وضع القراءة:

طيف

لم أُجب.
في منتصف المحاضرة، أخطأ في كتابة إشارة رياضية بسيطة. صحّحها فورًا، لكن الخطأ كان واضحًا، غريبًا عليه. رفعتُ رأسي دون وعي، والتقت عينانا لجزء من الثانية.
خفض نظره أولًا.
في تلك اللحظة، اهتزّ هاتفي في حقيبتي.
لم أُخرجه.
لم أحتج إلى ذلك.
كنتُ أعرف، وبطريقة لم أستطع تفسيرها، أن اليوم... لن يمرّ بسلام.
أبقيتُ نظري عليه طوال المحاضرة، لا على المعادلات ولا على الأرقام التي امتلأت بها السبورة، بل على ملامحه. على الطريقة التي يعقد بها حاجبيه حين يفكّر، وعلى حركة يده حين يتوقف فجأة ثم يكمل، وعلى ذلك الشرود الخاطف الذي يمرّ في عينيه كظلّ قديم.
انتهت المحاضرة أخيرًا، وبدأ الطلاب بجمع أغراضهم، أما أنا فبقيتُ في مكاني لحظات إضافية، كأنني أنتظر أن يحدث شيء، أو أن يقول هو شيئًا... لكنه لم يفعل.
أخرجتُ هاتفي ببطء.
فتحتُ الصور، وتجاوزتُ الكثير منها، حتى وصلتُ إلى صورة نادرة لا أعود إليها غالبًا. صورة قديمة، منذ خمسة عشر عامًا. كنتُ فيها طفلة صغيرة، أجلس على كتف رجل شاب، يبتسم للكاميرا ابتسامة غير مكتملة، كأنه لم يكن يحب الصور كثيرًا.
حدّقتُ في الصورة طويلًا.
ثم رفعتُ رأسي، ونظرتُ إليه وهو يضع كتبه في حقيبته استعدادًا للمغادرة.
عدتُ إلى الهاتف.
ثم إليه.
ثم إلى الهاتف مرة أخرى.
توقّف نفسي.
الانحناءة الخفيفة في الأنف.
الخطّ الدقيق عند زاوية الفم.
حتى النظرة... تلك النظرة التي لا تكون حزينة تمامًا ولا مطمئنة تمامًا.
كان التشابه صادمًا، غير مريح، إلى درجة جعلتني أشعر بأن الأرض تميد تحت قدمي.
لم يكن تشابهًا يمكن تفسيره بالمصادفة.
ولم يكن شيئًا أستطيع تجاهله بعد الآن.
أغلقتُ الهاتف، ووضعتُه في حقيبتي بسرعة، وكأنني أخشى أن يراه أحد، أو أن يراه هو.
نهضتُ ببطء.
للمرة الأولى، لم أعد أبحث عن دليل.
كنتُ أنظر إليه...
وأرى الماضي يقف أمامي.
لا أعرف كيف مرّ ذلك اليوم.
المحاضرات تتابعت واحدة تلو الأخرى، الوجوه تغيّرت، الأصوات تعاقبت، وأنا كنتُ هناك جسدًا فقط. ذهني كان عالقًا عند تلك الصورة، عند الملامح التي لم تعد تسمح لي بالهروب.
كنتُ أعرف أنني سأبدو مزعجة، وربما متهوّرة، لكنني اتخذتُ قراري.
عند نهاية الدوام، وقفتُ قرب الممر المؤدي إلى المخرج، أراقب الباب كما لو أن حياتي كلها متوقفة عليه. رأيتُ الطلاب يغادرون تباعًا، حتى خرج هو أخيرًا، يحمل حقيبته على كتفه، خطواته سريعة كعادته، كأنه يخشى أن يتأخر عن شيء لا اسم له.
سرتُ خلفه.
هذه المرة لم أتردّد، ولم أُناده من بعيد. لحقتُ به حتى وصل إلى الساحة الخارجية، ثم قلتُ بوضوح، بصوتٍ لم أتعرف عليه إلا لأنه خرج مني:
«توقّف. أرجوك.»
توقّف.
لم يكن ذلك التوقّف المفاجئ، بل توقّف شخص كان يعلم أن هذه اللحظة قادمة، لكنه لم يكن مستعدًا لها.
استدار ببطء، وعيناه التقتا بعينيّ. لم يحاول أن يبدو صارمًا هذه المرة، ولم يختبئ خلف نبرة الأستاذ.
قلتُ قبل أن يمنح نفسه فرصة للهروب:
«لن أتركك تذهب مجددًا.»
تنفّس بعمق، كأن الهواء أصبح أثقل فجأة.
«آيريس...»
