أطياف الدم و النار🔥📜🗝
لا يزال صدى كلمات إيزابيلا الأخيرة "الدم لا يغسل إلا بالدم" يدوي في زوايا السيارة المصفحة، ممتزجا و متحاوبا مع زئير المحرك الذي كان يلتهم الطريق المبلل و هو يبتعد عن أنقاض الميناء و رائحة الجثث و الدخان المشتعل المتصاعد نحو السماء.
كانت سيارة المايباخ الداكنة السوداء تخترق قلب ضباب الفجر الكثيف كوحش يعود لجحره بعد مجزرة مشبعة. في الخارج كانت أضواء الشوارع تتلاشى بعيدا كنجوم ساقطة على المحيط، بينما كان المطر ينهمر و يطرق السقف بضربات رتيبة و متواصلة، عازفا رثاء أسود لم ينتهي بعد حتى بعد شهداء هذه الخرب الطاحنة.
أما داخل السيارة فقد حل عليها صمت مخيف و خانق، مشحون بتوتر حاد، كأنما الهواء أصبح أثقل من أن يتمكن المرء من استنشاقه.
جلس أليسيو مستندا بجسده الضخم على ظهر المقعد الجلدي الأسود الفاخر، يده اليسرى تحمل السجل الأسود ذي الغلاف الجلدي الخشن الذي كان مربوطا بالشريط الحريري العتيق. مرر ابهامه العريض على حافة الدفتر بتأن و بطىء شديدين، حركاته كلن أشبه باستشعاؤ نبضات الأسرار و الخيانات المدفونة بين الصفحات طوال الأربعين سنة الماضية. قميصه الأسود التكتيكي الممزق عند الكتف الأيسر كشف عن خط قان لخدش ناري سطحي لم يمنحه أليسيو عناء اغماض عينيه من أجله. فقسوة العالم الذي يعيش فيه كان قد دريه على تحمل و تجاهل الألم الصغير في سبيل السيطرة و القوة و الاستسلام في المعركة للفوز بالحرب الكبرى.
بجانبه و في أقصى زوايا المقعد الخلفي كانت إيزابيلا تتنفس بصهوبة برئتين ضعيفتين.
جسدها المرتعش بانتظام غير مستقر بسبب الارتداد العنيف للأدرينالين المسموم المتدفق عبر عروقها خلال دقائق الميناء المرعبة، رعشتها لم تكن أبدا بسبب برد من هواء الليل القارص. انخفض بصرها ببطء نحو يديها المستريحتين على بنطالها التكتيكي الأسود الداكن. كان مفاصل أصبعها مغطاة بالدم و البارود و غبار الطينء، بالاضافة لبقعة داكنة جافة تجلس كوشم مرعب على ساعدها الأيمن.
دماء المهاجم.
لا يزال صوت تحطم عظام فكه و صوت تهشم جمجمته حين هوت عليه بالمطرثة الحديدية يعاد في قعر دماغها كخلقة مفرغة أو شريط موسيقى مكسور. رائحة الميناء المتعفن و النحاس الملتصق بالدم الجاف لا تزال مستقرة في أنفها، تسببت بجعل حنجرتها تشعر باحتراق الغثيان و الرغبة الشديدة في التقيء.
إلتفت رأس أليسيو نحوها ببطء. عيناه تعكسان بريقا مظلما من الفخر البارد الممتزج بالهوس و السيطرة اللذاي لا يحاول اخفاءهما.
"لاتزال أطرافك ترتجف يا ابنة موريتي؟" سأل ينبرة هادئة و صوت موزون خال من أي شفقة، لكنه كان يحمل ثقلا قاطعا لا يقبل الشك. "لقد أخذت الدفتر و فتحت شيفرة الخزنة و همشت رأس رجل حاول الإمساك بك. عليك رفع رأسك عاليا بدل الانكماش كفأرة مذعورة في زاوية السيارة."
التفتت إيزابيلا نحوه بسرعة، في عينيها تشتعل شرارات التمرد التي لم تطفئها كل أهوال الصباح، و على وجنتها كان الشحوب المقيم هناك يخترق ليتحول لغضب صاف.
