تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة للكبار +18 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
ركوع الشياطين تحت العرش 👑🩸
شقت المركبة المصفحة الفولاذية الطريق السريع الذي يؤدي لقلب روما كأنها تابوت فولاذي يقتحم أروقة التاريخ. كان المطر الغزير يطرق على زجاج النافذة التي هي مضادة للرصاص بشكل منتظم، محولا بذلك أضواء الشوارع البعيدة لبقع حمراء و سطحية تشبه بقعا من الدم الذي تخثر. أما بداخل العربة، فرائحة الجلد الفاخر التي امتزجت برائحة البارود و المطهرات الطبية و عبير الدم الدافئ الذي تسلل مجددا من حواف الضمادة العريضة من على كتف أليسيو.
أراحت إيزابيلا رأسها على كتفه بحذر بالرغم من أنه ليس الكتف المصاب، راقبته بصمت من طرف عينيها الشاحبتين. تلوثت أصابعها بغبار المرفأ و الرماد، تفحصت بلطف ظاهر الحافة الصلبة لقميصه التكتيكي الأسود الذي أخفى الخيوط المقطوبة حديثا و شظايا الجحيم الذي تناوله عوضا عنها.
"لماذا تحبس أنفاسك؟" سألت إيزابيلا بهمس يتخلله صوت المحرك الثقيل.
"أعلم أن القَطع الموضعي في ظهرك يجعلك تشعر وكأن هناك سكيناً محماة تُغرس مع كل نقطة تفتيش نعبرها." أعلنت بصوت مبحوح.
التفت أليسيو نحوها ببطء شديد، حركته تحمل قسوة التمثال الجرانيتي الذي يأبى الانكسار. انخفضت عيناه المظلمتان نحو وجهها، والتقطت شفته السفلى جفاف الرطوبة وهو يبتسم ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه المشتعلتين.
"إن كان هذا الجرح يزعجك بهذا القدر يا إيزي... ما رأيك أن تطلقي رصاصة في كتفي الآخر؟ هكذا لتكتمل اللوحة الفنية." رد عليها بصوت جاف يحمل التهكم القاتل الذي دائما ما كان يتقنه. ثم أضاف بصوت منخفض موجهه لها فقط.
"الألم لا يقتل الشياطين، ما يقتلهم هو أن ترفعي عينيكِ عني أو تتخيلي لثانية واحدة أنكِ خارج قبضتي يا لبوتي" غمز لها و ابتسامته لاتفارق شفتيه.
زفرت إيزابيلا بانزعاج، وأزاحت رأسها عن كتفه بحدة جعلت أليسيو يقطر زفيراً مكتوماً من بين أسنانه المغلقة، لكنها سارعت بإمساك ذراعه الثقيلة قبل أن يبتعد.
"هل آلمك ذلك يا أسدي؟" سألت باستفراز و نبرة سخرية كانتقام لما بدر منه. لتضيف: "طغيانك هذا ينقص من وقاره شيء واحد فقط يا إيفانوفيتش..." نطق اسم عائلته الروسي بنبرة ساخرة ومستفزة، متلقفة النظرة الحادة التي أومضت في حدقتيه. "أنك تتحدث عن القبضة والسيطرة وأنت لا تستطيع حتى الالتفات للوراء دون أن تتوسل لجرعة مورفين إضافية."
"إيفانوفيتش؟ هل تتمنين الموت؟ لا أحد نطق هذا الاسم و بقي حيا!" كرر أليسيو الاسم ببطء، وتسللت يده الضخمة ذات الأصابع المغطاة باللاصق الأسود لتقبض على ذقنها بصرامة دافئة، جاعلاً إياها تحدق في السواد السحيق لعينيه.
بدأتِ تعتادين على نبرة القيادة الروسية بسرعة... لكن لا تنسي أن هذا الـ 'إيفانوفيتش' هو نفسه الرجل الذي مسح المرفأ الشمالي من أجلكِ قبل ساعتين، وترك جوليان يجثو تحت قدميكِ كالكلب المذبوح."
"أنا لم أطلب منك المرفأ... كل ما أردته هو حوليان راكعا. هو من بدأ الأمر! فقط جعلني اركع لقنبلة! أنت استعراضي جدا. لما قد نحتاج لكل هذا... خمسون سيارة مصفحة؟ طائرات؟ أنت ذاهب لروما ليس لفتح قارة جديدة."
