير مناسب "
ظلت على هذه الحال ساعة كاملة ، الموظفة بدأت تشعر بالإنهاك ، و كايل استند واضعًا كفه على خده و هو يشتم اللحظة التي وافق فيها على القدوم ، و الموظف كاد ينام من مراقبة انتقالها بين الخواتم ، بقية الموظفين كانوا حائرين بذوقها الصعب و كلما رفضت خاتمًا زادت حيرتهم
في حين كان إدريان يراقب كل تفصيل تذكره بتمعن ، و أحيانًا كان يبتسم إبتسامة جانبية
إنتهت كل الخواتم التي عرضوها عليها ، حقًا لو رآها مصممو هذه الخواتم و سمعوا انتقادها لتحفهم الفنية لما خرجت حية
نظر الموظف نحو إدريان الذي أومأ له إماءة خفيفة ففهم الموظف قصده و قصد إحدى الخزائن الموضوعة على الرف ، فتحها و أخرج منها علبة خاتم مخملية
تقدم أمامهم بهدوء و قال واضعًا العلبة أمام سيليا مباشرة:
" هذا أحد قطعنا المميزة ، صنعت على يد أفضل حِرفي مجوهرات في البلاد ، و بطلب خاص من السيد درافان"
توجهت أنظارها نحو إدريان الذي لم يحمل وجهه أي تعبير معين ، ثم أعادت أنظارها للعلبة و أخذتها من الطاولة فاتحة إيّاها
كان خاتمًا ذهبيًا فاخرًا بتصميم طبيعي أنيق و حجر أخضر لافت ، ليس مبالغًا فيه بل بسيط بفخامة ، تفاصيله صغيرة و متقنة ، لم تستطع سيليا إخفاء إعجابها به ، أخرجته من علبته و ارتدته بحذر ، و قالت بنبرة لطيفة:
" بسيط لكن جذّاب ، يجمع بين الفخامة و الرقة ، و النظر له يخطف الأنفاس"
" كعيناكِ "
أردف إدريان بهدوء ، رافعًا نظر سيليا نحوه ، التقت أعينهما في لحظة بدت لهما ساعات ، هو غاص في جمال عينيها و هي غاصت في كلامه
" احم احم "
تداركا وضعهما بعد همهمة كايل الذي نظر لهما بريبة ، ثم ثبّت نظراته على إدريان منتظرًا منه تفسيرًا لجملته الأخيرة ، فهم إدريان فورًا قصده ، فقال بنبرة هادئة:
" كنت أقصد لون الحجر ، إنه أخضر "
أعاد كايل نظراتها للأمام مقلبًا عينيه ، طبعًا لا يصدقه ، يشعر بشيء غريب بينهما لكنه لا يملك دليلًا قاطعًا
" هل أعجبك آنسة كاروفا ؟ "
سأل الموظف بترقب جاذبًا انتباه سيليا المرتبكة ، من جهة تكره فكرة إرتداء خاتم طلبه إدريان خصيصًا لها ، و من جهة أخرى تعلم أنها لن تجد مثله خصوصًا مع ذوقها الصعب
" أجل ، سآخذه "
ردّت أثناء وضعها للخاتم في علبته ، فيردف الموظف بحماس:
" ممتاز ، اختيار مميز ، سأضبه لكم"
ثم أخذ العلبة و سار عائدًا للطابق الأرضي ، و ساروا هم من خلفه ، وصلوا أمام منضدة المحاسبة حيث وضع لهم الموظف علبة الخاتم في كيس فاخر ، و مدّ إدريان له بطاقة إئتمانه للدفع
أخذوا الكيس و خرجوا من المحل ، و ما إن خطوا أول خطوة إذ بمجموعة صحفيين أمامهم ، أنوار الكاميرات في كل مكان و كل صحفي يسأل سؤاله طالبًا الجواب
" سيد إدريان هل إعلان الزواج صحيح ؟"
" هل حقًا الزفاف بعد أسبوع ؟"
" كيف تجاوزتم العداوة بين العائلتين؟ "
" لماذا أخفيتما علاقتكما "
لا يوجد طريق فارغ لكي يصلوا نحو السيارة ، و حراسهم يحاولون التقدم نحوهم بصعوبة ، نظر إدريان لسيليا ففهمت ما يريده و أماءت له موافقة ، فتقدم إدريان نحوهم و هي بجانبه و قال بصوته الذي يبث بالهيبة:
" نعم ، الإعلان صحيح ، نحن سنتزوج و الزفاف بعد أسبوع"
" أدريمارا كلها تعلم بأن آل كاروفا و آل درافان تجمعهم عداوة ، ماذا تقولان عن هذا الموضوع؟"
" بصراحة ، بعد نقاشات عديدة، اتفقت العائلتان على إنهاء العداوة و حل هذا الخلاف، لذا يمكننا القول أن آل كاروفا و آل درافان لم يعودوا أعداء"
هذه المرة سيليا هي التي صرّحت
" متى بدأت علاقة حبكما ؟"
ارتبك الإثنان أمام هذا السؤال ، و نظرا لبعضهما في وقت واحد ، كلمة'حبكما' لامست شيئًا داخلهما ، شعور خفي نهض فجأة في قلبهما ، لم يستطيعا حتى سماع الاسئلة التي طرحها بقية الصحفيين ، كأنهما وضعا في موقف لطالما قيّد عقليهما
لحسن الحظ ، تمكن الحراس من الوصول إليهم و بدأوا بفتح طريق لهم نحو السيارة
" سيليا ، هيا "
أخرجها صوت كايل من حالتها تلك ، و سارت معهم نحو السيارة تحت حماية الحراس الذين أبعدوا الصحفيين ليتمكنوا من المغادرة
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!