كبرياء
كبرياء
جزء 3 من 5
وضع القراءة:

2~لِــقَـاء

" آنسة سيليا ، نحن على وشك الهبوط ارتدي الحزام من فضلك "
قالتها المضيفة بنبرة لطيفة و إبتسامة مجاملة
فأومأت سيليا إماءة خفيفة و ربطت حزامها
بينما ذهبت المضيفة لمقعد الطاقم و ما إن جلست قرب زميلتها سألتها و هي تتفحصها :
" ماذا فعلت ؟ صرخت في وجهك ؟ تذمرت من نوعية العصير ؟ ألقت المجلات على الأرض ؟"
" لا شيء ! "
قالتها بإستغراب كأنها لا تصدق ما حدث
" لا شيء ؟! كيف ؟ لماذا ؟ "
أردفت زميلتها بتفاجؤ لا يقل عن الأولى ، ثم إلتفتتا نحو مقعد سيليا في آنٍ واحد بنظرات مترقبة لأي حدث غريب ، لكن لا شيء ، تفاجؤهما ليس بأمر غريب ، بل الغريب هو أن سيليا لم تتكلم طول رحلة الثلاث ساعات ، فهي لا تنهي رحلة دون إفتعال مشكلة مع الطاقم ، مرة بسبب العصير ، و مرة بسبب الوسائد ، حتى أنها تشاجرت مع الطيّار لأنه تأخر عن موعد الوصول بثلاث دقائق فقط !
هي هكذا من صغرها ، التفاصيل الضئيلة التي لا ينتبه لها أحد و قد تبدو تافهة ، بالنسبة لها هي كافية لإعلان حرب
لكن هذه المرة هي هادئة ، هادئة بشكل مخيف تحدق في السراب كأنها تترقب اللحظة التي ستقلب هذا الهدوء إلى عاصفة ، مظهرها يوحي بالسكون ، أما عقلها فهو مليء بالصراعات
هل تفكر بالأمر الهام الذي استدعتها جدتها من أجله ؟
أم تفكر بالإجتماع الذي ستحضره ميليس مع المستثمر الجديد ؟
أم تفكر بإحتمالية مقابلة والدتها التي لم ترها منذ مدة ليست بقصيرة ؟
.
.
.
.
.
.
.
.
أخيرا حطّت طائرتها الخاصة في المهبط بسلاسة حتى توقفت عند مكانها المخصص ، فتح باب الطائرة ببطء لتظهر سيليا من داخلها تقف أمام درج الهبوط و تمعن النظر إليه ، أخذت نفسًا عميقًا تجمع به أفكارها ، ثم رفعت رأسها بينما تعدل غُرتها السوداء ، هبطت الدرج بثبات و صوت كعبها العالي يُسمع عن بعد أمتار
" مرحبًا مجددًا يا مدينة أدريمارا "
قالتها سيليا بتنهيدة تحمل كمية الإنكسارات التي عاشتها فيها
أدريمارا مدينة عريقة يحمل إسمها معنى 'المدينة التي تخفي الدموع في أعماقها ' حيث يُحكى أنها كانت قديمًا مملكة يعُمُها السرور حتى جاءت حرب كبيرة أسقطتها و حولت ذكرياتها الجميلة إلى رُكام و الناجي الوحيد كان الأمير الذي شهد موت عائلته و شعبه أمام عينيه ، بعدها سُمِي المكان بهذا الإسم لأن الأسطورة تقول أن الأمير الناجي بكى لدرجة أن الأرض إمتلأت بدموعه اليائسة أكثر من الدماء البريئة التي سفكت عليها ثم أنهى حياته بيده دليلًا على شعوره بالخزي لكونه لم يتمكن من حماية أحد
حركت رأسها يمينًا و يسارًا باحثة عن سيارة العائلة و السيد بروس الذراع الأيمن لعائلة كاروفا ، و الذي من المفترض أن يكون حاضرًا لإستقبالها لكنه ليس موجودًا
عقدت سيليا حاجبيها في إستغراب شديد و نظرت إلى ساعتها الفاخرة تتفقد الوقت ، إنه موعد وصولها بالتحديد و السيد بروس ليس الذي يفوت مواعيده دون سابق إنذار ، هناك خطب ما
