معمدة بالدم و البارود🔥🥀
لم تبلغ الساعة الرابعة و النصف فجرا حين كان قد خيم صمت مخيف و ثقيل، كان أشبه بحداد سابق على أجواء الجناح الرئيسي للقصر. كان ذلك السكون الذي سبق الفجر يتسسل عبر الستائر الداكنة، ترافقه بعض من قطرات المطر الخفيفة التي قررت أن تطرق زجاج النافذة التي كانت ممتدة من الأرض نحو السقف. نقرات المطر الرتيبة كان أشبه بتحذير مكتوم من ليلة كانت تأبى أن تصل لنهايتها بسلام، أو رثاء مبكر لشهداء هذه الحرب المظلمة.
كانت إيزابيلا تقف أم المرآة الكيرة ذات الطابع المعتق في إطارها البرونزي و النقوش التي كان الصدأ الخفيف يعلوها. كانت قد خلعت ذاك الثوب الحريري القان الملعون الذي كان قد بدا لها طوال ساعات ماضية كقيد ناعم مذكرا إيها عن عبوديتها الرمزية، و ألقت بالعقد الألماسي فوق الطاولة الرخامية للزينة. أصدر الألماس صوتا مستفزا حين لامس الرخام البارد، كان تذكيرا لها أن كل هذا ليس سوى قشرة براقة تخفي خلفها أنياب المافيا البشعة.
كانت الخادمة إيلارا واقفة خلفها بوجه شحبت ملامحه، و تتجنب لقاء أعينهما في إنعكاس المرآة. ألبستها ملابس داكنة و عملية تتجلا في بنطال من قماش تكتيكي مقوى و مزين بجيوب مخفية و كنزة قطنية ثقيلة تعلوها سترة جلدية دافئة سوداء ذات سحاب معدني، و حذاء عسكري يلتف حول كاحلها بخيوط جلدية مبرومة ليصل لمنتصف ساقها. كان اللباس بأمر من أليسيو بالطبع.
" أمتأكدة من أنك بخير يا سيدتب؟" همست إيلارا سائلة حين شدت على رباط الحذاء الأيسر بقوة، صوتها كان مرتجفا بشكل واضح. "لم أرى السيد أليسيو يرتدي السترة المصفحة في الداخل من قبل. المكان في الأسفل يغلي بالرجال و الأسلحة."
كان تنفس إيلارا بطيء حين تأملت إنعكاس وجه إيزابيلا في المرآة. بدى وجهها حادا و صلبا، كأنما الخوف الذي عاشته في الأسابيع الماضية كان قد تثخن و أصبح أسمى ليتحول لدرع مقاوم للكسر. عيناها كانتا تشتعلان يوهج من الجمر الثائر خلف قناع من الإرهاق الذي ارتسم حول جفون عينيها. إيلارا لم تعد ترى تلك الفتاة الرقيقة و الحساسة التي تختيىء في شقتها القديمة و تستمع لقطرات حنفية المياه في الأيام الماطرة في الشتاء. فقد حلت مكانها فتاة ٱخرى... فتاة في ثوب حرب مستعدة لدخول مقبرة قتل فيها والدها.
"الخوف كلمة رفاهية... و أنا لا أمتلكها بعد الآن يا إيلارا." رد إيزابيلا كان بصوت جاف حين كانت تعدل ياقة سترتها الجلدية. "أليسيو يستعد للحرب صحيح؟ إذن أنا سأكون في قلبها. ليس لأحميه هو... فقط لآخذ ما هو ملك لي."
شعرت إيلارا بالإرتباك و سارعت لوضع المشط جانبا مترددة في كلامها: "يقال أن الميناء القديم ملعون منذ الليلة التي قتل فيها والدك. لا أحد يتجرأ على الإقتراب من ذاك المكان حتى في وضح النهار."
"بالضبط، لهذا السبب تحديدا نحن ذاهبون إلى هناك."