سماع اسمي بهذه الطريقة جعل قلبي يرتجف.
تقدّمتُ خطوة.
«رأيتُ صورة قديمة اليوم. منذ خمسة عشر عامًا.»
لم يُجب.
«قارنتُها بوجهك.»
سكتُّ لحظة، ثم أكملتُ، وصوتي أكثر ثباتًا مما شعرتُ به:
«ولم يعد بإمكاني أن أُقنع نفسي أن هذا تشابه عابر.»
شدّ فكه، ونظر إلى الأرض، ثم إلى السماء، وكأن الكلمات أثقل من أن تُقال.
قلتُ أخيرًا، بهدوء حاسم:
«أنا متأكدة الآن.»
رفع نظره إليّ.
وللمرة الأولى، لم أرَ فيه أستاذي، ولا الرجل الغامض، ولا الشخص الذي يراوغ.
رأيتُ إنسانًا خائفًا.
قلتُ الجملة التي غيّرت كل شيء، دون تردد، دون انفعال، وكأنها كانت تنتظر أن تُقال منذ سنوات:
«الذي يقف أمامي الآن... هو أبي.»
ساد الصمت بيننا، صمت طويل، كثيف، لكنه لم يكن فارغًا.
لم يُنكر.
لم يُقاطعني.
لم يطلب مني التوقف.
وفي تلك اللحظة، عرفتُ أن الحقيقة، مهما تأخرت، لا تُنقذ أحدًا من ألمها... لكنها على الأقل، تضع حدًا للهروب.
توتر، كان واضحًا عليه أكثر مما حاول إخفاءه. نظر إليّ طويلًا، نظرة رجل يبحث عن مخرج لا عن إجابة، ثم قال بسرعة وكأنه يريد إنهاء الأمر:
«لديّ فتاة... تشبهكِ كثيرًا، لكنها ليست أنتِ. أتذكّر فقط نقاطًا قليلة من الماضي. هذا كل ما في الأمر. انتهى الحديث.»
كلماته لم تقنعني.
لم تكن الإجابة التي تُقال لشخص غريب، ولا حتى لطالبة فضولية. كانت إجابة دفاعية، مرتّبة أكثر مما ينبغي، وكأنها حُفظت مسبقًا.
استدار ليغادر.
ولحقتُ به.
لم أكن أركض، لكن خطواتي كانت حازمة. «انتظر.»
توقف هذه المرة بانفعال، واستدار نحوي بنفاد صبر:
«قلتُ لكِ—»
قاطعني صوته قبل أن أكمل، وقال بحدة منخفضة:
«قلتُ لكِ... لا تثقي بي.»
تجمّدت.
لم يكن اللفظ فقط... بل الطريقة. النبرة نفسها. التوقف القصير قبل الكلمة الأخيرة. حتى اختياره للجملة كان مطابقًا تمامًا.
لم يقل لي هذه العبارة من قبل.
الشخص الوحيد الذي قالها لي...
هو ذلك الرقم المجهول.
شعرتُ وكأن شيئًا ما انكسر في داخلي، ثم أعاد ترتيب نفسه بطريقة مؤلمة. نظرتُ إليه، لا كطالبة، ولا كابنة، بل كمن يواجه لغزًا أخيرًا بعد سلسلة طويلة من الإنذارات.
قلتُ ببطء، وكل حرف يخرج مني كاعتراف:
«أنت.»
قطّب حاجبيه. «ماذا تقصدين؟»
اقتربتُ خطوة، وصوتي أصبح أكثر ثباتًا مما توقعت:
«أنت من كان يرسل لي الرسائل.»
لم يُجب فورًا.
لكن الصمت... كان اعترافًا كافيًا.
انخفضت كتفاه قليلًا، وكأن ثقلًا هائلًا سقط عليه دفعة واحدة. قال أخيرًا، بصوتٍ خافت، مبحوح:
«لم يكن من المفترض أن تكتشفي الأمر بهذه الطريقة.»
في تلك اللحظة، لم أشعر بالانتصار، ولا بالراحة.
شعرتُ بالخوف.
لأن الشخص الذي كان ينقذ حياتي من بعيد...
كان يقف أمامي الآن.
وجهاً لوجه.
خرج السؤال منّي مباشرة، دون تمهيد، دون أن أسمح لنفسي بالتراجع:
«لماذا تركتنا؟»
تجمّد في مكانه. لم يلتفت، ولم يهرب، لكنه بدا وكأنه انتظر هذا السؤال طويلًا... وخشيه في الوقت نفسه.
قال بهدوء متكلّف:
«لأمور لا أستطيع شرحها لكِ الآن.»
