3~صُـــلْــح
أحيانًا تجبرك الحياة على إتخاذ قرارات و سلك طرق لم تكن يومًا تتمناها ، ليس عقابًا ، ولا تأنيبًا ، إنّه القدر ، و لا أحد يستطيع رفضه ...
هناك في تلك الغرفة ، صمت مهيب يسكن الأرجاء بعد الجملة التي قالها السيد آلفرد لسيليا ، أو بالأحرى القنبلة التي فجرها داخل عقلها ، مظهرها يوحي بثباتها لكنها من الداخل كأن بركان قد إنفجر ، كلماته تتكرر في ذهنها مرارًا و تكرارًا ، عقلها في حالة ذروة ، و قلبها يُنكِر الأمر
ربما لم تسمع جيدًا
أو تخيلت هذه المحادثة
أكيد ، فهي لم تنم جيدًا
هي تهلوس
لن تتزوج به
صحيح ؟!
نظرت نحو جدتها ، إذ هي تنظر لها بنظرة مترقبة ، تنتظر منها ردة فعل ، إذن الأمر جِديٌ هي لا تهلوس ، كل هذا حقيقي ، الكابوس الذي لم تتجرأ حتى بالتفكير به يتحقق الآن
حسنًا بدأت في الغرق بأفكارها السلبية
أدارت وجهها نحو الجالس بجانبها ، لتراه جالسًا بهدوء مريب ، كأن الموضوع لا يخصه إطلاقًا ، لم يختلس نظرة واحدة نحوها حتى أي نوع من البرود هذا ؟!
مجيؤه للمطار لإصطحابها ، منادته لها بـزوجتي ، و صمته الآن ، حتمًا كان يعرف بالموضوع منذ مدة ليست بقليلة
لقد غرقت أكثر بأفكارها ، و شعور غريب بدأ يتسلل في أعماقها
أ هو إرتباكها من الموضوع ؟
أم غضبها من جدتها ؟
أو خوفها من الأمور المخفية خلف هذا الزواج ؟
أو ربما ،،، شعور جديد لم تعشه من قبل
لاحظت جدتها ضياعها الذي لا يبشر بالخير فقررت كسر هذا الصمت :
" سيليا ، أعلم أن الأمر غريب ، خاصة لو نظرنا للأوضاع الحالية بين العائلتين لكن..."
" غريب فقط ؟! ما تقولونه جنون ! "
قاطعتها سيليا بصوتها الذي يعكس محاولتها في كبح غضبها ، ثم أكملت :
" هل تستوعبين أنّه يتم طلب يدي للزواج من أحد أفراد آل درافان الذين من المفترض أننا في عداوة معهم "
" هذه العداوة ستنتهي"
قالها السيد آلفرد بنبرة حازمة و هو يوجه نظره لمقبض عصاه ، ثم رمقها بنظرة صارمة ليكمل :
" نحن نريد صلحاً ، و أنتما ستحققانه "
" صلح ؟"
سألت مستغربة الأمر ، لتنظر لجدتها و تجدها تومئ لها بصدق نواياهم ، لكنها لازالت رافضة للأمر ، ليس فقط لشعورها بالإستغلال ، ما زاد الأمر هو الشخص الذي يُعد(زوجها المستقبلي)
هي تكره إدريان كرهًا لا تسعه الكرة الأرضية ، و الأمر لا يتعلق فقط بالعداوة بين العشيرتين ، في الحقيقة هي لم تهتم يومًا بالعلاقة السيئة التي تربط عائلتها مع عائلة درافان ، الأمر يتعلق به مباشرة إدريان ، هي تراه مزيجًا من الصفات التي تكرهها ، مزعج ، مغرور ، ليس جذّابًا لتلك الدرجة التي تتحدث عنها الفتيات _هذه كذبة_ و الأسوء برودة أعصابه المستفزة
بالطبع لن تتزوجه ، تفضل الموت على ذلك ، رفعت رأسها و قلبت ناظريها بين جدتها و السيد آلفرد ثم نطقت:
" إذن دعني أجيب طلبك سيد آلفرد "
صمتت قليلا و هي ترا إستغرابهما ، لتكمل:
" أنا أرفض حفيدك "
" و من قال أنّنا طلبنا رأيك ؟ "
أتاها صوت الجالس بجانبها كالصاعقة التي زعزعت تماسكها ، نظرت نحوه بصدمة لتراه يرمقها بنظرة باردة لا تحمل أي مشاعر ، ظل صامتًا منذ دخولهما و لم يتفوه بحرف واحد حتى سمع رفضها فقط ليغيضها ، هي تعلم ذلك و تستشيط غضبًا منه و حين همّت للرد عليه ، أتاها صوت جده قائلًا :
" أرى أنّك لم تفهمي الموضوع كما ينبغي ، لابأس "
ثم وقف من مقعده وهو يرتكز على عكازه لينهض إدريان هو الآخر ، ثم أكمل :
" ستشرح لك جدتك الأمر أمّا نحن سنغادر الآن لكن لقاؤنا القادم قريب "
أنهى جملته ثم همّ بالخروج و من خلفه حفيده الذي نظر نظرة خاطفة لها قبل أن يغلق الباب خلفه