فجأة طرق الباب بطريقة عسكرية صارمة لا تترك شكا في هوية الطارق خلف الباب، طرقتان منظمتان يرتد صوتهما على على الباب الخشبي الثقيل. حتى قبل أن تتمكن إيلارا من أخذ خطوة نحو الباب، فتح الباب الخشبي ليكشف عن أليسيو الذي يخطو للداخل دون انتظار أي اذن. كان قد غير ملابسه من البذبة الرسمية الفحمية الفاخرة التي كان مرتديا اياها في الحفل. الآن هو يرتدي قميصا تكتيكيا أسود من القماش الناعم الممتص للضوء حيث يلتصق بصدره و عضلات كتفيه المشدودة، لتستقر أعلاه سترة مصفحة خفيفة تتضمن ألواحا صلبة مصنوعة من البولي إثيلين عالي الكثافة لصد الطلقات النارية القوية التي تستخدم فقط في ساحات القتال والمواجهات العالية الخطورة. سلاحه الشخصي الثقيل من طراز SIG Sauer P226 يقبع في غمده الجلدي بثبات تحت الابط الأيسر، بينما يتدلى السكين ذات المقبض الأسود من حزامه.
الرائحة التي كانت تنبعث منه في تلك الساعة المبكرة مزيجا مربكا للحواس و حابسا للأنفاس. برود الليل، صابون معقم خال من أي عطر، نكهة بارود و تبغ خفيفان سكنت مسام ثيابه كعطر حائم. توقفت عيناه عليها، نظراته البطيئة و المقيمة و المشحونة بتركيز حاد تجول عليها بدأ من حذائها العسكري الثقيل، مارا بالقماش الأسود الملتثق بخصرها، إلى أن وصل نحو خصلات شعرها الغرابي الذي ربط بعناية نحو الخلف بعقدة لتكشف عن عنقها و وجنتيها.
"ٱخرجي يا إيلارا." أمر أليسيو دون أن يزير بنظراته من على إيزابيلا. انحنت الخادمة بسرعة و انسحبت للوراء و اغلقت الباب خلفها ليعود الصمت خانقا للغرفة مجددا.
"أنت جاهزة." تكلم بنبرة تخلو من أي انفعال عاطفي لكنها حملت الثقل الآمر الذي يحدد مسارات الأقدار.
التفتت إيزابيلا نحوه بكامل جسدها، رفعت ذراعيها لتشابكهما أمام صدرها بطريقة غريزية لتحاول بذلك اخفاء رجفة أطراف أصابعها.
"هل حقا تعتقد أني سأذهب معك للميناء في هذا الوقت دون دعم خطتك برجال إضافيين؟ هل تعتقد أني سأكون طعما للثعابين لتستدرج الجميع من جحورهم؟"
خطى أليسيو خطوات بطيئة نحوها، حركاته تحاكي مفترسا يمتلك الوقت كله و يعلم أن فريسته واقعة في شباكه و لا مفر لها و لا منفذا للهرب. توقف على بعد انش واحد منها، فقط بما يكفي ليسمح لها بامتصاص الدفء المنبثق مباشرة من جسمه وسط برودة الغرفة. انخفضت نظراته نحو عينيها مباشرة و بدا ظله الممتد بفعل ضوء المصباح الخفيف كأنه يبتلعها بأكملها.
"فيكتور و أربع من أحنك رجالي يؤمنون المنطقة المحيطة منذ ساعتين كاملتين." انخفظت نبرته لطيقة كادت ان تكون شيه هامسة حادة كشفرة تجسد خطرا صافيا، ثم أضاف: " و أنت لست طعما يا إيزابيلا... أنت هي المفتاح. لست أحمق لٱلقي يمفتاح ثمين مثلك في النيران إلا إن كنت أعرف تماما أنك من صنع فولاذ لا يذوب. ألا تفهمين طبيعة وجودك بجانبي حتى الآن؟ ألا تزالين حقا تلعبين دور الضحية و تنتظرين فارسك على حصانه الأبيض ليأتي لنجدتك؟"
اقتربت منه أكثر، تحاهلت التهديد الواضح بقربه و رفعت نظراتها لتواجه نظراته: " أنا لا أنتظر أحدا لنجدتي. لكني إن كنت سٱكسر في القفل اليوم تأكد من أني سأحرص على كسر يدك معي."
