وضع القراءة:

صدى الدماء في صمت الحصن🕸🗝

مفاهيم الوقت في هذا المكان المترامي تحت أحشاء الأرض لم يكن يمكن إدراكه بعقارب الساعة. تلاشث الشمس قسرا خلف أوزان من الركام المتساقط، توقف النبض خلف الزجاج للساعات المعصمية عن إعلان خط سير الزمن. غدت مجرد آلات حاسبة لصفير الأنفاس المثقلة بالموت.
داخل المقر الآمن، كانت المصابيح الصفراء الخافتة التي علقت على السقف بسلاسل حديدية شاحبة تفرز ضوءا متذبذبا بتوتر كأنفاس شخص يحتضر، و مع كل هزة أرضية خفيفة التي كانت تنتج عن انهيار متتابع في الكوابق العليا للقصر المحطم. رسمت تلك الأضواء المتماوجة ظلالا متوحشة، امتدت و انكمشت بتهديد. كانت الحوائط تتضضح برطوبة لزجة و ملاط مالح متساقط كعرق مسموم. الصمت كان خانقا و ثقيلا، يجثم على الصدور كبلاط شاهد قبر لا يكسره سوى ذاك النقر المنتظم لقطرات الماء المتسربة من الٱنبوب المكسور. لا تزال رائحة البارود المحترق عالقة في ألياف الثريات الممزقة، إضاقة لنكهة النحاس التي كانت باهتة و حادة تفرز من الدم البارد فوق الجلد.
استقر أليسيو على مقعد خشبي ثقيل ذات أسطح متهالكة بسبب عقود من زمن خالية من أي وسائد. نفس الرجل الذي لطالما قورن اسمه في أزقة العالم السفلي بالسلطة و القوة المطلقة و البرود الذي لا تتحرأ السكاكين على خدشه، الآن مترنحا على حافة شلل نفسي و فوضى عارمة داخليا.
كان جسده العاري من الأعلى معرضا لضوء الشمس الشاحب الذي بطريقة ما تمكن من التسلل لداخل المقر. جلد جسمه كان عبارة عن خريطة مأساوية من الكدمات الٱرحوانية و السوداء، إضافة لجروح عميقة كان نتيجية الإنفجار كأنه تم إلقاؤه في أتون سقر و ٱخرج منه قسرا. تشنجت عضلات ظهره الصلبة مع كل نفس مغتصب، تئن مع كل وطاة ألم مادي محرق. لكن ما كان الأشد إيلاما ليس الشظايا التي كانت مغروسة، فقد كان ذاك الذعر النفسي و الشك المسموم الذي يتغذي على أحشائه ببطء.
بصيلات عقله لم توافق على الهدوء. نظراته الشاحبة التي تشخص السقف الخرساني الذي امتلأ بالشروخ التي ساعدت في إغراقه في بئر عميقة من الشكوك. أين هم رجاله... ٱولئك النخبة الذي أقسموا على حمايته بالدم و الحديد. هل بلعتهم الأنقاض بالفعل وصاروا أجساداً هامدة تحت الركام، أم أن خيانة "فيكتور" لم تكن سوى رأس الجبل الجليدي؟ هل كان كل حارس يقف على بابه، وكل قائد سرية في المرفأ الشمالي، ينظر إلي ظهر أليسيو لسنوات منتظراً لحظة الأذى ليقبض ثمن رأسه بالذهب من جوليان؟
حتى رجاله الأشداء في المرفأ، وفي خطوط الإمداد الخلفية، وفي المستودعات المشفرة... صار يراهم في مخيلته مجرد أشباح هائمة تحمل خناجر مسمومة خلف ظهورها. لقد انكسرت المرآة التي كان يرى بها العالم السفلي، ولم يعد يثق بالهواء الذي يستنشقه، ولا بالبلاط الذي يطؤه، ولا بنفسه.
​وفي وسط هذا الجحيم الداخلي المشتعل، كانت إيزابيلا.
