رماد الوفاء المسموم☠️🌘🔥
الضوء الأحمر الذي كان ينبعث من شاشة المؤقت نابضا برعشة متقطعة في ظلام الغرفة منخفضة الإضاءة. كأنه ضوء لشريط نبض لقلب مريض يعاني من سكرات الموت و يأخذ أنفاسه الأخيرة. انعكس اللون القاني على السطح المصقول للصفيحة الفولاذية المعبأة، كان متقطعا كبقعة دم متحركة تنبض على صدر الآلة الباردة.
00:08... 00:07... 00:06
الصوت الميكانيكي الذي كان ينبعث من الدائرة الإلكترونية لم يكن مجرد صفير حاد خافت. كان أشبه بإيقاع منشار نحاسي يحفر ببطء و ثبات في أعمق بصيلات عقل إيزابيلا.
قطرات من العرق الباردة كانت تتجمع على شعرها الذي التصق بجبهتهاؤ تتسلل ببطء كبلورات زجاجية صغيرة تتلوى عبر انحناءة وجنتها لتسقط قطرة تلوى الٱخرى على الألواح النحاسية المكشوفة للقنبلة.
كانت إيزابيلا تستنشق الهواء بصعوبة و شعرها المبلل ينبعث منه عبق الياسمين الخفيف المختلط برائحة البارود و زيوت المحركات الشفافة. كان بإمكانها الإحساس ببرودة الرخام القاسي تخترق ركبتيها الجاثيتين بينما كانت يداها الملطختان بالغبار الخرسنائي و البقع الزيتية ترتجفان برعشة حادة تسعى لكبحها بكل ما تبقى لها من قوة.
في العرف الصارم ل 'أليسيو فولكوف' لم تكن الرعشة تفهم قط على أنها شعور خوف بشري طبيعي. فقد كانت ترجمتها فورا نحو أنها ضعف خطير، و في عالم المافيا الضعف يعاقب صاحبه برصاصة في الرأس قبل أن يفعل الخصوم ذلك.
الأدوات الدقيقة التي كانت مبعثرة تحت أصابعها الخدرة، المقاطع المعدنية ذات الرؤوس المروحية، والمفكات الناعمة، وأسلاك النحاس العارية التي أُخرجت بحرص من أغلفتها البلاستيكية، في تلك اللحظة بالذات بدت و كأنها ألعاب أطفال عاجزة و هشة أمام هيكل معقد مصمم ببراعة شيطانية لا تعرف معنى للرحمة.
أعادت إيزابيلا خصلة من شعرها التي تجرأت على التمرد خلف ٱذنها بظهر كفها الشاحب و المرتجف، عيناها المجهدتان اتسعتا لتتمكنا من تتبع المسارات الميكرومترية الدقيقة للوحة التوزيع. قرأت الدائرة المغلقة في عقلها كما درستها سابقتً في المخططات الهندسية؛ تتبعت السلك الأزرق الذي يحمل التيار المستمر من البطارية الثانوية، ثم قاطعت المسار الموصل للمشعل بالبحث عن السلك الأخضر الخفي. افترضت، بحسب منطق الهندسة العكسية للمتفجرات التكتيكية، أن هذا السلك الأخضر هو المفتاح الحيوي لإيقاف التغذية الكهربائية وشل القناة المغناطيسية التي تحتفظ بالصاعق نائماً.
انقبضت أنفاسها المتصاعدة في صدرها. أمسكت بالكاشطة الدقيقة و جلبت رأسها الفولاذي نحو العازل البلاستيكي.
شقت الغلاف البلاستيكي للسلك الأخضر بلمسة خفيفة كانت محكومة بالتركيز الفائق. انقطع الخيط النحاسي المجدول بفرقعة خافتة، وصدرت شرارة برتقالية دقيقة تلاشت فوراً في الظلام...
لكن الشاشة لم تنطفىء.
الأرقام لم تتوقف عن العد التنازلي.