ابتسم لها بطريقة مظلمة و خطيرة، لم تثل باتسامته لعينيه قط: "هذا ممتع. امرأة تهددني و هي متسلحة... بماذا؟ بنطال تكتيكي و غضب عارم؟"
أخذت إيزابيلا نفسا عميقا لتشبع رأتيها برائحته الحادة التي جعلت قلبها يتخبط بين أضلاع قفصها الصدري بغضب و مشاعر لادم تتمكن من ترجمتها.
"دعنا نذهب." همست له بتحد ظاهر في عينيها، "لننهي مهزلتك هاته التي تسميها حماية."
انطلقت السيارة المصفحة السوداء التي هي من طراز مايباخ بصلابة درعها الثقيل عبر الطرقات الملتوية الساحلية التي تؤدي لأطراف المدينة الميتة. الضباب الكثيف كان يعوم فوق الميناء القديم كأنه كفن سيال مبتلعا لأضواء الشوارع الخفيفة ليحولها لبقع مرعبة و متباعدة.
داخل السيارة الصامتة جلس أليسيو بجانب إيزابيلا على المقعد الجلدي الأسود الداكن، و عبر لوحة شاشة صغيرة كان يراجع الخريطة الحرارية للميناء، بينما كانت أصابعه تنتقبل بين النقاط الحمراء التي كانت تمثل كلا من رجاله و نقاط المراقبة.
تأملت إيزابيلا ظهر يده الثقيلة و عروقه البارزة و الندبة القديمة التي تمتد عبر مفصل ابهامه. شعرت برغبة ملحة للكلام فقط لتقتل الصمت الحاد الذي كان يجبرها على مواجهة أفكارها السوداوية و المظلمة.
"لطالما رفضت والدتي قدوم والدي لهذا الميناء." تكلمت بصوت خافت و عيناها تحدقان عبر الزجاج المظلم للسيارة في الأشجار الميتة التي بدت كأنها تتسارع بجانب السيارة. " لطالما قالت أن رائحة الملح هنا أشبه بالدم القديم. لم أفهم يوما مقصدها قبل تلك الليلة."
لم ترتفع عينا أليسيو عن الشاشة لكن نبرته خرجت هادئة بشكل غير متوقع: "والدتك كانت إمرأة ذكية يا إيزابيلا. فالموانىء ليست سوى أبواب خافية للجحيم. يمر عبرها السلام و السم و الرشق الملطخ بدم فاسد. والدك لم يمت بسبب لعنة... بل بسبب ثقته أن حلفاءه لديهم نفس شرفه."
"لما تتحدث عنه كأنك تعرفه جيدا؟" صرخت بوجهه بحدة.
اطفىء أليسيو الشاشة بنقرة واحدة ثم نظر إليها بطريقة غامضة: " عرفته بقدر ما يحتاج شخص يمثل موقعي أن يعرف خمصه المحترم. لقد كان رجلا صلبا، خطأه الأكبر هو اعتقاده أن العائلات الخمس يمكنها التعايش دون أن يؤكل الكسير منها. لم يقتل لأنه مكروه، بل لأنه مخيف."
توقف المحرك فجأة على مسافة آمنة و مدروسة من الممر الضيق المؤدي للمخزن الذي يحمل الرقم أربعة. انطفأت الأضواء الأمامية للسيارة لتغرق المكان في ظلام شبه تام الذي لم يكن ينقصه سوى ضوء القمر الضئيل عبر الضباب.
الميناء القديم كان ممتدا أمامهم كمقبرة عملاقة للسفن الصخمة و الصدئة، الهياكل الحديدية الشامخة المتآكلة بسبب الملح و العفن الممتد عبر عقود، و صناديق الشحن المنسية التي تغطيها طبقات سميكة من الطحالب و الرائحة المتعفنة الخانقة.
بمجرد إن فتح الباب الهيدروليكي للسيارة قامت الرائحة بالتسلل لجوف إيزابيلا ، كان الهواء مزينا برائحة آخر أنفاس والدها الراحل في الليلة التي ترك فيه مغمورا بدمائه. شعرت ببرودة الهواء القارصة فجأة تصفع وجنتيها لتجمع القشعريرة على طول عمودها الفقري.
