وضع القراءة:

بوح

أسندتُ رأسي على يدي، أحاول التركيز. فشلت.
ميا كانت ترسم شيئًا يشبه فارسًا من العصور الوسطى في هامش دفترها، وعندما لاحظتني أنظر، دفعت الدفتر نحوي قليلًا وهمست: «انظري، هذا أنتِ لو درستِ التاريخ فعلًا.»
كدتُ أضحك، لكن نظرة جولي الحادّة أصابتنا في اللحظة ذاتها.
«هل هناك ما يثير الضحك؟»
هززنا رأسيْنا بسرعة. «لا، آنسة جولي.»
تابعت الشرح وكأن شيئًا لم يحدث.
عندما دقّ جرس انتهاء الدوام، شعرتُ وكأنني نجوتُ من حقبة كاملة، لا من محاضرة واحدة. جمعتُ أغراضي بسرعة، ووقفت.
قالت ميا وهي تتثاءب: «أقسم أن التاريخ يحتاج مؤرخًا ليشرح لماذا ندرسه.»
ابتسمتُ أخيرًا. كان اليوم طويلًا، متعبًا، ومليئًا بما يكفي من التوتر.
وللمرة الأولى منذ فترة...
لم تهتزّ هاتفي.
خرجنا من القاعة أخيرًا، وكانت الممرات شبه فارغة، كأن الجميع هرب فور انتهاء الدوام. كنتُ أعدّ خطواتي نحو الخارج حين توقفت ميا فجأة، واستدارت نحوي بعينين لامعتين.
«سنذهب إلى السوبر ماركت.»
نظرتُ إليها باستغراب. «الآن؟ لماذا؟»
رفعت كتفيها بلا مبالاة، ثم قالت بجدية مبالغ فيها: «لأنني أشتهي رقائق البطاطس التي على شكل معكرونة... بطعم البصل.»
توقفتُ عن المشي. «هذا ليس سببًا.»
ابتسمت ابتسامة بريئة مصطنعة. «بل هو سبب ممتاز.»
تنهدتُ. «ميا، لدينا طعام في السكن.»
«لكن ليس هذا الطعام.»
قالتها وكأنها تتحدث عن كنز نادر.
تابعتُ السير إلى جانبها رغم اعتراضي، أعرف هذه النبرة جيدًا؛ عندما تصل ميا إلى هذه المرحلة، لا فائدة من النقاش. الهواء في الخارج كان منعشًا، والسماء ملبدة بغيوم خفيفة توحي بمطر قريب.
قالت ميا وهي تسير بخفة: «ثم إن الخروج بعد يوم كهذا ضروري. العقل يحتاج إلى مكافأة.»
«رقائق بطاطس؟»
«بالضبط.»
دخلنا السوبر ماركت الصغير القريب من الحرم، الأضواء البيضاء انعكست على الأرضية اللامعة، ورائحة المخبوزات اختلطت برائحة المنظفات. اتجهت ميا مباشرة نحو الممر المخصص للوجبات الخفيفة، كأنها تعرف الطريق غمض عينين.
وقفت أمام الرف، تتفحّص الأكياس واحدًا واحدًا. «إن لم أجدها، سأصاب بخيبة أمل تاريخية.»
قلت بسخرية: «أكثر إثارة من محاضرة جولي على الأقل.»
ضحكت، ثم مدت يدها فجأة. «ها هي!»
رفعت الكيس بانتصار، وكأنه غنيمة حرب.
خرجنا من السوبر ماركت، والهواء في الخارج كان أبرد بقليل. فتحت ميا الكيس فورًا، دون أن تنتظر حتى نبتعد خطوات، وانبعثت رائحة البصل القوية.
أخذت حفنة كبيرة وبدأت تأكل بسعادة واضحة، ثم نظرت إليّ فجأة وقالت بفمٍ ممتلئ: «بالمناسبة... ماذا حصل مع مجنون المستقبل؟»
ترددتُ لحظة، ثم أجبتُ بهدوء: «كتب لي رسالة منذ أيام.»