وقفت خلفه مباشرة. نفس المرأة التي كانت قبل ساعات قليلة تتنفس بصعوبة بين يديه و تصارع الموت على هامش الإنفجار، الآن هي تقف بجسد منهك لكن بإرادة صلبة صقلتها النار. ملقاط الجراحة المعدني ارتجف بين أنامل أصابعها. لكن... لم يكن ذلك سببه الخوف و الجزع لا، فقد كان بسب الإجهاد و الإنهاك و الطاقة المستنزفة من عضلات جسمها. كانت حركاتها تصدر صوتا معدنيا خفيفا و نقيا كلما احتكت الأدوات بوعاء المطهر.
انحنت إيزابيلا نحو كتفه الأيسر إلى أن امزجت أنفاسها برائحة دمائه و شعر هو بأنفاسها الحارقة على بشرته. رائحة شعرها المغبر بالرماد الذي امتزج برائحة مطهر الجروح، إضافة لرائحة احتراق البارود التي تسللت لحواسه فقط لتخلق اضطرابا رفضه عقله، لكن بعكس جسده الذي طلبه بشدة. غرزت رأس الملقط البارد ببطىء شديد قي حافة الجرح الغائر قرب لوح كتفه بتبحث عن شظايا الزجاج التي غرست بين عضلاته المتشنجة.
انتفض جسده تلقائيا لتتيبس عضلات رقبته لتكشف عن عروقها المتشابكة و تحجر كتفيه. تنفسه و الهواء المغادر لرئتيه من بين شفتيه كان مسموعا و حادا كصوت شفرة تقطع القماش.
"هيا فلتفعليها... توقفي عن التردد!" أمر اليسيو بزفير خشن و صوت مبحوح أشبه بصوت حفيف الحصى فوق صخرة صلبة. تلك الكلمات لم تكن موجهة نحو السكين و الملقط، فقد كانت تحديا موجها لضعفه المتخفي، كان تحديا لفكرة أن جسده القوي الآن بات عاريا و مخترقا، مكشوفا أمام هذه المرأة بالذات.
تجمدت يد إيزابيلا منتصف الحركة لتشعر بحرارة دمائه المتسربة من جرحه التي انبعثت نحو بشرتها. رفعت عينيها نحو مؤخرة رأسه لتتأمل الشريط الطويل من الندوب القديمة التي اخترقت ظهره. ندوب معارك سابقة، رصاصات عديدة اخفقت في الاتجاه نحو قلبه مرات عديدة، إضافو لسكاكين قد غرست في ظله لعقود من الزمن. ثم أخيرا تسللت عيناها نحو الجروح الجديدة التي لا تزال تنزف لتحكي رواية الخيانة المشتركة.
ألم يعلمك أحد في عالمك المظلم و البائس هذا أن الصمت في مواجهة الألم لا يقتله، فقط يجعله ينمو داخل العظام كالسوس حتى ينخرها و لا يتبقى منها شيء؟" تمتمت سؤالها بصوت منساب في هدوء هذا القبو الموحش لتحمل نبرتها تحد لم تكن لتجرأ على استخامها أمامه قبل أيام. فيبدو أن الموت المشترك قد منحها حصانة كاملة لمن مؤقتة.
إلتلف اليسيو و وجهه رأسه ببطء نحو اليسار إلى أن كاد وجهه الحاد و فكيه القاسيين يلامس طرف يدها التي تستخدمها لتمسك الملقط. طوقت الهالات السود عيناه العميقة من التعب و الإرهاق، لكن عيناه برقتا باضطراب مفترس و مظلم.
"الألم ليس عدوي لأتحاشاه أو أرجو زواله يا إيزابيلا... إنه مجرد صديق قديم جاء اليوم ليزوؤرني مجددا." تكلم بصوت منخفض أين تعثر كبرياؤه العتيد و انهار داخليا.
"الألم هو الصديق الوحيد الصادق في هذا العالم الفاسد. التذكير الوحيد القاسي الذي يدل على حياتك و نفسك، و أن قلبك لا يزال نابضا في حين يزحف الحميع حولك في الظلام في محاولة منهم إنتزاع هذا الحق منك... بمن فيهم الذي يمسكون يدك ليضمدوا جروحك."
