وضع القراءة:

طريق

تقدّم الأستاذ نحو اللوح. نظر أولًا إلى حلّ ميا، قطّب حاجبيه، ثم مسح سطرًا كاملًا دون أن يقول كلمة. شعرتُ بتشنّجها إلى جانبي.
ثم انتقل إلى حلي.
توقّف.
طال الصمت.
وأخيرًا قال بصوت منخفض، لكن مسموع للجميع:
«صحيح.»
لم أشعر بالارتياح. على العكس، ازداد قلقي.
التفتَ إلينا معًا وقال:
«عودا إلى مقعدكما.»
عدنا، لكنني كنتُ أدرك أمرًا واحدًا فقط:
هذا لم يكن اختبارًا عاديًا.
وكان واضحًا أن الأستاذ جون... يعرف أكثر مما يقول.
بدأ الأستاذ جون يختار الطلاب اثنين اثنين، يطلب منهم التقدّم إلى اللوح وحلّ المسائل. ومع كل مرة، كان المستوى يرتفع، وكأنّ المسألة السابقة لم تكن سوى تمهيد لما بعدها. تعابير الوجوه تغيّرت؛ بعضهم تراجع بثقة مهزوزة، وآخرون عادوا إلى مقاعدهم بصمت ثقيل.
كنت أراقب اللوح، أتابع التعقيد المتزايد، وأشعر بانقباض في صدري.
ثم قال اسمي مجددًا، ومعه اسم ميا.
تقدّمنا هذه المرة إلى مسألة واحدة مشتركة. ما إن وقعت عيناي عليها حتى أدركت أنّها مختلفة؛ متشابكة، طويلة، وتحتاج إلى أكثر من مجرد تطبيق مباشر للقوانين.
همست ميا وهي تحدّق في الرموز:
«هذه ليست عادية...»
أجبتها بصوت خافت، وأنا أحاول ترتيب أفكاري:
«علينا أن نكون حذرتين. خطوة واحدة خاطئة وستنتهي الأمور.»
بدأنا نناقش الحل، نرسم المسار الممكن، نتراجع، ثم نعيد المحاولة. كنت أشعر بأنفاس الأستاذ خلفنا، وبنظرات القاعة كلّها معلّقة علينا. لم أكن أريد أن أطرد مرة أخرى، ولا أن أكون سببًا في سقوط ميا معي.
قالت ميا بعد لحظة صمت:
«لو افترضنا هذا المتغيّر ثابتًا، يمكننا تبسيط الجزء الأول.»
هززت رأسي:
«نعم... ثم نعود إليه في النهاية. هذا قد ينجح.»
كتبنا ببطء، سطرًا بعد سطر، نتبادل النظرات عند كل خطوة، وكأننا نوقّع اتفاقًا صامتًا على الاستمرار معًا حتى النهاية. كان التوتر حاضرًا، لكن شيئًا آخر كان أقوى: الإصرار.
وعندما ابتعدنا خطوة عن اللوح، لم نكن متأكدتين من النتيجة...
لكننا كنا متأكدتين من أمر واحد:
هذه المرة، لم نكن وحدنا في المواجهة.
بدأ الأستاذ جون بتصحيح الحل، عينه تتنقّل بين ما كتبناه وبين ملاحظاته الخاصة. ساد القاعة صمت ثقيل، حتى إنّ صوت احتكاك الطباشير باللوح بدا عاليًا على غير العادة.
قال ببطء:
«النصف الأوّل... صحيح.»
شعرتُ بزفير ميا يخرج أخيرًا، لكنّه لم يكتفِ بذلك. توقّف قليلًا عند الجزء الثاني، حدّق فيه طويلًا، ثم قال بنبرة مختلفة:
«والنصف الآخر... صحيح أيضًا، لكن ليس بالطريقة التي تُدرَّس هنا.»
التفت إلينا، وكأنّه يرانا للمرة الأولى حقًّا.
«هذا ليس حلًّا نمطيًا. فيه تجاوز للقواعد المعتادة، لكنه منطقي... ومتماسك.»
بدأ يشرح، لا للقاعة فقط، بل لنا تحديدًا. حوّل المسألة إلى محاضرة قصيرة، فكّك خطواتنا، وأعاد بناءها من منظور أعمق، متطرّقًا إلى أفكار لم تكن ضمن المنهج، وكأنّ حلّنا فتح بابًا كان مغلقًا.