توقفت عن المضغ، وحدّقت بي باهتمام. «وماذا قال؟»
تنفستُ بعمق، وكأنني أستحضر الكلمات من مكان بعيد. «قال: لو كنتِ تعرفينني، لما احتجتِ أن تثقي بي أصلًا.»
خفضت ميا يدها ببطء. «هذا... غريب.»
«والأغرب أنها كانت آخر رسالة.»
قلت ذلك بنبرة محايدة، لكن داخلي لم يكن كذلك أبدًا.
سارت ميا بضع خطوات صامتة، ثم قالت محاولة التخفيف: «ربما قرر أخيرًا أن يختفي. نهاية درامية لشخص درامي.»
أومأتُ. «ربما.»
لكن الحقيقة أنني لم أكن متأكدة مما أشعر به. لا راحة كاملة، ولا خوف واضح، ولا حزن حقيقي.
مجرد فراغ.
كأن شيئًا كان يراقبني من بعيد، ثم أغلق الباب دون وداع.
تابعت ميا أكل الرقائق، وكأن العالم عاد إلى طبيعته، بينما كنتُ أنا أمشي بجانبها وأفكر أن بعض الجمل... لا تُقال لتُنسى، بل لتبقى عالقة، تنتظر اللحظة التي نفهمها فيها.
قالت ميا فجأة، وهي تنظر أمامها: «تعلمين؟ تلك الجملة لا تبدو كتهديد.»
نظرتُ إليها. «ولا كتحذير.»
«بل كاعتراف.»
قالتها ثم التفتت إليّ، رافعة حاجبها. «اعتراف شخص يظن أنكِ كان يجب أن تعرفيه منذ البداية.»
لم أرد.
لأن الكلمات أصابت شيئًا في داخلي.
عندما وصلنا إلى السكن، صعدنا الدرج بصمت. وضعت ميا الكيس الفارغ في سلة المهملات، ثم تمددت على الأريكة وقالت: «سأعتبر أن هذه نهاية موسم مجنون المستقبل. نهاية مفتوحة، بلا إجابات.»
ابتسمتُ ابتسامة باهتة. «أتمنى ذلك.»
دخلتُ غرفتي، أغلقت الباب، وجلست على السرير. أخرجت هاتفي، لا لأتفقد الرسائل—كنت أعرف أنه لن يكون هناك شيء—بل لأن يدي اعتادت تلك الحركة.
مرّت دقيقة.
ثم أخرى.
لا شيء.
وضعت الهاتف جانبًا، واستلقيتُ أحدّق في السقف. حاولتُ إقناع نفسي أن الحياة عادت إلى مسارها الطبيعي: جامعة، محاضرات، ميا، تفاصيل صغيرة لا تهدد أحدًا.
لكن تلك الجملة لم تتركني:
لو كنتِ تعرفينني، لما احتجتِ أن تثقي بي.
في تلك الليلة، وللمرة الأولى منذ زمن، لم أنتظر رسالة...
لكنني شعرتُ بأن الصمت نفسه يحمل معنى.
وكأن القصة لم تنتهِ،
بل دخلت مرحلة أخطر:
المرحلة التي لا يُقال فيها شيء،
لأن الحقيقة أصبحت قريبة بما يكفي لتؤلم.
استيقظتُ على صوت المطر وهو يطرق النافذة بإلحاح، كأنه يطالبني بالنهوض. كان الصباح رماديًّا، والضوء خافتًا على غير العادة. بقيتُ لحظة أحدّق في السقف، أستمع لصوت الماء، وأحاول أن أهيّئ نفسي ليومٍ جديد بلا رسائل، بلا تحذيرات، بلا ذلك الصوت الخفي الذي اعتدتُ حضوره ثم غيابه.
نهضتُ أخيرًا، ارتديتُ معطفي، وربطتُ شعري على عجل. في المطبخ، كانت ميا تضع الماء ليغلي، وتنظر من النافذة بامتعاض.