"و هل تظنين أنهم سيستمعون لي و يقدمون لي مشروبا؟" أجابها ببرود عسكري، ويده تنتقل من ذقنها لتمسك يدها المرتجفة الملتفة حول مسدس الـ Glock.
" العائلات الخمس تتحدث لغة واحدة فقط: لغة الإبادة الشاملة. وسيعلمون الليلة أن الدم الإيطالي الذي يجري في عروقهم ليس سوى مادة قابلة للاشتعال أمام النيران الروسية."
ساد الصمت لثوانٍ داخل السيارة، صمت محمل بثقل الأسرار التاريخية التي تكشفت في المركز الطبي. اقتربت إيزابيلا منه مجدداً، وزاحت بنظرها نحو الشاشة الإلكترونية المضاءة خفية على طبلون السيارة الأمامي، حيث كانت الخريطة الحرارية لروما تتوهج بنقاط حمراء متفرقة.
"كل ما أعرفه عنهم هو أسماؤهم فقط... أخبرني عنهم!" " العائلات الخمس التي باعت والدي والتي ظنت أن أليسيو فولكوف مجرد بيضة ذهبية يمكن كسرها عندما ينتهي دورها... أريد أن أعرفهم قبل أن أراهم ينزفون."
ارتخى ظهر أليسيو قليلاً على المقعد الفاخر، وعيناه تتأملان قطرات المطر المنزلقة على الزجاج. بدأ يتحدث بصوت خفيض، رخيم، يحمل نبرة قاضٍ يقرأ لائحة الاتهام الأخيرة قبل سحب المقصلة:
"عائلة فالكوني (falcone)... مجرد حفنة من الجبناء يسيطرون على البنوك و اختصاصهم تبييض الأموال في روما. على الأغلب تمويل سلاج جوليان كان من تدبيرهم هم. تحالفو مع الخونة لأني بعد والدي فرضنا نسبة أرباح قاسية عليهم، إضافة لحرمانهم من ادارة السوق الشرقي. كانوا يعتقظون أن برحيل والظي سيعودون للسلطة لكنهم صادفوني."
عائلة ديلوكا (Deluca)... ملوك الموانىء الجنوبية و سلسلة التوريد. ديلوكا هو من أعطى الأوامر لرجال المرفأ بإغلاق المسارات البحرية أمام سفن آل موريتي ليلة المذبحة الكبرى. كان يريد احتكار خطوط الملاحة في البحر المتوسط بأكملها، ورأى في والدكِ عقبة وفيّ خنجراً روسياً يجب استئصاله. ديلوكا هو من أعطى الأوامر لرجال المرفأ بإغلاق المسارات البحرية أمام سفن آل موريتي ليلة المذبحة الكبرى. كان يريد احتكار خطوط الملاحة في البحر المتوسط بأكملها، ورأى في والدكِ عقبة وفيّ خنجراً روسياً يجب استئصاله.
عائلة كابوني Caponie)...
عائلة رومانو (Romano)... أصحاب النفوذ السياسي والرشاوى القضائية. هم الأيدي الخفية التي كانت تمسح سجلات الجرائم وتضمن ألا تتدخل الشرطة أو السلطات عندما تحترق القصور المجاورة. رومانو كان يكره العرق الروسي في جسدي... كان يرى أن آل فولكوف هم طفيليات غريبة على المافيا الإيطالية التقليدية، وكان يتوق لليوم الذي يرى فيه دمائي تلوث البلاط الروماني.
عائلة روسي (Rossi)... العائلة التي انبثق منها فيكتور..." توقف أليسيو لبرهة، وانقبض فكه بقسوة أظهرت الشرايين البارزة على رقبته عند ذكر اسم فيكتور. "آل روسي هم العرش القديم الذي سحقه والدي بإراقة دماء هائلة قبل ثلاثين عاماً ليقيم إمبراطوريتنا. كان بقاياهم يخدمون تحت ظلي ويضمرون الثأر، واستخدموا فيكتور كحبل شنق يلفونه حول رقبتي.وأخيراً..."