كان العكس تماما.
ارتفع صوت ميكانيكي حاد بسرعة أكبر، فقز المؤقت الرقمي بشكل مفاجئ ليختصر الثواني القليلة المتبقية للنصف!
00:04... 00:03...
تجمد الدماء في عروق إيزابيلا و توقفت مجاري الهواء في رئتيها عن العمل. شعرت ببرودة القطب الشمالي تسري في كفيها حتى كادت أن تفقد الإحساس في أنامل أصابعها. ومضت الشاشة الرقمية بضوء أصفر تحذيري إضافي كُتبت عليه حروف مشفرة صقيلة بلغة البرمجة العسكرية.
لم يكن السلك الأخضر محيداً... بل كان "مفتاح تحفيز مضلل".
كانت الدائرة الكهربائية بأكملها عبارة عن فخ مزدوج (Double-blind Loop) صُمم بعناية خبيثة فائقة، بحيث يؤدي أي إبطال تقليدي أو قطع للسلك الرئيسي إلى إغلاق الدائرة البديلة فوراً وتسريع عملية التفجير بدلاً من إيقافها. لم تكن هذه القنبلة موضوعة للتفاوض أو لإرهاب الموجودين في القاعة؛ كانت تُعد بياناً مدمراً صُمم خصيصاً لضمان عدم خروج أي شخص من القاعة الرخامية وهو يتنفس.
انزلق المفك من بين أنامل أصابعها التي فقدت إحساسها ليرتطم بالبلاط برنة معدنية حادة دوت في الفراغ الصامت.
رفعت إيزابيلا رأسها بارتجاف، كأن رقبتها أصبحت مصنوعة من الحديد الثقيل. كان جفن عينها الأيسر يرتجف بشكل لا إرادي و شفتها المشقوقة حاولت اختلاس بعضا من الهواء الكثيف.
ارتفعت نظراتها الشاحبة ببطء شديد، لتلتقي بعيني أليسيو فولكوف الواقف على بعد خطوتين منها.
كان مرتفعا كتمثال من الجرانيت. ظله الضخم الممتد يغطي نصف اللوحة المضيئة للقنبلة، ظهره كان ممتدا بقسوة تخلو من أي مشاعر ارتباك أو اضطراب انساني. كلتا يديه كانتا تقبعان في جيبي بنطاله، كانت عيناه تتأملان حركات الموت أمامه بكبرياء ملكي بارد.
عجزت الكلمات في حلق إيزابيلا عن الخروج. لم تستطع أن تتكلم سوى بهمس متقطع و خانق متصارع مع أنفاسها المتسارعة التي تنبض في صدرها. "إنه... إنه فخ... أنا آسفة... لقد فشلت... إنه يلتف حول نفسه."
في الثانية الأخيرة عندما أظهرت الشاشة الرقمية الرقم النهائي 00:01 و حين امتد الصفير الميكانيكي في نغمة متواصلة و طويلة طعنت آذنهما، لم تتغير ملامح أليسيو و لو حتى عضلة من عضلات وجهه.
لم يقم بالصراخ أو يغمض عينيه بدافع الخوف، لم يخطو خطوة للوراء. فقط ازدادت عيناه برودا و كأن الموت بالنسبة له ليس سوى صديق قديم يعرف يلتقيان في موعد آخر.
قبل أن ترتد الأنفاس المذعورة في صدر إيزابيلا، تحرك أليسيو.
حركته هنا لم تكن مجرد رد فعل أو قفزة عشوائية، كانت اندفاعا يشبه انهيار جبل ثلجي في أعالي سيبيريا. امتدت ذراعه الفولاذية و قبضته الضخمة التي تزينت بالخواتم الثقيلة لتطوق بخصرها بضغط كاد يكسر خوضها. جذبها خلف ظهره الهائل بحزم. استغل بذلك كتلته الأثقل و زاوية جسده الصخم ليجعل من نفسه درعا يحول بينها و بين مركز التفجير.