ترجلت من السيارة بخطى متثاقلة التي سبقتها دقات قلبها المرتفعة التي كانت متسارعة كطبول حرب داخل صدرها.
تباعا ترجل أليسيو مباشرة خافها كظل غامر لها. أشار بطريقة مدروسة و خاطفة بيده اليمنى للأعلى. في طرفة عير فيكتور و الرجال الثلاثة ذابوا بين هياكل الحاويات و الظلال. أسلحتهم الكاتمة للصوت موجهة نحو كل زوايا ميتة في الميناء تحسبا لأي طرف معاد.
اقترب فيكتور بخطى صامتة و همس بنبرة عسكرية في ٱذن أليسيو: "سيدي. ظاهريا المحيط هادىء لكن أجهزة المسح الحراري قامت برصد تشويش خفيف بالقرب من مصنع المعالجة المجاور. قد تكون مجرد طيور... أو أجهزة ترصد عن بعد."
"ألم ٱعلمك أن تتوقع الأسوء يا فيكتور؟" سأل أليسيو بصوت منخفض للغاية ثم أمر "ابق مع الفريق عند المخرج الشمالي. إن سمعتم صوت طلقات حية غير مكتومة قوموا بسد الممر كاملا."
"علم و ينفد سيدي."
امتدت ذراع أليسيو لتمسك يده معصم إيزابيلا بحزم دافىء و قاس في نفس الوقت ليعيدها لواقعها: "لا تخطي أي خطوة خارج نطاق أوامري. الزمي ظلي. هذا المكان محشو بمن لن يتردظ بوضع رصاصة في رأسك فقط ليتسل و يسحب المكافأة."
"أعرف هذا الميناء كراحة يدي. أفضل منك و من رجالك مجتمعين." ردت عليه بصوت خافت مملوء بالتحدي. "أحضرني والدي إلى هنا في كل مرة كان يريد فيها إخفائي عن عيون العائلات الأربع خلال تسوية النزاعات. هذه الممرات ليست غريبة علي... إنها المكان حيث بدأ موتي البطيء."
لم تكن إحابة أليسيو لفظية، فقط اكتفى بزيادة الضغط على معصمها ليعيدها خطوات خلف كتفه الأيمن حيث أجبرها أن تتخذ من جسده المصفح درعا بشريا يصد عنها الطلقات النارية الإفتراضية.
صعدا معا الدرج الخشبي العفن و المتهالك الذي يؤدي نحو المخزن رقم أربعة. صرير الخشب كان مكتوما تحت صوت حذائهما الثقيل يثير رعبا وحشيا في جوفها، كأن الأرض تحتهم ستتداعى في أي لحظة.
داخل المخزن كان المكان شاسعا و تفوح منه رائحة الخشب المحترق و الرطوبة المرتفعة. عبر فتحات السقف المكسور تسللت خيوط الفجر الرمادية الٱولى مضيئة ذرات الغبار و العفن المتطايرة في الهواء كشظايا من الكريستال.
الصمت في الداخل عميق بحيث يستطيعان سماع صوت قطرات الماء التي تسقط من السقف المتهالك لتصطدم بصفائح حديدية صدئة على الأرضية: تك... تك... تك...
"أين الخزنة الملعونة؟" همس لها أليسيو دون الالتفات نحوها بينما يده الٱخرى تستقر على مقبض المسدس المثبت تحت إبطه.
عينا إيزابيلا كانت تجولان في أنحاء المكان، تتأملان الركام و الحاويات المقلوبة. ذاكرتها كانت تعمل بأقصى طاقتها لتستحضر ذكرات ماضيها الغائمة و الرسائل اللفظية المعقدة التي كان والدها يرددها لها في العلية القديمة تحت مسمى 'أحاجي العائلة.'
