وضع القراءة:

ترانيم الجمر في حطام العرش⚠️🩸

⚠️TRIGGER WARNING:☠️ تنويه ☠️
أهلاً يا رفاق، أحداث هذا الفصل تأخذ منحنى مظلمًا ودمويًا جدًا. إذا كنت تتحسس من مشاهد الدماء أو العنف الصريح، يمكنك تخطي الجزء الممتد بين علامتي [🩸] المحددة داخل الفصل. راحة قلوبكم هي الأهم دائماً!
توقف أليسيو فولكوف في الباب المحصن الفاصل بين الأسلاك الهيكلية للقصر المنهار و المحطم و بينهما، أليسيو و إيزابيلا. جسده الضخم كان قد استسلم بثقل نحو الجدار الصخري النازف بالماء البارد، بينما كانت يده اليسرى تضغط على ضمادة جرحه عند موضع الضلع المكسور. توقف النزيف مؤقتا و الدم الداكن قد تسلل على الضمادات البيضاء ليخالط السخام و الرماد و رائحة البارود ليتجرأ و يرسم خطوطا على ظهره المليء بالأورام و البقع الزرقاء التي تميل للسواد. اتخذت إيزابيلا وضعا قتاليا ممسكتة بيديها المرتجفتين بسلاحه الGlock الثقيل الذي تعلوه الدماء الجافة، حيث أسندت ركبتيها على البلاط المهشم بينما على صدرها و انخفض تحت ثقل الارهاق من التخطيط و الذعر المتراكم. لكن بالرغم من ذلك فإن عينيها كانتا تنبضان بشرارات من التحدي الرافض للإستسلام.
وجه ايزابيلا كان شاحبا تحت طل تلك الطبقات من السخام، كانت تنظر نحو ظهره العريض الذي كان يعلو و ينخفض عند تنفس في أعماق آلامه المكتومة.
"إلى متى سنبقى هنا يا أليسيو؟ و ما الذي سنفعله؟"
سألت إيزابيلا بصوت مبحوح يحمل في طياته بنيات غاضبة. ثم أضافت: "السقف العتيق تهاوى بالكامل فوق رؤوسنا، وجوليان يظن في هذه اللحظة أننا صرنا جثثاً مفرومة ومقشورة تحت ركام القصر التجاري. إن لم نتنفس الهواء ونرفع السلاح الآن، فسنخنق تحت هذا الطين الملعون بدون أن نأخذ ثأرنا."
ارتفع بصر أليسيو نحوها ببطء شديد، فكل حركة في جهازه العظمي تطلبت منه قرارا صارما. عيناه كانت تشبهان جمرتين متقدتين في قعر البركان من شدة الرماد الذي أحاطهما. مسح فكه السفلي بقسوة أزالت جزءا من جلده الذي خدش. تقدم نحوها بخطوات ثقيلة جعلت من حذائه يحدث صفيرا ناعقا في السائل اللزج المستقر في البلاط.
"لقد أمضينا كل الوقت الذي حبسنا فيه هنا و الذي يقارب الليلة بأكملها نخطط لعملية لغزو مقر جوليان و الانتقام منه... حتى أنك بنفسك كشفت عن بعض الأماكن السرية لأنك تعرفينها بسبب والدك، تذكرين هذا صح؟" سألها بصوت مبحوح و هامس كحفيف الأفعى.
هزت إيزابيلا رأسها موافقة على كلامه و داعمة إياه.
نظرات أليسيو علتها الدهشة لولهة من رد فعلها، حدقت عيناه في هزات رأسها بعيون مفجوعة كأنها أنبتت رأس ثانيا على رقبتها للتو.
"إذن لماذا تسأليني عن الخطة إن كنتي تعلمين بأمرها منذ البداية؟ لا و قد شاركتي فيها بالفعل." صرخ غضبا فاقدا سيطرته لوهلة بسبب سؤالها الذي بدا غير منطقي في تلك اللحظة.
"قصدت كيف سنخرج من تحت هذا الحطام..." تمتمت إيزابيلا و هي تزيح بنظرها نحو السقف الذي أصبح مثيرا للإهتمام فجأة.
"لعين أحمق!" سعلت إيزابيلا الكلمات فجأة لعدم تحملها ما تعتقد أنه غباؤه.