توقف إيزابيلا عن السحب مؤقتا فورا. اشتد ضغط أصابعها على المقبض المعدني حتى ابيضت مفاصلها كالعاج. رمت الملقط بحدة و بطريقة مفاجئة على الطاولة المعدنية المجاورة، ليصدر تصادمهما رنين حاد و قاطعا للصمت القاتل في الغرفة. تناولت لفة الضمادات القطنية و بدأت تلفها حول صدره العريض و كتفه المصاب بقسوة عن قصد.
لمسات أصابعها التي كانت تثبت الضماد على جلده لم تكن رقيقة أو تحتوي على الشفقة التي مقتها أليسيو و رأى فيها إهانة لكبريائه، و لم تكن أيضا لمسة طبية باردة. كانت لمسة حليفة تتفحص متانة السلاح الوحيد الذي ستقاتل به في الأيام القادمة.
"أنت لا تتحدث عن هذه الشظية الحقيرة التي أستخرجها من ظهرك الآن يا أليسيو. صح؟" اتهمت و هي تحكم ربط الضمادة على كتفه بضغط شديد ما جعل من عضلاته تتشنج. انحنت قليلا لتلتقي أعينهما من الجانب مباشرة.
"أنت لا تشك في الملقط... أنت تتحدث عن فيكتور. وتتحدث عن نفسك. أنت تتآكل من الداخل لأنك أصبحت تصدق أن الخيانة هي الأصل الثابت في كل من يحيط بك، وأن كل كائن يلمسك إنما يبحث عن مكمن القتل فيك."
​تجمدت حدقتا أليسيو، وانكمشت خطوط جبهته. نعم، فيكتور. الاسم كان يقع في أذنيه كوقع جرس الموت في مقبرة مهجورة. الصديق الذي شاركه الخبز والدم والملاذ، الأخ الذي كان يحرس ظهره لعشر سنوات كاملة دون أن يرمش له جفن. كان طيفه يلوح في كل زاوية مظلمة من هذا القبو الخرساني، يضحك بتهكم ساخر من القائد الذي ظن أنه لا يُقهر.
​"فيكتور لم يكن مجرد رجل خائن أو مرتزق بحث عن المال يا إيزابيلا،" دافع أليسيو عمن اعتبره صديقه الوحيد، وانخفضت نبرات صوته لتصبح خشنة، أقرب لززئير وحش جريح يُحتضر داخل جحره المعتم.
"كان فيكتور تجسيداً للشك الذي حاولت العيش دونه... كان البرهان الحي على أن الولاء مجرد وهم مؤقت، شمعة تذوب وتنطفئ عندما يرتفع الثمن على الطاولة. عندما تنظرين إلي الآن بكل هذا الكبرياء... وعندما أنظر أنا إليكِ، كيف لي أن أعرف من تكونين حقاً في أعماقك؟ هل أنتِ الشريكة التي تقف معي في منتصف هذه النار، أم أنكِ مجرد طعم آخر أعده جوليان بدقة فائقة ليضمن أنني لن أستيقظ من هذا الكابوس مطلقاً؟"
تضخمت مشاعر أليسيو لتتضارب مع العجز الذي يشعر به في صدره. نظراته نحو إيزابيلا متهمة بتناقض مرعب مزلزل لثباته التكتيكي. فقط كانت تمثل تمثل في نظره الملجأ الوحيد المتبقي له في هذا الانهيار الكلي، وفي الوقت نفسه، كان عظيم الشك بها. يراودك شعور مجنون وقهري يدفعك للقبض على عنقها الناعم للتأكد من أنها لن تطعنه في غفلته، وشعور أشد جنوناً يدفعك لإلقاء ثقل جسده وراسه على كتفيها والبوح بكل أسراره. كان يكره حاجته إليها، ويكره أكثر هذا الدفء الخفي والغريب الذي يتسلل إلى مجرى دمه البارد كلما اقتربت منه ورأى الإصرار في عينيها.