"أنكمش؟ هل تمازحني؟" صرخت في وجهه بنبرة حادة و صوت مبحوح بفعل البارود. "لما تحدثني كأني خضت مباراة شريفة ضد خصم نبيل؟ لقد جعلت مني طعما يا أليسيو! ألقيت بي وسط مجزرة. لقد اجبرت على كسر رأس رجل بمطرقة كي لا يفرغ رصاصات سلاحه في صدري! ثم ها أنت هنا تقدم لي محاضرة في الكبرياء و الغرور؟ اعفني!"
"كم مرة يجب على أن اخبرك؟ انا لم استخدمك ابدا كطعم... كنت دائما المفتاح!" رد عليها بنبرة باردة و هو يضع الدفتر في الجيب الداخلي لسترته المصفحة التي كانت ملقاة بجانبه مجددا. ثم أضاف دون النظر إليها: "بالإضافة، إن لم تكن لديك تلك الغريزة الخامة للبقاء و القتال؟ كنت ستكونين الآن مجرد جثة اخرى هامدة مضافة لسجلات الميناء. أنت لم تموتي... قتلت لتعيشي. و بدلا من أن تعترفي يجانبك المظلم و شراستك المخفية، ها أنت مجددا هنا تمثلين دور الضحية المظلمة و البريئة التي ٱجبرت على دخول عالمنا."
"أنا لست ضحية!" صرخت في وجهه بصوت يمزق الصمت داخل السيارة المغلقة و المتحركة، بنبرة مشحونة برغبة عارمة على تحطيم بروده. "و لست لعبة أيضا، لست بيدقا يمكنك الإستغناء عنه و لا قطعة قماش يمكنك تشكيلها كما تشاء!"
"أجل، أنت زوجتي!" انخفظت نبرة صوته لنبرة خشنة و مهددة و قريبة جدا، أمال جسده عبر المقعد الخلفي نحوها ليقلص المساحة التي كانت بينهما حتى استطاعت إيزابيلا الشعور بوهج حرارة جسدة المنبعث عبر القماش الأسود لقميصه التكتيكي. ثم همس لها: "أنت Del Don La Sposa. و في عالما؟ المرأة التي لا يمكنها سفك دماء للحفاض على حصنها و حصن زوجها دائما ما تنتهي جثة ليدفنها الأعداء في الميناء. تماما كما حدث للأحمق الذي وثق بالكلمات و سقط في أول كمين صادفه. والدك حقا أحمق!"
كلماته تلك و حديثه عن والدها و التحقير من موته و طريقة ادارته للمنظمة كانت اخر الشرارات التي فجرت صمام الأمان و التحكم داخل روحها.
ارتفع كف ايزابيلا الأيمن، نفس الكف المغطى بغبار المعركة و دماء المرتزقة الجافة التي كانت بسبب حمايتها لنفسها لأنه لم يستكع حمايتها، بانشقاق كبرق خاطف و مشحون بكبرياء خليفة المافيا التي اهينت كرامتها و مشاعرها و ثقل حدادها للحد الأقصى.
طخ!
سقطت صفعة على وجنة أليسيو اليسرى بقوة و هستيرية. ارتد مع احتكاك كفها بوجنته اليسرى صدى الصوت داخل السيارة المصفحة. أجبرت قوة الصفعة رأسه على أن يميل قليلا نحو النافذة الجانبية. توقفت السيارة عن الحراك فجأة بسبب صدى صوت الصفعة، فحتى السائق كان مذعورا و انقبضت يداه على عجلة القيادة بسبب ما حدث في المقعد الخلفي للسيارة.
تجمدت أنفاس إيزابيلا في حلقها بينما كان صدرها يعلو و ينخفض بجنون، و يدها لا تزال معلقة في الهواء و ترتجف بشدة. ابتلعت ريقها ببطىء بينما تحاول أن تستوعب كبرياء ما فعلته توا. لقد صفعت 'الدون فولكوف'... لقد صفعت الدون أليسيو فولكوف الذي انحنت له جميع العائلات الخمسة.
ساد أجواء السيارة بطء مرعب و قاتل.
لم يصرخ في وجهها... لم يزمجر... لم يندفع نحوها ليرد الصاع صاعين كما توقعت في عقلها المرعوب.