قال وهو يشير إلى اللوح:
«أحيانًا، الرياضيات لا تكافئ من يحفظ القوانين فقط، بل من يجرؤ على التفكير خارجها... بشرط أن يفهمها أولًا.»
ثم التفت إلينا مجددًا:
«اجلسا.»
عدنا إلى مقاعدنا وسط نظرات متباينة؛ دهشة، فضول، وربما شيء من الغيرة. ميا مالت نحوي وهمست بابتسامة جانبية:
«حسنًا... على الأقل لم نُطرَد.»
انتهى يومُ الرياضياتِ المزعجُ أخيرًا، كأنّه حجرٌ ثقيل أُزيح عن صدري. خرجتُ من القاعة مع ميا، والهواء في الممرّات بدا أخفّ، رغم الضجيج المعتاد للطلاب. كانت ميا تتحدّث بلا توقّف، تسخر من طول المحاضرات، ومن حماس الأستاذ المفاجئ، ومن «العبقرية المؤقّتة» التي ادّعت أنّها أصابتها أثناء الحل، بينما كنتُ أنا أمشي إلى جانبها صامتة.
لم أكن متعبة جسديًا، بل ذهنيًا. كلّ خطوة كانت تُبعدني عن اللوح، عن الطباشير، عن تلك النظرة المركّزة التي حدّق بها الأستاذ في حلّنا، لكنّها في الوقت نفسه كانت تُقربني من أفكاري أكثر مما أحب. حاولتُ أن أُقنع نفسي بأنّ اليوم انتهى، وأنّ كلّ ما حدث يجب أن يبقى في القاعة، إلا أنّ الشعور لم يختفِ.
عند باب المبنى، توقّفنا لحظة. الشمس كانت تميل نحو الغروب، وصوت المدينة عاد يبتلعنا ببطء. قالت ميا وهي تشدّ حقيبتها على كتفها:
«على الأقل، انتهى أسوأ أيام الأسبوع.»
أومأتُ موافقة، وقلت بابتسامة باهتة:
«نعم... انتهى.»
لكنّني في داخلي كنتُ أعلم أنّه لم ينتهِ تمامًا. شيء ما كان يتحرّك بصمت، ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر من جديد، وأنا—رغم التعب—كنتُ أشعر بأنّ هذا الهدوء، مرّة أخرى، قد لا يدوم طويلًا.
كنا نجلس في المطعم الصغير القريب من الحرم الجامعي، وأمامنا طبقان من المعكرونة يتصاعد منهما البخار. كانت ميا تخلط الصلصة بحماس، وتروي لي قصة لا تنتهي عن إحدى الطالبات، بينما كنتُ أستمع بنصف انتباه، أكتفي بهزّ رأسي بين حين وآخر.
اهتزّ هاتفي على الطاولة.
نظرة واحدة كانت كافية لتُجمّد يدي في مكانها.
رسالة واحدة.
رقم مجهول.
وجملة قصيرة... لكنها كانت كفيلة بأن تسحب الهواء من رئتي.
«إيّاكِ أن تثقي بي مجددًا.»
لم أفهمها في البداية. قرأتها مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة. الكلمات لم تتغيّر، لكن معناها كان يزداد ثِقلًا في كل مرة. شعرتُ بقشعريرة تسري في ظهري، وكأن أحدهم همس بها في أذني بدل أن يكتبها.
لاحظت ميا شحوب وجهي.
«آيريس؟ ما بكِ؟»
دفعتُ الهاتف نحوها بيد مرتجفة. قرأت الرسالة، وارتسمت على وجهها دهشة مشوبة بقلق.
«ما هذا؟ أليس هو... نفس الشخص؟»
أومأتُ ببطء.
«نعم. لكن... هذه المرة مختلفة.»
لم تكن تحذيرًا. لم تكن أمرًا.
كانت نفيًا.
كأنّه يُسقط القناع بيده، أو كأنّه يختبرني، يزرع الشك فيّ بعد أن جعلني أعتمد عليه.
قالت ميا محاولة التخفيف:
«ربما يمزح؟ أو يريد أن يُربكك فقط.»
