وضع القراءة:

الغياب

بعد رحيل أبي، لم يحدث شيء كبير كما توقعتُ. لا صراخ، لا انهيار، لا لحظة درامية تصلح للذاكرة. الحياة ببساطة... استمرت.
في الأيام الأولى، كانوا يتصرفون وكأن غيابه مؤقت.
يتركون مكانه على الطاولة، يؤجلون ترتيب أغراضه، ويخفضون أصواتهم عندما يُذكر اسمه. كنت أراقب ذلك من زاوية الغرفة، طفلة في السادسة، لا أفهم لماذا يبدو الكبار خائفين من كلمة واحدة.
ثم، دون إعلان، تغيّر كل شيء.
اختفى اسمه من أحاديثهم، وأُغلقت الأدراج، وتعلّمتُ بسرعة أن بعض الأسئلة لا يُفترض أن تُسأل. قيل لي إنه مات، لكن الكلمة كانت ثقيلة على لسانهم، تُقال بسرعة، كأنهم يخشون أن يسمعوها بأنفسهم.
كبرتُ وأنا أتعلم الاعتياد...الاعتياد على كرسي فارغ, على صورة قديمة لا يعلّقها أحد،على شعور غامض بأن هناك شيئًا ناقصًا، دون أن أعرف ما هو.
أمي حاولت أن تكون كل شيء.
نجحت أحيانًا، وفشلت كثيرًا، لكنها لم تتوقف عن المحاولة. بعد سنوات، دخل رجل آخر حياتنا. لم أقاوم وجوده، ولم أرحّب به. كان طيبًا، هادئًا، ويحاول ألا يأخذ مساحة أكبر مما يُسمح له. ومع ذلك، لم يصبح أبي، ولم أسمّه يومًا كذلك.
تعلمتُ أن أكون مستقلة باكرًا.
أعتمد على نفسي، أُخفي دهشتي، وأتظاهر أن الماضي لا يهمني. كنت متفوقة في المدرسة، ليس لأنني أحب الدراسة، بل لأن النجاح كان الطريقة الوحيدة التي أعرفها لأثبت أن غياب شخص واحد لا يكسر حياة كاملة.
ومع الوقت، صار الغياب جزءًا من هويتي. لا أحنّ، ولا أشتاق، ولا أبكي. فكيف أشتاق إلى شخص لا أتذكر ملامحه جيدًا؟
عندما قُبلت في جامعة بنيويورك، شعرتُ أنني أخيرًا أتحرر. مدينة جديدة، وجوه جديدة، وحياة لا تعرف قصتي. ظننت أن الماضي سيبقى حيث تركته: في بيت قديم، وصورة باهتة، وذكرى غير مكتملة.
لم أكن أعلم أن بعض الغيابات لا تنتهي, هي فقط... تنتظر الوقت المناسب للعودة.
بعد وصولي، انشغلتُ بتفاصيل صغيرة كنت أظنها ستملأ الفراغ. سكن جامعي ضيق، جدرانه بيضاء أكثر مما يجب، نافذة تطل على شارع لا ينام. كنت أحب ذلك. الضجيج هنا لا يترك مجالًا للتفكير، أو هكذا أقنعتُ نفسي.
تعرفتُ على زميلات، تبادلنا الأسماء بسرعة، وتعلمتُ كيف أبتسم في الأماكن الصحيحة، وأصمت في الأماكن الصحيحة أكثر. لم أسأل أحدًا عن ماضيه، ولم يسألني أحد عن ماضيّ. كان اتفاقًا غير معلن: نبدأ من الصفر، أو نتظاهر بذلك.
أمي كانت تتصل كثيرًا في الأسابيع الأولى. تسأل عن الطقس، عن الطعام، عن النوم. لم تسأل يومًا إن كنتُ بخير حقًا. ربما لأنها تعرف الإجابة، أو لأنها لا تريد سماعها. كنت أطمئنها دائمًا، وأُنهي المكالمة قبل أن تطول، قبل أن أقول شيئًا لا أعرف كيف أشرحه.