أدار رأسه ببطء شديد ليلتقي بصره ببصرها ليكشف عن الرسم الأحمر الداكن لشكل راحة يدها على وجنته. ارتفعت يده الأكبر لتغطي العلامة المرتسمة ليدها الصغيرة و النحيلة على وجنته، مرر ابهامه على الوجنتة المصابة بتأن، و توسعت عيناه بنور خطير و شيطاني... نور رجل لم يجرؤ مخلوق على لمسه بجرأة كهذه قط طوال حياته. لكن بدل أن يكسر رقبتها و يقتلها في مكانها، كان يبدو كأنه يتغذى على هذه الشراسة و يزداد هوسا بها.
"جميل... خطوة شجاعة." هز برأسه و تمتم بنبرة منخفضة، صوته خرج كحفيف الأفعى حاملا وعيدا ملفوفا بهوس مكتوم. "لكن اياك ثم اياك أن تتجرئي على مد يدك على مرة ٱخرى يا إيزابيلا. المرة القادمة التي ترتفع فيها يدك لتلمسني بهذا الشكل؟ ستجدين نفسك مقيدة بسلاسل من حديد إلى أركان السرير في الجناح الرئيسي و أعدك أنك لن تري نور الشمس مجددا إلى أن تعرفي مكانك و موقعك."
امتدت أصابعه كأغلال حديدية صلبة لتمسك بمعصمها الأيمن المرتجف الذي لا يزال معلقا في الهواء، ضغط عليها ببطء شديد حتى أجبرها على خفض يدها نحو المقعد، و وجهه كان على بعد انش واحد من وجهها الشاحب.
"أنت لا تخيفني أيها الدون..." همست و عيناها تفيضان بدموع غضب مكبوت و كبرياء جريح.
"أنا لا ٱحاول إخافتك يا Mia cara moglie." همس و شفتاه تقيبا تلامسان طرف اذنها و أنفاسه الحارقة كانت تخترق برودة جلدها: "أنا فقك ٱعيدك تذكرك بواقعك. لقد وصلنا."
توقفت سيارة المايباخ أمام البوابات الحديدية الصخمة للقصر الصخري الشامخ. كان المدخل الرخامي مغسولا بفعل المطر المنهمر و توهج بلون زيتي داكن. و أضواء الحصن التي كانت تختفي وراء الأشجار تعكس ظلالا حادة بين الجدران العتيقة.
ترجل أليسيو بثبات حازم، كأنه لم يتلق صفعة منذ لحضات أو كأنه لم يخرج من ساحة اطلاق نار نار حي.
تلته إيزابيلا بخطى متثاقلة تحارب فيها إرهاقها الذهني و الجسدي الذي كان يطحن مفاصلها و ركبتيها. عبر الممرات تحت رقابة رجاله الذين كانوا يلتزمون الصمت. لم يكن أحد يتجرأ على رفع بصره و النظر لأثر الاحمرار على خد الدون أو بقع الدم المتيبسة على ساعد زوجته. الحميع كان يعرف أن النظر في وجه الدون في لحظات كهذه تعتبر تذكرة مجانية للقبر.
الدخول إلى الجناح الرئيسي كان يشبه دخول غرفة تقليل الصغط الجوي بعد الغوص في أقصى أعماق المحيط. ابتلع السجاد الفاخر صوت الخطوات، أما الستائر الثقيلة السوداء الداكنة كانت تحجب ضباب الفجر و الهواء الثقيل الصامت... كل ما كان في الأرجاء عمل على كتم صخب العالم الخارجي الصارخ الذي غادروه للتو من الميناء.
هذا الأمان الظاهري لم يمنح إيزابيلا السلام أبدا. فقد كان يبدو كنوع أكثر فخامة من الإحتجاز المطلق و السجن المؤبد.
توقفت إيزابيلا حينها وسط الغرفة الفسيحة، بلا ملاذ و تائهة في محيط بلا مرساة تشدها للأرض.
انخفض بصرها نحو اللطخة الطويلة و الداكنة على ساعدها الأيمن التي بدأت تجف تماما، تتشقق و تنشق على يشرتها كذنب و عنف شائكين.
دماء المرتزق.