تمكن من التقاط جسدها في الهواء قبل أن تطأ قدمها الأرض و ألقى بأجسادهما خلف المكتب المصفح بالخرسانة المسلحة و الفولاذ الأسود في الممر الخلفي للقاعة.
أحاط رأسها و عنقها بساعده الأيسر و ضغط بوجهها و ثنايا جسدها نحو الأرض الباردة حيث وضع كل جسده عليها لحمايتها ممتصا بذلك المساحة المفتوحة.
ثم... تنهار السماء عليهما.
دوى الانفجار بصوت يتجاوز قدرة الأذن البشرية على الاستيعاب والتفسير. لم يكن مجرد صوت عالي الضجيج. كان موجة صدمة ضغطية وحرارية هائلة زلزلت أركان المبنى الشاهق من أعمق أساساته الخرسانية إلى أعلى أسقفه الفولاذية.
تفتت الجدران الرخامية في أجزاء من الثانية إلى شظايا حادة لا حصر لها. تناثر الزجاج المعشق والصفائح الحديدية في الهواء كتأثير عاصفة من السكاكين المشتعلة. غمرت القاعة موجة نار برتقالية خاطفة، تبعتها أعمدة كثيفة من الدخان الأسود ورائحة الكبريت المشتعل، بينما تساقطت الكتل الخرسانية الضخمة كالأوراق الميتة في عاصفة خريفية.
شعر أليسيو بالضربة المباشرة لموجة الصدمات الطارقة على ظهرع و كتفه، ارتجف جسمه برعشة مكتومة جراء الإصطدام المباشر للضغط الهيدروليكي، تسلل إلى مسامعه صوت انكسار الخشب المقوى و اصطدام الأحجار الجيرية بكتفيه. لكن بالرغم من ذلك لم يتزحزح من مكانه إنشا.
ظلت يده الٱخرى مثبتة بقوة و على قفا إيزابيلا لتحمي جمجمتها من أي حجر ساقط و فكه مثبت جعل من أسنانه أن تصطك دون أن يسمح لأنين واحد بمغادرة حنجرته.
بعد عدة دقائق طويلة تمكن الصمت من أن يستعيد سلطته على المكان. لم يكن صمتا مريحا، فقد كان محاطا بالرعب و الألم لكن بطريقة ما استطاعت الأنابيب المكسورة التي ينزل منها الماء بقطرات متدفقة على الأنقاض و صوت طقطقة الشرارات الكهربائية المتصاعدة من الأسلاك المقطوعة الممتزج مع سعال إيزابيلا الخافت الذي كان مكتوما تحت جسده؛ كل هذه الأصوات استطاعت هزيمة الصمت الذي استعاد سلطانه على المكان.
كان الهواء مكثفاً للغاية؛ غبار رمادي ثقيل، ورائحة الكبريت والبارود المحترق، وعبق الأوزون المترسب في الفراغ يملأ الرئتين بنغزة حادة عند كل دمجة هواء.
تمكن اليسيو من أن يستعيد وضعية الوقوف. تحركت قطع الإسمنت و الخشب التي تراكمت فوق ظهره لتتساقط على الحانبين بصوت خشن و مكتوم.
ارتجف جسده برعشة خيفية تحت تأثير الصدمة الفيزيولوجية للإنفجار، لكنه استقام وسط الدخان الذي التف حول هيئته المهيبة التي خرجت من الركام كأنها كيان غيؤ بشري من إحدى الأساطير القديمة التي صدقها الإنس.
كان قميصه الأسود قد تمزق عند كتفه و الغبار الخرساني غطى شعره الداكن و جزءا من وجهه. بقعة من الدم القان وجدت سبيلها من جرح قطعي بجانب جبينه لتعبر وجنته لتستقر عند حافة ذقنه قبل ان تسقط على الأنقاض.