في بعض الليالي، كنتُ أستيقظ دون سبب واضح.
لا كوابيس، لا أصوات، فقط شعور غريب بأنني نسيت شيئًا مهمًا. أبقى مستلقية، أحدّق في السقف، وأحاول أن أتذكر... ثم أستسلم للنوم من جديد.
بدأتُ ألاحظ أشياء صغيرة. تكرار أرقام بلا معنى. إحساس غريب عند المرور بأماكن لم أزرها من قبل، كأنني أعرفها. لحظات قصيرة أشعر فيها بأنني متأخرة... عن شيء لا أعرفه.
كنت أفسّر كل ذلك بالإرهاق. مدينة جديدة، حياة جديدة، عقل يحاول اللحاق بكل شيء دفعة واحدة. لم أكن أؤمن بالإشارات، ولا بالحدس، ولا بأي فكرة غير قابلة للتفسير المنطقي. كنت أؤمن بشيء واحد فقط: ما أراه أمامي.
ولهذا، عندما حدث الأمر لأول مرة، لم أفزع... ظننته خطأً عاديًا. شيئًا يحدث للجميع.
رسالة واحدة... قصيرة... من رقم لا أعرفه.
لم أفتحها فورًا. تركت الهاتف على الطاولة، وعدت لما كنت أفعله، غير مدركة أن حياتي الهادئة، المستقرة، المبنية بعناية كانت على وشك أن تنحرف، لا بضربة واحدة، بل بكلمات.
كلمات كُتبت...
قبل وقتها.
بدأ كلّ شيء حين التقيتُ بأستاذ الرياضيات خاصّتي.لم يكن اللقاء استثنائيًا، ولا يليق بلحظة تغيّر مصير. قاعة عادية، مقاعد مرتّبة، سبّورة نظيفة أكثر من اللازم. دخل متأخرًا بدقائق، اعتذر باقتضاب، وبدأ الشرح وكأن العالم لم يتأخر يومًا عن شيء.
كان صوته هادئًا، ثابتًا، لا يحمل تلك الحماسة المبالغ فيها التي يتصنّعها بعض الأساتذة. يشرح وكأنه يتحدّث إلى نفسه، لا إلى القاعة. لم أنظر إليه كثيرًا في البداية. الرياضيات كانت بالنسبة لي مادة أفهمها... لا أكثر.
لكن في منتصف المحاضرة، توقّف فجأة.
ليس لأن أحدًا قاطعه، بل كأنه فقد خيط فكرة ما. نظر إلى السبّورة، ثم إلى القاعة، وتوقّفت عيناه عندي لثانية واحدة فقط. ثانية قصيرة، لكنها كانت كافية لأشعر بعدم ارتياح لا سبب له.
أكمل الشرح بعدها مباشرة، وكأن شيئًا لم يحدث.
لم يعلّق، لم يبتسم، لم يُظهر دهشة.
وأقنعتُ نفسي أنني أتوهّم.
في نهاية المحاضرة، نادى اسمي أثناء تسجيل الحضور.
نطقَه ببطء غير معتاد، وكأنه يختبره. رفعت يدي، فأومأ برأسه دون أن ينظر إليّ هذه المرة. كان تصرّفًا عابرًا... لكنه بقي في ذهني أكثر مما ينبغي.
خرجتُ من القاعة وأنا أحاول تجاهل ذلك الشعور المزعج.
ذلك الإحساس بأن شخصًا ما يعرف عنك أكثر مما يجب، دون أن يقول شيئًا.
لم أربط الأمر بأي شيء آخر حينها.
لا بالرسالة،
ولا بالماضي،
ولا بالغياب الذي ظننتُه انتهى.
كنت مخطئة.
لأن بعض اللقاءات لا تبدو مهمة في لحظتها.
هي فقط... النقطة التي يبدأ منها كل شيء.
قاطعت سلسلة أفكاري المملّة عن ما سأفعله بعد أن أتخرّج، حين نادتني باسمي—آيريس—عدّة مرّات، حتى استجبتُ لها أخيرًا.
