ظلال الميثاق المظلم
كان الهواء يبتلع من النفق المظلم الممتد أسفل القبو للقاعدة المنهارة كأنه يستنشق من قبل كائن حي يخوض لحظاته الأخيرة و يقاتل ضد سكرات الموت الحاسمة، ليأخذ مكانه سيل متدفق من برودة خانقة تشبه برودة مدافن عتيقة و منسية تحت طبقات من الصخر. لم يكن صوت الرياح المنبعثة من التشققات الجدارية مجرد صوت عابر مسبب باندفاع الهواء عبر الممرات الضيقة، فقد كان همسات جنائزية متواصلة تذكر إيزابيلا بخطواتهما نحو الهاوية المظلمة التي لا مفر منها، بينما تصاعد من ثوبها الممزق رذاذ من البارود الناعم و غبار الخرسانة الممتزج بعبق الدماء.
كل زاوية في هذه الممرات الظلمة و العتيقة تعج بضجيج التاريخ القديم للصراعات المسلحة. ممرات رطبة أُعدت عقوداً خلت لتكون شريان طوارئ خفي لهروب قيادات المافيا أثناء الحروب العرقية القديمة. الجدران الصخرية الخام كانت مشبعة برطوبة مالحَة يتقاطر منها الماء على حواف الحجارة بصوت قطرات منتظمة، كأنها بندول ساعة يمارس عداً تنازلياً أبدياً لا ينتهي.
"وتيرتك هذه ستسبب مقتلنا نحن الإثنين يا إيزابيلا... تنفس خاطئ آخر و ٱقسم أني سأجر جثتك الهامدة عبر هذا الصخر."
هدد أليسيو بصوت منخفض كحفيف الخنجر المسحوب من غمده في الظلام. حملت نبرته صرامة لا تقبل النقاش. قبضته التي تلتف حول معصمها النحيل تضغط بشدة تحبس الدماء في عروقها. سحبها خلفه فجأة بقسوة متيبسة لا تعرف للمساواة معنى و غير متسامحة مع لحظات الضعف. تقدمها بعيون متفحصة للعتمة و جسده يتمايل بقوة خشنة تحاول اخفاء الاختلال الملحوظ في توازنه الناجم عن شظايا الانفجار التي غرست في كتفه.
توقف إيزابيلا فجأة و قامت بسحب يدها من قبضته بجهد عكس ما تبقى من جسدها المنهك. رغم الألم في معصمها الآخذ بالتورم تحت جلدها الشاحب، ثبتت قدميها الملطختين بالرماد على الصخر المبتل لتصدخلق مساقة بينهما. رفعت بصرها نحوه بعينين غارقتين في التمرد و بعض من شرارات الخوف، لا حقت عيناها أثر الظم القان الممتد من عنقه، يقطر ببطء على قميصه الأسود الممزق عند كتفه الأيسر، حيث تتشابك الجراح المفتوحة مع بقايا الأسمنت والحديد.
"أتظنني حشرة؟ مجردة عثرة في طريقك؟" سألت بصوت مبحوح من الحرارة و الإرهاق و هي تضع يدها الٱخرى على أضلاعها.
"لا تنسى أن هذا الجسد الذي تتكىء عليه بكبرياء سقيم كاد أن يقسم إلى نصفين في محاولتك إنقاذي. لا تتظاهر بالقوة بينما لا يمكنك السيطرة على أنفاسك لأنك تنزف داخليا، خطواتك هاته ليست سوى قناع يائس لترمم ما تبقى من جسدك المنهار... إنه لا يجدي نفعا بالمناسبة! و ها تريد قتلي بكسر معصمي عن طريق الضغط عليه؟ هذا مؤلم... تريد قتلي؟ اذن اطلق علي النار و اعفني من كل هذا السحب فأنا متعبة!"