"القتلة الحقيقيون لا يختبؤون للأبد يا إيزي... فهم فقط ينتظرون في الظلام حتى يحين الوقت المناسب ليعيدوا رسم خريطة المجزرة بشروط جديدة." قال أليسيو بنبرة منخفظة محملة بترداد رعب و تهديد تجعل من الجدران ترتجف. لكن إيزابيلا لم يرجف لها جفن حتى.
"جوليان سيعود من أجل مقدساتي و ليتأكد أنني ميت بالطبع. لكنه ليس ذكيا بما يكفي ليدرك أن سقوط القصر ليس سوى حركته الأخيرة. دعيه يذق نشوة النصر المؤقت بينما نسجنا نحن مشنقته حول رقبته." تسلل شبح ابتسامة على شفاه أليسيو بالجهة اليمنى فقط ليختفي بسبب سؤال إيزابيلا.
"مقدسات ماذا و أنت خسرت بيتك و كل أموالك... حتى أن كل من كان وفيا لك مات بسببك." سألت إيزابيلا بغباء و هو تعيد بصرها نحوه بجرأة.
هز أليسيو رأسه باستسلام لكلماتها و غبائها الذي لم يمكنها من معرفة أنها هي مقدساته الوحيدة، لا سلطته و لا أمواله و لا رجاله... هي فقط.
"بالطبع." وافق باستسلام لثقل ذهنها على فك المعنى البسيط لتلك الكلمات لكنها استطاعت المساعدة في التحليل و التخطيط لعملية كاملة في ظرف ساعات فقط رغم اجهادها.
اقتربت إيزابيلا منه بالرغم من الآلام الممتدة في كل جسدها. غرست يدها على كتفه الأيمن المغطى بالبارود و الغبار و العرق معا، لتقوم بجذبه نحوها بجهد امتزج بالانفعال لتلاقى أنفاسهما و تمتزج معا من جديد.
"توقف عن التهرب مني بكلماتك العسكرية التي لا معنى لها هنا!" صرخت في وجهه بهمس حاد.
"الوثائق التي انتزعتها من ساعة فيكتور... ما تلك الهمسات التي كانت بينك و بينه قبل أن تقتله؟ هل كانت عن المذيحة الكبرى يوم مقتل والدي؟ هل كان جوليان هو من فعل ذلك؟" سألت باتهام مستخدمة الدلائل المزيفة التي لديها.
تصلب فك أليسيو بينما استطاعت عيناه المظلمتان عن التعبير بموجة قاتمة من الذكريات الدامية التي تسارعت أشباحها بظلالها في ذهنه لتتراقص مع عيناه. وضع كفه الضخمة على يدها التي كانت ممسكة به و ضغط عليها ببطء، إلى أن شعرت بألم في عظام يدها التي تتصلب تحت قبضته.
"جوليان ليس سوى كلب نابح بلا عض... تأكدي من اني سأجد الفاعل كما وعدتك." ذكرها بوعده في تلك الليلة التي أجبرها أن تكون في قفصه بنبرة جافة كأوراق فصل الخريف الميتة التي تساقط من الأشجار.
"جوليان أضعف و أجبن من أن يخطط لمذبحة الميناء للقضاء على آل موريتي. لا يمكنه حتى التصويب فكيف له أن يطلق على والدك. جوليان كان و لا يزال بيدقا لتشتيت الإنتباه، سيتخلصون منه قريبا لذا يجب علي الوصول إليه قبلهم. سأجد من هو خلف الظلال و ٱقدمه لك." وعدها مجددا متخذا من الوعد القديم و الجديد قسما ممتزجا لتحقيق رغباتها.
تجمد الدماء في عروق إيزابيلا و ارتجفت شفتها السفلية الشاحبة بانكسار.
"من هو؟ من هو قاتل والدي؟ أنت تعرفه... آه؟ أخبرني." توسلت إيزابيلا بنبرة كاسرة مرافقا لها غضب وحشي.
الاسم... وتواريخ المعاملات الدموية، وبصمات الخيانة الكبرى التي قضت على والدك وعلى نصف حرس عائلتي في تلك الليلة الشنيعة... كلها محفوظة ومحفورة في 'السجل الأسود'،" قال أليسيو ببطء شديد وهو ينظر إلى عمق عينيها.