انحنت إيزابيلا نحوه أكثر، كانت حركاتها مفاجئة حتى بالنسبة له، خاطفة لكن واثقة. بات وجهها الآن على بعد انش واحد فقط. امتزجت أنفاسهما القادمة من ألم مشترك. غاصت عيناها الداكنتان الممتلئتان بالتحدي في حدقتيه المشتعلتين، وكان همسها حاداً، صريحاً، وقاطعاً كشفرة حلاقة تمس العرق الحساس في العنق.
"ٱنظر إلي جيدا يا أليسيو... ركز نظرك في عيني و لا ترمي عليّ ظلال أوهامك وخوفك من رجالك الذين باعوك في أول شوط. انظر في عمق عيني وشاهد بنفسك... هل ترى فيهما خوفاً منك؟ هل ترى التردد الذي يكاد يقتلك الآن وينزع منك منزلتك؟ أنا لست طعماً رخيصاً في يد جوليان، ولست قطعة شطرنج يحرّكها المجلس الأعلى كيفما يشاء ليأخذ منك ما هو لك. أنا الشخص الوحيد في هذا الكون المدنس الذي يحمل نفس العطش الذي يحرق حنجرتك... العطش القاتل للثأر. والفرق الجوهري بيني وبين فيكتور الذي يطارد أفكارك المريضة، هو أنني لا أبتسم في وجه أحد قبل أن أغرس السكين في صدره! صدقني سأكون هناك حين يجثو جوليان لك، سأكون هناك بجانك مثلما ستكون بجانبي حين أغرس خنجري في صدر قاتل والدي. أنا أعدك بهذا. ٱقسم بدمك الحارق على بشرتي هاته."
امتزجت أنفاسهما الملتهبة في تلك المسافة الضيقة بين وجهيهما. فالغرفة لم تعد مجرد مقر للإحتماء تحت الركام. الآن أضحت مسرحا حيا لتصفية الحسابات النفسية و دليلا على الصراع بين الشك و الولاء. لم يعتد أليسيو أبدا على تلك النظرات حيث الجرأة و التحدي دون أن يدفع صاحبهما ثمنها بحياته. هنا وجد نفسه في مواجهة مرعبة. هذه المرأة لم تكن مجرد ضحية تبعته للخلاص، بل كانت المرآة القاسية التي تعكس كل شظاياه المحطمة، وتجبره على النظر إلى ضعفه الخفي والاعتراف به.
نهض أليسيو ببطء شديد غير آبه بآلام جسده التي كانت تنهشه مع كل حركة صغيرة. إتكأ بركبتيه على البلاط البارد قبل أن يستوي قائما. تنهد بثقل عارم و تأوهات عضلات صدره و كتفيه تحت الضمادات التي كانت محكمة الإرباط. استطاعت قطرة من الدماء التسلل عبر صبغة بياض القطن على كتفه الأيسر. تحرك بخطوات بطيئة و موزونة نحو الطاولية الحديدية التي تكدست أدواتهما الشحيحة وسط الظلال المتموجة.
تغطت الطاولة بطبقة خفيفة من الغبار. فوقها استقرت الساعة العتيقة التي تخص والده. مفتوحة الغطاء، ينبض عقربها الصغير بصوت نقر خافت كأنه قلب مريض يرفض السقوط. وإلى جانبها، أُلقيت الوثيقة الجلدية القديمة التي انتُزعت من القصر، تلك التي تفصح خطوطها الباهتة عن أصل المؤامرة الكبرى التي نسجتها العائلات الخمس مع المجلس الأعلى قبل عقود.
توقف أليسيو أمام الطاولة و مد إبهامه الخشن الذي تلطخ بالدماء و البارود فوق الشاشة الرقمية الصغيرة لجهاز التتبع التكتيكي. كانت الشاشة مضيئة بضوء أزرق و كئيب لتعكس الخريطة الطبروغرافية للمدينة السفلى و المرفأ الشمالي.
"جوليان يظن أننا صرنا أجساداً هادئة تعفن تحت أنقاض القصر المنهار،" تكلم أليسيو بصوت خفيض، تخترقه نبرة من الثقة المظلمة التي تحاول ترميم شروخ الخوف في قلبه.