ثقل المطرقة على يدها.
صوت تهشم الجمجمة و كسر الفك.
كل ذلك كان يعاد في ذهنها مرارا و تكرارا في حلقة مفرغة... حلقة طافحة و ممتلئة برائحة الموت المثيرة للدوار و الغثيان. إيزابيلا الآن لم تعد مجرد فتاة قادمة من حياة الكتب و الشعر. الآن أصبحت جزءا من آلة الموت.
"اذهبي و اغسلي يديك."
أمر أليسيو بصوت منخفض، جاءها كحفيف أفعى مثقل ببحة ارهاق قاسية. كان قد خلع مسبقا سترته السوداء التكتيكية التي كانت تلتصق بسلاحه الناري و ألقى بها عبثا على الأريكة، و شهد قميصه التكتيكي أسفلها أحداث الصباح. ملطخا بالأتربة و مطرزا بطلقات نارية بلون الصدأ. بدا كجلاد سار وسط عاصفة من العنف و الحدة التي لا تزال تشتعل في عينيه. مروضة لكن بعيدة جدا عن الإنطفاء.
تنهدت إيزابيلا طويلا ثم أطاعته بشكل تلقائي دون أن تتمتم حتى بكلمة، تحركت كأنها جسد بلا روح... كأنما جسدها لم يعد ملكها و لا يخصها.
داخل الحمام الفسيح و البارد الذي كان مصنوعا من الرخام الرمادي الإيطالي و المرايا الضخمة ذات الإطارات الفضية. أسندت إيزابيلا يديها المرتجفتين على حافة الخوض الابيض، ثم نظرت لانعكاس صورتها على المرآة... كان وجهها شاحبا كالموتى، عيناها واسعتين برعب غريب تعلوها بقعة طين و دماء على الذراع و الوجه.
فتحت صنبور المياه بسرعة لتتصاعد الأبخرة من الماء الساخن، بدأت بفرك العلامة بقسوة مستخدمة الصابون. بالرغم من ذلك يديها كانتا لا تزالان ترتجفان لدرجة أن كل ما فعلته كان تلطيخ و نشر بقع الدم لمناطق اهرى على بشرتها، فأصبح لون بشرتها أحمرا و متهيجة و مؤلمة.
فجأة... وراءها و تحت إطار الباب ملأ حضور خطير الأرجاء.
خطا أليسيو للداخل بخطوات صامتة و كان يحمل صندوقا معدنيا صغيرا للأسعافات الأولية. دون أن ينطق حتى بكلمة واحدة، تقدم نحوها و أزاح يديها المرتجفتين جانبا بلمسة حازمة ثم قام بغلق الصنبور. تناول قطعة قماش كتانية نظيفة من الرف و بللها بالماء الدافئ ثم تعقب معصمها الأيمن و أمسك به بحزم.
كانت قبضته على معصمها لا تلين، أشبه بأغلال حديدية. بعكس لمسته حين بدأ بتنظيف ذراعها بقطعة القماش. كانت لمسته دافئة و محددة بشكل يدعو للارتباك.
"يمكنني فعل ذلك بنفسي... دعني!" تكلمت بصوت مبحوح و مجرد من التحدي السابق.
تنهد ثم رد عليها بصرامة دون أن يرفع عينيه عن ساعدها: "اثبتي ولا تجعليني افقد صبري!"
كانت يده تعمل بشكل هادىء و يمسح الأوساخ و كل آثار العنف ببطء. القطعة القماشية المبللة و الملمس الخشن لأصابعه التي كانت قد طبعت عليها آثار ندوب قديمة. كان ذلك التناقض صارخا و مربكا لروحها، مع الفوضى الوحشية التي عاشتها في الميناء. كان الأمر يبدو و كأنه فحص ديقيق من قاطع طرق لأسيرته، أو حماية رجل لزوجته المنهكة.
"من سرب موقع المخزن لجوليان هو شخص من الرجال الخمسة الذين كانوا على علم بالخطة. لا أحد يمتلك تلك الإحداثيات خارج دائرتي الضيقة." تكلم بصوت منخفض و ثابت.