انخفض ليميل نحو إيزابيلا التي ترتجف تحت الركام الخفيف. وضع أصابعه الملطخة بالرماد على عنقها، امتد ابهامه لشريانها السباتي ليقيس نبض قلبها. كانت نبضاتها متسارعة و مذعورة لكنها ثابتة و حية.
"لا تتحركي. تنفسي ببطء عبر أنفك." أمر بصوت منخفض بفعل الدخان المستنشق لكن بنبرة متسلطة و قاطعة، نغس النبرة التي عهدتها.
رفعت إيزابيلا نظرها الشاحب نحوه. كانت عيناها متسعتين بذهول في محاولة منهما لاختراق الظلام و الدخان. كانت ٱذنها ترن بصوت صفير حاد و منخفض جراء موجة الصدمة، بالكاد استطاعت رؤية ظله المرتفع فوقها كتمثال صخري لا يمكن للنار و الجحيم أن ينالا منه. ابتلعت ريقها المرو حاولت الكلام لكن سعالا خانقا داهم حنجرتها ليجعل جسدها ينقبض.
جذب أليسيو إيزابيلا من يدها برفق و حذر ليسند ظهرها إلى ما تبقى من قاعدة المكتب الفولاذية.
بعد ذلك استدار كليا.
حاليا لا يفكر بخطة للنجاة أو إيجاد طوق نجاة خارجي. كل ما كان يشغل تفكيره كان فيكتور... الملف الوحيد الذي يفرض نفسه في ظلمات هذه الأنقاض.
فقبل الإنفحار بثوان عند اشتعال إنذارات الخطر، لاحظ أليسيو بطرف عينه أن فيكتور كان يتحرك بحذر شديد و مشبوه، حاول مد يده للجيب الداخلي من سترته للوصول إلى جهاز التحكم الرقمي الخاص بالشفرة الأمنية للمخرج السري. المخرج كان عبارة عن باب مدعم ينزل تلقائيا بقفل هيدروليكي مغناطيسي عند تفعيل سياسة الطوارئ. بدون الشيفرة المحمولة التي لا أحد غير فيكتور يحملها بسبب الثقة التي قدمت له على طبق من ذهب، فإن أليسيو و إيزابيلا كلاهما سيبقيان داخل هذه الزنزانة حتى يختنقا بالدخان.
ترجل أليسيو وسط الأنقاض الهشة بخطوات موزونة. كانت أحذيته الجلدية تسحق الزجاج المهشم على الأرضية و الأحجار الجيرية بصوت خشن يتردد صداه. في أرحاء القاعة المحترقة.
تتبع مسار خريطة اﻹنهيار نحو الجانب الشرقي أين إنهار جزء كبير من السقف المائل كليا. هنالك، في ذاك المكان و تحت الكتلة الضخمة من الهرسانة التابعة للسقف الدعم بأسياخ من الحديد الملتوية، تمددت جثة فيكتور.
كانت الجثة ملقاة على ظهرها بطريقة مشوهة تجعل رؤيتها قاسية، فالكتلة الإسمنتية كانت قد سحقت نصف صدره الأيسر و جزؤا كبيرا من حوضه. أما عيناه المفتوحتان كانت مثبتتان على الفراغ بآفاق غير معبرة عن الحياة، و الدماء القاتمة تسيل و تتدفق ببطء من فمه و أنفه لتمتزج بغبار الركام الأبيض.
توقف أليسيو فوق الجثة لمدة. كانت بصيرته الباردة لهذا الوجه الذي رافقه طول عشر سنوات كاملة. رجل خاض معه حرب شوارع و اختار اقتسام الدم في زقاق المدن المظلمة، اجتماعات الرابطة المغلقة و قيادة أعتى منظمات المافيا بحنكة و قسوة لا ترحم.
جثا أليسيو أمامه في دمائه الممتزجة مع الغبار. كامت حركاته هادئة و مخيفة، خالية من أي اندفاع. دقيقة كطقس جنائزي.