توجهت بخطوات غريزية نحو الجدار الذي في الخلف المكون من أحجار صخرية ضخمة مبنية بطريقة غير متناسقة بجانب عوارض خشبية قديمة تستخدم لرفع السفن الصغيرة لتعديل هياكلها.
"هناك..."
أشارت باصبع مرتجف نحو تجويف مظلم يقع خلف مكتب خشبي محطم تغطيه طبقات سميكة من التراب و العفن و خيوط العنكبوت.
"والدي لم يثق أبدا بالخزائن الفولاذية الحديثة الجاهزة التي تصنعها الشركات و تبيعها للعامة. دائما ما كان يبني خزائنه المصفحة داخل جدرات التأسيس المزدوجة للمباني القريبة من البحر... فالرطوبة تجعل الحديد يتآكل و تخفي آثاره."
قام أليسيو بدفع المكتب المكسور بكتفه الأيسر بجهد كشف عن قوته البدنية الهائلة و حضوره الطاغي. عندما تحرك الخشب أصدر صريرا حادا حين احتك بالأرض.
استخدم أليسيو سكينا تكتيكيا حادا قد انتشله من غمده المربوك بحذائه لشق الطبقة الرطبة المتآكلة بين الحجارة الصخرية بسرعة خبيرة لا تصدر أي ضوضاء غير ضرورية.
في دقائق معدودة تفككت العديد من الحجارة الصخرية الكبيرة، أزاحها أليسيو بيده ليكشف عن تجويف مظلم، لونه رمادي داكن و لا تتعدى أبعاده دفتر حسابات متوسط الحجم.
لكن... ما أجبر الدم على الجمود في عروق أيزابيلا لم يكن المظهر الصدىء للصندوق الحديدي الصغير، قد كان تلك الٱنبوبة الزجاجية التي كانت ممتلئة بسائل متوهج و مضغوط عبر كيس هيدروليكي صغير ربط مباشرة بقفل الخزنة الميكانيكي.
توقف أليسيو عن الحراك تماما، انخفض بصره ليدرس الآلية المعقدة بنظرة خبيرة و مجردة من العواطف.
"حمض مزدوج..." تكلم بنبرة خفيفة تحمل ثقل خطورة ملموس، ثم أضاف: "آلية دفاع من المدرسة القديمة. ضغطة خاطئة واحدة فقط على الأقراص النحاسية أو محاولة خرق الخزنة بالقوة و سينكسر الزجاج ليفسد الحمض محتويات السجل و يحوله إلى رماد في أقل من ثلاث ثوان."
القفل كان مجموعة من ثلاثة أقراص نحاسية و دائرية محشوة بأحرف وو رموز إيطالية قديمة و شفرات أرقام خاصة بالعائلات الخمس الكبرى.
استدار أليسيو نحو إيزابيلا كاملا ليترك السكين تنزلق في غمدها. ارتسمت في عينيه نظرة ممزوجة من التحفيز و الجدية البراغماتية مع شريطة أمل صغيرة.
"الآن الكرة في ملعبك يا موريتي." كلمها بصوت ناعم و مسيطر يتردد في زوايا المخزن المظلم: "إن تسرعتي و أدخلتي رقما خاطئا بتسرعك و ستفقدين اسم القاتل الذي أخذ منك والدك للأبد. أملك في الإنتقام سيختفي للأبد و لن تتوقفي عن كونك سجينة في قفصي لتتلقي الأوامر."
جف ريق إيزابيلا بالكامل و شعرت بحنجرتها تحترق في حلقها كلهب جمر. اقتربت من الخزنة بتردد و ثبات متصارعين. انحنت على ركبتيها فوق الأرضية غير مبالية بالأوساخ و الطين اللذين تلوث بهما بنطالها و سترتها الجلدية.
حين لامست النحاس البارد للأقراص الميكانكية بأصابعها ارتجفت أناملها بشكل غير مستقر.