ألتف أليسيو نحو إيزابيلا، وعيناه تعكسان حرقة مظلمة، " الفرع الخائن من عائلة موريتي (Moretti)... الشيوخ القدامى في عائلتكِ الذين اعتقدوا أن والدكِ كان ضعيفاً لأنه رفض الدخول في صفقات المخدرات الدولية. هم من فتحوا الأبواب الخلفية ليلة المذبحة وسمحوا للكلاب بالدخول."
عقدت إيزابيلا حاجبيها و انقبضت قبضتها الصغيرة على ابهمه حتى ابيضت براجمها. فالشياطين لم تكن غريبة اذن... فقد كانت تخت سقف والدها من البداية.
"الخائن ليس رجلا واحدا... بل كان الجميع." تمتمت بصوت لا يكاد يكون مسموعا. "الخمسة أرادوا موتي بعد والدي ليتحكموا في إيطاليا."
"تقصدين كانوا..." صحح لها أليسيو بنبرة جليدية.
"الليلة سيقظى على المجلس الأعلى لروما بأكمله. لن أترك رجلا يحمل هذه الأسماء يتنفس الهواء غدا. هذه ليست سياسة... هذه ذبيحة يقدمها أليسيو إيفانوفيتش فولكوف لمقدسته." وعدها ببرود و هدوء قاتلين.
"تكريما لي؟ ألا يعبر الرجال عن حبهم بورود و عشاء رومانسي؟" سألت بتهكم محاولاً تغطية الارتجاف الذي أحدثته كلماته في أعماق قلبها
اقترب أليسيو منها حتى أصبحت أنفاسه الحارقة تلامس وجنتها، ويده امتدت لتلف خصرها بقسوة تملك لا تقبل المساومة.
"توقف عن محاولة التمرد يا إيزي..." همس قرب شفتيها. "
"أنت تعلمين أنني لو أردت غسل ذنوبي لأحرقت العالم بأكمله وجلست أتفرج على الرماد. لكنني أفعل هذا لأنني وعدتك... ولأنك من طلب ذلك. إضافة... الأرض التي تطأها قدمك يجب ألا تحتوي على شخص واحد تجرأ على جعل عينيك تدمعان."
رفعت بصرها إليه وسط هذا الظلام الفوضوي، و وسط أصوات المحركات العسكرية التي تشق روما. شعرت بتركيبة غريبة مزجت بين الرعب والأمان معا. هذا الرجل كان الجحيم الكامل لكنه الجحيم الذي اختار أن يحترق من أجلها.
فجأة. اهتزت السيارة بشكل حاد عند الانحراف عبر البوابة الحجرية العتيقة لحي "تراستيفيري" التاريخي أين انقطعت الإشارات الضوئية بالكامل، ودوت أصوات انفجارات مكتومة في الأفق الداخلي للمدينة. دليل على أن قوات المافيا الروسية قد بدأت بالعمل مع حرس آل فولكوف بفرض الطوق الشامل على العاصمة.
السيارات المصفحة انتشرت في الساحات الرومانية القديمة. الشوارع كان خالية إلا من قطرات المطر الغزيرة أصبحت مسرحا للسيطرة الشاملة. تم قطع محطات الكهرباء الفرعية عن المربع الذي يضم 'قصر المجلس الأعلى' (Palazzo della Notte)، لتغرق المنطقة في ظلام دامس تخترقه فقط الكشافات الزرقاء العملية للشاحنات الروسية والطائرات المروحية التي بدأت تحلق على ارتفاع منخفض بين أسطح المباني الأثرية العتيقة.
أخرج القائد الروسي إيليا جهاز اللاسلكي، وتكلم بلهجة مكسورة عبر القناة المشفرة:
"سيد أليسيو... السيطرة الميدانية على روما اكتملت بنسبة ثمانين بالمئة. جميع المخارج النهرية والمداخل البرية و حتى الحوية مغلقة تماما. كل قادة العائلات الخمسة محاصرون في القاعة الكبرى للمجلس الأعلى... كانوا يجتمعون للاحتفال بنبأ موتك، إذ يدركوا أن أسطولنا الروسي في ساحاتهم إلا عندما قطعت الترددات."
ابتسم أليسيو ابتسامة مظلمة ليظهر أنيابه كالذئب جائع المفترس. فتح باب السيارة المصفحة، ليتسلل هواء روما البارد ورائحة المطر والبارود إلى الداخل.