لكن قلبي كان يعرف الحقيقة قبل عقلي. هذا الشخص، أيًّا كان، لم يكن يكتب عبثًا أبدًا. كل كلمة منه كانت محسوبة، وكل رسالة كانت خطوة في طريق لا أرى نهايته.
نظرتُ إلى طبقي. المعكرونة بردت، وشهيّتي اختفت.
للمرة الأولى منذ زمن، تمنّيت لو عادت الرسائل التحذيرية، الحوادث المتوقّعة، أي شيء... إلا هذا الغموض.
لأن الخطر الحقيقي، أدركتُ متأخرة،
ليس أن تعرفي ما سيحدث...
بل أن تشكّي في الشخص الوحيد الذي جعلكِ تنجين.
مرّ شهرٌ كامل.
شهر بلا رسائل. بلا أرقام غريبة. بلا جُملٍ تُخبرني بما سيحدث قبل أن يحدث.
في البداية كنتُ أنتظر، ثم نسيتُ كيف يكون الانتظار أصلًا. عاد كلّ شيء إلى طبيعته: محاضرات طويلة، ضحكات ميا العالية، وأيامٌ تمرّ دون أن تحمل معها ما يستحق الخوف.
حتى تلك الليلة.
اهتزّ هاتفي وأنا أتهيّأ للنوم. نظرتُ إلى الشاشة بلا اهتمام حقيقي، لكن الرقم كان مألوفًا في غرابته.
«لو كنتِ تعرفين من أنا، لما احتجتِ أن تثقي بي أصلًا.»
حدّقتُ في الكلمات قليلًا، ثم أغلقتُ الهاتف. لم أفسّرها. لم أبحث لها عن معنى. قرّرتُ، للمرّة الأولى، أن أتركها حيث هي... بلا وزن.
في صباح اليوم التالي، كان الربيع في أوجه.
الأشجار المحيطة بالحرم الجامعي مزهرة، والهواء مشبع برحيقٍ أعرفه جيّدًا. ذلك النوع الذي يجعل صدري يضيق بهدوء، دون إنذار. كنتُ أكره هذا الفصل، لا لجماله، بل لما يفعله بتنفسّي.
في قاعة الرياضيات، كانت النوافذ مفتوحة. الضوء يتدفّق، والنسيم يعبث بالأوراق.
جلستُ بجانب ميا، أخرجتُ دفتري، وحاولتُ أن أتنفّس بعمق. في البداية كان الأمر محتملًا.
ثم سعلتُ.
مرة واحدة. ثم ثانية.
أخرجتُ البخاخ من حقيبتي، استخدمتُه بهدوء، لكن الهواء بدا أثقل من المعتاد. حاولتُ التركيز، إلا أن صدري لم يستجب بسرعة.
وفجأة توقّف صوت الأستاذ.
رفعتُ رأسي دون قصد.
كان الأستاذ جون قد ترك السبورة، وتقدّم بخطوات سريعة. أغلق نافذة قريبة، ثم أخرى، وفتح نافذة أبعد قليلًا. فعل ذلك بصمت، بلا تعليق، بلا نظرات للطلاب.
ثم عاد إلى مكانه، وقال: «سنكمل الشرح.»
لم يذكر اسمي. لم يسأل إن كنتُ بخير.
لكنني لاحظتُ أن يده كانت مشدودة وهو يمسك الطباشير.
مالت ميا نحوي بعد دقائق، وهمست بخفّة: «أكره الربيع... يجعل القاعات خانقة.»
ابتسمتُ ابتسامة صغيرة، موافقة.
ثم أضافت، وكأنها تتذكّر فجأة: «بالمناسبة، الأستاذ اليوم متوتّر. ربما لم يشرب قهوته.»
ضحكتُ بصوتٍ خافت.
انتهت محاضرة الرياضيات أخيرًا، وخرج الأستاذ جون دون أن يلتفت كثيرًا، كعادته في الآونة الأخيرة. تنفّستُ الصعداء، ظننتُ أن الجزء الأصعب من اليوم قد مرّ.
كنتُ مخطئة.
دخل أستاذ العلوم.
