كبرياء
كبرياء
جزء 9 من 11
وضع القراءة:

8~كَعَيْنَاكِ

أمام بوابة قصر آل كاروفا الحديدية المتصلة بالأسوار العالية المهيبة، توقفت سيارة مرسيدس سوداء يقبع بداخلها إدريان، أعاد ظهره للخلف قليلاً قبل أن يخرج هاتفه من جيبه و يرسل رسالة لسيليا يعلمها فيها أنه وصل ، أعاد هاتفه لجيبه ينتظر قدومها ، كان يرتدي سروالًا أسود مع قميص رمادي و معطف طويل أسود
كان ذهنه شاردًا بالجهة المقابلة الخالية من أي منازل ، هذا بديهي فقصر عائلة كاروفا يقع في حي لا يضم منازل متجاورة بل قصور فخمة متباعدة ، عقله يفكر بعدة أمور ، الشركات ، عائلته التي لازالت لم تقتنع بموضوع الصلح و لا يستبعد الأمر نفسه بالنسبة لعائلة كاروفا ، لكن أكثر شيء لا ينفك يفكر به هو سيليا
أخرجه من شروده صوت فتح الباب الأمامي لسيارته ، لقد أتت ، لكن صوت رجولي صدر:
" أهلاً يا صهرنا "
إلتفت إدريان بتفاجؤ للجالس بجانبه ، ليجد كايل ينظر إليه بإبتسامة جانبية و عينين حادتين بمعطف الجلد الأسود، رفع إدريان حاجبه لكنه لم يبدي تعبيرًا معينًا
إلتفت مجددًا خلفه إثر صوت فتح الباب الخلفي للسيارة ليرى سيليا راكبة و هي تنظر له بعينيها الخضراوتين ، و قالت له:
" كيف حالك يا ... عريس"
قالت كلمتها الأخيرة بنفس النبرة التي ناداها بـ'عروس' ، حينها فهم أنها تحاول معاقبته على إغلاقه للخط في وجهها ، و بمن؟ كايل
ضحك ضحكة خافتة و قال بنبرة باردة:
" ستحتاجين أكثر من هذا لإستفزازي"
إكتفت سيليا بإبتسامة صفراء ، و عاد إدريان لوضعيته للقيادة و ملامح وجهه لا تظهر سوى الهدوء و الهيبة
تحركت السيارة مبتعدة عن بوابة القصر و أسوارها ، تاركين السيارة التي كانت مركونة خلفهم تحمل داخلها صاحبها الذي شدّت أنامله على المقود بعنف ، و عيناه الرماديتان تلمعان بدموع تؤنبه على كبت مشاعره لسنين
.
.
.
وسط مدينة أدريمارا ، و تحديدًا في سيارة إدريان ، لم يمضي سوى دقائق معدودة على إنطلاقهم ، لكن شجارات باردة بين كايل و إدريان جعلت الطريق يبدو أطول بساعات
" إلى أين سنذهب؟ "
" ستعرف حين نصل"
" افتح النافذة "
" المكيف يعمل "
" إنه بارد جدًا"
" كان عليك إرتداء معطف أدفأ"
" كيف حال الباترون آلفرد "
" بخير "
" زد سرعتك فعلى هذا الحال سنصل عند تخرج أحفادي"
" صدّقني أرغب بإنهاء رحلتنا أكثر منك"
" ما شعورك و أنت على وشك أن تصبح صهر عائلة آل كاروفا"
" شعور لا يوصف ، يجعلني أفكر بالذنب الذي اقترفته حتى يحصل هذا معي"
و الكثير و الكثير من هذه الخصامات ، و سيليا تجلس مستمتعة بالعرض أمامها بين ابن خالتها و الشخص الذي سيصبح بعد أسبوع زوجها
أخيرًا ، توقفت عجلات السيارة أمام المكان المقصود ، ترجل الثلاثة من السيارة بهدوء ، تأملت سيليا المكان لتكتشف أنهم أمام محل مجوهرات ، و ليس أي محل ، أشهر محل مجوهرات في البلاد ، لطالما سمعت عنه سيليا لكنها لم تزره لأنها ليست من النوع الذي يهتم بجمع المجوهرات الثمينة ، على عكس نساء العائلات المخملية
مهلًا ، هل يود حقًا شراء مجوهرات؟!
إستغربت سيليا الموضوع ، و حتى كايل الذي نظر نحوه نظرة شك ، و هما لا يلامان على ردة فعلهما ، فبإمكانه أن يطلب منها إختيار ماتريده و هو يطلبه فقط أو حتى إرسال فريق المحل إليها ، لماذا أتى بها للمحل كأنها خطيبته ؟!