رفعت بصرها نحوه و البخار يداعب وجهها الشاحب: "ما الذي تتكلم عنه؟ خائن في دائرتك المقربة؟ هل تشك الآن في رجالك؟"
"لا أحد سوى فيكتور و أربعة من رجاله كانوا على علم بأمر انطلاقنا قبل الفجر." أكد بينما كان يدير قطعة القماش و يمسح بقايا البقع عن مفصل ابهامها ببطء. "سأفك رموز السجل الأسود صباحا. الاسم الاول الذي سيكون في البحث ليس قاتل والدك... بل سيكون الجرذ الذي يتغذى من على طاولتي ثم يغذي أعدائي مقابل مشتريات رخيصة."
توقف عن مسح ابهامها و ألقى القماش الملطخ باللون القان في الحوض الرخامي الأبيض.
"لكنك..." تابع بصوت أكثر انخفاضا و ظلمة و حميميا لحد أين لامست أنفاسها وجنتاها: "فعلت ما كان يجب عليك فعله للبقاء حية. معظم الرجال و النساء كانوا سينكسرون على ركبهم مستسلمين و متوسلين. لكنك تصرفت بغريزة ذئبة تحمي جحرها."
"لقد قتلت رجلا يا أليسيو... هشمت عظام وجهه و مات بين يدي. هذه مأساة لا انتصار." همست و كلماتها ترتد هشة في البخار المتصاعد بينهما.
ارتفعت يده المليئة بالندوب لتتغلغل بين خصلات شعرها الغرابي عند قمة رأسها، مرر ابهامه على قمة عظمة خدها بتملك كحكم لا مرد له. أو وشم ملكية معمدة بالدم و الحديد.
"لقد نجوت. و هذه هي العملة الوحيدة التي تمتلك القيمة الحقيقية في هذا العالم القاسي و البشع. لقد قمت بحماية نفسك و حمايتي في خط الدفاع الأول في الوقت الذي تراجع فيه الجميع." صحح لها بنبرة حميمية و خطيرة سارية في جسدها كتيار كهربائي.
كلمة 'نحن' التي حضرت في الأرجاء دون دعوة كانت منطوقة بلغة صريحة و ملموسة، تغزل إفعالها و تصهر وجودها المتمرد داخل قضيته و حربه المظلمة.
الأدرينالين الذي كان سلكه مشدودا في جسدها قد بدأ يغير تردده ببطء مخيف. الرعب و التأنيب الأخلاقي و الخوف من الجريمة. كل ذلك يدأ يالذوبان و التبخر بثقل الإرهاق الشديد ليحل محله دفىء مريب، دفء يزحف في أوصالها كسم ناعم.
نظراته التي كانت متعلقة بها لم تكن بدونية إلى عقد استراتيجي أو بيدق لعبة الشطرنج لحماية الحدود. نظراته كانت مغمورة و متعمدة بالدم في نفس الخندق الذي يمكن لشريكة المفترس أن تغرق فيه.
تلك النظرات سلبت أنفاسها و جعلت من نبض قبلها يتسارع.
اقترب منها أكثر ليلغي بذلك المسافة التي كانت تفصل بينهما، إلى أن لامس جدار صدره الصلب جسدها المنكمش عند الحوض الرخامي. استطاعت إيزابيلا بذلك أن تشتم رائحة الصباح فيه بوضوح. البارود المحترق و الأرض الرطبة و الهواء البارد و تحت كل تلك الطبقات القاسية الرائحة الدافئة لبشرته.
"لما ترتجفين يا إيزابيلا؟ هل هو الخوف مما حدث في الميناء... أو ربما مما يحدث هنا الآن؟" تمتم بينما كانت أنفاسهما ممتزجة معا.
"أنا غاضبة فقط... أمقتك أيضا!" تمكنت إيزابيلا من الحديث بصوت متقطع و مرتجف.
كانت كلماتها كذبة هشة شفافة كالزجاج، يينما خانها جسدها المرهق الذي اختار أن يميل غريزيا نحو دفء جسده الصلب ليبحث عن الحماية في العمود الءي يمنعها من السقوط و الاستسلام للدوار و الغثيان.