اختفى الغضب من وجه إيزابيلا حين تذكرت السجل الأسود الذي كادت أن تموت من أجله فقط ليقوم فيكتور بخيانتها و أليسيو ليقاطع فكها للشيفرة و رموز الأسماء. يدأت تنظر حولها بهستيرية و خوف أنهما ضيعا السجل بعد عناء طويل للحصول عليه.
"أين هذا السجل الأسود الملعون؟ لقد فقدناه!" سألت بانهيار ونبرة ترتعد لها الأبدان.
"في مكان لا يصله ضوء الشمس، ولا تصل إليه يد رجل ميت، بينما كنت تحاولين انقاذنا كنت اخبىء السجل في مكان آمن حتى لا يجده أحد في حال حدث لي شيء" أجاب أليسيو وعيناه تثبتان في عينيها بثقل جبل لا تزحزحه الرياح.
"مكان لا يعلمه ولا يقدر على اختراقه أحد في هذا العالم سوى أليسيو فولكوف. ولن يُفتح هذا السجل، ولن أقرأ لكِ الحقيقة القاتلة، حتى نتأكد من أن الأرض التي نطأ عليها خالية تماماً من جوليان وأمثاله من البيادق. لن أمنحكِ اسم القاتل الحقيقي وأنتِ ما زلتِ تنزفين وتصارعين من أجل البقاء في قاع هذا الحطام."
أحكمت إيزابيلا الغلق على قبضتها بإحكام من شدة التورتر. كادت أن تصرخ في وجهه لتحاول انتزاع السجل منه مجددا لتفكيك الشيفرة و اتمام قراءة الأسماء لمعرفة من هو الخائن الحقيقي الذي يقف وراء الستارة ليحرك البيادق أمثال جوليان.
فجأة اهتزت الأرض من تحت أقدامهما بهزة زلزالية قوية و هائلة جعلت من كل كتل الأسمنت و الخرسانة المحطة التي كامت تخاصرهما داخل المقر و الغرفة الضيقة الآمنة تختفي. ثلاث ضربات متتالية ثقيلة تلتها ضربتان قاطعتان بسرعة منتظمة.
سحب أليسيو إيزابيلا خلفه فورا، رفع مسدسه و سلاح الاسناد بنظرات حادة تتفقد زاوية السقف الذي تم اختلاقه في الزاوية العلوية.
انشقت بلاطات السقف الخرساني بعنف مدو، وتساقطت كتل الأسمنت والغبار الدقيق المشتعل، لتهبط من الفتحة المحدثة كشافات إشراق تكتيكية زرقاء وبيضاء شديدة السطوع، أزاحت الظلام التام ودمرت القدرة على الرؤية المباشرة لثوانٍ معدودة. ومن بين ألسنة الدخان الكثيف المتصاعد، نزل رجال مدججون بأسلحة آلية ثقيلة ودروع مضادة للانفجارات عبر حبال الإنزال السريع التكتيكية.
أخفض أليسيو سلاحه حين أدرك أن من أمامه ليسوا أعداءا على الإطلاق.
كانوا بقية رجال فولكوف الأشداء، وبجانبهم الكتيبة المتبقية من حرس موريتي الأوفياء الذين تجمعوا تحت راية واحدة وشفرة صلبة، وتقودهم قوة الصدمة والعمليات الخاصة التابعة لـ المافيا الروسية Vory v Zakone.
من بين ألسنة الدخان و القاطع الضوئي للكتيبة الروسية الضخمة تقدم رجل خمسيني عملاق 'إيليا'، كان وجه الخمسيني في الحهة اليسرى مغطى بندبة نارية قديمة امتدت من ٱذنه حتى أسفل فكه. أخفض جميع من في الكتيبة سلاحه الآلي للوضع المنخفض الآمن فور ظهور وجه أليسيو.
فجأة من دون تردد جتا إيليا على ركبيته فوق البلاط الذي كان مبللا بالماء الكبريتي الملوث. ءخفض بصره و رأسه بخضوع عسكري صارم و طاعة لا خطأ فيها. مباشرة خلفه تلاه عشرات المقاتلين الروسيين الذي زودوا بالدروع الثقيلة و رجال موريتي و فولكوف المتبقين على ركبهم في مشهد سيريالي مهيب يعيد رسم القوة من بين الرماد.
"سيد أليسيو..." تكلم إيليا بصوت منخفض يتخلله صدى النفق الهائل.