نظرت جدتها ماري لها نظرة تحمل الأسف و الخيبة في آنٍ واحد ، هي تتفهم موقفها لكنها إعتقدت أنّها ستفكر في مصلحة العشيرتين أولًا ، عندما لاحظت سيليا نظراتها أردفت بإندفاع :
" لا تنظري لي هكذا ، ماذا كنتي تتوقعين ؟! أن أفرح مثلا ! "
أخرجت جدتها زفيرًا يعبر عن الحمل الثقيل الذي تتحمله ، ربما تسرعت سيليا بردة فعلها ، لكن لا يمكن لومها على ذلك ، العداوة بين العشيرتين ليست ذنبها حتى تصلحه ، تتمنى لو يوجد حل آخر لتصفية هذه العداوة لكن هيهات
" هذا الزواج سيتم"
قالتها ماري كاروفا بنبرة جادة ، نفس النبرة التي جلبت سيليا لمدينة أدريمارا ، تلك النبرة التي لطالما قيّدتها ، نظرت نحو جدتها نظرة إستنكار
هل تحاول إجبارها ؟
" إن كنتم مُصرّين على هذا الصلح فدعيهم يختارون عروسًا أخرى لحفيدهم ، لستُ الحفيدة الوحيدة لهذه العائلة"
" صحيح ، لستِ الوحيدة ، لكنك الأولى"
عقدت سيليا حاجبيها بعد مقولة جدتها ، ما الفرق لو كانت الأولى أو الأخيرة ، هذا سخيف ، أرادت الرد عليها لكنها سبقتها قائلة :
" وريث آل درافان سيتزوج أكبر حفيدات آل كاروفا ، هكذا عادات الصلح"
" لكنني لست....."
لم تكمل جملتها حين وعت بالذي تقوله ، كادت تعترف بحقيقة أنكرتها لسنوات و لن تفعل ذلك مهما كان الثمن ، فهمت جدتها ما كانت ستقوله و قالت :
" كنتي كذلك ، لكن الآن أنت من آل كاروفا"
حركت سيليا رأسها رافضة للأمر ، لقد أمسكتها من اليد التي تؤلمها ، لا مفر من موضوع الزواج ، نطقت جدتها لتخرجها من أعماق تفكيرها :
" هذه ليست مسألتك وحدك ، هذه قضية تتعلق بمستقبل العشيرتين ، العداوة وصلت لحد مخيف ، قد تسفك دماء مجددًا "
" مجددًا ؟ "
سألت مستغربة ، فعلى حد علمها أن العشيرتين لم تتواجها بالقوة من قبل
بدا التوتر في عيني جدتها ، لكن سرعان ما تداركت الوضع قائلة :
" أقصد أنّ معظم العشائر في البلاد سفكت دماء بعضها ، و نحن لا نريد ذلك ، صحيح أنني ضمنت بقاء أخوالك بعيدًا عن عائلة درافان ، لكنني لن أعيش للأبد يا سيليا"
" ما هذا الكلام ؟ أرجوك لا تتكلمي هكذا صحتك جيدة ، أم تعانين من شيء ؟! "
قالت جملتها الأخيرة بنبرة خائفة و هي تتفقد ملامح جدتها ، لتوقفها بإبتسامة حنونة و هي تقول :
" أنا بخير ، فقط أقول الحقيقة ، لا أحد يضمن العيش للأبد ، و أنا لست استثناء ، هل فهمتي الآن المغزى من هذا الزواج ؟ "
ظلت سيليا ساكتة بملامح تعكس ضيقها ، لتكمل جدتها:
" حسنًا ، لقد أتعبك السفر ، إذهبي لغرفتك و ارتاحي قليلا ، نتكلم لاحقًا "
أومأت سيليا لها ثم إلتفتت نحو الباب بخطوات بطيئة ، مشت في الرواق نحو الدرج ، و عقلها لا ينفك يفكر بالموضوع ، هي عالقة حقًا بين أفكارها ، من جهة ترى كلام جدتها منطقي ، لكن فكرة أنها ستربط إسمها بعدوها تجعلها تتراجع
لم تشعر كيف وصلت لغرفتها و دخلتها ، حقائبها مفرغة لابد أنّ لولا رتّبت أغراضها في خزانتها السوداء الموضوعة بجانب حمامها الخاص ، نظرت نحو سريرها الذي يتوسط غرفتها البيضاء بفراشه البني الفخم ، نزعت كعبها العالي ، و مشت نحوه بخطوات متكاسلة
رمت بجسمها في السرير ، عدّلت وسادتها ، محاولة إسكات أفكارها ، شيئا فشيئا بدأت تغوص في نومها و عيناها الخضراوتان يثقلهما التعب ، أغلقتهما و هي تدعو أن يكون يومها مجرد كابوس و ستستيقظ في منزلها على صوت صديقتها ميليس المتذمر من نومها في الصباح
لَــكِـن لِـلْــقَـدَر رَأيٌ آخَــر
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!