لوهلة قامت باغماض عينيها في محاولة منها لاخراس صوت المطر الخارجي و صوت ضربات قبلها المتسارع في أضلاعها لتستحضر صور للعلية القديمة... رائحة الغبار القديم... صوت والدها الغامض حين أجلسها في حجرها و قدم لها الالغاز الورقية الممتلئة بالشيفرات و الأرقام و قبل رأسها: "تذكري يا أميرتي أن أسرار عائلتنا يبدأ مفتاحها دائما بانتصار الشرف و الرمز الأول هو رقم البوابة التي أخذت منها والدتك لحمايتها و الرمز الأخير هو سنة ميلادك التي أعادت لي الحياة بعد أن ظننت كل شيء قد إنتهى."
أخذت نفسا عميقا و فتحت عينيها بثبات جديد لتستقر الشريحة الأخيرة للتحدي في مقلتيها من جديد.
"الحرف الأول... M... رمز كلمة Onore..." همست لنفسها بصوت مبحوح و أصابع يدها تدير القرص النحاسي الأول بارتجاف حاسم. أحدث القرص صوتا خافتا: تك... تك... تك.
أليسيو كان وتقفا خلفها مباشرة كجبل حام لها، يراقبها بأنفاس محبوسة. يده اليمنى قررت الاستقرار على مقبض سلاحه الناري بينما اختارت عيناه الانتقال من التركيز المرعب على حركاتها و الانبوبة الزجاجية التي تفصلهم عن الهاوية.
"الرمز الثاني..." تابعت إيزابيلا و هي تشعر بقطرة عرق تتسلل على طول عنقها لتستقر على ياقة سترتها الجلدية. "رقم البوابة القديمة في الديار... 7." أدارت القرص الثاني بحذر شديد" تك... تك.
توقف الوقت عن الاستمرار لبرهة. الهواء داخل المخزن بدا خانقا فجأة، حاملا لبرودة الموت و رياح الميناء الباردة في وسط سكون لا يقطعه سوى أنفاسهما المتسارعة.
"الآن... الرمز الأخير...' ارتفعت عيناها نحو عيني أليسيو في العتمة: " سنة ميلادي... 4"
أدارت أصابعها القرص الثالث و الأخير.
تك!
فجأة ارتفع صوت صفير من الصندوق و تراجع المكبس الصغير الذي كان يحمل ٱنبوبة الحمض للخلف بأمان. أصدر الباب الحديدي صوتا خافتا...
انفتح ببطء شديد ليكشف عن التجويف بداخله.
في قلب العتمة و جوهر الصندون كان يقبع الدفتر الصغير، غلافه جلدي أسود و داكن و خشن، كان مربوطا بشريط حريري عتيق الذي قد شحب لونه بفعل الزمن.
السجل والأسود.
سمح أليسيو لرئتيه بالتنفس مجددا ببطئ شديد، ارتسمت على شفتيه ابتسامة مظلمة تبث الرعب و السيطرة في نفس الوقت. هز برأسه ثم انحنى ليلتقط الدفتر بحذر شديد كأنه يمسك قلبا نابضا حيويا... قلب منظمة المافيا بأكملها و جميع أسرارها المظلمة.
"عمل جيد يا مفتاحي..." همس لها في ٱذنها و هو يخبئ الدفتر في الجيب الداخلي لسترته المصفحة، قريبا من قلبه تماما.
لكن... وقبل أن يتمكن من مد يده لإيزابيلا اخترقت رصاصة قناص الزجاج المكسور للسقف لنسنقر على بعد انش واحد فقط من على رجل ٱيزابيلا اليسرى على الأرض الرخامية.
طخ!
تفتت الحجر و سكب بعضا من الشظايا على بنطالها الأسود.
"كيمن!" صرخ فيكتور عبر الجهاز اللاسلكي الذي كان مثبتا على كتف أليسيو. صوت فيكتور كان ممزوجا بانفجارات النيران و صيحات رجاله.
"إنه جوليان اللعين! رجاله يطوقون المخرج الرئيسي و المصنع المجاور بالكامل! أحدهم قد سرب موعد إنطلاقنا و موقع الخزنة."
تحرك أليسيو بسرعة بدون أي تفكير أو تردد و ألقى بنفسه على إيزابيلا كدرع بشري لها، محيطا إيها بذراعيه و قذف بجسديهما خلف صناديق خشبية محشوة بقطع غبار قديمة و صدئة. في حين أن الرصاصات كانت تطحن الخشب و الحجارة فوقهما كمطر بركاني.