امتدت يده الفولاذية نحو صدر فيكتور الميت. تغلغلت أصابع يده الطويلة داخل جيب سترته المعتمة الملطخة بالدماء، المكان الذي اعتاد فيكتور أن يضع فيه الشريحة التشفيرية الفضية الخاصة بالأبواب و المخارج الإستراتيجية تحسبا لأي طارئ أو خطر.
لكن... ما إن تعمقت أصابعه داخل الجيب الجلدي الناعم للسترة، اصطدمت أصابعه بشيء ثقيل و بارد ذي حواف بارزة و نقوش عتيقة، لم تقع أصابعه على ملمس بلاستيكي لشريحة التشفير.
تجمدت يد أليسيو داخل الجيب و اتسعت عيناه في الظلام.
سحب يده ببطء و بحذر أشبه بحذر استخراج لغم نائم.
استقرت ساعة جيب ذهبية قديمة جدا على راحة يده الملطخة بالدماء. كانت الساعة مصنوعة من الذهب الأبيض و محاطة بسلسلة معدنية سميكة.
غطاء الساعة الخارجي كان محفور بنقش بارز لشعار عائلة 'فولكوف'، نفس العائلة التي ينتمي إليها فيكتور و يحكم باسمها. لكن، احتوى الجزء الخلفي للهيكل الذهبي للساعة ختما خارجي مضاف يدويا بتقنية حفر عتيقة، حمل الحرفين الأولين باللغة الروسية القديمة р ь، الحرفان اللذان يرمزان لاسم فيكتور باللغة الإيطالية VR.
حول الساعة التفت سلسلة غلاف جلدي أسود ضغير جدا، احتوى على بطاقة مطوية من الورق المقوى القديم و نقوش نسب عائلية و صكوك ملكية يعود تاريخها لأكثر من ثلاثين عاما مضت.
تجمدت قطرة الدم التي كانت تسيل من جرح جبينه عند حافة فكه. كانت عيناه الباردتان تتأملان الساعة و الصكوك القديمة الملطخة بدماء فيكتور.
بدت الساعة و كأنها وسام للسلطة لا مجرد ذكرى عتيقة.
في تلك اللحظة بالذات سقطت الأقنعة. يبدو أن فيكتور روسي مات ليفتح أبواب جحيم آخر ليكشف عن ماضي ظن الجميع أنه قد نسي.
كان الشعور بالخيانة يترصد صدر أليسيو ليتغلغل في قلبه كسم بطيئ ليمزق شرايين قلبه حشوا حشوا.
أليسيو فولكوف... الرجل الذي نشأ على الشك المطلق. لم يأتمن بشريا قط على حياته. رجل قطع أعناق عشرات الرجال لمجرد لمح ثغرة خيانة في أعينهم... كان قد فتح باب في حصنه المنيع و خبأ فيه ثقته المطلقة لهذا الرجل الخائن الذي يبدو أنه تربع على عرش الإنتقام.
لم يتجرأ أليسيو على أن ينطق بأي كلمة، لم تدمع عيناه اللتان عرفتا القسوة منذ الصغر و لم يصرخ. فالرجال من أمثاله لايكسرون، فقط يحولون الخيبة لبرود قاتل و مطلق.
أغلق قبضته على الساعة الصكوك المطوية. ضغطت الساعة على لحمه و غرست حوافها في كفه الملطخ بالدماء إلى أن كادت أن تكسر جلده و تخترقه، لكن أليسيو لم يتمكن من أن يشعر بأي ألم.
فجأة تحولت ملامحه كليا لتختفي كل علامات التعب و الصدمة، لتستقر مكانها طبقة سميكة من الجليد. أظلمت عيناه و تباطأت أنفاسه لتنتظم مجددا بشكل مبيد مرعب.
كانت نظراته المظلمة الموجهة نحو فيكتور خالية من أي صبغة إنسانية. لم يكن هناك أي غضب... فقط حقد و ازدراء بذاته لأنه سمح لحية أن تأكل من يده و تعيش في ظله لسنوات.