" أهلاً أهلاً بزوجتي المستقبلية"
دوى صوت رجولي من خلفها جعل أنفاسها تنحبس داخل رئتيها ، و عينيها الخضراوان تتوسعان بعدم تصديق ، ليس من الجملة التي قالها ، بل من الصوت الذي سمعته ، ذاك الصوت تعرفه جيدًا ، من المستحيل أن تخلط بينه و بين صوت آخر ، لكنها في أعماقها تتمنى حقًا أنها مخطئة
إلتفتت ببطء شديد و هي تدعو أن لا يكون الشخص الذي خلفها هو نفسه من تظنه ، لكنه كان هو فعلا إنه هو أمامها الآن بزِيّه الأسود و شعره البني و وقفته المهيبة
إدريان درافان ، الحفيد الأكبر لعائلة درافان ، و كذلك أحد أفراد العائلة التي تربطها بعائلة كاروفا عداوة شديدة منذ عقود ، بإبتسامته المستفزة يقف أمامها وسط ذهولها
مهلاً ، مهلاً
بماذا ناداها ؟!
زوجته المستقبلية ؟!!
حتمًا لقد جُنّ
إن كانت هذه مزحة فمن الأفضل له أن يوقف قبل أن يخسر حياته على يدها
رسمت على وجهها تعابير البرود مجددًا و أخذت ترمقه بنظرات الإستصغار بينما قالت :
" يا للأسف يا إدريان لطالما أخبرت الجميع أنك معتوه لكنني لم أتخيل أنك وصلت لهذه المرحلة من الجنون "
أطلق ضحكة مستهزئة و هو يقلب عينه ، بالطبع لم يتوقع لقاءً حميميا معها
" لا سيليا ليس من اللطيف أن تنعتي زوجك المستقبلي بالمجنون"
أردف و هو ينظر لها بنظراته المستفزة ، لقد نجح في إثارة غضبها ، هي غاضبة ، لا ، بل تستشيط غضبًا ، لازال يذكر سيرة الزواج الغبية ، قالت بينما تسير مبتعدة عنه :
" توقف عن التفوه بالتُراهات و إبتعد من أمامي قبل أن أرتكب جريمة "
" حسنًا هيا بنا "
" ماذا ؟! "
توقفت عن السير فجأة و نظرت له بنظرات حيرة ، هل هو جادٌ الآن أم يحاول اختبار صبرها ، لا يهم في الحالتين ستقتله ، كانت ستصرخ في وجهه لولا تلقيها إتصال على هاتفها
نظرت لشاشة هاتفها لترى أنّ جدتها هي من تتصل ،ابتعدت قليلا عنه و حاولت أن تهدأ قبل الضغط على زر الرد ، و ما إن قرّبت الهاتف لمسمعها حتى أتاها صوت جدتها:
" إركبي معه "
" ماذا ؟ ... هل تدركين ما الذي تقولينه الآن "
" سيليا عزيزتي ، افعلي ما أقوله لا تقلقي"
" أنت تطلبين مني الركوب مع أحد أفراد آل درافان و تريدين مني ألّا أقلق ! "
" عندما تصلين للمنزل سنتحدث و ستفهمين ما يحدث "
" لكن ..."
أغلقت الخط ، و تركتها تغوص في دوامة تساؤلاتها
ما الذي يحدث بحق ؟
" حقائبك أصبحت في السيارة ، اصعدي لقد تأخرنا بيما فيه الكفاية"
أتاها صوته من داخل سيارته السوداء ، أخذت نفسًا عميقًا تحاول تمالك نفسها ، الأمر ليس مجرد دعوة عادية، هناك شيء أكبر بكثير و هي على وشك معرفته
توجهت نحو السيارة و ركبت في المقعد الذي بجانب السائق ، وضعت حزام الأمان ، ثم إنطلقا
هي تعرف إلى أين ذاهبة و لا تعرف في نفس الوقت......
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.