"يعتقد أنني فقدت عرشي ونفوذي، وأنكِ مجرد حطام ينزف حتى الموت في إحدى حفر هذه المدينة النخرة. سنمنحه هذا الوهم القاتل... ونغذيه بصمتنا المطلق حتى يستريح في نشوة النصر المزيف."
تقدمت إيزابيلا نحوه بخطوات هادئة لتتوقف إلى جانبه تماما، أسندت خصرها النحيل لحافة الطاولة. انحنت قليلاً لتتأمل عيناها مسارات الشحنات المشفرة التي كانت تومض بقطرات حمراء صغيرة على الشاشة، حيث امتزج ظل رأسها بظله على الجدار المبتل.
​" سنلعب هذه اللعبة يا أليسيو. لكن بأي ثمن" سألت بصوت يتخلى عن حدة التحدي السابق ليحل محله تركيز حاد.
"الهدوء قبل الضربة يحتاج إلى الأرواح لتدفع صمنه، وأنت تعرف أن جوليان ليس بالرجل الذي ينام مطمئناً دون أن يرى جثثنا أمامه."
"سندفع الثمن بكل ما نملك و بكل ما لا نملك. فحتى إن تطلب مني الأمر سبع معجزات و كل ثرواتي المتبقية..." رد أليسيو و عيناه بداتا في التوجه نحوها. نظراته كانت تفيض بتناقض مخيف. امتزجت بين القسوة المطلقة و الجنون.
"سٱضحي بكل ما تبقى في. سأسترد حياتي مجددا و ما هو ملكي. غداً، لن نكون أليسيو وإيزابيلا اللذين عرفهما هذا العالم. سنكون الأشباح التي تخرج من تحت الأرض لتعصف بكيانهم. سنضرب مراكز قوتهم الحيوية، سنقطع أيديهم الممتدة، وسنترك خلفنا أثراً ملغماً بالغموض والريبة... سأجعل المجلس الأعلى، وجوليان، والعائلات الخمس يلتهمون بعضهم البعض كالمستذئبين الجائعين في الظلام، حتى لا يبقى في ساحة المعركة سوى الرماد."
تسللت يد إيزابيلا نحو الطاولة و أصابعها أمسكت السكين الثقيل ذي الشفرة السوداء. قبضتها لم تكن استعراضية، كانت حركة محاكية حركات شخص حسم أمره و قرر مصيره في الجحيم بكامل إرادته.
"أنا معك." وافقت إيزابيلا بدون تردد بالؤغم من الألم العاصف الذي يمزق أضلاعها مع كل نفس تتنفسه.
"فقط أصدقني القول... بعد أن ننتهي من هذا و نحرق هذا العالم و ننتقم لك و لوالدي و لكل قطرة دم سفكوها في أروقة القصر. ماذا سيبقى لنا؟ ما الذي سنعيش من أجله؟ هل ستكون حياتنا صالحة بعد أن نستردها بهذه الطريقة القذرة؟" سألت بنبرة كان عمقها حسرة ممزوجا بالندم ربما.
توقف أليسيو عن تحريك الشاشة الرقمية. هدوء مريب وخناق ساد في الغرفة، هدوء انقطعت فيه حتى أصوات قطرات المياه المتساقطة من الجدران الخرسانية، كأن الزمن تحجر فجأة في هذه البقعة المعتمة. حدة الشك السامة في عينيه للحظة فقط تلاشت بشكل خاطف ليحل محلها حزن و حداد غريبين وعميقين، حزن و حداد رجل أدرك أنه حرق سفنه وطرق عودته قبل أن يلمس قدمه الشاطئ.
"الرماد هو كل ما سيتبقى لنا يا إيزابيلا..." همس و عيناه لا تفارقان شفرة السكين الحادة التي في يدها.
. "لا شيء سوى الرماد البارد. لكنه سيكون رمادنا نحن... رماداً أنقياء نلتحف به، ولن يجرؤ خائن على العبث به أو تدنيسه بعد اليوم."