"انزلي يا إيزي.." قال وهو يمد يده لها، والسلاح الآلي الثقيل يحمله بيده الأخرى برغم جراحه النازفة. "تعالي لتشفي غليلك... روما ستركع لك الليلة."
وقف القصر العتيق للمجلس الأعلى كشاهد سحري و مظلم على عقود من المؤامرات و الدماء التي ٱريقت خلف جدرانه الرخامية. الثريات الكريستالية الضخمة المتدلية من السقف كانت تتذبذب ببطء نتيجة الاهتزازات الناجمة عن تحليق المروحيات الروسية في الأعلى، بينما الضوء الأزرق الحاد للكشافات التكتيكية يمر عبر النوافذ الزجاجية الملونة ليرسم ظلالاً مرعبة على الأرضية الرخامية.
في قلب القاعة الكبرى، على طول الطاولة البيضاوية المصنوعة من الخشب الملكي الثقيل، جلس قادة الخائلات الخمسة جميعهم معا. فوجوههم الخمسينية والستينية، التي تدير إمبراطوريات المافيا في إيطاليا ببنود صلبة وأوامر لا ترد، كانت الآن مغطاة بطبقات من العرق البارد والرعب الهستيري الساري في قلوبهم.
أما حول تلك الطاولة. جثا عشرات من حراسهم المرتزقة على ركبهم و أيديهم خلف رؤوسهم تحت تهديد البنادق الهجومية AK12 التي حملها مقاتلي البراتفا الروسية و حرس آل فولكوف و آل موريتي الشرسين.
فتحت الأبواب الخشبية الضخمة للقاعة بصدمة مدوية جعلت الجدران ترتجف. تسلل الدخان الأبيض القادم من القنابل الصوتية الدخانية، ومن وسط الركام والظلام، تقدم أليسيو فولكوف.
كان يمشي بخطوات واثقة وثقيلة، سترة الكفلار السوداء مشدودة على جسده الضخم، وجراحه المقطوبة تحت قميصه كانت تبث خطوطا داكنة من الدم الذي أعاد السيلان بفعل الجهد الجسدي. لكن عينيه... عينيه كانتا جمرتين من الانتقام الصافي الذي لا يرحم. بجانبه مباشرة، كانت إيزابيلا تسير بثبات غير متوقع، سترة الحماية السوداء تحيط بجسدها النحيل، يدها تقبض على مسدسها بخبرة وليدة، وعيناها تنبضان بشرارات الثأر العارم.
صدمة شلت ألسنة القادة جميعا في المجلس. أرتجف الدون فالكوني العجوز، وتراجع بكرسيه للخلف بصوت صرير مقزز على الرخام.
"أليسيو؟ يجب أن تكون ميتا!" نطق فالكوني بصوت متقطع يرتعش خوفاً.
"هـ... هذا مستحيل! جوليان أكد لنا أنك تحولت إلى رماد تحت حطام القصر التجاري!" صرخ موجها إصبعه المرتجف نحو أليسيو بعدم تصديق
ابتسم أليسيو ابتسامة ساخرة، مشى متقدما نحو رأس الطاولة، وألقى ببندقيته الثقيلة فوق الخشب الملكي بصوت دوى في القاعة جعل من قادة العائلات يقفزون من أماكنهم ذعرا.
"جوليان كان أعمى... كما كنتم جميعا."قال أليسيو بصوت خفيض وعميق يحمل صدى الموت.
"هل ظننتم حقا أن السقف و انهيار قصري يمكنه احتجاز الشيطان؟ أم ظننتم أن بضع صفقات رخيصة مع المرتزقة ستجعلك تفلتون بفعلتكم تلك؟ جعلتموني أخسر صديقي الوحيد. فيكتور كان أخي!" صرخ أليسيو بصوت مبحوح، يكاد يكون مرتجفا بسبب المشاعر و التناقضات المكتومة التي يتعايش معها.
تقدم الدون رومانو بارتجاف، السياسي الماكر، يحاول استخدام نبرة صوتهالسلطوية التي اعتاد أن يرضخ بها الآخرين:
"أليسيو فولكوف! اعقل عما تفعله! أنت تقتحم حرم المجلس الأعلى الإيطالي! إذا أذيت أحدا منا، ستنقلب عليك العائلات الخمس بأكملها من الشمال إلى الجنوب! لن تجد مكانا تختبئ فيه في إيطاليا!"
