وضع القراءة:

جمر العرش و الحديد❤️‍🔥⏳

الصمت الذي كان يلي الإنفجارات أشد خطورة من أصوات الرصاص العالي. صمت امتزج برائحة الكبريت و حمل في جوهره مرحلة جديدة لا تبنى على المواجهة بطريقة مباشرة بقدر ما تعتمد على التحرك خفية كالأشباح لتدير الشفرات من الظلال.
بالخارج تحت قطرات المطر الغزيزة التي ضربت أسطح المستودعات المهجورة في طيات المدينة السفلية، كانت الدوائر التكتيكية قد ٱغلقت بالكامل بالفعل. سيارات الإسعاف أو جهاز الأمن للدولة كالشرطة لم تكن هناك لتحاصر شيئا، فالمنطقة كانت محمية بالفعل بواسطة ٱسطول من الشاحنات السوداء التي خلت من أي لوحات تسجيل قد تكشف هوية صاحبها، أما الرجال فكانوا يرتدون سترات واقية قتالية داكنة و هم يحملون آخر طراز من الأسلحة الآلية التي زودت بكاتم للصوت ليمارسوا الإنتشار بطريقة مدربة بآلية صامتة و عسكرية.
كانت الطليعة تتكون من تحالف رجال موريتي الأوفياء جنبا بجنب مع نخبة المافيا الروسية لتنفيذ عملية التنظيف الميداني تحت ارشادات البروتوكول 'الإبادة للصفر'.
في قلب الأروقة المنهارة للمقر المحترق انتقل الرجال كحيوانات كاسحة. انتزعت كل المقابس من وحدات المعالجة المركزية، تم سحب كل الأشرطة و بطاقات الذاكرة المشفرة، إضافة لتجريد أجهزة الإتصالات من شرائحها الفضية. تم توجيه كل نافثات الحرارة الكيميائية نحو الخزائن الحديدية و مكاتب الأرشيف التي تبقت لتدمير أي أثر قد يكون متبقيا أو أي وثيقة قد ترمز لأليسيو و إيزابيلا على أنهما لايزالان على قيد الحياة.
وسط كل الساحة التي غرقت في الدخان. جثة فيكتور كانت لاتزال ملقية فوق ركام القصر المنتهي. تقدم أربع رجال من البراتفا الروسية ليقوموا بلف الجثة داخل حقيبة سوداء محكمة الإغلاق. لم تكن تلك الخطوة من أجل إكرامه ميتا لا، بل كان الأمر لسحب الجثة و التخلص منها ليكون المكان خاويا، ليبدو الأمر كأن المكان احترق بمن فيه.
لكن و قبل أن يتمكن الرجال من الإنحناء لمس جثة فيكتور... أز ما تبقى منها على أي حال. حملت الرياح الباردة صوت أليسيو الجامد و أمره.
"توقفوا! لا أحد يلمسه!" أمر بغضب عارم بالرغم من صوته المرتجف جراء الإصابات و الألم و زوال مفعول المورفين.
تجولت عينا أليسيو إلى أن استقرت على جثة فيكتور الملقاة على الأرض بين الرماد و الركام. تقدم نحو الجثة بخطوات متثاقلة و هو يعرج بآلامه.
"هذا أخي... إنه أخي... ابتعدوا عنه!" صرخ أليسيو بكل ما تبقى له من قوة في جسده الخائر. انحنى ليجثوا أمام ما تبقى من جثة فيكتور ليجعل من الرجال الأربعة ينسحبون دون أدنى كلمة. ارتفعت يده الدامية و المرتجفة لتستقر على صدر فيكتور فوق قلبه تماما، كأنه لا يريد التصديق أن صديقه الوحيد الذي كسر كله قوانينه من أجله تكون نهايته بهذه الطريقة. رصاصة في رأسه من مسدس أليسيو فولكوف بذاته.
تسللت أذرع أليسيو تحت جثمان فيكتور ليحمله غير آبه لما فعله و لا لصرخات جسمه. حمل ما تبقى من فيكتور بين ذراعيه و كل ما استطاع التفكير فيه هو تلك المرات التي حمى فيها فيكتور ظهر أليسيو و تلك المرات التي تلقى الرصاص من أجله. خيانة فيكتور لم تكن تعني شيئا... ليس لأليسيو على أي حال.