تحول الجو داخل المخزن في ثوان لجحيم حي، دخان و صراخ و دماء في كل مكان. كانت الرصاصات تسقط من كل الجهات محطمة أي شيء يعترض طريقها.
تمركز أليسيو فوق إيزابيلا كدرع بشري و دقات قلبه تكاد تفجر قلبه من صدره ضد عمودها الفقري، في حين أن أنفاسهما المتسارعة كانت تطغى عليها رائحة البارود المحترق و العرق.
"ابق رأسك منخفضا و لا تتحركي شبرا من مكانك!" أمرها بينما سحب مسدسه بسرعة.
أخرج رأسه من خلف الساتر الخشبي ليقوم بتسديد ثلاث رصاصات متتالية بدقة، محسوبة كمعادلة رياضية. سمعت إيزابيلا صرخات الذين كانوا يهاجمون و يسقطون تباعا واحد تلوى الآخر.
فجأة... تحطم الباب الجانبي للمخزن تحت ضربات المقتحم، دخل أحد أتباع جوليان حاملا سلاحا ٱوتوماتيكيا و عيناه مثبتتان عليها بجنون و هي منكمشة في الظلال.
"ها هي العروس الملعونة! ابنة موريتي!" صرخ المقتحم حين وجهه سلاحه نحو صدرها مباشرة.
في ذات اللحظة كان أليسيو مشغولا بتفريغ مخزن سلاحه و بالتصدي للمهاجمين الآخرين اللذان كانا يطلقان النيران الحية من النافذة العلوية، لم يكن لديه الوقت أو المجال لحمايتها دون الكشف عن ظهره للرصاص القادم من النافذة.
تسللت غريزة البقاء لجسد إيزابيلا . لم يعد هناك أي مساحة أو وقت للتراجع و الصراخ أو الانتظار أو لعب دور الضحية. أخذت أقرب شيء استطاعت إيجاده تحت الركام خلف الصناديق: مطرقة بناء حديدية و صدئة كانت ملقاة بين الخشب.
بحرعة من الأدرينالين الملتهب في عروقها تناولتها حتى قبل أن يستطيع الرجل تفريج زناد سلاحه الٱوتوماتيكي، لوحت بالمطرقة بالرغم من ثقلها بكل ما كان لها من قوة في عضلاتها مشخونة بقهر الأيام الماضية و دم والدها.
طخ!
الصوت المدوي لتهميش عظمه استقر في عقر دماغه و زوايا جمجمته. استقرت المطرقة على فك الرجل على جانبه الأيسر. تجمدت عبناه و سقط ككومة من الحجارة عند قدميها، و المطرقة تسللت من قبضت يديها لتصطدم بالأرضية.
وقفت إيزابيلا على الجثة و صدرها يعلو و ينخفض بأنفاس محمومة و يداها ترتجفان بشدة و هي تنظر للمطرقة الملطخة بالدماء المزينة بقطرات المطر.
التفت أليسيو نحوها بعد أن كان قد قضى على المهاجم الأخير عند النافذة بطلقة مستقرة وسط حاجبيه. تقدم نحوهت بخطا ثابتة وسط دخان البارود و ريح الميناء التي تتسلل عبر الفتحات المكسورة للسقف.
جالت عيناه على جثة الرجل ثم على المطرقة الملطخة بالدماء ثم على يدها المرتجفة، لتستقر أخيرا على عينيها اللتان كانتا تعكسان شراسة لا ترحم.
كل معالم وجهه الباردة تلاشت من على وجهه لثوان لتحل مكانها ابتسامة واثقة و ممتلئة ببريق من الفخر المظلم المخالط للهوس.
تقدم نحوها ثم ألقى المطرقة بعيدا ليسمع صدى صوتها عند احتكاكها على الرخام. بذراعه الٱخرى أحاط خصرها و جذبها نحو صدره بقوة سرقت ما تبقى من إنفاسها.