التفت أليسيو نحوها ببطء كأن حركة عنقه طلبت منه تمزيق خلايا جسده المنهك. ملامحه لم تتغير لكن عضلات فكه تحرمت بتهديد صامت في حين تحولت حدقتا عينيه إلى ظلام قاتم ممتص للضوء القليل الذي تسلل للنفق. في البداية لم ينطق بحرف، اكتفى فقط بافراغ ما تبقى من دفء نظراته في الممر. التفت نحوها كليا و تقدم انشا لتلامس أنفاسه الحارقة جبهتها الشاحبة.
"إن كنت ٱريد قتلك حقا..." تكلم بنبرة منخفضة مترددة في عمق حنجرته كأنها حجارة طاحنة لبعضها البعض.
"لما قد ٱضيع رصاصة على جثة تتنفس بالفعل؟" سأل باستهزاء ليضيف: "أنت حية لأنك الٱحجية الوحيدة التي لم أتمكن من تحليل معالمها بعد. تمردي مرة واحدة بعد و سنرى كيف ستحميل من هنا في نعشك." هددها بهدوء دون الحاجة لرفع صوته أو التغيير في نبرته.
لم ينتظر منها ٱجابة. التفت بعيدا و استأنف مسيرته و هو ممسك بمقبض الباب الفولاذي الثقيل الذي يمثل نهاية هذا الممر المظلم، بني من الصلب المعالج المقاوم للإنفجارات. أخذ اليسيو من حيبه مفتاحا ثقيلا ذو أسنان عتيقة و أداره في القفل الثلاثي دورتين كاملتين. دوى صوت احتكاك الدروس الصدئة في الفراغ الصامت كصراخ حديدي يمزق أشلاء الظلام.
دفع الباب إلى الداخل بجسمه الهائل، ليكشف عن المقر الآمن الخفي. بؤرة عمليات سرية شديدة التحصين، مبنية أسفل أطراف القصر المنهار، ومجهزة بمعدات اتصالات مشفرة، وأسلحة تكتيكية، ومساحة عيش معزولة عن العالم الخارجي تماماً. أدخلها بجمود يحمل قسوة حذرة، قبل أن يغلق الباب الحديدي خلفهما ويلقي القفل الهيدروليكي الثقيل، ليعزل المكان كلياً عن أي مخرج أو مدخل، صانعاً زنزانة اختيارية تجمعهما معاً.
أضاءت المصابيح الصفراء الخافتة المصنوعة من الألياف الزجاجية أركان المقر، لترسم ظلالاً متطاولة ومخيفة لهيكله الضخم على الجدران الخرسانية العارية. تقدم أليسيو بخطوات ثقيلة تنضح بالإرهاق المكتوم نحو الطاولة الخشبية الثقيلة القائمة في وسط الغرفة. ومن جيبه الملطخ بالدماء الميتة، انتزع ساعة الجيب الذهبية العتيقة، والورق المقوى المطوي، والشريحة الفضية التي انتزعها من جثة فيكتور قبل دقائق من انهيار السقف فوق رأسه، وألقى بها جميعاً فوق السطح الخشبي المصقول بصوت معدني حاد تردد صداه في أرجاء الصمت المطبق.
جلست إيزابيلا على حافة مقعد خشبي قريب، تمسك معصمها المؤلم وتدلك الجلد المتورم ببراجم أصابعها المرتجفة. كانت عيناها تنقلان بحدة وجفل بين ملامحه الجليدية القاسية وتلك المتعلقات الاستراتيجية الملقاة على الطاولة.
"ماهذا؟" سألته بصوت خائف متبل بالارهاق و هي تتكىء على الجدار البارد.
"أحقا هذا ما خاطرنا بحياتنا من أجله و جعل منك صنما أمام القنبلة المزدوجة لتتركنا نتخول لأشلاء؟ مجرد أوراق قديمة ملطخة؟" صرخت بكل ما تبقى لها من أحبال صوتية.