«آيريس؟ هل تسمعينني؟»
التفتُّ إليها متأخرة قليلًا. كانت تجلس إلى جانبي منذ بداية الفصل، ولم أتذكّر اسمها رغم أنها أخبرتني به في الأسبوع الأول. ابتسمتُ اعتذارًا، تلك الابتسامة التي أستعملها حين أكون حاضرًة بجسدي فقط.
قالت وهي تشير إلى الباب:
«الأستاذ ينتظر.»
نظرتُ أمامي، فوجدت القاعة شبه فارغة. لم ألاحظ متى انتهت المحاضرة، ولا متى غادر الجميع. جمعتُ أغراضي على عجل، وشعرتُ بذلك الإحساس القديم يعود، الإحساس بأنني دائمًا أتأخر خطوة عن اللحظة.
عندما اقتربتُ من المكتب، رفع الأستاذ رأسه ببطء.
لم يبدُ منزعجًا، ولا مستعجلًا. كان ينتظرني فعلًا.
«آنسة آيريس»، قالها بنبرة هادئة أكثر مما يجب، «هل يمكنني التحدّث معك لدقيقة؟»
لم أسأله عن السبب.
هززتُ رأسي فقط، وأنا أشعر بأن شيئًا غير مرئي كان يُغلق خلفي بهدوء، كأنني دخلت مساحة لا يُفترض أن أكون فيها.
وقفَت زميلتي عند الباب، نظرت إليّ بتردّد، ثم غادرت.
بقينا وحدنا في القاعة.
في تلك اللحظة، لم أعرف لماذا تسارعت دقّات قلبي.
لم يقل شيئًا بعد.
لم يتحرّك.
لكنني أدركتُ، دون سبب منطقي، أن هذا الحديث—مهما كان قصيرًا—لن يكون عابرًا.
وأن أفكاري المملّة عن المستقبل...
لن تعود كما كانت قبل هذه الدقيقة.
قال بهدوء وهو يشير إلى الكرسي المقابل:
«تفضّلي بالجلوس يا آيريس.»
جلستُ دون تردّد، ووضعت دفتري على الطاولة كدرعٍ صغير بيننا.
سألته، محاوِلة أن أبقي صوتي طبيعيًا:
«هل هناك مشكلة؟»
هزّ رأسه نفيًا بسرعة.
«لا، لا مشكلة. على العكس... أردت فقط أن أتأكد من أمر.»
رفعتُ حاجبيّ قليلًا.
«أيّ أمر؟»
توقّف لثانية، نظر خلالها إلى الدفتر، لا إليّ.
ثم قال:
«اسمكِ كاملًا.»
«آيريس...» تردّدتُ، ثم أضفتُ اسم العائلة.
أعاد الاسم ببطء، كأنه يجرّبه على لسانه.
«آيريس... نعم.»
سكت مجددًا.
لم أحتمل الصمت، فسألته:
«هل هذا كل شيء؟»
رفع نظره إليّ أخيرًا.
كانت عيناه ثابتتين أكثر مما يريح.
«كم عمركِ؟»
تفاجأتُ بالسؤال.
«واحد وعشرون.»
أومأ، وكأنه تأكّد من شيء كان يعرفه مسبقًا.
ثم قال:
«هل درستِ الرياضيات المتقدمة من قبل؟»
«نعم، في المرحلة الثانوية.»
«وأداؤكِ كان جيدًا؟»
«كنت من الأوائل.»
ابتسم ابتسامة قصيرة، لم تصل إلى عينيه.
«واضح.»
تردّدتُ قليلًا قبل أن أقول:
«أستاذ... هل هناك سبب لكل هذه الأسئلة؟»
تنفّس بعمق، ثم قال بنبرة مدروسة:
«لا أريدكِ أن تسيئي الفهم. لكن... هل عشتِ دائمًا في هذه المدينة؟»
«لا. انتقلتُ حديثًا.»
«من أين؟»
أجبتُه.
لاحظتُ أن يده تشدّدت قليلًا على القلم.
سأل بعدها مباشرة، وكأنه يخشى التراجع:
«هل تعيشين مع عائلتكِ؟»
تصلّب كتفاي.