استدار أليسيو و توجه نحو خزانة الأسلحة الخشبية المثبتة في الجدار المعتم. بمهارة كانت قد صقلت بسنوات من الخوض في حروب العالم السفلي، بدأ بتفكيك و تجهيز حقائب تكتيكية سوداء. اختياره للأسلحة كان بعناية مرضية، كان يزن كل قطعة في قبضته و كانه يختبر مقدرتها على القتل و سفك الدماء دون أخطاء. مسدسات كاتمة للصوت لا تحمل أرقاماً تسلسلية، قنابل دخانية مضغوطة، أجهزة تشويش ترددية صغيرة يمكنها تعطيل الكاميرات والأنظمة الرقمية لعدة مئات من الأمتار، وذخيرة كافية لإدارة معركة خطوط خلفية كاملة.
حركاته كانت تشبه الآلة فالبرود. كانه يفرغ روحه عمدا من آخر قطرات عاطفة بشرية ليتحول لآلة دمار شامل. بعكس عقله الذي كان يغلي في مكانه. كلما التفت إيزابيلا وراءها لتتفقد خزانا أو سلاحا اجتاحته موجة من الذعر. هل سأضطر يوماً للضغط على الزناد ضدها؟ هل هذه العينان السوداوان اللتان تنظران إليّ بوفاء ظاهري تخفيان خنجراً غادراً أعده جوليان؟
صراعه النفسي كان يمزقه بين قطبين متضادين. رغبة جامحة في أن يجذبها إلى صدره ليحميها ويمتص دفأها الذي يذيب جليده الداخلي، ورغبة أشد قسوة في إبعادها عنه، بل وتهديدها، حتى لا تغدو نقطة ضعفه القاتلة التي يستغلها أعداؤه لكسر ظهره مجدداً.
"هل تعتقد أننا سنخرج من هذه الحرب أحياء؟" سألت إيزابيلا بينما كانت تتابع بدقة صفيح الرصاص النحاسي الذي كان يقوم بسكبه بدقة في صفيح الرصاص النحاسي ليسكبه في مخازن المسدسات بدقة رغم إصاباته و صوت النقر الرتيب يملأ الفراغ.
توقف أليسيو عند الرصاصة الأخيرة و رفع بصره نحوها من فوق كتفه العريض، كانت ملامح وجهه حادة و قاسية كأنها نحتت من صخر الجرانيت الأسود.
"الخروج أحياءا لم يعد الهدف الوحيد المرجو من هذه المعركة يا إيزابيلا." رد عليها بنبرة جافة و باردة.
الهدف الآن هو تغيير قواعد اللعبة السائدة وإعادة تشكيل الخارطة. لقد ظن أولئك الطغاة لعقود أنهم يملكون مصائرنا، وأننا مجرد قطع شطرنج يتحركون بها على رق أطماعهم ليحقّقوا مكاسبهم. لكن الليلة... سنسقط الطاولة فوق رؤوسهم جميعاً ونحرق الرق بمن فيه."
توجهت إيزابيلا نحوه بخطوات قصيرة لتلغي كل المسافات الفاصلو بين جسديهما. انبثقت رائحة دمائه الحارة التي امتزجت برائحة عرقه و مطهر الجروح و البارود. دقات قلبه تسارعت بشكل مكتوم في قفصه الصدري لتتسلل لمسامها لتعطيها أخيرا شعور الحقيقة و الواقعية وسط كل هذه الكوابيس المحيطة بهما.
"سنحرق الجميع يا أليسيو" وعدت بنبرة انتقامية.
ليس دفاعاً عن عرشك الساقط، ولا تكريماً لأطياف الماضي الميت... بل لأنهم تجرأوا على ظن أنهم يستطيعون امتلاك أرواحنا والتحكم بنهاياتنا كما يشاءون."
