كبرياء
كبرياء
جزء 5 من 5
وضع القراءة:

3~صُـــلْــح

أحيانًا تجبرك الحياة على إتخاذ قرارات و سلك طرق لم تكن يومًا تتمناها ، ليس عقابًا ، ولا تأنيبًا ، إنّه القدر ، و لا أحد يستطيع رفضه ...
هناك في تلك الغرفة ، صمت مهيب يسكن الأرجاء بعد الجملة التي قالها السيد آلفرد لسيليا ، أو بالأحرى القنبلة التي فجرها داخل عقلها ، مظهرها يوحي بثباتها لكنها من الداخل كأن بركان قد إنفجر ، كلماته تتكرر في ذهنها مرارًا و تكرارًا ، عقلها في حالة ذروة ، و قلبها يُنكِر الأمر
ربما لم تسمع جيدًا
أو تخيلت هذه المحادثة
أكيد ، فهي لم تنم جيدًا
هي تهلوس
لن تتزوج به
صحيح ؟!
نظرت نحو جدتها ، إذ هي تنظر لها بنظرة مترقبة ، تنتظر منها ردة فعل ، إذن الأمر جِديٌ هي لا تهلوس ، كل هذا حقيقي ، الكابوس الذي لم تتجرأ حتى بالتفكير به يتحقق الآن
حسنًا بدأت في الغرق بأفكارها السلبية
أدارت وجهها نحو الجالس بجانبها ، لتراه جالسًا بهدوء مريب ، كأن الموضوع لا يخصه إطلاقًا ، لم يختلس نظرة واحدة نحوها حتى أي نوع من البرود هذا ؟!
مجيؤه للمطار لإصطحابها ، منادته لها بـزوجتي ، و صمته الآن ، حتمًا كان يعرف بالموضوع منذ مدة ليست بقليلة
لقد غرقت أكثر بأفكارها ، و شعور غريب بدأ يتسلل في أعماقها
أ هو إرتباكها من الموضوع ؟
أم غضبها من جدتها ؟
أو خوفها من الأمور المخفية خلف هذا الزواج ؟
أو ربما ،،، شعور جديد لم تعشه من قبل
لاحظت جدتها ضياعها الذي لا يبشر بالخير فقررت كسر هذا الصمت :
" سيليا ، أعلم أن الأمر غريب ، خاصة لو نظرنا للأوضاع الحالية بين العائلتين لكن..."
" غريب فقط ؟! ما تقولونه جنون ! "
قاطعتها سيليا بصوتها الذي يعكس محاولتها في كبح غضبها ، ثم أكملت :
" هل تستوعبين أنّه يتم طلب يدي للزواج من أحد أفراد آل درافان الذين من المفترض أننا في عداوة معهم "
" هذه العداوة ستنتهي"
قالها السيد آلفرد بنبرة حازمة و هو يوجه نظره لمقبض عصاه ، ثم رمقها بنظرة صارمة ليكمل :
" نحن نريد صلحاً ، و أنتما ستحققانه "
" صلح ؟"
سألت مستغربة الأمر ، لتنظر لجدتها و تجدها تومئ لها بصدق نواياهم ، لكنها لازالت رافضة للأمر ، ليس فقط لشعورها بالإستغلال ، ما زاد الأمر هو الشخص الذي يُعد(زوجها المستقبلي)
هي تكره إدريان كرهًا لا تسعه الكرة الأرضية ، و الأمر لا يتعلق فقط بالعداوة بين العشيرتين ، في الحقيقة هي لم تهتم يومًا بالعلاقة السيئة التي تربط عائلتها مع عائلة درافان ، الأمر يتعلق به مباشرة إدريان ، هي تراه مزيجًا من الصفات التي تكرهها ، مزعج ، مغرور ، ليس جذّابًا لتلك الدرجة التي تتحدث عنها الفتيات _هذه كذبة_ و الأسوء برودة أعصابه المستفزة
بالطبع لن تتزوجه ، تفضل الموت على ذلك ، رفعت رأسها و قلبت ناظريها بين جدتها و السيد آلفرد ثم نطقت:
" إذن دعني أجيب طلبك سيد آلفرد "
صمتت قليلا و هي ترا إستغرابهما ، لتكمل:
" أنا أرفض حفيدك "
" و من قال أنّنا طلبنا رأيك ؟ "
أتاها صوت الجالس بجانبها كالصاعقة التي زعزعت تماسكها ، نظرت نحوه بصدمة لتراه يرمقها بنظرة باردة لا تحمل أي مشاعر ، ظل صامتًا منذ دخولهما و لم يتفوه بحرف واحد حتى سمع رفضها فقط ليغيضها ، هي تعلم ذلك و تستشيط غضبًا منه و حين همّت للرد عليه ، أتاها صوت جده قائلًا :
" أرى أنّك لم تفهمي الموضوع كما ينبغي ، لابأس "
ثم وقف من مقعده وهو يرتكز على عكازه لينهض إدريان هو الآخر ، ثم أكمل :
" ستشرح لك جدتك الأمر أمّا نحن سنغادر الآن لكن لقاؤنا القادم قريب "