تجمدت يد أليسيو لتسنقر فوق الطاولة. كان ينظر للساعة الذهبية ليسترد من باطن عقله ذكريات معتمة ظن أنها نسيت تحت وطأة المعارك.
قبل ثلاثة سنوات في الأرشيف السري للقلعة القديمة في عاصمة روسيا -موسكو-...
في ذلك الوقت كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل، كانت الثانية بعد منتصف الليل بدقة. كان الثلج يتساقط بكثافة وراء النوافذ المصفحة. دخل أليسيو الأرشيف ليكتشف فيكتور واقفا أمام القاصة الفولاذية التي تضم العهود و المواثيق التأسيسية لعائلة فولكوف. فيكتور في ذاك الوقت لم يكن يبحث عن ملف شحنات أسلحة و خرائط استراتيجية. كانت عيناه تتأملان ختم شمع أحمر مطبوع على وثيقة عتيقة، نظراته لم تكن تحتوي على إخلاص أو ولاء، فقد احتوت قرفا مكتوما و انتقاما مترصد.
في تلك الليلة بطريقة ما لم يستطع اليسيو الوثوق بفيكتور لسبب كان يجهله. تسللت انامله نحو مقبض مسدسه المغمود في ظهره. سأل بمبرة شك واضحة: "ما الذي نال اهتمامك في سجلات الموتى و الصراعات القديمة يا فيكتور في وقت متأخر كهذا؟"
التفت فيكتور نحوه بهدوء لم ترتجف له حدقة قط. ابتسم ابتسامته المزيفة المعهودة التي كانت قائمة على الولاء المزيف ليجيب بدهاء: "فقط أبحث عن أشباح التأسيس يا أليسيو... كنت أتساءل كيف قام آباؤنا ببناء هذه الإمبراطورية من العدم. فقط أردت التأكد من أن الأخطاء القديمة تم الإهتمام بها جيدا. فلا نريد من أي عدو طرق بابنا بنفس السلاح."
لم يستطع أليسيو الإقتناع بتلك الكلمات لسبب لم يتمكن من معرفته. نظر في هيني فيكتور و قتها و قال بصوت منخفض: "الأشباح لا تحمي العروش يا فيكتور... الرجال الصادقون هم من يفعلون. وإذا رأيتك تتأمل هذه السجلات مرة أخرى دون أمني و اذني، فسأفترض أنك تبحث عن طريقة لحرقها."
وفي المقابل، لم تكن تلك الليلة سوى حلقة في سلسلة طويلة من الشكوك المتبادلة. فقبل أسبوعين فقط من انفجار القصر، وفي غرفة الخرائط المغلقة...
كان فيكتور روسي يقف في الظل بينما كان أليسيو ينكب على الخرائط التكتيكية لشحنات الأسلحة. كان فيكتور يتأمل عنق أليسيو المكشوف في كل مرة متخيلا فيه دماءا حية و صوت اختناق، ويده تطوق مقبض الخنجر المستقر في حزامه.
كان فيكتور يعلم أن أليسيو بدأ يشك في تحركاته المتأخرة أثناء كمين "وارسو" في العام الماضي. ذذلك الكمين الذي ادعى فيه فيكتور أن تعزيزاته تأخرت بسبب حصار تكتيكي، بينما كان في الحقيقة يختبر مدى قدرة أليسيو على النجاة مفردًا ليترك الموت يقضي عليه دون أن تلوث يداه بالدماء.
ابعد فيكتور نظراته مباشرة بعد أن التفت أليسو نحوه فجأة. تكلم أليسيو بحدس رجل غريزته استنشقت عبق الخيانة: "ما بالك تقفي خلفي كظلي يا فيكتور؟ الإخوة يمشون كتفا بكتف و يدا بيد... و ليس في أثر ظلال بعضهم البعض."
رد فيكتور بنبرة عمقها سخرية مظلمة: "أنا أحرس ظهرك... عدونا لن يهاجم من الأمام فهو جبان... سيغرس خنجره في أكثر المساحات نعتقد أنها آمنة."
