ثمن الخطايا 🗝️🖤
ما اخترق الضباب المنتشر في الأرجاء لم يكن مرتبطا ب البصر أو السمع، بل كانت رائحة تعوم في نسيم الأجواء. رائحة خشب الصنوبر و جلد فاخر، تحتها؟ تحتها تكمن لمسة حادة من معقم للمطهرات. كانت رائحة نظيفة و لا تشبه أيا من الأرصفة الرطبة، أو هواء الميناء المفعم برائحة
السمك المتعفن وأ الخوف.
أما ما تلاه كان الصمت. هدوء عميق يصغط على طبلتي ٱذنيها.
ٱجبرت إيزابيلا عينيها السوداويتين على الإنفتاح. لم تجد نفسها في شقتها القديمة حيث حنفية المياه لا تتوقف عن التقطير، على عكس هذه الغرفة التي بامكانها ابتلاع شقتها بالكامل. يتسلل ضوء شاحب عبر تلك الستائر الشفافة راسما كل ما فيها بوهج ناعم و خيالي. كان السرير الذي تحتها محيطا لا متناهي من الحرير الفاخر و الناعم، بارد و أملس تحت جلدها.
ثم فجأة... انفجرت ذاكرتها بصور.
أليسيو فولكوف.
انتفضت، قبضت على الحرير بيدين ابيضتي المفصل. كانت تردي ملابس نوم بسيطة من قطن ناعم لا تعرفه. ليست ملابسها على أي حال. شخص ما انتزع عنها ثيابها. ما كان سببا لصدمتها الثانية، انتهاك غير مرحب به بارد لخصوصية جسمها.
تأرجح قدماها خارج السرير لتلامس سجادة كثيفة. رأسها كان نابضا بآلام كيميائية خافتة، ثمن بسيط ٱستخدم لتخديرها.
كانت الغرفة تحفة فنية خرافية من الثراء الفاخر و الصامت. جدران رمادية هادئة المنظر، لمسات صغيرة من الخشب الداكن. النافذة كانت مطلة على حديقة فخمة و مؤطرة بجدران صخرية شامخة في بنيانها، لا على شارع صاخب و عنيف. لم تجد نفسها في منزل عادي، بل في حصن. حصنه هو. الذي هو قفصها.
نقرة خافتة كان مصدرها جدار بعيد، انشق ليتحول لباب.
المعطف الذي كان يرتديه في الميناء من قبل اختفى تماما من على كتفيه. الآن، هو يرتدي بذلة تبدو و كأنها مرسومة على كتفيه و صدره، و كان قماشها بلون فحمي غامق. يحمل صينية صغيرة من فضة عليها كوب واحد خزفي مزخرف، تتصاعد من عمقه أبخرة دافئة ببطء.
انسحبت عيناه اللتان كانتها بلون سماء شهر يناير عليها. ثم مستحا قدميها العاريتين على البساط ثم نحو ملاءات السرير المتشابكة و شعرها الأشعث. كان تعبير وجهه هادئا بشكل لا يمكن اختراقه.
"أنت مستيقظة." كانت كلمات بصوت منخفض و موزون، كلمات قدمت بيانا لحقيقة فقط و لا شيء آخر. تقدم ليضع الصينية على الخزانة الخشبية الماهونجية الداكنة "فحصك الطبيب لعلاج اصاباتك البسيطة مسبقا. لقد نمت لتسع ساعات."
تسللت أذرع إيزابيلا على نفسها معانقة جسدها، حيث بدا قطن ثوب النوم طفيفا جدا و غير مرءي على جسدها فجأة. "أين أنا؟ ما هذا المكان؟ ماذا فعلت بي؟"
أجابها و هو يقترب من النافذة كمفترس صامت رشيق "أنت في منزلي أنا." توقف عند زجاج النافذة، يداه تسللتا خلف ظهره لتتشابك أصابعه مع بعضها البعض، يدرس الحديقة كما لو كانت من الحسابات الرياضية. "أما عن بقية أسئلتك؟ فقد أخرجتك من الوضع الذي كان سينتهي بطريقة مأساوية و أقل راحة من هذا"
"راحة؟" أعادت كلمته بضحكة ساخرة. "القتلة لا ينقذون غيرهم. أنت قتلت والدي."