غادر أليسيو ليترك الرجال وراءه ليعتنوا بالعملية و يواصلوا الهدف منها: ابقاء موت جوليان سرا عن مجلس المافيا الإيطالية، ابقاء وهم أن إيزابيلا و أليسيو قد ماتا و تحولا إلى رماد تحت الأنقاض و النار التي التهبت بفعل الانفجار.
في الوقت الذي كانت فيه الفرق تنهي مهمتها بتثبيت المواد الحارقة، كان أليسيو يتكئ بإحدى يديه على جنب شاحنة وقود قديمة و صدئة بينما قامت اليد الٱخرى بالضغط بقوة على كتفه المصاب و ذلك بعد أن قام بنقل جثمان فيكتور لإحدى السيارات لتمم شعائره الجنائزية بطريقة المافيا. الضمادة التي وضعت على كتفه كانت متشبعة تماما بدمائه التي تأبى التوقف عن التسرب من بين أصابعه لتتقاطر على الحصى لتزينها باللون القان. ارتدت عيناه بريقا مظلما و برقت بشكل معتم بينما عقد حاجياه تحت تأثير النزيف الداخلي و التمزق العضلي في أضلاعه.
"أليسيو..." صدر اسمه من تحن لسان قائد الفرقة بصوت منخفض امتزج بنبرة من الهيبة.
"لقد أغلقنا الموقع كاملا. لدينا الأرشيف الآن و جثة فيكتور تم الإعتناء بها. لم يعد هناك أي دليل على أننا كنا هنا."
قبل أن يتمكن أليسيو من الرد بأوامر انهار جسده و تهاوى بين ذراعي إيزابيلا. ارتجفت ركبتاه لتخونه ليسقط على الأرض المبتلة الممزوجة بالبارود.
انتفضت إيزابيلا من مكانها بسرعة لتسنده على جسدها النحيل، أمسكت ياقة سترته التي تمزقت بقوة لتمنعه من الإنهيار بالكامل أو السقوط على وجهه. رفعت ذقنه برفق لتلاحظ في عينيه النار ذاتها التي ولدت لحظة نطق القسم و ابرام الميثاق في ليلتهما الٱولى معا.
"لا تتجرأ على تركي. ليس قبل أن نصل لروما." همست إيزابيلا في ٱذنه بصوت مبحوح يحمل أمرا لا نبرة توسل.
"لقد قطعت عهدا و قسما دمويا لا تنس ذلك. لا يمكنك السماح لشظايا من زجاج أن تنهي هذه الحرب بهذه الطريقة. لا ٱريد السجل و لا الخائن و لا القمة إن كانت من دونك." همست في ٱذنه بصوت مرتجف.
فتح أليسيو عيناه اللتان احمرتا على وجهها، استطاع كسر لعنة ألم حلقه ليهمس: " إن سقطت هنا... فأنا آسف... سيتوجب عليك التقدم لوحدك. إن سقطت هنا فاعلم أني آسف أنني لم أستطع الوفاء بوعدي... إن ولدت مجددا؟ سأختارك أنت... سأجدك في الحياة القادمة. إنتظريني فقط."
"لا تتجرأ بلفظ هذه الكلمات! لن ٱكمل شيئا من دونك. أنت السبب الوحيد لحياتي أتذكر؟ أنت تذكر وعدنا صحيح؟ أخبرتني أنني من مقدساتك... أخبرتني أن قلبك ينبض بقدري أنا إذن لما تمرد الآن." دوت صرخات إيزابيلا في صمت المكان.
"أنت من جرني لهذا الجحيم... أنت من اخترت أن تنقذني في الميناء. عليك أن تكون بجانبي إذن. وعدتني أن تحرق العالم من أجلي لا أن تحرق عالمي." توسلت بصوت مرتجف و قطرات من دموع تسللت على خديها من تحت جفونها.
التفت نحو الرجال لتصعقهم بصرخاتها: "ما الذي تفعلونه؟ خذوه للمركبة! يجب علينا أخذه للمشفى فورا!"