"أوليست كل العائلات الخمس هنا تحتفل بخبر اعدامي؟" سأل أليسيو بسخرية مطلقة.
قبل أن ينهي رومانو كلماته أو حتى يتمكن من دراسة النكان حوله، تحرك أليسيو بحركة خاطفة و سريعة كالبرق، و سحب مسدسه الشخصي من غمده، وأطلق رصاصة مباشرة ودقيقة اخترقت منتصف جبهة الدون رومانو.
تطاير دماغ الدون و تناثر في المكان، على الطاولة و الحائط الرخامي أيضا. و هكذا سقطت جثة رومانو ثقيلة فوق الطاولة البيضاوية، لتنسكب دماؤه القانية على الأوراق والمستندات الدبلوماسية المتروكة عليها.
تعالى صدى صرخات القادة الأربعة المتبقون برعب هستيري، وتراجعوا نحو زوايا الغرفة، بينما وقف مقاتلوا الروس بثبات مسلطين أسلحتهم على رؤوس الجميع دون استنثناء.
بهدوء و اتزان و ابتسام، أعاد أليسيو إدخال المسدس في غمده ببرود مطلق، والتفت نحو إيزابيلا التي كانت تنظر إلى جثة رومانو بجمود خالٍ من الرحمة.
"كان هذا الدون رومانو..." قال أليسيو بنبرة هادئة جافة.
"الرجل الذي مسح الأدلة الدالة على الخيانة ليلة مقتل والدكِ." صرح أليسيو بمعلومات محدودة.
ثم التفت أليسيو نحو القائد الروسي إيليا وأشار بيده: "ليجث الجميع على ركبهم هنا أمام سيدة آل موريتي وقرينة آل فولكوف! اسرع!"
اندفع المقاتلون الروس، وسحبوا القادة الثلاثة المتبقين. فالكوني، وديلوكا، ودون كابوني، اضافة إلى ممثل الفرقة الخائنة لعائلة موريتي. تم جرهم من ياقات بذلاتهم الفاخرة وإلقاؤهم بقسوة تحت أقدام إيزابيلا تماما.
كان الأربعة يجثون على الرخام الذي دنس بدم 'رومانو'، يبكون ويتوسلون بالرحمة، والمشهد كان عبارة عن انهيار كامل للهيبة التي ظنوا أنها تحميهم لعقود من الزمن.
"إيزابيلا... أرجوكِ!" توسل الدون ديلوكا وهو يرفع يديه المرتجفتين نحوها.
"والدك كان صديقي! هل تذكرين؟ جوليان هو من خطط لكل شيء! نحن أُجبرنا على الصمت فقط! سنعطيك كل الأموال... الأملاك في الميناء... كل شيء! كل شيء لك... فقط لا تفعلي هذا بنا!"
انحنت إيزابيلا ببطء نحو ديلوكا ببطء شديد، و عيناها اللتان شهدتا دمار بيتها ومقتل حراسها وموت والدها في قاع الميناء تتأملان انكساره. رفعت خنجرها الأسود الملطخ بسخام المعارك السابقة، ووضعت حافته الحادة تحت ذقنه مباشرة.
"صديق والدي؟" همست إيزابيلا بصوت يقطر بالسم والحرقة.
"الصديق لا يغلق أبواب الموانئ بوجه والدي ليلة المجزرة. الصديق لا يجلس للاحتفال بنبأ موتي تحت حطام القصر. لقد خنت والدي حتى لو لم تتسبب في مقتله. لست سوى طفيلي يعيش على الفتات فلا تغتر بنفسك كثيرا." صرخت إيزابيلا بحرقة و أصابعها ترتجف حول مقبض الخنجر.
"لدي بالفعل كل ما ٱريده من ممتلكات و سلطة!" مسحت دموعا تجرأت على أن تتسلل من تحت أجفان عينيها.
"ٱريد قاتل والدي و هذا ما لا يمكن لغيري أنا معرفته." التفتت إيزابيلا نحو أليسيو، وقالت بنبرة صلبة ومطلقة:
"أريد الجميع أن يعرفوا لماذا يموتون الليلة."