«مع أمي.»
«ووالدكِ؟»
توقّفتُ لحظة أطول من اللازم.
ثم قلتُ بهدوء تعلّمته منذ سنوات:
«توفّي.»
لم يعلّق.
لم يقل "آسف".
لم يظهر تعاطفًا.
قال فقط، بصوت أخفض:
«فهمت.»
نهض من مكانه، وكأنه أنهى الحديث.
«هذا كل شيء يا آيريس. يمكنكِ الذهاب.»
وقبل أن أصل إلى الباب، أضاف:
«وإن احتجتِ أي مساعدة في المادة... مكتبي مفتوح.»
التفتُّ إليه.
كان ينظر إلى السبّورة، لا إليّ.
خرجتُ من القاعة، وأغلقتُ الباب خلفي، وكأنني أُغلق معه الحديث بأكمله. أخبرتُ نفسي أنني أبالغ، وأن ما حدث لا يتجاوز كونه فضول أستاذ جديد يحاول التعرّف على طلابه. لا شيء يستحق التفكير الزائد.
كانت ميا تنتظرني في الممر، تمشي نحوي بخطوات سريعة.
«أخيرًا! ظننتُ أنه سيحتجزكِ إلى الأبد.»
ابتسمتُ بخفة، وبدأنا نمشي معًا باتجاه الساحة.
«لا شيء مهم. أسئلة عادية.»
نظرت إليّ بشكّ.
«أسئلة عادية لا تجعلكِ شاردة طوال المحاضرة؟»
هززتُ كتفيّ.
«ربما كنتُ أفكر بما بعد التخرّج. كالعادة.»
ضحكت ميا.
«أنتِ الوحيدة التي تقلق بشأن المستقبل وهي ما تزال في السنة الأولى.»
عبرنا الطريق، وازدادت أصوات الطلبة من حولنا. كان كل شيء يبدو طبيعيًا إلى درجة مريحة. تحدثنا عن واجبات متراكمة، عن أستاذ مزعج في مادة أخرى، وعن مقهى جديد افتتح قرب السكن الجامعي.
«نحتاج قهوة»، قالت ميا بحزم.
«قهوة كبيرة»، أضفتُ وأنا أتنفّس بعمق.
شعرتُ بأن الثقل في صدري يخفّ تدريجيًا.
حديث عادي، ضحكات عابرة، خطوات متزامنة. هكذا تُنسى الأمور التي لا تريد أن تفهمها.
لم أذكر لها الحوار، ولا الأسئلة، ولا تلك النظرة التي توقّفت عندي ثانية أطول مما يجب. أقنعتُ نفسي أن بعض اللحظات لا معنى لها، وأن أفضل طريقة للتعامل معها هي تجاهلها تمامًا.
ولذلك، عندما اهتزّ هاتفي في جيبي بعد دقائق، لم أستجب فورًا.
تركتُه يهتزّ، وواصلتُ السير.
كنت أعتقد أنني تجاوزت الأمر.
وكنت مخطئة.
انتهت آخر محاضرة لذلك اليوم، وبدأ الطلبة يتدفّقون نحو الخارج. جمعتُ أغراضي ببطء، أشعر بتعب خفيف لا أعرف مصدره. قبل أن أخرج من المبنى، أخرجتُ هاتفي بلا تفكير، حركة تلقائية أكثر منها فضولًا.
كانت هناك رسالة واحدة.
من رقم غير محفوظ.
رقم طويل، لا يشبه أي رقم محلي أعرفه.
فتحتُها.
«لا تذهبي من الطريق السريع.
عودي مشيًا.
سيحدث حادث مروري.»
حدّقتُ في الشاشة لثوانٍ.
لا اسم.
لا تفسير.
لا علامة تدل على مزحة.
رفعتُ رأسي ونظرتُ حولي. الممر مليء بالطلبة، ضحكات، أصوات، خطوات مسرعة. لا شيء يوحي بأن العالم على وشك أن يتغيّر. أغلقتُ الهاتف، وأنا أبتسم بسخرية خفيفة من نفسي.
2 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.