حسنًا ، هي حقًا خطيبته
لكن ليس هذا ما تقصده ، من المفترض أن هذا الزواج على الورق فقط ، لماذا بدأت تحس أن الموضوع يأخذ منحى آخر؟!
" بما أن الزفاف بعد أسبوع ، أظنه الوقت المناسب لإختيار خاتم الزواج"
قال إدريان و هو يتقدم نحو المحل بخطوات ثابتة ، لحقت به سيليا قائلة:
" كان بإمكاني إختياره وحدي ، إستعراض الخطيب الشهم لا فائدة منه"
توقف إدريان فجأة و رمقها بنظرة جانبية و هو يقول بنبرة جادة:
" ربما بالنسبة لكم ، لكن عند آل درافان هذا الذي تسمينه إستعراضًا هو مسؤولية"
أكمل جملته و تابع سيره نحو المدخل ، وقفت سيليا مكانها لوهلة قبل أن تتبعه و من خلفها كايل الذي بدأ يشد على أعصابه من طريقة كلام إدريان ، لكنه يكبح نفسه لأن سيليا قد طلبت منه قبل خروجهما ألّا يضخم أي شجار فقط لو هي فعلت
فتح البوّاب مدخل محل المجوهرات لهم ملقيًا التحية ، كان المحل يوحي بالفخامة و الرقي ، ناهيك عن التصاميم الفريدة من نوعها التي زينت كل زاوية منه
ثواني و كان الموظف أمامهم ببذلته الرسمية و إبتسامة مرحبة:
" سيد درافان ، أهلاً بكم "
أومأ له إدريان ثم قال :
" هل كل شيء جاهز ؟"
" طبعًا ، كما طلبت ، اتبعوني من فضلكم "
تقدم أمامهم الموظف ليقودهم إلى الطابق العلوي ، حيث وجدت أريكة فخمة تتوسط رفوف المجوهرات مع طاولة متوسطة الحجم أمامها ، أشار لهم بالجلوس ، جلست سيليا و بجانبها كايل ، أما إدريان ففضل الوقوف
أشار الموظف لمجموعة عاملين بيده ، فتقدم كل واحد منهم و هو يحمل صندوقًا فخمًا ، وضعوها أمامهم على الطاولة و كلٌ فتح الصندوق الذي أحضره
كل صندوق كان يحتوي مجموعة خواتم ذات تصاميم و ألوان مختلفة ، لمعانها الشديد جعل سيليا بالكاد تستطيع التفرقة بينهم
" هذه أندر جواهرنا ، صنعت بعناية فائقة ، اختاري ما يعجبك يا آنسة"
قالها الموظف متفاخرًا بمكانة محلهم ، و فعلًا تلك الجواهر المرصعة تبدو ساحرة للأنظار لدرجة أن الإختيار بينهم صعب جدًا
تقدمت موظفة أخرى إلى جانب سيليا و بدأت تريها مواصفات كل خاتم لمساعدتها على الإختيار ، لكن سيليا تمتلك ذوقًا صعبًا
" ما رأيك بهذا سيدتي "
" لم يعجبني"
" ماذا عن هذا"
" لا أريد اللون الكلاسيكي الأبيض"
" حسنًا ، و هذا "
" مبالغ فيه"
" هذا صنع بحجر نادر "
" كبيرة جدًا"
" هذا ذو تصميم مميز "
" شكله غير مناسب "
ظلت على هذه الحال ساعة كاملة ، الموظفة بدأت تشعر بالإنهاك ، و كايل استند واضعًا كفه على خده و هو يشتم اللحظة التي وافق فيها على القدوم ، و الموظف كاد ينام من مراقبة انتقالها بين الخواتم ، بقية الموظفين كانوا حائرين بذوقها الصعب و كلما رفضت خاتمًا زادت حيرتهم
في حين كان إدريان يراقب كل تفصيل تذكره بتمعن ، و أحيانًا كان يبتسم إبتسامة جانبية
إنتهت كل الخواتم التي عرضوها عليها ، حقًا لو رآها مصممو هذه الخواتم و سمعوا انتقادها لتحفهم الفنية لما خرجت حية
نظر الموظف نحو إدريان الذي أومأ له إماءة خفيفة ففهم الموظف قصده و قصد إحدى الخزائن الموضوعة على الرف ، فتحها و أخرج منها علبة خاتم مخملية
تقدم أمامهم بهدوء و قال واضعًا العلبة أمام سيليا مباشرة:
" هذا أحد قطعنا المميزة ، صنعت على يد أفضل حِرفي مجوهرات في البلاد ، و بطلب خاص من السيد درافان"