التفت نحوها، الثقل الذي بنظراته كأنه لمسة جسدية قاسية و باردة. " لم أقتل والدك. فشله هو الذي جعل من كل التزاماته تنتقل لي، وفقا للقوانين التي نطبقها." لم يرفع نبرة صوته. ما جعل من كلماته الواثقة أسوء من غضب.
من الخزانة، تناول ملفا اسود لم تكن قد لاحظته من قبل. رماه على السرير بصوت غير مسموع.
تابع كلامه و هو يسير حول محيط الغرفة ببطء "كان والدك يائسا. قطع وعودا لم يستطع الوفاء بها. عندما ازيل تحولت ديونه و اصوله للطرف الذي يمتلك المطالبة الأقوى" توقف أمامها مباشرة، قريب بما فيه الكفاية لتتمكن من التقاط رائحة الكتان الذي على قميصه النقي "و هذا الطرف. هو أنا."
شعرت و كأنها محاصرة بقربه و بقوته و كأنها تختنق بما لا تعلم بوجوده. "لا شإن لي بديونه و لا بعالمه. دعني أذهب"
شبح ابتسامة يكاد لا يرى لامس شفتاه لكن لم يصل إلى عينيه " لاتفهمين الأمر. أنت بالفعل لديك الشي الوحيد الكافي الذي يهمني. أنت. اسمك هو المفتاح لتأمين الولاء في المنظمة."
ارتفعت أصابع يده لتلمس برقة خصلات من شعرها و تبعدها عن خدها. تراجع إيزابيلا للخلف لا إراديا، لكن عيناه ثبتتا كأمر جامد.
"أنت بحاجة للحماية، و أنا أحتاج الاستقرار. الحل نهائي و ملزم." تناول الملف مرة ٱخرى، فتحه ليستخرج ورقة واحدة من كريمي ثقيل، طباعة الكلمات حادة و رسمية.
وجهها نحوها. في أعلى و مقدمة الورقة و بخط أنيق: عقد زواج.
قال بصوت لم يترك أي مجال لكلمة ٱخرى "عند غروب شمس هذا اليوم سنتزوج. ستكونين زوجتي. ستكون ظل الحماية المطلقة؛ لكن بالمقابل، سأضمن سلامتك و كهدية سٱقدم لك اسم الشخص الذي أمر بقتله."
عيناها حدقتا في الوثيقة، ثم في وجهه الذي زرعت في ملامحه البرود و الجمود. عالمها لم يكون مائلا فحسب، بل كان في طريق الإنقلاب. لم يرد أبدا انقاذ حياتها، بل الحصول على ورقة رابحة و استراتيجية. استقر الفهم المريض في نخاج عظمها.
" و إن رفضت؟" كان سؤالها بهمس و خوف، بالكاد يسمع.
تصلبت عينا أليسيو ، تحولت إلى زجاج عاكس لظلامه. لم يزمجر أبدا في وجهها. لم يضطر لذلك أبدا.
تمتم و هو ينحني نحوها "خطوة واحدة خارجة البوابة لتكوني مطارة. ليس لديك أي شيء. لن تري شروق الشمس مجددا..." صمت فجأة ليضيف " و ذاك الاسم؟ ستفقدينه للأبد."
استقام ليعود كل شيء كما كان على طبيعته لتنقطع تلك الوهلة المرعبة "ستكون السيارة هنا في الخامسة. الملابس في الخزانة. لا تغادري هذه الغرفة أبدا." توقف أمام الباب المموه ليستدير ناظرا باتجاهها محذرا إياها. "أنا لا أستمتع بالتمرد أو العصيان. لن أتحمل حركات كهذه، ليس من زوجتي."
توجه خارج الغرفة ليغلق الباب وراءه بنعومة.
وحيدة في الهدوء القاتل و الخانق، نظرت إيزابيلا بإتجاه الحديقة ثم نحو القعد الملقى على السرير.
زوجة؟ هذه الكلمة لم تكن عهدا ... بل كانت لقبا. لم تكن مجردة سجينة أو رهينة في القفص الذهبي.
كانت هي القفل و المفتاح بحد ذاته. و الليلة، ستكون مقيدة بسلاسل القسم.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!