كانت أنفاسه الخارة تداعب ٱذنها حين همس لها بهوس مسيطر على الفخر: "انظري لنفسك..." انخفض صوته أكثر لتعلو نبرة التملك عليه: "أخبرتك أنك لست زينة يا إيزابيلا... أنت تتغذين على الخطر حين يحيطك. لديك أنياب لبوتي."
ذراعه المحيطة على خصرها لم تكن ملمس حنان أو مواساة، فقد كانت ختما آخر للملكية المطلقة المعمدة بالدم.
"فيكتور!" صرخ أليسيو في الجهاز اللاسلكي و هو يسحب إيزابيلا خلفه بتملك و هوس و فخر. "افتح لنا طريقا عبر المخرج الخلفي فورا! سنغادر!"
شق أليسيو طريقا لهما عبر الحطام المشتعل، جسده كان دائما حائلا بين إيزابيلا و الرصاص العشوائي المنتشر في الأجواء. وصلا إلى السيارة التي كان محركها يزأر بالفعل في انتظارهما.
ألقى بها في المقعد الخلفي قبل أن يقفز بحانبها و يغلق الباب ليكتم أصوات الحرب من الخارج.
بدأت السيارة تسير بسرعة جنونية و تتجاوز كل اشارات المرور الحمراء تاركة خلفها حطام الميناء و الدخان و الجثث.
في قلب السيارة المصفحة كان الصمت ثقيلا و ممزوحا بالتوتر العالي. جلست إيزابيلا و يدها على صدرها تحاول التقاط انفاسها. حدقت في يديها اللتان كان غبار المعركة لا يزال مستقرا على مفاصلها ممزوجا بقطرات من الدم الجاف.
كانت ترتجف بشدة... ليس خوفا أو ندما فما فعلته كان ضروريا لبقاءها. ارتجافها كان بسبب ادراك أن حياتها القديمة، براءتها و ضعفها اختفيا للأبد تحت ركام الميناء اليوم. الآن رسميا أصبحت جزءا من هذا العالم شاءت أم أبدت.
اإلتفتت نحو أليسيو الذي كان يستريح على المقعد الجلدي، قميصه قد تمزق عند الكتف الأيسر كاشفا عن خدش بسيط لم يكن قد ألقى له بالا. اخذ السجل من سترته و مرر أصابعه الطويلة على غلافه الجلظي الأسود.
"هذا هو السجل صحيح؟" سألته بصوت مبحوح.
هز رأسه: أجل. إنه هو." رد عليها دون رفع عينيه عن الغلاف، ثم أضاف: "هذا السجل يحتوي على كل اسم و صفقة و رشوة طوال أربعين عاما الماضية."
مد يده لتستقر على يدها المرتجفة المستريحة على المقعد، ضغط عليها بثبات.
نقل بصره نحوها و عيناه عاكستان لأضواء الشارع العابرة كنجوم محتضرة في السماء.
قال بصوت منخفظ محملا بالوعيد المظلم: "الآن يا زوجتي سنتوجه للمكتب لنفك رموز الدفتر كاملة. و الليلة؟ سنعرف اسم الخائن الذي أمر بقتل والدك... و سٱقدم لك رأسه على طبق من ذهب."
أغلقت إيزابيلا قبضة يدها الٱخرى على يده المثبتة عليها، رفعت عيناها لتواجه بتحد لتخفي كل المعارك في كسره.
"و أعدك أني سأكون هناك لأرى جبهتك مزينة برصاصة مخترقة وسط حاجبيك يا أليسيو همست له: "الدم لا يغسل إلا بالدم."
ابتسم و هو يضغط على يدها أكثر، واثقا أن هذه الليلة ليست سوى البداية لحرب طاحنة على متربع عرش المافيا.
To Be Continued...
❓ما الاسم الذي سيكون في السجل؟ هل إيزابيلا ستتمكن من معرفة قاتل والدها و الانتقام؟ لما قام جوليان بالهجوم؟ أربما لأنه الخائن؟
قراءة ممتعة. اترك تعليقا لأرى نقدك و رأيك و متابعة ليصلك كل جديد🥰
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!