شبح ابتسامة لامس شفتة أليسيو السفلى و هز رأسه موافقا و هو يتحرر من شريط الذكريات. تمتم لنفسه: "بالفعل غرست خنجرك في ظهري يا أخي."
انحنى على الطاولة كوحش جريح دارس لخطوات هجومه الأخير. عيناه لم ترتفع لتلتقيا بإيزابيلا أبدا، مد يده الثقيل و انتزع غطاء الساعة الذهبي باستخدام خنجره التكتيكي. ضغطة واحدة دقيقة على نقش الحرفين الروسيين РЬ، كشف عن مجرى خفي داخل الغطاء الخارحي للساعة ليسمح بتساقط الشريط الدقيق من الجلد الملتصق بوثيقة رسمية متآكلة الأطراف بفعل الزمن.
فرد أليسيو الوثيقة بيده الملطخة بالدماء والجير البارد، ولأول مرة منذ أن عرفته إيزابيلا، اهتزت حدقتا عينيه برعشة خفيفة جداً، رعشة لا يمكن لعين غير مدربة أن تسجلها، لكنها كانت تكفي لكشف زلزال داخلي يعيد تشكيل تضاريس روحه بالكامل.
عنوان الوثيقة كان عبارة عن عقد سيادة عائلي عتيق (Convenant of Primogeniture) لثلاثين عاما مضت، يحمل في طياته ختم المافيا العليا الروسية و الإيطالية المطبوع بالشمع الأحمرو الدم القان الميت. لم تكن بقع الدماء سوى بقعة داكنة من دم والد فيكتور لجوار توقيع خطي بالروسية القديمة.
الوثيقة لم تكن تفيد بأن فيكتور كان مجرد خائن يسعى لسرقة النفوذ والتسلق على أكتاف السلالة الحاكمة. فقد كانت تثبت حقيقة أقسى من الهلاك بنفسه: إن عائلة فيكتور كانت المالك الشرعي والأصلي لعرش الرابطة الشرقية ولجميع الأصول الممتدة تحت مسمى عائلة 'فولكوف'.
فكما يبدو أن والد اليسيو هو من قام بقيادة انقلاب دموري خفي قبل عقود. اغتال والد فيكتور بدم بارد و سلب منه العرش. محولا بذلك الابن الأخير لسسلالة الحاكمة للمافيا لمجرد يتيم آواه اليسيو بعد إن إشفق عليه و صنع منه 'خادما وفيا' ارتدى ثوب الحارس الأمين لبيت في الأصل بيته.
"لم يخني..." تمتم اليسيو بصوت مرتجف و منكسر. نبرته حملت هول الفاجعة و الذهول العنيف المزلزل للأركان.
"لم يكن يريد السلطة للجشع أو الخضوع لرغبة طارئة... كان إبنا يرتدي قناع الخادم لعشر سنوات كاملة. أكل من طعامي و شاركني دم كل معاركي و حرس حصني في نومي بينما كان ينتظر اللحظة التي يسترد ما هو له."
تفتحت أصابعه الراجفة لتقلب الوثيقة الأخرى المرفقة داخل الغلاف الجلدي للحقيبة الصغيرة. كانت عبارة عن رسالة مشفرة بخط يد حديث وأنيق، كتبت بمداد حبر أسود خاص وشعار نسر ذي رأسين محفور في الزاوية العلوية الختم الشخصي لجوليان.
كانت الكلمات المكتوبة باللغة الإيطالية الراقية تقول:
"رسالة للمالك الأصلي للمنظة الروسية، فيكتور...
إن الدعم التكتيكي والأجهزة المتطورة وشحنات المتفجرات التكتيكية التي وضعتها تحت تصرفك من قِبل شبكتنا هي جزء من ميثاقنا المبرم. تذكر أن اتفاقنا قائم: بمجرد أن تمحو وريث الانقلاب وتستعيد العرش المغصوب لوالدك، سترسخ الرابطة تحالفها مع مجلسنا كشريك كلي القدرة. لا تدع عواطف العشر سنوات تضعف يدك عندما تدوي الساعة."