خطا أليسيو خطوة للترجل بجانبها، ووضع كفه الثقيلة على كتفها المشدود، ليعلن بذلك انطلاق المأساة الأخيرة:
"يموتون لأنك ببساطة أمرت بذلك، و أنا لن أرقض لك أمرا. ليس لأنهم نسيوا أن المافيا ليست مجرد صفقات وأموال... لقد تناسوا أن المافيا هي الوفاء بالقسم." قال أليسيو بصوت مدوٍ ترتعد له الأبدان.
ليضيف بعد أن تسلل شبح ابتسامة شفتيه من الحهة اليسرى: "ويموتون لأنهم تجرؤوا على إيذاء ما يعود لأليسيو فولكوف. فأنت يا لبوتي لست مجرد ناجية... أنت تمتلكين الإمبراطورية الجديدة التي ستبنى أركانها على جثثهم المقرفة."
أمسك أليسيو بسلاحه الآلي التكتيكي الثقيل الذي كان مجهزا و ممتلىء، نظر إلى القادة الجاثين على ركبهم أمامه ببرود سحيق.
"هذه هديتي لك يا مقدستي..." همس أليسيو في أذن إيزابيلا. "خمس عائلات كانت تحكم إيطاليا... ستصبح الليلة مجرد تاريخ عتيق أهديتك إياه. لتكن هذه هدية زفاف متأخرة."
ودون أي تردد أو رحمة أو شفقة، فتح أليسيو النيران التكتيكية المكثفة على القادة الجاثين تحت قدميها.
دوى صوت الرصاص المتطاير بكثافة مرعبة في القاعة الرخامية الفسيحة. تطايرت الشظايا العظمية والدماء القانية واللحم المفروم في الهواء، لتملأ الساحة برائحة الموت والبارود الحارق. كانت الصرخات تتلاشى فور، واحدة تلوى الٱخرى تحت وطأة الشحنات القاطعة التي تمزق الدروع والبذلات الفاخرة.
انهمرت الدماء بغزارة على الرخام الأبيض لتصنع بركة واسعة ولزجة تعكس ضوء الكشافات الزرقاء، وغرقت أحذية أليسيو وإيزابيلا بالدماء المدنسة التي ترسبت، لقادة المجلس الأعلى و العائلات الخمسة للمافيا الإيطالية. بذلك انتهت حقبة المجلس الأعلى.
في غضون ثوان قليلقة فقط، تحولت القاعة الملكية إلى مسلخ بشري يخلو من أي أثر للحياة. العائلات الخمسة التي حكمت العالم السفلي لإيطاليا لثلاثين عاما ٱبيدت كاملة، وأجسادهم أصبحت مجرد كتل من اللحم، هامدة ملقاة فوق بعضها البعض كقمامة مرمية على قارعة الطاريق.
ساد صمت مطلق ومريع في القاعة، لا يقطعه سوى صوت حفيف المطر بالخارج وصوت أنفاس أليسيو وإيزابيلا المتسارعة.
التفتت إيزابيلا نحو أليسيو. كانت ملامح وجهها المغبرة تتشرب انبهارا وإرهاقاً شديدين. نظرت إلى الدماء التي تغطي حذاءها ثم قامت برفع عينيها لتلتقي بعينيه المظلمتين.
"مبارك لك. روما لك الآن..." همست إيزابيلا بصوت متقطع و ابتسامة هوس.
رفع أليسيو يده الملطخة بالدماء و البارود معا لتلمس وجنتها، وجذبها إليه بقسوة ممزوجة بين الدفء و الهوس و الاستسلام حتى تلامست جبهتاهما معا مرة ٱخرى وسط هذا الركام والدمار الفوضوي.
"لي؟" همس بنبرة مظلمة و ابتسامته المرعبة لا تفارق شفته السفلى.
"روما كانت دوما لك و لا تزال." اعترف بنبرة هوس و جنون عظمة أبدية خارجة من أعماق الموت و الجحيم. ليضيف: "روما، العرش، السلاح، و الجيوش... كلها ملكك. أنا الحارس والمقصلة التي تحمي هذه الإمبراطورية. أنا تحت وطأتك فأنت سلطانة قلبي لا المافيا فقط."