كسر كل سائق قوانين المرور قبل أن تتوقف الشاحنات أمام بوابة المستشفى الحديدية للمركز الطبي المخفي تحت الأرض الذي كان متموقعا في الضواحي بعيدا عن أعين الشرطة و السلطات. كان المكان عبارة عن مرفق طبي سري مخصص لمعالجة قيادات العالم السفلي بشكل خفي و بعيد عن الأنظار، جهز بأطقم جراحية مخصصة و معدات متطورة و حديثة غير تلك التي توجد في المستشفيات العمومية أو الخاصة.
استلقى أليسيو على الناقلة الطبية كمارد جريح حين كانت تندفع عبر الممرات الطبية المعقمة، كان صدر أليسيو يعلو و ينخفض بأنفاس متسارعة و متقطعة. كست الدماء ظهره و كتفه و ملأت الندوب القديمة التي تشابك و الجديدة التي كانت جراء التمزقات التي تسببتها الشظايا القنبلة المزدوجة.
حين حاول طبيب التخذير وضع القناع على وجه أليسيو انتفض من مكانه فورا و قبضته توجهت نحو معصم الطبيب.
"لا تخدير كلي... اريده موضعيا فقط. لا أثق بأحد... ٱريد أن أكون صاحيا لأرى مجرى العملية!" استطاع أليسيو الهمس بصوت مبحوح.
عقد الطبيب حاجبيه بذهول و تراجع خطوة للخلف بدهشة. هز رأسه بغير موافقة: "هذا مستحيل. الشظايا مغروسة في الفقرات العنقودية و الشريان الكتفي أيضا! الألم سيسبب لك صدمة عصبية قد تؤدي لتوقف قلبك فورا!"
"قلبي لن يتوقف... الألم مجرد صديق قديم جاء ليزورني مجددا." رد أليسيو بدون مبالاة لتحذير الطبيب.
"فقط ضع التخدير الموضعي في مكانه و ابدأ القطع."
تبادل جميع الطاقم الطبي النظرات بين بعضهم البعض بدهشة و ذعر بسبب الرجل المصاب الذي يرفض التخدير و يطلب بكل جرأة استخراج شظايا عميقة من ظهره و هو في كامل وعيه. أومأت إيزابيلا رأسها داعمة قرار أليسيو و لتثبت طلبه. قامت بارتداء ثوب طبي فوق ثيابها المتسخة بالغبار و الرماد و البارود. وقفت عند رأس السرير مباشرة و أمسكت بيد أليسيو بضغط داعم.
بدأت العملية الجراحية تحت المصابيح الساطعة البيضاء. صوت المشرط و هو يشق الجلد و هو يرافق أصوات الأدوات الطبية الفولاذية التي غاصت بين الأنسجة لتقوم باستخراج الشظايا التي غرست بفعل جدران القصر المنهار و انفجار القنبلة. مع كل شظية سحبت و رميت في الوعاء المعدني بصوت حاد، تقلصت عضلات أليسيو و تشنجت. لكن في عينيه شرار منبعث و مثبت على وجه إيزابيلا. لم تعلو صرخات أليسيو في غرفة العملات و لا صوت أنينه كان مسموعا منزلقا من بين شفتيه، كانت عيناه تراقبان عيني إيزابيلا و غارقتان في محيطهما تماما.
"لما أنت مصر على الألم؟ دعم يخدرونك!" توسلت إيزابيلا بصوت مرتجف و عيناها لا تفارقان طبقات جلده المفتوحة ولا أعضائه الداخلية الظاهرة و لا الدماء التي تسيل من ظهره على السرير الطبي الأزرق بينما كانت أصوات الملاقط الجراحية تمتزج بصوت تمزق الجلد و انفجار الشرايين.
"لأنه ضعف..." تمتم بصوت متقطع و قطرات من الدماء تتسلل من بين أسنانه.
"سأستيقظ في تابوت مغلق لو سمحت لهم بجعلي أنام. ثم إني ٱريد رؤية وجهك و أنا أتطهر من دماء الخونة... صدقيني إن لا أشعر بشيء سوى أنفاسك و يدك." همس بصوت مرتجف.
"تطهر ماذا؟ أنت لا تسدد سوى ثمن قراراتك الحمقاء." همست إيزابيلا حين مسحت قطرات من العرق من على جبينه بمنديل طبي معقم. "لكن لا بأس... لن تدفعه لوحدك. ثم كيف لك أن تجد مكانا كهذا رومانسيا؟"
"حتى لو كنت في قعر الجحيم سيكون المكان نعيما بوجودك. هل تصديقين إن أخبرتك؟" سأل بضعف و أنفاس متقطعة.
فجأة أوقف صوت الطبيب الجراح الرئيسي المرتجف حوارهما: "هذه الشظية هي الأخيرة لكنها ستكون أكثر إيلاما. فالتخدير الموضعي لن يكون ذا فائدة بسبب مكانها و عمقها. متأكد أنك لا تريد التخدير العام؟" سأل محذرا أليسيو.
انحنت إيزابيلا نحوه لتمتزج أنفاسهما بحرارة: "لا تتجرأ على النظر لغيري... لا تتجرأ للنظر لسكاكينهم. فكر بوعدك... فكر بما أخبرتني به."
تم سحب الشظية الأخيرة من ظهره بينما هو كان قد أطبق بفكه بإحكام ليمنع أي صوت أنين من التمرد و الخروج
لكن استطاعت بعض من قطرات الدماء التسلل مجددا من جروحه ليسارع الأطباء بكيها و تخثيرها. ضغطت الضمادات كل من كتفه و ضهره، وضع الأطباء سترة داعمة لأضلاعه المكسورة كإجراء أخير قبل نقله لغرفة جديدة.
في اليوم الموالي تماما و تحت الإشراف الطبي نهض الشيطان مجددا على قدميه مشدود القامة. دخل أليسيو غرقة الإتصالات المشفرة داخل المركز الطبي، الغرقة بنيت يطبقة عازلة و مجهزة تماما بشاشات عرض ضخمة و عالية التشفير و الأمان المعتمدة على الترددات الفضائية الكمية.
لمعت على الشاشة الرئيسية صورة ذات جودة و دقة عالية، كان البث مباشرا من مقر القيادة العليا للمافيا الروسية بموسكو. ظهر الدون 'نيكولاي فولكوف' الأربعيني الصلبء الدون الألعلى للبراتفا الروسية و العين الساهرة لحماية العرش الشرقي.
ارتدى الدون بذلة تحمل تفاصيل عسكرية، شعره رمادي مصفف ببوراء و عيناه كانتا باردتان أجمد من الثلج. امتدت ندبة من على جبينه في الجهة اليمنى لتسير على عينه وصولا لذقنه، كانت ندبة تسرد تاريخا عتيقا من سفك الدماء و الحروب.
صمت الغرفة كان مرعبا قبل أن يتدفق صوت الدون من مكبرات الصزت بشكل موزون و عميق، بالرغم من هدوءه إلا أنه استطاع أن يحمل هيبة مزلزلة.
"لم أعتقد أني سأراك يوما هكذا يا إيفانوفيتش."
تجمد أليسيو في مكانه لأنه لم يسمع تردد اسمه الأوسط منذ أن كان فتى صغيرا. تطلع بصره نحو وجه الدون على الشاشة بينما كانت إيزابيلا تبدو غير مدركة من هو المدعو إيفانوفيتش هذا.
تابع الدون بغضب: "هل نسيت عرقك الروسي، هاه؟ ستسقط كل هءه الأقنعة التي ارتدتها هذه اللعبة لمدة ثلاثين عاما. ألا يكفي مافعله والدك من أجل والدك؟ تحدي الجميع من أجل إيطالية و الآن أنت سرت على خطاه؟ ثم الآن المجلس الإيطالي يعتقد أنك مجرد محلي استطاع الحصول على النفوذ بفعل سياسة رجل ميت؟ هل نسوا حقا ما حدث من قبل أم أنهم يتناسون؟ "
"من هو هذا إيفاتوفينش؟" همست في ٱذن أليسو مستغربة.
"إيفانوفيتش ليس إيفاتوفينش." صحح أليسيو بهمس بدوره ثم تابع و اعترف: "إنه أنا! كيف لا تعرفين اسم زوجك الكامل؟ ماءا كنت تقرئين في عقد الزواج؟" سأل بينما كان يحاول ألا يكسر كاريزمته أو شخصيته.
"لم أقرأه أصلا... فقد كنت مجبرة على توقيعه أتذكر؟ استيقظت بعد ساعات من التخدير لٱوقع قسما معك. لم أحضر جنازة والدي أصلا... لا أدري أصلا إن كانت هناك جنازة لائقة أصلا!" عقدت إيزابيلا حاجبيها و هي تهمس ردها بغضب.
تجولت نظرات الدون عبر الشاشة بين إيزابيلا و أليسيو ليطلق العنان للحقيقة العارية للظهور.
"إنه من دماء روسية عريقة و أصيلة بالرغم من بعض قطرات الدم الإيطالي التي ورثها من والدته. اسمه الكلي و الحقيقي هو 'أليسيو إيفانوفيتش فولكوف'. أما نصيبه الهائل لدى الإيطاليين فلم يكن هبة من أحلافهم و لا كرما من مجالسهم."
توقص صوت الدون لثواني معدودوة قبل أن يكمل بنبرة منكسرة. "النصيب الءي يعود لنا من إيطاليا ليس سوى نتيجة لانقلاب عسكري قاده والده من أجل حبيبته. اقتحم والده و دمه العريق يغلي في حصن عائلة روسي الإيطالية الجنوبية. سحق القيادة و اغتال الجميع بدم بارد و سحب منهم كل شيء. ثم ضم كل تلك الٱصول إلينا. لكنه ترك فيكتور حيا تحت ظلك ليشاهدك و أنت تجلس على كرسي أبيه المفقود."
ارتجفت إيزابيلا من هول الحقيقة التي تسمعها من الدون الروسي عن زوجها الذي استسلمت له بارادتها بعد أن سلمت له سلطة قلبها. أخيرا استطاعت وضع النقاط على الحروف لتتمكن من وصل الأحداث ببعضها البعض. تسللت عيناها نحو وجه أليسيو لتجد البرود السحيق يعلوه عند تذكيره بالماضي الذي ظن أنه طي النسيان. كأنه لم يكن يعرف جزءا من هذه الظلال أو أنه فقط لم يكن يريد الإعتراف بها كحقيقة مطلقا.
"اعتقدت أنك كنت تحاول إيجادا سبب لتقنعني أن فيكتور بريء... لكني لم أكن أعتقد أبدا أنك الوحش في قصته. فيكتور لم بخن بل أنت من فعل، لقد علمت من يكون منذ البداية و تلاعبت به صحيح؟" صرخت إيزابيلا في وجه أليسيو غير آبهة في إصاباته أو حالته الصحية الخطيرة.
تدخل ابدون نيكولاي قبل أن يستطيع أليسيو الرد على صرخات إيزابيلا: " بالطبع يا فتاة..." أكد الدون بصرامة. "فيكتور استخدمته عائلة فولكوف قبل أن يعبم حوليان بوجوده أصلا. على ما يبظو إن جوليان قد وعد فيكتور أنه سيعيد له ما سلب من والده قسرا إن قام بتصفية أليسيو و سحب الأرشيف المشفر إضافة للسجل الأسود الخاص بوالدك. لكن ما لايزال مجهولا هو السجل و السبب الذي دفع الإيطاليين لتصفية والدك من أجل ذلك السجل."
"أنت تعلم أني لا أعرف القصة جيدا يا نيكولاي. نشأت في العاصمة موسكو حتى سن العاشرة ثم ارسلت لمعسكرات التدريب قبل أن يتم ارسالي نحو إيطاليا لتمحى هويتي الروسية من الوجود لأتمكن من التحكم و السيطرة على الممتلكات الغربية للعائلة. لم أكن أعلم أن فيكتور مان يشاهدني كل يوم و أنا أعتلي العرش الذي كان يجب أن يكون من نصييه هو." قاطع أليسيو الدون نيكولاي بصرامة ليحتج هلى كلامه مدافعا على فيكتور الذي كان و لا يزال يعتبر صديقا من قبل أليسيو.
"بالضبط. لهذا السبب بالتحديد كان قطع رأسه واجبا. لا تنس أنك السبب في موته، أنت الشخص الذي قضى عليه من أجل الحفاظ على حبيبتك." رد نيكولاي ببرود.
"التجرأ على تفجير منزلك ليست مجرد تصفيات ثأر شخصي، بل هي دليل على الخيانة و التمرد ضد عائلة فولكوف. إنه إعلان حرب طاحنة بين آل فولكوف و المجلس الإيطالي الجبان."
صرخ نيكولاي رده بينما ضريت قبضته مكتبه بصوت تردد عبر مكبرات الصوت في الغرفة.
"يظنون حقا أننا سنصمت على محاولة إبادة الوريث الشرعي لآل فولكوف؟ كل قواتنا من الجيوش و الرجال إلى الأسلحة و المعدات الحربية تحت إمرتك! لا تتجرأ على أن تطأ قدمك روسيا مجددا دون أن تجعل من روما و إيطاليا كلها رمادا محترقا أفهمت؟ لا تجبرني على القدوم إلى هناك... فأنت من سيدفع الثمن بقبلك!" هدد نيكولاي قبل أن تنقطع الإشارة الفضائية للشاشة لسود الصمت أجواء الغرفة.
ابتلع أليسيو ريقه بصعوبة لمعؤفته معى كلمات و ثقل تهديد نيكولاي. التفت نحو إيزابيلا بوجه جليدي صامد بينما قلبه يكاد يفجر شرايينه رعبا من حقيقة التهديد. فهو يعلم أنهم سيجعلونه يشاهدها و هي تصرخ باسمه و هو غير قادر على فعل شيء.
تقدمت إيزابيلا نحوه و لامست يدها صدره المغطى بالضمادات. "حقيقة كونك غير إيطالي تماما لا يغير إتفاقنا صحيح؟ ستعطيني السجل الأسود لأفك شفرته لأعرف من قاتل والدي كما فككت الشفرة الأزلية لٱعرفك على الخائن في منظمتك صح؟" سألت بصوت مرتجف و غير متأكد.
ارتفعت يد إيزابيلا نحوها برفق لتلامس ذقنها بينما استطاعت عيناه أسر روحها: " ما سال من أجلك إيطالي... و ما تبقى مني روسي. القسم الذي ٱبرم بيننا لا يعترف بالحدود يا إيزابيلا. روسيا كنت أم إيطاليا، كما جعلت جوليان يركع لك لأنك طلبتي سأجعل روما كلها تركع لك تحت طلباتك."
لم يعد هناك أي مجال للتراجع أو التفكير في خطط للدفاع. تحول المقر الطبي لثكنة عسكرية تجري في جوهرها عمليات التجهيز النهائي بأقصى درجات الدقة.
في الساحة الكبرى حيث يتسلح الرجال، كانت هناك صناديق خشبية تحتوي في داخلها عتاد عسكريا لا يستخدم إلا للإبادة الشاملة. حيث تحتوي الصناديق على رشاشات ثقيلة من طراز (PKM)، بنادق هجومية حديثة من طراز (AK-12) مزودة بمناظير حرارية وكواتم صوت متطورة، قاذفات صاروخية مضادة للدروع، وأجهزة تشويش إلكتروني قادرة على قطع الاتصالات عن نطاقات كاملة.
وقف أليسيو في قلب الساحة بعد أن ارتدى قميصا تكتيكيا أسود معززا بشرائح كفلار لحماية جراحه المقطوبة مؤخرا، وفوقه سترة واقية من الرصاص عالي الكثافة. كان هيكله الضخم يبث الرعب بالرغم من إصاباته الجديدة التي لم تكد تشفى بعد. ملامحه المجهدة والباردة تعكس صلب الرجل الذي عاد من القبر ليعيد كتابة الخريطة بدمائه.
في جواره كانت إيزابيلا تتسلح بجدية و صلابة عازمة على أخذ العتاد لا الحماية. ليس مجددا. فقد ارتدت سترة واقية سوداء تكتيكية خفيفة لتناسب حرماتها و جسمها و مدرعة للحماية. قامت بتثبيت غمد خنجرها على الساق اليسرى بينما تفحصت الخزان المزدوج للسلاح Glock 19.
"لا تعرفين كيف تستخدمين ذلك!" اتهمها أليسيو بينما مد ذراعه للحصول على المسدس و أخذه منها.
"اقلق على نفسك فقط. رأيتك تستعمل هذا من قبل و تعلمت من ذلك! اقلق فقط من تجازو الحدود و الوصول لروما" أجابت إيزابيلا و هي تقبض على المسدس و ترفض تركه.
"هل تعتقدين حقا أني سأتركك تذهبين معي لروما لتتأذي؟ جننت أنت؟" سأل أليسيو بغضب غير مصدق قرارها. خطف المسدس منها.
"حتى و إن أتيت لروما ستبقين في مكان بعيد و آمن تحت حماية رجالي!" أمر أليسيو بصرامة متحديا إياها أن تتمرد أو أن تتجرأ على التنفس بكلمة.
اقترب منها أليسيو و رفع يده لتستريح على كتفها: "المعركة القادمة لن تكون كمعركة جوليان... المجلس الأعلى لديه دعم العائلات الخمس الإيطالية جميعا. انسحبت في معركة جوليان هذا صحيح لكنها ستعود أقوى هذه المرة. عندما نصل إلى هناك لن يكون أي مكان آمن." شرح أليسيو الموقف بصرامة شديدة و نبرة عسكرية حادة.
رفعت إيزابيلا نظرها نحوه بثبات و ردت بصرامة و شرارة جرئة واضحة: "و أنا لست ذاهبة معك لأتوسل الرحمة ممن خان والدي يا أليسيو. الخائن هناك صحيح؟ سأجده و أنت ستفي بوعدك لي."
ابتسم أليسيو بظلام لا دفء في ملامح وجهه: " ستكونين هناك عند سقوط الجميع إذن."
"تقدم قائد النخبة الروسية و فور التحية العسكرية تكلم بنبرة صارمة: " كل القوات جاهزة للتحرك يا سيدي. خمسون سيارة مصفحة و أربع شاحنات نقل مدرعة و ثلاث طائرات مروحية مسلحة تحلق على ارتفاع منخفض دون رادار. الموكب جاهز للذهاب لروما."
فتحت الأبواب الفولاذية الآلية للمجمع السري لتنطلق ٱولى السيارات نحو الطريق السريع الطويل و المظلم. اشتدت العاصفة و أصبح المطر غزيرا بشكل خطير، أضاء البرق السماوات بومظات خاطفة لتكشف ظلال الٱسطول الحربي الكاسح الذي يشق طريقه نحو الجحيم.
عند الحدود الشمالية لمدينة روما. كانت عبارة عن منطقة مهجورة و نائية تقود مباشرة نحو الطرق السريعة التي تؤدي للعاصمة. كان المجلس الأعلى قد نشر بالفعل رجاله من النخبة من المرتزقة و الحراس العسكريين. كل النقاط كانت محصنة بحواجز خرسانية و أبراج مزودة بكاشفات ليزر و أجهزة متحسسة للحركة.
كل الحراس كانوا متسمرين تحت مظلاتهم لتقيهم من العاصفة و المطر الغزير الخطير. فقد كانوا يعتقدون أن جوليان قد نجح و أن كلا من إيزابيلا و أليسيو قد احترق جثمانهما تحت نيران انفجار القنبلة، فأنباء الخطر الزائل و أن موتهما كان محتوما و سبب انشقاق بين آل فولكوف و أوفياء آل موريتي المتبقين.
فجأة في وقت غير متوقع انقطعت الإتصالات اللاسلكية في كل النقاط. كل الشاشات الإلكترونية أصبح السواد يعلوها نتيجة لاطلاق موجة مشوشة كهرومغناطيسية حادة -EMP Jamming-.
"ما الذي يحدث هنا للهذه الشبكة الغبية و اللعنة!" صرخ أحد الحراس و هو يضرب الجهاز اللاسلكي الخاص به على راحة يده.
قبل أن يتمكن من معرفة الإحاية أو ادراك ما كان يحدث من حوله حتى شق الصمت أزيز منخض. انطلقت رصاصات من القناصة الذين زودت أسلحتهم بكاتمات الصوت التي من طراز -CheyTac M2000- من التلال المجاورة. و في ثوان معدودة فقط سقط جميع حراس البرج الأربعة و لقو مصرعهم برصاصات اخترقت جماجمهم.
"كمين! هناك هجوم...."
لم يستطع الرجل حنى اتمام جملته حتى يلقى هو الآخر مصرعه برصاصة هشمت جمجمته. اندفعت الشاحنة المدرعة لأليسيو كوحش كاسر، اقتحمت و حطمت كل الحواجز بسهولة و جرفت السيارات الرابضة.
فتحت الأبواب الجانبية للشاحنات الأربعة لتقفز من جوفها نخبة الرجال الروس كحاصدي أرواح. أطلقوا النار يكثافة و نظام عسكري و انتشروا تحت خطة استراتيجية و صارمة. القنابل الدخانية و القنابل الصوتية كانت تشعل الساحة بريقا و وهجا، لتتحول نقطة التفتيش لجحيم ناري مباغت.
نزل أليسيو من المركبة القيادية ممسكا ببندقيته بالرغم من الضمادات التي تغطي كتفه و بدئها بالتصبغ باللون الأحمر بسبب الجهد الجسدي الذي يبذله. كانت تحركاته تجمع بين البرود القاتل و التعطش للثأر لحبيبته، فقد كان يرسل الرصاصات بدقة نحو الرجال الذين اختاروا الإحتماء خلف الجدران الخرسانية المنهارة.
وقفت إيزابيلا بجواره تحتمي بظهره بدون أدنى ذرة من الخوف لثقتها العمياء به. استطاعت أن تلمح محاولة أحد المرتزقة الوصول لرز التفجير الذاتي للحاجز، لكن قبل أن يستطيع ذلك ربتت على كتف أليسيو و همست في ٱذنه: "يسارك!" ليتمكن أليسيو من اطلاق رصاصتين متتاليتين لتستقرا كلاهما في كل من معصمه و صدره، لتجبره بذلك على الإتكاء على الأرض مضطربا.
تقدم أليسيو نحو قائد المرتزقة الجريح و قام بأخذ خوذته من على رأسه، رفعه من ياقة قميصه بيده اليمنى ليسنده على مقدمة الشاحنة المحطمة.
فورا قام القائد بالتوسل من أجل حياته في حين هلعت أنفاسه و جحظت عيناه عندما تعرف على الوجه الذي ظن الجميع أنه قد قضي عليه تحت الرماد.
"أليسيو فولكوف اللعين؟ ک كيف... كيف لاتزال حيا؟ اتصل جوليان و قال أنك ميت... قال أنه رآك تحت الأنقاض تضحي بنفسك من أجل زوجتك."
انحنى أليسيو ليهمس في ٱذنه ببرود: "فلتزه و اسأله بنفسك!"
و قيل أن يتمكن الرجل من نبش حتى حرف من كلمة، أنهت رصاصة من مسدس أليسيو حياته، بعد ذلك التفت نحو رجاله الذين كانوا قد تمكنوا من القضاء على الجميع ممن كان في نقطة التفتيش في دقائق فقط.
"طهروا الطرقات!" دوى صوت أليسيو المرعب حين أمر، نبرته هزت الوادي المظلم من شدة صرامتها.
"افتحوا البوابات! روما ستكون من نصيبنا الليلة... سنعلم العائلات الخمس كيف يبدو غضب فولكوف عندما يتجرأ أحد على استفزاز عروشه!"
نبضت المحركات و عادت للحياة من جديد، شقت الطليعة طريقها عبر الحواجز المحطة لتخترق ظلام الليل نحو أسوار روما القديمة.
جلست إيزابيلا في المقعد الخلفي للسيارة المصفحة الفولاذية و يداها ترتجفان من مغادرة الأدرينالين لجسدها بينما كانت تلين على كتف أليسيو. التفت أليسيو نحوها و تسللت يده لتمسك يدها المرتجفة ليهدأ من روعها يينما ارتفعد يده الٱخرى نحو ذقنها لترفع وجهها نحوه.
"كل هذا من أجلك. جاهرة لما هو داخل روما؟" سألها بدفء و اهتمام ممزوجان بالرغبة و الصلابة.
ابتلعت إيزابيلا ريقها و أومأت برأسها: "لست أخشى أحدا و أنا معك. وعدتني بروما فلتفي بوعدك."
ابتسم أليسيو بطريقة مظلمة و صغط على يدها بقبضته بينما كانت السيارات المصفحة تلتهم الطريق نحو قلب روما أين المجلس الأعلى و الخونة مجتمين دون أن يدركو الجحيم الذي صنعوه بأيديهم.
To be continued...
❓هل سيتمكن أليسيو من الوفاء بوعده حقا؟
هل قاتل والد إيزابيلا من العائلات الخمس أم هو
شخص أقرب لهما مما يتوقعان؟
🥀أعطوني رأيكم في الفصل في التعليقات. و لا تنسو التصويت و الضغط على زر متابعة لقراءة مجزرة روما في الفصل قادم.
30 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.