J
تجمدت الدماء في عروق أليسيو حين قرأ السطور مرارا و تكراراؤ كانت أنفاسه الصادرة تترك خلفها خطا كثيفا من بخار الماء في هواء الغرفة الباردة. يبدو أن جوليان لم يكن يكتفي بمطاردة إيزابيلا و السجل الأسود أو ضرب مصالح أليسيو فقط. كان جوليان هو العقل المدبر الذي غذى نار الإنتقام لفيكتور و زوده بالأسلحة و كل ما كان يلزمه، حتى أنه وعده بدعم المجلس الروسي و الإيطالي له لاستعادة ما هو له بعد التخلص من أليسيو.
يبدو أن فيكتور خسر حياته على يد أليسيو من كان يعتبره صديقا... أو هكذا أراد اليسيو أن يتذكر فيكتور. كل هذا من أجل أن يترك خلفه دليلا لمؤامرة جديدة و قصة ٱخرى تجعل من الجحيم القادم أعنف و أعتى.
في لحظة الحداد تلك التي لم تكد تنتهي تحول الذهول إلى شك قاتل في رأس أليسو. استدار نحو إيزابيلا التي كانت تجلس في العتمة. عيناه كانتا مكسورتان ببريق من شظايا حداده الذي اضطر لانهائه. نظراته نحوها لم تعد تحتوي على ذاك الوميض الءي دفع بجسده قبل دقائق لامتصاص موجة الإنفجار عنها. أضحت نظرته مفترسة و مفعمة بالشك المسموم الذي بدأ يتغذى على باطن عقله الذي ناداها "مقدستي" و قلبه الذي نبض يوما باسمها.
فيكتور. الرجل الذي تشارك معه طعامه و دم معاركه و أسراره لعشر سنوات، عقد من الزمن. كان عبارة عن قناع مختف. إذن ماذا يمكن أن يكون بقية البشر؟ أهذه الفتاة التي جرها لعالمه مجرد طعم آخر؟ هل كان مقتل والدها و الخائن الذي أمر باعدامه مجرد خطة ثانوية للاستلاء على عرشه؟ أهي منهم؟ هل السجل الأسود حقا يكشف عن خائن بين العائلات الخمسة الٱيطالية التي أحدها خان لورينزو موريتي ،والدها، أم أنه مجرد تشتيت و هذه الساعة و الحقيقة التي كشفت توا هي الأصل؟
توجه أليسيو نحوها بخطوات مفترسة و مليئة بالتهديد الهادىء.
"أنت..." نطق بصوت منخفض و هو يثبت نظراته على وجهها ااشاحب الملطخ بغبار الركام.
"علمك والدك عن الدوائر الكهربائية المغلقة للمتفجرات التكتيكية. درست الهندسة العكسية للأسلحة في أرشيف عائلتك السري قبل أن يسقط والدك."
عقدت إيزابيلا حاجبيها عند شعورها بالخطر المحدق الذي يزخف نحوها. استحمعت ما تبقى لها من رباطة جأش لتقف من مقعدها.
"ما الذي تحاول اتهامي به يا هذا؟ استفق من رأسك المريض هذا و أخبرني بحقيقة كلماتك دون الألعاب الذهنية."
توقف أليسيو عندما التصق جسدها بها، انحنى نحوها برأسه الملطخ بالدماء و الركام حتى صارت أنفاسهما تمتزج معا.
"السلك الأخضر..." همس بنبرة ملأها الإتهام المسموم.