في تلك اللحظة تماما سقطت الألقاب و تلاشت كل الفوارق التي كانت بينهما. فهو لم يعد القائد و هي لم تعد الضحية. فقط روحان ملعونتان قررتا رفع لزاء العصيان المباشر ضد نظام كامل من الفساد و بطش البشر. كانت أجواء الغرفة تغلي بتوتر مكتوم وسط رغبة عارمة في تدمير الذات و بحاجة ماسة للإلتصاق و النجاة.
"سنحتاج إلى خطة دقيقة للغاية،" قال أليسيو و قد تحولا بلمح البصر إلى هيئة القائد الصارم، صوته يعود لبروده المرعب ليخفي كسور مشاعره.
"في الساعات الأولى من الصباح، عند مرفأ الشمال، ستصل الشحنة السرية الكبرى الخاصة بجوليان. هذه ليست مجرد شحنة أسلحة عادية. فهي الشريان الذي يربط بين نفوذ المجلس الأعلى الإيطالي والمافيا الروسية معا. إذا ضربنا هذه الشحنة وأوهمنا جوليان بأن المجلس هو من صادرها لحسابه الخاص، ستندلع حرب داخلية تأكل الأخضر واليابس."
أنا أعرف تفاصيل جغرافية المرفأ الشمالي أكثر مما تتخيل،" أجابت إيزابيلا، وعيناها تتسعان بذكاء حاد وشغف قتالي.
"أعرف الممرات الضيقة بين الحاويات الحديدية الصدئة، وأعرف ثغرات نظام المراقبة القديم في الرصيف الرابع. جوليان رجل يحكمه الشك المطلق، لن يعتمد على التكنولوجيا الرقمية وحدها، بل سيرسل النخبة من رجاله الأكثر ولاءً وشراسة. لن ينفعنا الهجوم المباشر يا أليسيو؛ سنحتاج إلى ما هو أبعد من مجرد زرع قنابل وتفجيرها."
​اقترب أليسيو منها أكثر حتى تلامست جباههما، وانتشرت أنفاسه الحارة المحملة برائحة التبغ المكتوم والحديد على بشرة وجهها الباردة لتمتزج مع أنفاسها.
​"سنحتاج إلى أن نكون الأشباح التي يخافونها في أحلامهم،" أجاب أليسيو، وعيناه تغرقان في عينيها.
"سنتحرك في الظلمة المطلقة، سنقطع شرايينهم دون أن يروا ظلنا، ولن يعرفوا من الذي سحب الزناد حتى يغرقوا في دماء بعضهم البعض. نحن لسنا مجرد قتلة مأجورين يا إيزابيلا... نحن حكم القدر الذي تأخر كثيراً عن صدوره."
​شعرت إيزابيلا ببرودة السكين التكتيكي في قبضتها، وبحرارة أنفاسه التي تخترق الصقيع المتراكم في روحها. ضاق عالمها بالكامل ليختصر في هذا القبو المظلم، وفي هذا الرجل المترسخ في القسوة والاضطراب، لكنه كان الحقيقة الوحيدة الصادقة التي تشعر بها وسط زيف العالم الخارجي.
​"ليكن ذلك إذن،" قالت بصوت ثابت لا تشوبه شائبة تردد.
"ليبدأ الجحيم الذي وعدتنا به."
​خلال الساعات التالية، لم يكن هناك وقت للراحة أو النوم. انقلبت الغرفة الخرسانية إلى غرفة عمليات عسكرية عالية التركيز. قضا المتبقي من الليل في تفكيك الخرائط الطبوغرافية، دراسة مسارات دوريات الحراس، وحساب التوقيت بالثانية. كان أليسيو يشرح التكتيكات الهجومية المعقدة بأسلوب صارم ودقيق، وكانت إيزابيلا تتدخل لتعديل الخطط بناءً على فهمها لجغرافية الموقع وسلوكيات رجال جوليان، مكتشفة ثغرات أمنية غفلت عنها عيناه المثقلتان بالشك والجهد. كان تفاعلهما يمثل تكاملاً مرعباً. القوة الغاشمة والخبرة الميدانية لأليسيو، ممتزجة بالذكاء التحليلي والسرعة البديهية لإيزابيلا.
To Be Continued...
119 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.