على الجانب الآخر من الغرفة المنهارة.
راقبته إيزابيلا بصمت و وجه شاحب لتتراجع خطوة للخلف دون وعي.
اعتادت رؤية أليسيو في حالة قاسية، رأته يقتل بدم بارد... لكنها لم تره قط و هو في هذه الحالة. غضبه لم يبدو كمفهوم مشاعر بشرية. كان يبدو ككيان مظلم استيقظ لتوه من القبر المظلم، فهالة الخطر تدور حوله و تملأ الهواء رعبا.
أدخل أليسيو يده مجددا في الجيب الممزق للسترة في جثة فيكتور و سحب الشريحة التشفيرية الفضية الصغيرة التي كانت مخفية جانب الكتيب.
ارتفع بقامته كسيف مهدد فوق جثة الرجل الذي دعاه 'بالأخ' و مدحت فيه الأساطير بالوفاء.
ألقى أليسيو نظرة أخيرة على وجه الميت المغطى بالدم و الغبار و تكلم بصوت منخفض مملوء ببحات الغضب.
"أديت دور العبد الوفي ببراعة فائقة يا فيكتور... ولكنك نسيت القاعدة الأولى في كتابنا: الملوك لا تموت بأيدي الخدم، ولا تُدفن تحت قطع من الركام."
دون عناء الإلتفات مجددا، استدار أليسيو بخطوات محسوبة نحو الجدار الخلفي للقاعة المنهارة.
باب المخرج السري كان مسدودا بكتلة جزئية و لوحة المفاتيح تومض بالضور الأحمر المنشد للطوارىء.
توجه أليسو نحو اللوحة و أزاح قطع الزجاج المكسور بيده غير آبه للجروح التي قد تسببه. أدخل الشريحة في الفتحة الخاصة بها ثم وضع بصمته على الماسح الضوئي للشيفرة المزدوجة.
دوى صوت ميكانيكي في القاعة لتتبعه هزة قوية داخل الجدار، لتبدأ البوابة الفولاذية الثقيلة ترتفع ببطء كاشفة بذلك عن نفق مظلم يمتد نحو الأسفل و ممتلئا بهواء بارد دليلا على نقاءه قادم من الممرات التحتية للمدينة.
إلتفت أليسيو نحو إيزابيلا التي مانت تستند على بقايا العمود الساقط و عيناها متسعتان بذهول و خوف مكتوم.
توجه نحوها بخطوات متزنة دون أن يتكلم. إمتدت يده القوية و قبضت على معصمها بضغط صارم لا يقبل المقاومة، فقط ضغط هادف لسحبها و ابقائها على قدميها.
سحبها خلفه نحو فتحة النفق المظلم بينما كانت الأجزاء المتبقية فوقهم تصدر أصوات فرقعة و انكسار متتالية لتشير نحو قرب الإنهيار الكامل للقصر.
ألقى أليسيو نظرة خاطفة و أخيرة نحو الرماد و الدخان و النار الملتهبة خلفهما، ينظر للماضي الذي احترق كليا في هذه الليلة قبل أن يقود إيزابيلا نحو الظلام... ليترك بذلك جثة الخائن خلفه و رماد الوفاء المسموم، ليتجه بذلك نحو المستقبل الذي سيكون مطرزا بالدماء و الإنتقام الذي لن يستثني أحد منه.
يبدو أن ما سيجمع بين أليسيو إيزابيلا من الآن فصاعدا ليس العهد الذي ابرم في ليلة زفافهما الٱولى و وعيده لها برأس قاتل والدها على طبق من فضة، بل هو نار انتقام ستحرق كليهما و عالمها معا.
To be continued...
❓ها هو ماضي فيكتور في ظنكم؟ و هل حقا استحق الموت بهذه الطريقة أم كان فقط يريد استعادة ماهو من حقه؟
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!