"ادعيت بين النيران أن الحل الوحيد لإيقاف القنبلة هو قطع السلك الأخضر. لكن... حركتك هاته كانت السبب في تعجيل العد التنازلي و حول القنبلة لفخ محكم لا يمكن ابطاله. هل حقا كان مجرد خطء بريء أم أن لك دور في في هذه الخطة المزدوجة... هل أنت انتحاوية سعيت لقتلنا معا تحت الركام؟"
اتسعت عينا إيزابيلا بذهول ممتزج بالصدمة المروعة التي سكنت أطراف جسدها. لكن سرعان ما انجلت الصدمة ليترسخ مكانها غضب كاسح لعروقها. احكمت الإغلاق على قبضتيها الصغيرتين و نفضت الخوف عنها كرداء قذر مدنس و رفعت رأسها عاليا نحوه غير آبهة بالخطر القاتل المنبعث منه.
"تتهمني الآن بالتعاون معهم؟" صرخت بصوت مبحوح يتقطر بمرارة الإهانة.
"أنا التي جثت على الرخام البارد بينما كان الموت يفصلني عنه ثوانٍ معدودة؟ أنا التي خاطرت بأصابعي وجسدي لتفكيك شفرة القنبلة الملعونة بينما كنت أنت تقف كالتمثال المشلول والمستسلم لمصيره السوداوي؟ أتظن أنني أضحي بنفسي وأحترق في هذا الجحيم لأجل مخطط رخيص أعده جوليان أو غيره من شياطينكم البائسة؟ كل ما أردته هو الٱنتقام لقتل والدي لكن هل تمكنت من معرفة اسم القاتل؟ لا! هل تمكنت من تحليل شيفرة السجل؟ لا! لكن هل تمكنت سيادتك من معرفة الخائن بين العائلات الخمس؟ لا! كل ما توصلت إليه هو غدر صديقك الذي ادعى الولاء!"
ارتفعت يد أليسو اليمنى في السماء لترسو على خدها الأيسر بصفعة قوية دوى صوتها في فراغ الجدران الفاصلة في الغرفة الآمنة قبل أن يطبق أسفل فكها بغضط حاد لمنعها من إصدار أي صوت أو أنين. ضغط على رأسها نحو الخلف ليرغمها على النظر في عمق عينيه المظلمتين التي يملؤهما الجنون و الشك دون أن يكسر رقبتها، لكن الضغط يوضح مدا هشاشة موقفها و أن حياتها علقت بقرار من أصابعه.
"لا أثق بأحد يا إيزابيلا... لا أحد في كل هذه الأرض اللعينة أتفهمين؟" صرخ و عضلات وجهه المشدودة مرتجفة.
"فيكتور كان أخي! كان ظلي الذي مشيت به! كان الرجل الوحيد الذي أأتمنه على ظهري في أقسى المعارك لكن تبين أنه كان يعد الثواني لقطع رأسي من اللحظة الٱزلى التي دخل فيه جناحي! أنت... عائلتك... جوليان... العائلات الخمي في المافيا الإيطالية و الآن الروسية إضافة للمجلس الأعلى... الجميع يريد قضمة مني... الكل يريد نهش جسدي.
لا يمكنني معرفة أنك لست منهم. كيف لي أن أعرف أن قتل والدك ليس جزءا من كل هذا الجحيم!"
لم تدمع عينا إيزابيلا و لم تصرخ متوسلة الرحمة من الرجل الممسك بفكها و يوشك على تحطيم عظام وجهها. حدقت في عمق عينيه المظلمتين بصلابة تعكس نفس السواد الشيطاني الذي يغرق فيه هو.
"أطلق علي الرصاص و اعفني من أنينك هذا إن حقا تعتقد أني جزء من مؤامرتهم ضدك!" كانت نبرتها متطلبة بينما عيناها ثبتت في عينيه.
"هيا... افعلها ماذا تنتظر؟ دعوة؟ أنقذ نفسك من شكوكك البائسة و جنون عظمتك المتهالك! اطلق علي النار هنا و اخرج لتواجه الجميع وحدك. إن كنت تجرأ هيا افعلها!"