أنهى جملته ثم همّ بالخروج و من خلفه حفيده الذي نظر نظرة خاطفة لها قبل أن يغلق الباب خلفه
نظرت جدتها ماري لها نظرة تحمل الأسف و الخيبة في آنٍ واحد ، هي تتفهم موقفها لكنها إعتقدت أنّها ستفكر في مصلحة العشيرتين أولًا ، عندما لاحظت سيليا نظراتها أردفت بإندفاع :
" لا تنظري لي هكذا ، ماذا كنتي تتوقعين ؟! أن أفرح مثلا ! "
أخرجت جدتها زفيرًا يعبر عن الحمل الثقيل الذي تتحمله ، ربما تسرعت سيليا بردة فعلها ، لكن لا يمكن لومها على ذلك ، العداوة بين العشيرتين ليست ذنبها حتى تصلحه ، تتمنى لو يوجد حل آخر لتصفية هذه العداوة لكن هيهات
" هذا الزواج سيتم"
قالتها ماري كاروفا بنبرة جادة ، نفس النبرة التي جلبت سيليا لمدينة أدريمارا ، تلك النبرة التي لطالما قيّدتها ، نظرت نحو جدتها نظرة إستنكار
هل تحاول إجبارها ؟
" إن كنتم مُصرّين على هذا الصلح فدعيهم يختارون عروسًا أخرى لحفيدهم ، لستُ الحفيدة الوحيدة لهذه العائلة"
" صحيح ، لستِ الوحيدة ، لكنك الأولى"
عقدت سيليا حاجبيها بعد مقولة جدتها ، ما الفرق لو كانت الأولى أو الأخيرة ، هذا سخيف ، أرادت الرد عليها لكنها سبقتها قائلة :
" وريث آل درافان سيتزوج أكبر حفيدات آل كاروفا ، هكذا عادات الصلح"
" لكنني لست....."
لم تكمل جملتها حين وعت بالذي تقوله ، كادت تعترف بحقيقة أنكرتها لسنوات و لن تفعل ذلك مهما كان الثمن ، فهمت جدتها ما كانت ستقوله و قالت :
" كنتي كذلك ، لكن الآن أنت من آل كاروفا"
حركت سيليا رأسها رافضة للأمر ، لقد أمسكتها من اليد التي تؤلمها ، لا مفر من موضوع الزواج ، نطقت جدتها لتخرجها من أعماق تفكيرها :
" هذه ليست مسألتك وحدك ، هذه قضية تتعلق بمستقبل العشيرتين ، العداوة وصلت لحد مخيف ، قد تسفك دماء مجددًا "
" مجددًا ؟ "
سألت مستغربة ، فعلى حد علمها أن العشيرتين لم تتواجها بالقوة من قبل
بدا التوتر في عيني جدتها ، لكن سرعان ما تداركت الوضع قائلة  :
" أقصد أنّ معظم العشائر في البلاد سفكت دماء بعضها ، و نحن لا نريد ذلك ، صحيح أنني ضمنت بقاء أخوالك بعيدًا عن عائلة درافان ، لكنني لن أعيش للأبد يا سيليا"
" ما هذا الكلام ؟ أرجوك لا تتكلمي هكذا صحتك جيدة ، أم تعانين من شيء ؟! "
قالت جملتها الأخيرة بنبرة خائفة و هي تتفقد ملامح جدتها ، لتوقفها بإبتسامة حنونة و هي تقول :
" أنا بخير ، فقط أقول الحقيقة ، لا أحد يضمن العيش للأبد ، و أنا لست استثناء ، هل فهمتي الآن المغزى من هذا الزواج ؟ "
ظلت سيليا ساكتة بملامح تعكس ضيقها ، لتكمل جدتها:
" حسنًا ، لقد أتعبك السفر ، إذهبي لغرفتك و ارتاحي قليلا ، نتكلم لاحقًا "
أومأت سيليا لها ثم إلتفتت نحو الباب بخطوات بطيئة ، مشت في الرواق نحو الدرج ، و عقلها لا ينفك يفكر بالموضوع ، هي عالقة حقًا بين أفكارها ، من جهة ترى كلام جدتها منطقي ، لكن فكرة أنها ستربط إسمها بعدوها تجعلها تتراجع
لم تشعر كيف وصلت لغرفتها و دخلتها ، حقائبها مفرغة لابد أنّ لولا رتّبت أغراضها في خزانتها السوداء الموضوعة بجانب حمامها الخاص ، نظرت نحو سريرها الذي يتوسط غرفتها البيضاء بفراشه البني الفخم ، نزعت كعبها العالي ، و مشت نحوه بخطوات متكاسلة
رمت بجسمها في السرير ، عدّلت وسادتها ، محاولة إسكات أفكارها ، شيئا فشيئا بدأت تغوص في نومها و عيناها الخضراوتان يثقلهما التعب ، أغلقتهما و هي تدعو أن يكون يومها مجرد كابوس و ستستيقظ  في منزلها على صوت صديقتها ميليس المتذمر من نومها في الصباح
             لَــكِـن لِـلْــقَـدَر رَأيٌ آخَــر
  🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.