تراجع أليسيو خطوة إلى الخلف وسط بركة الدماء المظلمة التي تطوق جثث قادة المجلس. وعوضاً عن كبريائه العسكري الذي تجثو له المافيا، انحنى جسده الضخم والصلب ببطء شديد، وكسر غرور الشياطين حين جثا على ركبة واحدة فوق الرخام الملطخ. استقرت يده المغطاة بآثار البارود واللاصق الأسود على ركبته، بينما بقيت عينياه المظلمتان المشتعلتان بالهوس المطلق مرفوعتين نحو وجهها، يعلن استسلامه الوحيد أمامها.
لم يكد صدى استقرار ركبته على الأرض يكتمل، حتى أحدثت الحركة صدمة كهربائية في أرواح الرجال القابعين في القاعة. التفت القائد إيليا بنظرة ذهول خاطفة، وقبل أن ترتد أنفاس إيزابيلا، جثا القائد الروسي بدوره على ركبته، وتبعه في ثانية واحدة جميع مقاتلي البراتفا الشرسين وحرس آل فولكوف وآل موريتي.
تداعت الأجساد الضخمة المحملة بالسترات التكتيكية والبنادق الثقيلة، وطأطأ عشرات الرجال رؤوسهم في خضوع تام وطاعة مطلقة، خافضين أبصارهم ونظراتهم عن سيدة العرش الجديد. ساد صمت مهيب ومريب في القاعة الملكية، لا يقطعه سوى صرير الأسلحة المرتطمة بالرخام وحفيف المطر الخارجي.
وقفت إيزابيلا بثبات وسط المسلخ البشري، تنظر بذهول شاحب إلى الرجل الذي ارتعدت له روما بأكملها وهو يركع عند قدميها الملطختين بالدم، وخلفه جيش كامل يخضع لهامتها، ليتحول قصر المجلس الأعلى من ساحة انتقام إلى محراب لمبايعة السلطانة الجديدة.
ابتسمت إيزابيلا ابتسامة مظلمة وخفيفة، ورفعت يدها لتغرس أصابعها في شعره المبتل بالعرق والمطر.
"أ حقا ذلك يا ملكي؟" سألت بثبات لتضيف مجددا: "أين سجلي اﻷسود إذن يا فولكوف؟لقد جعلت روما تركع لي... حان الوقت لنعرف من هو الساحر الأكبر الذي حرك كل هذه البيادق من الظلال."
تصلب فك أليسيو، ونظر إلى عمق عينيها بثقل شجر قديم لا تزحزحه الرياح. فتح قبضته الملتفة على يدها، وأخرج من جيبه الداخلي مفتاحا فولاذيا مشفرا بنظام كمي يحمل ختم آل فولكوف القديم.
"سجلك الأسود بأمان." ألقى أليسيو الحقيقة الأخيرة وهو يتطلع نحو الأفق المظلم لروما من خلال النوافذ المحطمة.
"السجل الأسود لا يزال في القبو حيث حاولوا دفننا... بجوهر ذلك سيقدم لك رأس قاتل والدك كما وعدت... هو و الشخص الذي أرسل والدك إلى الميناء في تلك الليلة المشؤومة.
ارتعش جسد إيزابيلا بريبة بينما انتفض صدرها بتنفس عميق. يبدو أن اللعبة لم تنته بعد. ليس بإبادة العائلات الخمسة في روما... كانت هذه مجرد بداية الاختراق نحو الظلال الأعظم في أوروبا.
وقف الثنائي جنبا إلى جنب وسط القاعة المحترقة بالدماء، ينظران من أسطح قصر المجلس الأعلى نحو مدينة روما الخاضعة بالكامل للسيطرة الروسية وآل فولكوف تماما. الفجر البارد قد بدأ بالفعل بالشروق فوق آثار روما القديمة، معلنا بذلك عن ولادة عهد جديد كتب بالدم، والرماد، والعشق المظلم الذي لا ينكسر.
To be continued...
❓هل تعتقدون أن ملف "فيكتور" أغلق بالفعل، أم أن طيفه سيعود ليقلب الطاولة من جديد؟
❓"السجل الأسود" القابع في القبو... ما السر الذي تتوقعون أن يكشفه عن عائلة موريتي أو عن أليسيو نفسه؟
❓إبادة المجلس الأعلى كانت مجرد البداية! من تتوقعون أن يكون "الساحر الأكبر" والمُحرك الحقيقي لليلة المرفأ من الظلال؟
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!