ذلك الأستاذ تحديدًا... الذي لم أستطع يومًا أن أقرّر إن كنتُ أكرهه لشخصه أم لأنه يبادلني الشعور ذاته دون مواربة. كل ما أعرفه أن بيننا تاريخًا سخيفًا بدأ في العام الماضي، بموقفٍ صغير لا يستحق الذكر، لكنه تحوّل مع الوقت إلى عداء صامت.
منذ ذلك اليوم، صار يختارني دائمًا. لا للأسئلة السهلة. ولا للتمهيد.
بل لأعقد الأسئلة، أطولها، وأكثرها تشابكًا.
كأن القاعة بأكملها تختفي، ولا يبقى فيها سواي وسواه.
جلستُ في مكاني وأنا أشعر بتصلّب كتفيّ. ميا التفتت إليّ وهمست: «استعدّي... نظرة عينيه تقول إنكِ الضحية اليوم.»
لم أجب. كنتُ أحدّق في دفتري، أحاول أن أبدو غير موجودة.
بدأ الشرح، صوته جافّ، كلماته دقيقة حدّ الإزعاج. كتب معادلة طويلة على السبورة، ثم استدار فجأة.
نظر إليّ مباشرة.
«آنسة آيريس.»
انقبض صدري.
«اشرحي لنا هذه الجزئية.»
لم تكن جزئية. كانت فصلًا كاملًا.
وقفتُ ببطء، شعرتُ بحرارة العيون تتّجه نحوي. بدأتُ الشرح، خطوة بخطوة، كنتُ أعرف المادة، لكن طريقته في الاستماع كانت دائمًا تجعلني أشكّ في نفسي. كان يصحّحني على التفاصيل، يقاطعني عند كل فاصلة، وكل تعريف.
«لا، أدقّ.»
«أعيدي الصياغة.»
«هذا تبسيط مخلّ.»
عضضتُ على شفتي، أكملتُ رغم ذلك.
وأخيرًا قال: «اجلسي.»
جلستُ وأنا أشعر أنني خرجتُ من معركة لا من محاضرة.
همست ميا فورًا، بنبرة غاضبة: «أقسم أنه يستمتع بهذا.»
هززتُ رأسي. كنتُ أكرهه بكل ما تعنيه الكلمة. أكرهه لأنه يجعلني أشعر أن معرفتي لا تكفي، وأن عليّ دائمًا أن أبرّر وجودي.
لكن الغريب... أنني، رغم ذلك، أجبتُ. ولم أخطئ.
وذلك، بحدّ ذاته، كان انتصارًا صغيرًا في يومٍ لم أكن أتوقع منه أي انتصار.
كانت تلك المحاضرة الأخيرة في اليوم... التاريخ.
ولا أحد يعرف، حتى هذه اللحظة، ما السبب العبقري الذي جعل الإدارة تضع لنا مادة التاريخ في الفرع العلمي، وكأن المعادلات الفيزيائية لم تكن كافية لتعذيبنا. دخلنا القاعة ونحن نجرّ أقدامنا جَرًّا، وأنا أتمتم في سري بسلسلة من الاعتراضات التي لن يسمعها أحد.
دخلت المعلمة جولي.
لو قيل لي إنها خرجت للتو من كتابٍ قديم، أو من لوحة زيتية تعود لقرنٍ مضى، لصدّقت دون نقاش. شعرها الرمادي مرفوع بطريقة صارمة، نظارتها السميكة معلّقة على طرف أنفها، وملابسها... لا يمكن تحديد زمنها بدقة، لكنها بالتأكيد لم تكن من هذا العصر.
همست ميا فور جلوسها: «أراهن أنها عاصرت الحدث الذي ستشرحه.»
كتمتُ ضحكتي بصعوبة.
وضعت جولي كتبها على الطاولة بعناية مبالغ فيها، نظرت إلينا نظرة فاحصة، وكأنها تقيّم أخطاءنا التاريخية قبل أن نقترفها، ثم قالت بصوتٍ جاف: «افتحوا دفاتركم.»
تنهدت القاعة جماعيًا.
بدأت تشرح، تسرد الأحداث كما لو كانت تحفظها منذ ولادتها، تواريخ، أسماء، معاهدات... كل شيء يُقال بنبرة واحدة، بلا ارتفاع أو انخفاض، بلا حياة. شعرتُ بأن الكلمات تمرّ من أذني وتخرج من الأخرى دون أن تترك أثرًا.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.