قالت:
«إنه يوم يصلح للنوم فقط.»
ابتسمتُ بخفّة. «لكننا سنذهب إلى الجامعة على أي حال.»
خرجنا بعد دقائق، نتشارك مظلّة واحدة بالكاد تحمينا. المطر كان غزيرًا، والريح تدفعه إلى وجوهنا بلا رحمة. شعرتُ بأن ملابسي تبتلّ تدريجيًا، وأن شعري لم يعد يقاوم.
في منتصف الطريق تقريبًا، وبينما كنا نحاول تفادي بركة ماء كبيرة، لمحتُ شخصًا يقترب من الجهة المقابلة.
كان الأستاذ جون.
كان يسير وحده، يحمل مظلّة سوداء، ومعطفه داكن وقد ابتلّت أطرافه، وشعره مبلول قليلًا. بدا أقل صلابة مما اعتدتُ رؤيته عليه في القاعة، أكثر إنسانية... وأكثر تعبًا.
توقّف حين رآنا.
نظر إلينا لثانية، ثم تقدّم بخطوات ثابتة، ورفع المظلّة فوق رؤوسنا دون أن يقول شيئًا في البداية. ثم قال بصوت هادئ، خالٍ من الرسميّة المعتادة:
«تفضّلتا. خذا هذه.»
تفاجأتُ. «لا، شكرًا لك، أستاذ جون، لا داعي.»
أضافت ميا بسرعة، وقد ارتبكت: «نحن بخير، حقًا.»
هزّ رأسه بإصرار، ومدّ المظلّة أكثر نحونا، حتى صار هو خارجها تقريبًا.
«الطريق طويل، والمطر يشتدّ. خذاها.»
قلتُ، وأنا أشعر بالحرج: «لكن... ستبتلّ أنت.»
نظر إليّ مباشرة.
نظرة قصيرة، عميقة، لا تشبه أيّ نظرة سابقة.
قال بنبرة حاسمة: «لا يهم.»
لم يكن سؤالًا، ولا عرضًا. كان قرارًا.
تبادلتُ نظرة سريعة مع ميا، ثم أخذتُ المظلّة أخيرًا. في اللحظة التي تركها من يده، لمحتُ شيئًا غريبًا في ملامحه... ارتياحًا ممزوجًا بقلق، كأنّه فعل ما كان يجب عليه فعله، مهما كان الثمن.
قال بهدوء: «احرصا على الوصول بسلام.»
ثم استدار، ومضى تحت المطر بلا مظلّة، يبتعد خطوة بعد أخرى، وظهره ينحني قليلًا تحت ثقل السماء.
بقينا واقفتين نراقبه بصمت.
همست ميا أخيرًا، وهي تشدّ المظلّة فوقنا:
«هذا... لم يكن تصرّف أستاذٍ عادي.»
لم أجب.
لكن قلبي، في تلك اللحظة، خفق بطريقة لم أعرف لها تفسيرًا بعد.
دخلنا المبنى أخيرًا، وأنا ما زلت أشعر بثقل المعطف المبتل على كتفي. خلعتُه ببطء، أبحث بعيني عن لوحة القاعات، بينما كانت ميا تشتكي من البلل وتعدّد خططها الساخرة لليوم.
لم يكن هناك ما يميّز تلك اللحظة.
لا إنذار، لا شعور غريب، لا حدث يسبق ما سيقع.
وفجأة، سمعت صوته.
«آيريس.»
التفتُّ.
كان الأستاذ جون يقف على بعد خطوات، يحمل بعض الأوراق، وكأنه خرج للتو من مكتبه. لم يكن مستعجلًا، ولم يبدُ عليه القلق. فقط... بدا طبيعيًا أكثر من اللازم.
قال، بنبرة عابرة كأنها سؤال يومي: «هل أحضرتِ معكِ بخّاخ الربو اليوم؟»
توقّف كل شيء.