لم أقبل الجواب. لم أترك له المساحة التي يختبئ فيها. تقدّمت خطوة، وصوتي صار أكثر حدّة:
«الآن؟ متى إذن؟ بعد كم سنة أخرى؟ بعد أن أعتاد غيابك مرة ثانية؟»
تنفّس بعمق، كأن الكلمات تثقل صدره. حاول أن يغيّر الاتجاه، أن ينهي الحديث، لكنني قاطعته فورًا:
«قل الحقيقة. ولو كانت مؤلمة.»
توقّف. ثم قال بصوت أخفض، منكسر على غير إرادة:
«لأنني... سبب في أذيتك.»
شعرتُ وكأن الأرض مالت تحتي. «أذيتي؟ كيف؟»
لم ينظر إليّ. شدّ قبضته، ثم قال:
«وأبقى كذلك. أينما ذهبت. مهما حاولتُ الابتعاد.»
رفعتُ رأسي، وعيناي تحترقان:
«أنت تؤذيني الآن.»
ساد صمت ثقيل. ثم قال أخيرًا، بصدق موجع:
«أعرف. ولهذا حاولتُ أن أبقى بعيدًا.»
في تلك اللحظة، لم أشعر بالغضب فقط...
شعرتُ بالخوف.
لأن الشخص الذي يقف أمامي لم يكن رجلًا هاربًا.
كان رجلًا يؤمن أن قربه خطر...
حتى على ابنته.
تردّدتُ لثانية... ثم خرجت الكلمة منّي، عارية، مرتجفة، وكأنها لم تُنطق من قبل:
«أبي.»
للمرة الأولى منذ خمسة عشر عامًا.
رأيته يغمض عينيه لحظة قصيرة، كأن الاسم أصابه في مقتل. وحين فتحهما، لم يكن فيهما إنكار... بل وجع قديم.
قلت بسرعة، قبل أن أتراجع:
«ماذا حصل؟ أين ذهبت؟ كيف تختفي هكذا وتعود كأنك لم تكن؟»
نظر حوله، كأنه يخشى أن يسمعنا أحد، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاسم:
«تعالي معي إلى منزلي. هناك سنتحدث.»
تعلّق قلبي بالكلمة. منزله.
قبل أن أفرح أو أتنفس، أضاف، وهو ينظر إليّ مباشرة هذه المرة:
«لكن بعد هذا... لن تريني وجهك أبدًا.»
شعرتُ وكأنني تلقيت صفعة باردة.
«ماذا؟»
قالها بلا قسوة، بلا تهديد، وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش:
«هذه هي الصفقة. حديث واحد. كل الإجابات التي تريدينها. ثم أختفي كما كنت.»
سألته بصوت مكسور:
«ولماذا؟»
أدار وجهه، وقال:
«لأن بقائي في حياتك ليس خيارًا آمنًا.»
وقفتُ هناك، بين رجلٍ عاد متأخرًا خمسة عشر عامًا...
وبين طفلة داخلي ما زالت تنتظر أن لا يرحل مرة أخرى.
ورغم ذلك...
عرفت أنني سأذهب معه.
مشينا بصمت. الطريق إلى منزله كان أقصر مما توقعت، أو ربما أنا من لم أشعر بالمسافة. كل خطوة كانت تقرّبني من حقيقة كنت أهرب منها طوال حياتي.
ما إن أغلق الباب خلفنا حتى قال، من دون أن ينظر إليّ:
«قيل لكِ إنني متُّ، أليس كذلك؟»
أومأت.
قال بهدوء موجع:
«لم أمُت... أنا اختفيت.»
جلستُ، وبقي واقفًا، كأن الجلوس اعتراف أكبر مما يحتمل.
«كنت أعمل مع فريق من العلماء على تجربة علمية. لم تكن سرية بمعناها التقليدي، لكنها كانت... خطيرة. كنا نبحث في إمكانية القفز الزمني. المستقبل.»
رفعتُ رأسي فجأة.
أكمل:
«وبطريقة لم تكن محسوبة، ذهبتُ إلى المستقبل.»
سكت لحظة، ثم قال:
«رأيتُ حياتنا هناك... ورأيتكِ.»
شعرتُ بأنفاسي تضيق، لكنه تابع قبل أن أسأله:
«وجودي معكِ كان سببًا لسلسلة من الأحداث. مشاكل، قرارات، خسارات... ونهاية لم أكن أتوقعها. نهايتي أنا... أو كدتُ أصل إليها.»
قلتُ بصوت خافت:
«فعدت؟»
«نعم. عدت فورًا. لكن حين عدت... لم يكن الزمن كما تركته. مرّت تسع سنوات.»
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.