"لا يا ابنة موريتي... أنت است غاضبة. أنت حية. يمكنك سماع دم الوحش تصرخ في عروقك لأنك خضت المعركة و عدت حية." همس أليسيو حين وضع يده الٱخرى على خصرها عبر السترة الجلدية ساحبا إياها بقوة متجاوزا أي مجال للهروب.
كل كلامه كان فيه على حق. مواجهة الفناء و شلل الرعب في الميناء كان قد حطم كل طبقة مدنية و مصطنعة من شخصيتها القديمة. لطالما كانت تمقت هذا العالم الذي دخلت فيه. و لكن في تلك اللحظة في الظلال، كان هو المرساة الوحيدة و الحقيقية في هذا السقوط. كلن هناك. حقيقيا و صلبا، رآها في أكثر حالاتها شراسة و بشاعة دون أن يطرف له جفن.
سقطت نظرات عينيه الرماديتان نحو شفتيها. كانت المسافة بينهما حذرة و استراتيجية كالتي حافظ عليها منذ ليلة الزفاف تحطمت بالكامل إلى شظايا غير قابلة للكسر. يبدو أن "الدون" الحسابي البارد قد اختفي ليحل محله رجلت قاتلت زوجته كالذئب المحاصر للتو، و كانت الحاجة لامتلاك تلك الشراسة و تعميدها واضحة في معالم وجهه.
اشتدت أصابعه بقسوة على خصرها حين توسل: "أخبريني أن أتوقف... أخبريني أنك تكرهينني و تكرهين رؤيتي لأخرج و أتركك لغصبك وحدك."
ارتفعت عينا إيزابيلا نحو عينيه... عيني القاتل و الحامي. كل غرائزها كانت تصرخ لتدفعه بعيدا و ترفض هذا الايتعباد الروحي.
لكن بدلا من دفع صدره... ارتفعت يدها المرتجفة ببطء لتتشابك أصابعها النحيلة في شعره الداكن عند مؤخرة عنقه. جذبته نحوها بكل ما كانت تمتلكه من غضب و شغف مظلم و رغبة في البقاء على الحياة.
كانت تلك القبلة كالإنفجار المدوي وي سكون الليل.
لم تكن تشبه قبلة الشرفة الوهمية في شيء؛ فتلك كانت مجرد إعلان مسرحي بارد أمام الكابورجيم والأعداء، أما هذه فكانت استسلامًا وغزوًا اندمجا في كينونة واحدة. كانت يائسة، حادة، مالحة، ولها طعم معدني يشبه المذاق المتبقي من الخوف والبارود والقتال.
أصدر أليسيو عند شفتيها صوتا عميقا و غريزيا مشبعا بالنصر الشرس. رفعها بكتفه ليجلسها فوق السطح الرخامي للحوض مقربا إيها نحوه أكثر فأكثر.
كانت يداه تستكشفان جسدها بتملك وإصرار لا يرحمان، تاركتين أثرًا من النار تحت قماش كنزتها وسترتها الجلدية. كل لمسة منه كانت كأنها وشما و تأكيدًا حارقاً لسيطرة لم تعد إيزابيلا تكتفي بتحملها فحسب، بل باتت تقابلها بجوع بري متبادل، كأنها تطرد شياطين الموت والجريمة عبر حرارة هذا الرجل وجسده الصلب.
في قلب هذا الحصن العميق، بعيدا عن كل تلك الأنقاض و الأعداء. نسي العقد و الصفقة لدقائق معلقة في جوف الزمن. لم يكن هناك شيء سوى التواصل المرعب القائم على العنف و الحقيفة الظاهرة التي لا رجعة فيها.
إيزابيلا موريتي لم تعد سجينة مقيدة بأغلال الدون... فقد أصبحت ملكه بالكامل و شريكته و عاتق الدم.
To Be Continued... (أمزح... أمزح)
ابتعد عنها فجأة بعد دقائق من الشغف المشتعل، كلاهما أنفاسهما كانت متسارعة و تلتطم بهواء الحمام البارد. عيناهما كانت متصلتين كأن عهدا غير مكتوب قطع بينهما في الظلام.
تسلل ابهام أليسيو على شفت إيزابيلا السفلى و قال بصوت منخفض: "غيري ملابسك و استريحي قليلا. سأكون في مكتبي."