نظرتُ إليه بذهول صريح، لم أحاول إخفاءه.
حتى ميا تجمّدت في مكانها.
قلتُ بعد ثانية ثقيلة: «...ماذا؟»
رمش، وكأنّه أدرك متأخرًا ما قاله. فتح فمه ليكمل، ثم تراجع نصف خطوة.
«أقصد—»
سكت لحظة، ثم تابع بسرعة، وبابتسامة مرتبكة لم أرها عليه من قبل:
«مثل والدتك.»
تصلّبتُ أكثر.
«والدتي؟»
تلاقَت أعيننا.
في تلك اللحظة، رأيت الخطأ واضحًا في وجهه... ذلك الارتباك الخاطف، النظرة التي تبحث عن مخرج.
قال مسرعًا، وهو يتدارك: «يا إلهي، ما هذه الصدفة... كنتُ أقصد زوجتي. زوجتي مصابة بالربو أيضًا.»
ضحك ضحكة قصيرة، مصطنعة، لا تشبهه.
لكن الضرر كان قد وقع.
لم أضحك.
لم أجب.
ميا نظرت إليّ أولًا، ثم إليه، ثم عادت تنظر إليّ، وكأنها تنتظر تفسيرًا لن يأتي.
قلت بهدوء بارد: «أنا لم أذكر هذا لأحد في الجامعة.»
شدّ قبضته على الأوراق بين يديه، ثم قال بنبرة رسمية فجأة: «انتبهِي لصحتك فقط.»
واستدار بسرعة، وغادر.
بقينا واقفتين في مكاننا، والطلاب يمرّون من حولنا كأن شيئًا لم يحدث.
همست ميا أخيرًا: «آيريس...»
«نعم؟»
«هل لاحظتِ أنه لم يقل بالمصادفة... إلا بعد أن نظرتِ إليه؟»
لم أجبها.
كنتُ مشغولة بشيء واحد فقط:
كيف عرف؟
ولماذا قال مثل والدتك...
قبل أن يتذكّر أن يكون حذرًا؟
دخلنا إلى القاعة، وكانت تلك المحاضرتان كلتاهما له. جلستُ في مكاني المعتاد، وضعتُ دفتري أمامي، وفتحتُ القلم... لكنني لم أكتب.
لم أكن أركّز على ما يخطّه على السبورة، ولا على الأرقام التي اعتدتُ فهمها بسهولة. كان بصري معلّقًا به هو، بوجهه، بحركاته الصغيرة التي لم أنتبه لها من قبل.
طريقة وقوفه.
انحناءة كتفيه الخفيفة عندما يكتب.
الطريقة التي يضغط بها على الطباشير حين يتوتر.
كنتُ أعرف هذا الشخص.
لم أعرف من أين جاءت الفكرة، لكنها استقرّت في داخلي بثقلٍ غريب. ملامحه لم تكن غريبة عليّ، بل مألوفة... مألوفة بشكل مزعج، كأن عقلي يتذكّره قبل أن يسمح لنفسي بذلك.
رفعتُ رأسي قليلًا، أمعنت النظر.
خط الفك.
تقوّس الحاجب الأيسر عندما يشرح نقطة معقّدة.
حتى نبرة صوته عندما يقول: «انتبهوا هنا».
شيء في داخلي كان يصرخ:
لقد رأيتُ هذا من قبل.
لكن أين؟
انزلقت يدي دون وعي إلى عنقي، حيث أعلّق سلسلة صغيرة لا أخلعها أبدًا. صورة قديمة، باهتة، بالكاد أستطيع تذكّر تفاصيلها... صورة لرجل يقف بجانبي، وذراعه حول كتفي الصغيرة.
شعرتُ بوخز في صدري.
التفتت ميا إليّ وهمست: «أنتِ شاردة تمامًا.»
أومأتُ دون أن أنظر إليها.
لم أكن شاردة.
كنتُ أستيقظ.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.