"تأخرنا في اختراق الأنقاض بسبب عبوات التلغيم والنسف الزمني التي زرعها رجال جوليان في المحيط الخارجي للقصر." شرح إيليا بخضوع و صرامة.
​حدقت إيزابيلا في هذا المشهد بذهول وإرباك كاد يخرج عقلها من رأسه. المافيا الروسية... القوة الشمالية المرعبة التي كان جوليان وفيكتور يعتقدان حتى هذه اللحظة أنها الحليف الأكبر لقلب نظام الحكم للعائلات الإيطالية الخمسة إسقاط أليسيو، ترثي خضوعها التام المطلق تحت قدمي أليسيو فولكوف؟
توجه أليسيو نحو إيليا الجاثي على ركبيتيه و شبح باتسامة تسلل لوجهه. سأل بنبرة ساخرة: "ألم تتأخر قليلا أيها العجوز؟"
"من الذي تناديه بالعجوز يا ولد؟" سأل إيليا ردا على أليسيو ممازحا.
"قم يا إيليا... أرى أن اللعبة التكتيكية والمناورة السرية سارت تماماً كما خططنا لها في اجتماعات موسكو المغلقة." تكلم بنبرة هادئة لكنها تحمل سلطة لا تنازع فيها.
نهض القائد الروسي بثقل وشموخ، ونظر نحو إيزابيلا باستقامة واحترام قاطع، ثم قال موضحاً بلهجة إيطالية مكسورة باللكنة الروسية الثقيلة:
"سيدتي إيزابيلا... كان الخائن جوليان يظن أن القيادة العليا للمافيا الروسية باعت ولاءها لأليسيو فولكوف مقابل الوعود الواهمة بحصة المرفأ والأراضي الغربية. لم يدرك الأحمق أن دين الدم والوفاء التاريخي الذي يحمله الروس لأليسيو فولكوف منذ مذبحة 'فلاديفوستوك' لا يُشترى بالمال ولا يُباع بالتحالفات الرخيصة المؤقتة. لقد لعبنا دور الشريك الخائن لجوليان بعناية فائقة لنكون عين أليسيو التي ترصد كل تحرك في أحشائه." شرح الخطة التي كانت من نسيج أليسيو منذ البداية.
أخرج إيليا جهاز لاسلكي عسكري مشفر علي التردد و ابتسم بشكل جاف: "وقبل أن نصل إليكما تحت هذا الركام ونفجر الأسقف الخرسانية يا سيد أليسيو... نفذت الكتيبة الثامنة الأمر المباشر الذي أصدرته قبل سقوط القصر."
"كل هذا و تركتني أجثو على ركبتي ٱواجه الموت لٱفكك قنبلة تعرف أني سأفشل؟" صرخت إيزابيلا بوجه أليسيو قبل أن تزيح بنظرها بعيدا بسبب ذكرى زارتها فجأة عن أول و آخر مرة صرخت في وجهه أمام رجاله. تسلل اللون الأحمر لوجهها و هي تستعيد الذكرى أين وجدت نفسها على كتف أليسيو صارخة و راكلة للهواء. نظرت بعيدا بسرعة و بشكل غريزي تراجعت خطوة للوراء.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم سألت بنبرة متوترة و أعين مهتمة للانباء بشكل مفاجئ : "ماذا فعلتم على أي حال؟" تمتمت كلماتها بشكل كاد لا يكون مسموعا.
​"البرج التجاري الرئيسي والمركز العملياتي لجوليان... مقره المركزي، خزائنه الوثائقية المشفرة، ومستودعات عملاته الرقمية والمشفرة في الحي الغربي،" أجاب إيليا ببرود مرعب وهو ينظر إلى ساعته التكتيكية السوداء.
"تم ضخ شحنات 'النابالم' الحراري المركب في أنابيب التهوية الرئيسية قبل أربعين دقيقة. البرج الآن مجرد عمود هائل من النار الأسود يضيء سماء المدينة، ورجاله يتساقطون من النوافذ العلوية كالفئران المحترقة. لقد أحلنا ثروته ومقره وإمبراطوريته إلى رماد متناثر في كبد الليل، انتقاماً لكِ ولولاءً أبدياً لآل فولكوف."