توجهت أنظارها نحو إدريان الذي لم يحمل وجهه أي تعبير معين ، ثم أعادت أنظارها للعلبة و أخذتها من الطاولة فاتحة إيّاها
كان خاتمًا ذهبيًا فاخرًا بتصميم طبيعي أنيق و حجر أخضر لافت ، ليس مبالغًا فيه بل بسيط بفخامة ، تفاصيله صغيرة و متقنة ، لم تستطع سيليا إخفاء إعجابها به ، أخرجته من علبته و ارتدته بحذر ، و قالت بنبرة لطيفة:
" بسيط لكن جذّاب ، يجمع بين الفخامة و الرقة ، و النظر له يخطف الأنفاس"
" كعيناكِ "
أردف إدريان بهدوء ، رافعًا نظر سيليا نحوه ، التقت أعينهما في لحظة بدت لهما ساعات ، هو غاص في جمال عينيها و هي غاصت في كلامه
" احم احم "
تداركا وضعهما بعد همهمة كايل الذي نظر لهما بريبة ، ثم ثبّت نظراته على إدريان منتظرًا منه تفسيرًا لجملته الأخيرة ، فهم إدريان فورًا قصده ، فقال بنبرة هادئة:
" كنت أقصد لون الحجر ، إنه أخضر "
أعاد كايل نظراتها للأمام مقلبًا عينيه ، طبعًا لا يصدقه ، يشعر بشيء غريب بينهما لكنه لا يملك دليلًا قاطعًا
" هل أعجبك آنسة كاروفا ؟ "
سأل الموظف بترقب جاذبًا انتباه سيليا المرتبكة ، من جهة تكره فكرة إرتداء خاتم طلبه إدريان خصيصًا لها ، و من جهة أخرى تعلم أنها لن تجد مثله خصوصًا مع ذوقها الصعب
" أجل ، سآخذه "
ردّت أثناء وضعها للخاتم في علبته ، فيردف الموظف بحماس:
" ممتاز ، اختيار مميز ، سأضبه لكم"
ثم أخذ العلبة و سار عائدًا للطابق الأرضي ، و ساروا هم من خلفه ، وصلوا أمام منضدة المحاسبة حيث وضع لهم الموظف علبة الخاتم في كيس فاخر ، و مدّ إدريان له بطاقة إئتمانه للدفع
أخذوا الكيس و خرجوا من المحل ، و ما إن خطوا أول خطوة إذ بمجموعة صحفيين أمامهم ، أنوار الكاميرات في كل مكان و كل صحفي يسأل سؤاله طالبًا الجواب
" سيد إدريان هل إعلان الزواج صحيح ؟"
" هل حقًا الزفاف بعد أسبوع ؟"
" كيف تجاوزتم العداوة بين العائلتين؟ "
" لماذا أخفيتما علاقتكما "
لا يوجد طريق فارغ لكي يصلوا نحو السيارة ، و حراسهم يحاولون التقدم نحوهم بصعوبة ، نظر إدريان لسيليا ففهمت ما يريده و أماءت له موافقة ، فتقدم إدريان نحوهم و هي بجانبه و قال بصوته الذي يبث بالهيبة:
" نعم ، الإعلان صحيح ، نحن سنتزوج و الزفاف بعد أسبوع"
" أدريمارا كلها تعلم بأن آل كاروفا و آل درافان تجمعهم عداوة ، ماذا تقولان عن هذا الموضوع؟"
" بصراحة ، بعد نقاشات عديدة، اتفقت العائلتان على إنهاء العداوة و حل هذا الخلاف، لذا يمكننا القول أن آل كاروفا و آل درافان لم يعودوا أعداء"
هذه المرة سيليا هي التي صرّحت
" متى بدأت علاقة حبكما ؟"
ارتبك الإثنان أمام هذا السؤال ، و نظرا لبعضهما في وقت واحد ، كلمة'حبكما' لامست شيئًا داخلهما ، شعور خفي نهض فجأة في قلبهما ، لم يستطيعا حتى سماع الاسئلة التي طرحها بقية الصحفيين ، كأنهما وضعا في موقف لطالما قيّد عقليهما
لحسن الحظ ، تمكن الحراس من الوصول إليهم و بدأوا بفتح طريق لهم نحو السيارة
" سيليا ، هيا "
أخرجها صوت كايل من حالتها تلك ، و سارت معهم نحو السيارة تحت حماية الحراس الذين أبعدوا الصحفيين ليتمكنوا من المغادرة
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.