تحديها الأخير جعل من الزمن يتوقف في الغرفة. ظل الإثنان يتنفسان نفس الهواء المشحون بالخطر و الدم و رائحة الموت. ارتجفت أصابع أليسيو قليلا فوق فكها أمام هذا التحدي الصارم الذي خلا من أي رغبة في الحياة أو الخوف من الموت. قرأ في عينيها نيران من فقد كل شيء و حرم من حريته و ٱجبر على الغوص في برك من الدماء إلى أن لم يبق ما تخسره أو تبكي عليه.
أرخى قبضته ببطء شديد وتراجع خطوة إلى الخلف، كمن استعاد جزءاً من عقله الثابت بعد نوبة جنون مؤقتة.
تنفست إيزابيلا بعمق، وعدلت وقفتها بكل كبرياء وهي تدلك موقع ضغط أصابعه المحفور بحمرة داكنة على وجهها الشاحب، دون أن تبعد نظرها عنه إنشاً واحداً.
"لقد أعميت بصيرتك بفساد شكوك يا أليسيو..." اتهمت بصوت هادىء لكن متقطر من القسوة و المرارة.
" أنت تعتقد أن كل من حولك يتحركون فقط لسلب سلطتك وعرشك الملطخ بالدم. لكنك تغفل عن الحقيقة الوحيدة التي تجمعنا في هذه الحرفة القذرة وهذا المصير المظلم."
توجه إيزابيلا نحو الطاولة الخشبية و أشارت بسبابتها المرتجفة نحو وثيقة جوليان و الساعة الذهبية المفتوحة.
"جوليان أراد أخذ قاتل والدي مني و حمايته..." اتهمت و الدم الذي يجري في عروقها يغلي بشرارات الغضب.
"حاول قتلي و استعبادي و جعل مجالس الشياطين التي تديرونها تأخذ مني أغلى ما أملك. و اليوم؟ خطط لدفني و تحويلي لجثة هامدة تحت ركام قصرك المنهار مع فيكتور! لك سلطتك و لي انتقامي!"
اقتربت منه مجددا حتى انعدمت المساحة التي فصلت بينهما. رفعت بصرها لتلتقي عيناها بعينيه بنظرة غير قابلة للانكسار.
"ٱريد شيء واحد غير انتقامي..." أضافت بنبرة مظلمة و مرعبة.
"ٱريد جوليان جاثيا على ركبتية متوسلا الرحمة... نفس أمري حين جثوت ٱواجهه القنبلة المزدوجة. أريد تقطيع الشبكة التي حفرت هذا القبر لنا كلينا. إذا كنت تبحث عن حليف يشاركك نفس الهدف المظلم، فأنا لست طعماً ولا خادمة في حصنك المنهدم... أنا الشريك الذي سيساعدك على إحراقهم جميعاً حتى يتساقطوا كأوراق الخريف!"
هز أليسيو رأسه موافقا مستمعا لنبرة صوتها. كلماتها لم تكن مصطنعة الخوف أو المناورة لتبعد الشك عنها. كانت حقيقة مجردة و باردة كصلب الخنجر المغمود في جرح حي.
يبدو أن إيزابيلا لم تعد تلك الفتاة التي تساق إلى قدرها بقلب ضعيف مرتجف. أصبحت في هذه الليلة كيانا متماسكا يتغذى على الإنتقام بنفس القدر الذي يتغذى عليه هو.
في هذه اللحظة بالذات تغيرت كل الدينامكية بينهما. سقطت عنه شكوكه مؤقتا لكن ليس بفضل ادعاء البراءة، فقط بفضل وحدة الهدف المظلم الذي ينشط الدم بالدم.
انحنى أليسيو نحوها و مد يده الملطخة بدماء جراحه المفتوحة و دماء خيانات الماضي نحوها. لم يرفعها هذه المرة لصفعها مجددا أو أذيتها... كانت ترتفع مقيدة بوعيد المعارك القادمة التي تبقى و لا تذر.