تراجعت إيزابيلا لتسند ظهرها على المرآة و صدرها يعلو و ينخفض بشدة بينما حاولت استرداد أنفاسها بصعوبة. عيناها كانتا مثبتتان عليه حين استدار و غادر الحمام بخطى واسعة تاركا خلفه هيبة و حرارة حارقة.
بعد نصف ساعة كانت إيزابيلا قد اغتسلت و محت آخر قطرات الطين الدم عن بشرتها. ارتدت قميصا حريريا و بنطالا قماشيا واسعا و شعرها الداكن الرطب منسدل على كتفيها. أصبح جسدها خفيف و فارغا من كل تلك المشاعر، أما عقلها فقد كان صافيا تماما بشكل مخيف.
خرجت من الجناح و توجهت نحو المكتب. كان المكان أشبه بمقبرة بهدوءه، استثاءا للرجال الواقفين كالأصنام عند كل زاوية.
فتحت الباب الخشبي للمكتب لتجد الغرفة غارقة في ضوء المصباح الدافىء، كان أليسيو يجلس خلف مكتبه الضخم، قد غير قميصه الملطخ بالدماء و عالج خدش كتفه و ارتدى قميصا أسود ناصع و طوى أكمامه حتى الساعدين ليكشف عن ندوبه القديمة على جلد ذراعيه.
على السطح الخشبي للمكتب كان الدفتر الأسود مفتوحا تحت الضوء.
رفعت إيزابيلا بنظرها لتلتقي بعينه عندما خطت للداخل. لم ينطق أليسيو بحرف، فقط اكتفى بالاشارة نحو الكرسي الجلدي الذي يقابله.
جلست إيزابيلا و تطلعت عيناها للصفحات الصفراء القديمة المليئة بالرموز المعقدة التي كتبت بخط يد قديم و مبهم.
"هل بدأت العمل على فك الشيفرة؟" سألت بنبرة هادئة و مستقرة.
"لا. كنت أنتظرك." هز رأسه نفيا عند رده بصوت عميق و هو يميل للأمام.
"الصفحات الٱولى مكتوبة برمز عائلة
موريتي القديم... تلك الرموز التي تعلمتها في طفولتك. الصفحة الرابعة تحتوي على أسماء التحويلات و سجلات الخيانة التي أدت لمقتل والدك و تسريب شحنات الأسلحة."
سحبت إيزابيلا السجل نحوها بسرعة. تأملت الحروف المتصلة. للوهلة الٱلى بدت كشعار لاتيني عتيق. لكن كانت تحتوي على نمط استبدالي خاص تعلمته من كتاب أبيها السري حين كانت لا تزال فتاة صغيرة.
مررت أنامل أصابعها النحيلة على الأسطر:
"Veritas in Umbra... 1984... C.V. - E.L."
تجمدت أصابعها عند الأحرف الٱولى المكتوبة باللون الأحمر الداكن في أسفل الصفحة: VR.
اتسعت عينا إيزابيلا و رفعت رأسها لتنظر لأليسيو بذهول بارز على وجهها.
"ما بك؟ ما الأمر؟" سأل أليسيو بنبرة قاتلة.
"هذه الأحرف..." همست و هي تشير بارتجاف للسطر الأخير، ثم تضيف: " أليسا أول أحرف اسم ذراعك الأيمن؟ ليسا حرفي اسم خادمة."
تجمد الدم في عروق أليسيو. فجأة ساد المكتب صمت رهيب.
الذراع الأيمن لأليسيو، الرجل الذي يقف خلفه في كل معركة، الرجل الوحيد الذي يحمل ادارة أمن الحصن و احداثيات تحركاتهما في الميناء هذا الصباح. نفس الرجل الذي ااتمنه أليسيو على حياته.
ارتفعت عينا أليسيو لتلتقي بعيون إيزابيلا، اكتست عيناه بنور بارد و علت على شفتيه ابتسامة مظلمة و حادة. ابتسامة تمهد للعاصفة المقبلة... عاصفة من الدم لم تشهدها العائلات الخمس من قبل.
"تجهزي Mia Cara... هذه الحرب الطاحنة قد بدأت للتو."
To be continued...
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!