التقت عيون إيزابيلا بعيون أليسيو وسط غبار النفق المتعالي. كانت لعبة الشطرنج هاته تتغير باستمرار و تتقلب باستمرار كعاصفة هوجاء مفاجئة وسط محيط فوضوي. جوليان، ظن أنه دمر أليسيو و أنهى آل موريتي تحت حطام القصر المحترق، بات الآن عاريا تماما و مفلسا و مطاردا من قبل المافيا الروسية و محاطا بالنيران في أزقة المدينة المظلمة.
في زاوية معتمة من تقاطع الأنفاق الخرسانية، بعيداً عن صخب المقاتلين الذين كانوا يعيدون تلقيم أسلحتهم الآلية وتجهيز الشاحنات المصفحة للخروج، وقفت إيزابيلا بثبات أمام أليسيو. كانت الدماء المترسبة والرماد يرسمان ملامح قاسية وحادة على وجهها الجميل، وعيناها تنبضان برغبة انفعالية وحشية تتجاوز مفهوم النجاة المجردة.
"جوليان الآن يجلس بين شتات مخططاته المحترقة." قالت إيزابيلا بنبرة باردة متقطرة بالإنتقام.
"رجالك و الروس يتهيؤون لمسح جوليان من الأرض لكني ٱريده يا أليسيو." عقدت إيزابيلا حاجبيها و هي تذكر اليسيو بطلبها الذي اشترطته عليه من الخصم. تأملها أليسيو لثوانٍ طويلة سادها صمت ثقيل. رأى فيها الانعكاس الكامل لشيطانه الخصم؛ لم تكن مجرد امرأة تبحث عن أمان أو نجاة من حرب العصابات، بل كانت ملكة مظلمة تفرض قوانينها الخاصة على مقصلة الإعدام.
أحاط مؤخرة رأسها بكفه الثقيلة و المجروحة و جذبها إليه بقسوة دافئة إلى أن تلامست جباههما معا. "سيجثو أمامك يا مقدستي لا تقلقي." وعد بينما شفاهه ارست قبلة على طرف جبينها.
التفت أليسيو نحو إيليا بصوت هادىء و مرعب: " انقل القوات فورا نحو المستودع في المرفأ الشمالي. فهناك حيث يختبأ الفأر مذعورا مع ما تبقى له من رجال مرتزقة."
كان المرفأ الشمالي حيث يركض جوليان بهستيرية مع ثلاثين مقاتلا فقط بسبب خسارته دعم العائلات الخمس لأنهم علموا بأمر اليسيو الذي نجا من الرماد و المافيا الروسية التي عقدت العزم أن تجعل من الخونة رمادا يبنى عليه العرش الجديد لآل فولكوف. تضاربت الأمواج السوداء الباردة مع أرصفة الخرسانة الصدئة تحت هطول المطر الغزير الذي قرر الإمتزاج مع الملح و السمك الميت. كان المستودع رقم 14 أين تحصن جوليان عبارة عن هيكل حديدي متهالك ضم عشرات الحاويات الصدئة و معدات شحن قديمة.
صرخات جوليان عبر الهاتف الميت و الدموع تمتزج بعرقه اللذان يغطيان وجهه المنهار: "تبا. لقد احترق البرج في دقائق كيف هذا؟ كيق نجا أليسيو و إيزابيلا من الإنفجار؟ لقد وعدتني بالدعم من المافيا الروسية؟"
لم يستطع إنهاء عويله على الهاتف حتى اقتحمت الشاحنة المصفحة التي كانت تابعة للمافيا الروسية البوابة الحديدية للمستودع بصدمة زلزالية هائلة. حطمت بذلك الجدران و الصفائح المعدنية لتنفتح أبواب الجحيم على مصراعيها.
دوى رصاص الأسلحة التكتيكية بكثافة مرعبة جعلت الرؤية شبه معدومة بسبب كثافة الدخان الناجم عن الإطلاق والشرار المتطاير من الحاوية. اندفع رجال فولكوف والروس وإيزابيلا وأليسيو إلى داخل المستودع كالمستذئبين المفترسين الذين يسعون لإبادة كل متحرك.
🩸اقتحم أليسيو الصفوف الأولى للمرتزقة، ممسكاً ببندقية Benelli M4 تكتيكية ثقيلة بالرغم من إصاباته، لكن بسبب جرعات المورفين التي تناولها استطاع التحكم في ألمه و التحرك بسلاسة مؤقتا. أطلق الرصاصة الأولى من مسافة قريبة جداً على صدر أول مرتزق لقيه، لتمزق الشحنة القاطعة درعه التكتيكي وتناثر أحشاءه الداخلية على الحاوية الحديدية خلفه في مزيج مرعب من الدم والأنسجة الممزقة واللحم المفروم.
اندفع حارس آخر عسكري عريض، لكن أليسيو تملص بحركة خاطفة وسريعة، وأمسك برأس الحارس بكلتا يديه ودفع بوجهه بقوة هائلة نحو زاوية الحاوية الحديدية الحادة. دوت فرقعة عظمية بشعة حين انشقت جمجمة الحارس، وتناثرت المادة الدماغية والدم القاني الفائر على البلاط الخرساني المبتل بالديزل والماء.
و في زاوية ٱخرى حيث إيزابيلا كانت تلاقب كل شيء بصمت مرعب، أرادت التدخل و بشراسة و انتقام لا يرحمان. لكن أوامر أليسيو كانت واضحة: احموها و لا تدعوها تلمس شيئا... سأجلب لها جوليان بنفسي طاعة لطلبها.
أما إيليا و مقاتلو المافيا الروسية فقد حولو الساحة إلى مسلخ بشري خال من أي مشاعر بشرية أو رحمة إنسانية.
حيث قام أحد المقاتلين الضخام لإيليا بامساك مقاتل ضخم من رقبته و قام بتمزيق ٱذنه و حنجرته بسكين تكتيكي حاد ليتركه يتخبط في دمائه مذبوحا على الأرض، جاعلا إياه يتوسل من أجل حياته بأصوات خنق مرعبة متسللة من قصبته الهوائية المفتوحة التي كانت تسمح للدماء بالسيلان بحرية على رقبته نحو الأرض ليغرق فيها، بينما كانت قدماه تركلان بضعف بلا حول و لا قوة.
أما مقاتل روسي آخر قد استخدم ساطورا تكتيكيا لقطع ذراع مرتزقة كان يحاول سحب قنبلة يدوية ليفجرها. تطايرت العظام و الدم المتدفق من الشرايين الكثيف مسببا بركة دموية لزجة عكست ضوء الكشافات المشتعلة.
امتلأ الهواء في المستودع بالصرخات و صوت تهشم العظام تحت الأحذية العسكرية و رائحة الأمعاء الممزقة و البارود المحترق.
وسط هذا المسلخ البشري الرعيب والأجساد الممزقة، ركض جوليان براحة يده المرتجفة وشعره المبتل في اتجاه الباب الخلفي للمستودع، ممتلئاً برعب هستيري جعل مفاصل ساقيه ترتجف وتخونه عند كل خطوة.
لكن رصاصة خاطفة ودقيقة للغاية من مسدس أليسيو اخترقت كاحله الأيمن من الخلف، فصرخ صرخة مدوية وطاح بكتفه على الأرض الخرسانية المبتلة بدمائه ودماء مرتزقته الصرعى.
زحف جوليان على بطنه كالحشرة المكسورة، محاولاً الوصول إلى مسدسه الملقى على بعد أقدام قليلة منه. لكن حذاءً عسكرياً ثقيلاً هبط بكل قوته فوق كفه المبتلة، حاطماً أصابعه بصوت انكسار معدني وواضح جعل جوليان يعوي بألم نفسي وجسدي لا يطاق.🩸
​كان أليسيو يقف فوقه كالشيطان المبعوث من الأنقاض، وعيناه المظلمتان تنظران إليه ببرود مطلق ووحشي. خلفه مباشرة، كانت إيزابيلا تقترب بخطوات ثقيلة وهادئة، وخنجرها الأسود يقطر دماً داكناً ومشتعلاً.
"توقف... توقف أرجوك... أنا آسف... لم أكن ٱريد فعل هذا لكن والد فيكتور كان صديقي... أردت من ابنه الحصول على ماكان له فقط." صرخ جوليان بصوت متقطع و بكاء هستيري. دموع و عرق و دماء كلها امتزجت لتغطي وجهه بالكامل.
"يمكننا عقد اتفاق سرّي! الحسابات المالية في بنما... الأسهم العقارية في روما... كل شيء سأكتبه لك! فقط دعني أعيش!" توسل جوليان بارتجاف هستيري محاولا النجاة.
🩸انحنى أليسيو ليصل لمستوى جوليان، و بحركة خاطفة أمسك بشعر جوليان و ثبته بقدمه العسكرية الثقيلة علر مفصله المصاب ليقوم بالضغط عليها بقوة هائلة. صرخ جوليان بكل يأس انخلعت له القلوب.
أجبر اليسيو جوليان على الإنحناء بقسوة مطلقة، جعله يجثو على ركبتيه المتمرغتين في الدماء أمام حذاء إيزابيلا تماما ليفي بوعده لها. حيث أجبر جبهة جوليان أن تلامس البلاط المبتل بالديزل و الدم.🩸
"هذا هو مكانك الأصلي... جاثيا على ركبتيك و وجهك القذر تحت حذاء ملكتي و سيدة عرشي!" أمر اليسيو بصوت مدو صدر من أعماق الموت.
بكى جوليان كطفل رضيع بجسد مرتجف برعب هستيري و هو يشاهد الموت قد تجسد بالفعل في عيني إيزابيلا.
"أنا آسف... إيزابيلا أرجوك... سامحيني! لم أكن أملك خيارا...المجلس هو من فعل هذا... كل هذا من فعل العائلات الخمس! لست سوى آداة لتنفيذ الأوامر! أرجوك ارحميني!"
نظرات إيزابيلا وجهت نحوه ببرود قاتل. لم تدمع عينها، لم تهتز يدها. انحنت ببطء، لتغرز شفرة خنجرها الأسود في كتف جوليان الأيسر. بكن قبضة أليسيو أوقفتها.
"لن أدعك تفعلين هذا! فيكتور صديقي... سأنتقم له بنفسي! لقد جعلني ٱطلق الرصاصة في رأس صديقي. روحه من حقي." عارض أليسيو إيزابيلا ببرود قاتل و رغبة عارمة للإنتقام.
"أردته جاثيا على ركبيته و كان لك ذلك و الآن انتهى الكلام." أمر ببرود جاعلا من إيزابيلا ترضخ له بالرغم من تمردها عادة في مواقف كهذه.
ناولت إيزابيلا خنجرها لأليسيو بثبات بعد أن أسمعت جوليان آخر كلماتها: "الغفران ليس من اختصاصي. أغضبت الأموات لذا اطلب المغفرة منهم عند ملاقاتهم بعد قليل. وداعا."
🩸ودعته بينما غرس أليسيو الخنجر في حبل الوريد مباشرة تحت فك جوليان الأيسر. استطاع سماع صوت انشقاق جلده و انفجار شريانه و الشعور بالدم النازف و الحارق ممتدا على رقبته ليتسلل نحو كتفه وصدره. تدفق الدم القاني ليغرق كلا من حذاء إيزابيلا و أليسيو بالدماء. انهار جوليان جانبا و تلاشت معه أنفاسه الأخيرة في زفرة خنق مرهبة و جسد متخبط قبل أن يتحول لجثة هامدة فس قاع المرفأ المظلم.🩸
في نهاية المعركة الطاحنة و انسحاب كل المقاتلين الروس و حرس موريتي و فولكوف لتطهير الموقع و تأمين المحيط الخارجي للمرفأ. خلت الأروقة إلا من أليسيو و إيزابيلا.
صوت حفيف النيران التي تلتهم البرج المحترق علت بالرغم من الأمطار و هواء الفجر البارد الذي يتسلل من السقف فقط ليغسل بقايا البارود و الدم الذي تصاعد رائحته في الهواء.
استند أليسيو بظهره العريض على حاوية شحن معدنية متهالكة، وتزلج ببطء حتى جلس على الأرض المبتلة، ينهده الإجهاد والنزيف الذي لم يتوقف كلياً عن كتفه. كانت يده اليمنى الملفوفة باللاصق الأسود تستقر فوق ركبته المرفوعة، وعيناه المظلمتان تتأملان الفراغ بديناميكية نفسية مجهدة ومرعبة.
اقتربت إيزابيلا منه بخطوات متعبة، ووجهها المغبر بالرماد والدم كان يحمل إرهاق حرب كاملة. جلست بالقرب منه على الخرسانة الباردة، ورفعت عينيها نحو وجهه القاسي الذي بدأت تظهر عليه آثار التعب الشديد.
"انتهى أمر جوليان الآن..." همست بصوت خافت و متعب.
"لكن القاتل الحقيقي لا يزال هناك... لم أستطع تفكيك كل شفرة السجل الأسود. هل هذه حياتنا؟ الإنتقال من جحيم لآخر؟" سألت بينما إسند رأسها بخفة على كتفة المصاب.
انخفض بصر أليسيو نحو بصيلات شعرها و رأسها. تلاشت كل تلك القسوة من عينيه لثوان ليحل محلها نظرة عميقة و مظلمة، نظرة ارتعدت بتوتر عاطفي حارق لا يشبه أي مشاعر وردية تقليدية.
​"طوال حياتي يا إيزابيلا..." بدأ أليسيو بصوت خفيض، مبحوح، يحمل ثقل السنين والدماء التي أراقها.
"كنت أؤمن أن هذا العالم لا يتسع إلا للشياطين والقتلة. كنت أظن أن القلب مجرد نقطة ضعف تكتيكية يجب استئصالها لكي تعيش وتجلس على هذا العرش الملعون." تسللت ذراعه الدامية لتسحب إيزابيلا نحو صدره أكثر. انحنى نحوها بالرغم من الإصابة و زوال مفعول المورفين.
"لكن هذه الليلة ... تحت نيران قصري المشتعل رأيت الموت المحيط بنا من كل صوب."
تجمدت أنفاس إيزابيلا حين ارتفع بصرها نحوه. تجرأت على رفع وجهها نحوه لتتذوق طعم أنفاسه الحارقة على وجنتيها لتحبس الكلمات في حنجرتها.
​"ماذا؟" سألت بنبرة بالكاد تُسمع وسط صوت المطر العالي.
رفع أليسيو يده الضخمة، الملفوفة باللاصق الأسود والدماء الجافة، ووضعها برقة غريبة وقاسية على جانب وجنتها، متلمساً بشرتها ببراجم أصابعه الخشنة.
"لم أكن أخشى هلاكي بقدر ما كنت أخشى دموعك و ارتجاف صوتك حين تأسفتي." اعترف أليسيو أخيرا بحرقة أبدية.
"أخشى أن أستيقظ يوما و لا أجدك بقربي. وسط كل هذا العالم الفوضوي أنت السبب الوحيد الذي يجعل من قلبي ينبض... أنت سبب حياتي يا إيزي... فأنت مقدستي." همس باعترافه الأخير بحميمية مطلقة، سمح لكبريائه أن ينحي لسلطانة قلبه.
اهتز صدر إيزابيلا بتنفس عميق ومضطرب. لم تكن هذه كلمات عاشق يهمس بوعود وردية تحت النجوم، بل كانت ترتيل قتيل يعترف لسجانه وبندقيته. أغمضت عينيها لثوان، ورفعت يدها الصغيرة الملطخة بالبارود، ووضعتها فوق كفه الدافئة المستقرة على وجنتها، ضاغطة عليها بقوة تثبت هذا القسم الأبدي.
"إذن لا تتجرأ روحك بتركي للذهاب إلى الظلام وحدك يا أليسيو..." همست إيزابيلا بصوت يقطر ولاءا مظلما وثباتا غير قابل للانكسار.
"ما دمتُ أنا ظلك... فلن تمر الموت إليك إلا عبر جثتي." وعدت هي الٱخرى باعتراف مقره جثثه الأحياء و أنين الموتى.
فتح أليسيو عينيه، ورسم ابتسامة قاسية ومظلمة على شفتيه. أغلق قبضته على يدها، ووقف كلياً على قدميه، ساحباً إياها معه نحو النور الضعيف المتسلل من أفق الفجر البارد فوق المرفأ.
​أمامهم، كانت المعركة القادمة تنتظر في روما... لكن خلفهم، كان الجحيم قد احترق بالكامل، ومعه ولد عهد جديد كتب بالدم، والرماد، والعشق المظلم.
To be continued...
🩸أي جزء من الفصل أعجبكن أكثر؟
1. وفاء أليسيو بوعده لإيزابيلا و جعل جوليان يجثو على ركبتيه.
2. اعتراف أليسيو و إيزابيلا لبعضهما البعض.
3. تدخل المافيا الروسية في الصراع الإيطالي.
85 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.