"الإنتقام في عالمنا ليس مجرد رغبة عابرة يا إيزي.." شرح بصوت منخفض و عميق متردد كالرعد في أركان الغرفة المعتمة.
"الإنتقام طريق ذو اتجاه واحد فقط لا عودة منه لحظة المضي فيه. بمجرد إن نضع أيدينا مع بعض لنحرق العالم معا لن يتبقى لنا شيء... سنحرق العالم و نحترق فيه معا لنتحول لرماد."
رفعت إيزابيلا يدها لتغطي كفه الملطخ بالدم الميت و المخرم بآثار الغبار و البارود.
"دع العالم يحترق إذن... هذا العالم لم يفعل لنا شيء سوى أخذ كل شيء منا..." ردت بشرارة حادة في عينيها.
"طالما أن جوليان أول من يحترق فيه ليليه الخائن في العائلات الخمس فلا بأس... لنخرج معا من هذا الجحيم لنشاركه مع كل من كان سببا فيه."
أغلق أليسيو قبضته على يدها بضغط حازم، ليُبرما بذلك ميثاق الدم والمصير. لم يعد العهد الذي أُبرم بينهما مجرد صفقة إكراه أو زواج سياسي. بل تحول إلى تحالف دموي بين روحين مكسورتين قررتا محو أعدائهما قبل أن يستوعب العالم ما حدث تحت الركام.
قام أليسيو بسحب الشريحة الفضية التي أخثخا من جثة فيكتور و أدخلها في جهاز الإتصال المشفر و المستقر على الطاولة. بدأت الشاشات الإلكترونية بالعمل لتبدأ بالوميض بلون أزرق داكن قبل أن تقوم باستعراض خريطة التحركات السرية لشبكة جوليان و المواقع الأستراتيجية الموزعة عبر عواصم الدولتين روسيا و إيطاليا.
"فيكتور مات..." تكلم أليسيو بينما هو يتأمل البيانات المشفرة الظاهرة على الشاشة التي تدفقت بكثافة.
"لكن لا أحد غيرنا يعلم بذلك. يعتقد الجميع أن كل من كان في القصر من رجالي و نحن قد انتهى أمره. لنبقي الأمر كذلك."
التفتت إيزابيلا نحو الأسلحة المعلقة على الجدار الفولاذي، وامتدت يدها لتلتقط مسدسا خفيفا من طراز Glock 19 مع كاتم صوت، وأفردت الخزنة لتمحص الممشط برباطة جأش لم يعهدها أليسيو فيها من قبل، ثم أعادت الخزنة بصوت انغلاق معدني حاد وبارد.
"سنكون أشباحا إذن..." وافقت إيزابيلا بابتسامة سكنها جحيم الإنتقام.
"دعنا لا نمنحهم الوقت للإحتفال بنصرهم الزائف. دعنا نستمتع بجعلهم يعتقدون أنهم يتعاملون مع جحيم لا يمسهم."
سحب أليسيو سيفه التكتيكي وقال وهو يعيد شحذ شفرته ببرود قاتل: "الليلة، سنلغي كل قواعد العهد القديم. لا أسرى، لا تفاوض، ولا رحمة لأي رجل يحمل اسم جوليان أو يخدم مجلس الخونة."
استدار الاثنان نحو المخرج الخلفي للمقر الآمن، مخرج يمتد مباشرة نحو الانعطافات المظلمة للمدينة السفلية، حيث ينتظرهم العالم الذي يظن أنهم انتهوا تحت الركام.
"دعنا نلملم هذه الجراح الليلة... ثم نفتح أبواب جحيمنا ليبلع كل من تجرأ على الظن بأن عرشنا قد سقط تحت هذا الركام."
همست إيزابيلا والشرر يلمع في عينيها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة حادة كالشفرة، طابقت برود أليسيو وهيبة سيفه.
To be continued...
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (7)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول