سكون
قلت بسرعة، ونبرة صوتي خرجت أكثر حدّة مما قصدت:
«ميا، لا.»
رفعت رأسها نحوي، وعيناها ثابتتان على غير عادتهما.
«آيريس، هذا كافٍ. رسائل مجهولة، تحذيرات تتحقق، والآن أمكِ تقول الشيء نفسه. هذا ليس طبيعيًا، ولا آمنًا.»
تقدّمتُ خطوة نحوها.
«الرسالة قالت إن الشرطة ستأتي. إن اتصلنا الآن... قد نغيّر شيئًا.»
ضحكت ضحكة قصيرة، عصبية.
«نغيّر ماذا؟ الفوضى؟»
هززت رأسي.
«لا أعرف. لكن كل مرة تجاهلتُ رسالة... كدت أندم.»
خفضت الهاتف قليلًا، لكنها لم تُغلقه.
«وأنتِ تثقين بهذا الشخص المجهول؟»
ترددتُ.
«لا...»
ثم أضفت بصوتٍ أخفض:
«لكنني أثق بأن تحذيراته حقيقية.»
ساد صمتٌ مشحون.
قالت ميا أخيرًا:
«إذن ماذا نفعل؟ ننتظر أن يُقتحم المبنى؟»
نظرتُ إلى الباب، إلى القفل، إلى النافذة.
«نغلق كل شيء. نبقى هنا. وإن حدث أي صوت... نتصل فورًا.»
درست وجهي لثوانٍ طويلة، ثم أغلقت شاشة هاتفها ببطء.
«حسنًا. لكن إن شعرتُ أن الأمر يخرج عن السيطرة... لن أنتظر إذنك.»
أومأت.
كنت أعلم أنها محقّة.
مرّت ساعة، ثم ثانية، ثم ثالثة.
الوقت كان ثقيلاً، يتحرّك ببطءٍ مستفز، وكأن الدقائق تتعمّد اختبار أعصابنا. لم يحدث شيء. لا أصوات، لا حركة، لا إشارات على أنّ تحذير الرسالة كان أكثر من وهم.
كانت ميا أول من كسر الصمت.
تقدّمت نحو الباب، ووضعت يدها على المقبض، ثم التفتت إليّ بنظرة تحمل شيئًا من السخرية المتعبة.
قالت:
«يبدو أنّ شخصكِ المجهول، المشغول بالمستقبل... أخطأ هذه المرّة.»
لم أجب.
راقبتها وهي تفتح الباب ببطء، كأنها تتوقّع أن يثبت الواقع وجهة نظرها.
وفي اللحظة نفسها—
دوّى صوت كسر زجاجٍ حاد من الطابق السفلي.
تجمّدنا في أماكننا.
اتّسعت عينا ميا، وانعكس الذعر على ملامحها قبل أن أسمعها تلهث. أغلقت الباب بقوة، وأدارت القفل بسرعة، كأنها تخشى أن يلحق الصوت بنا.
قالت بصوتٍ مرتجف:
«يا إلهي...»
لم أنتظر. التقطت الهاتف، وأصابعي ترتجف وأنا أطلب رقم الشرطة.
هذه المرّة، لم يكن هناك مجال للتشكيك، ولا للصدف.
في الأسفل، كان هناك من كسر الهدوء فعلًا.
وصلت الشرطة بعد دقائق بدت أطول من ساعات.
أصوات الصفّارات، خطوات سريعة في الممرات، أوامر قصيرة وحازمة. من خلف الباب المغلق، كنّا نسمع كل شيء دون أن نرى شيئًا، إلى أن طرق أحدهم الباب وعرّف بنفسه.
كانوا قد أمسكوا بهم.
لصوصٌ دخلوا المبنى، تمامًا كما قالت الرسالة.
فوضى في الطابق السفلي، زجاج مكسور، ولا إصابات.
عندما هدأ كل شيء، وعاد الصمت تدريجيًا إلى المكان، أدركتُ أن الأمر لم يعد مجرّد سلسلة مصادفات غريبة.
شيء ما... انكسر داخلي.
كل القواعد المنطقية التي اعتمدتُ عليها في حياتي انهارت دفعة واحدة.
القناعة بأن المستقبل مجهول.
أن الصدفة تفسّر كل ما لا نفهمه.
أن المعرفة المسبقة وهمٌ نخلقه حين نخاف.
هذا الشخص—أياً كان—لم يكن يتنبأ فقط.
كان يعرف.
جلستُ على سريري، والهاتف بين يديّ، أحدّق في شاشة سوداء صامتة، وكأنني أنتظر رسالة جديدة، أو تفسيرًا، أو حتى اعتذارًا عن كل هذا العبث بعقلي.
رفعتُ رأسي، وهمستُ لنفسي بسؤال لم أجرؤ على قوله بصوتٍ عالٍ:
من أنت... وكيف ترى ما لم يحدث بعد؟
وللمرة الأولى في حياتي،
لم أخَف من الجواب.
في تلك الليلة، لم أنم.
تمدّدتُ على السرير، أُحدّق في السقف المظلم، بينما كان عقلي يعمل بلا رحمة. الأفكار تتزاحم، تتصادم، وتعيد المشاهد نفسها مرارًا، كأنها تبحث عن خطأٍ واحد... عن تفسيرٍ واحد يُعيد العالم إلى شكله الطبيعي.
هل أنا مجنونة؟
هل كنت أبحث عن معنى حيث لا يوجد؟
هل ربطتُ أحداثًا متفرقة لأنني أردتُ تصديق شيءٍ استثنائي؟
كنت على وشك البكاء، لكن الدموع لم تنزل.
كان هناك شيء أثقل من الحزن: الشكّ.
الطريق السريع.
العاصفة.
اللصوص.
ثلاثة تحذيرات.
ثلاثة أحداث تحققت.
أغمضتُ عينيّ بقوة، كأنني أستطيع إيقاف التفكير بهذه الطريقة.
قلت لنفسي إن الإرهاق يفعل هذا بالناس، إن القلق يصنع أوهامًا، وإن العقل أحيانًا يخدع صاحبه ليحميه.
لكن مهما حاولتُ، لم أستطع الهرب من السؤال نفسه:
كيف لشخصٍ لا أعرفه... أن يعرف كل هذا؟
كان الأرق سجنًا مفتوحًا.
لا جدران له سوى أفكاري، ولا باب سوى الصباح الذي لا يأتي.
وعندما بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلّل من النافذة، أدركتُ أمرًا واحدًا فقط:
حتى إن كنتُ أتخيل... فإن خيالي كان دقيقًا على نحوٍ مخيف.
رنّ المنبّه في موعده المعتاد.
لم أحتج إليه؛ فأنا لم أنم أصلًا.
نهضتُ من السرير بجسدٍ متعب وعقلٍ مستنزف، كأنني قضيت الليل في سباقٍ مع أفكاري. ميا كانت تراقبني بصمت، ثم قالت وهي ترتدي معطفها:
«آيريس... ما يحدث معكِ ليس بسيطًا. ربما لو أخبرتِ والدتكِ، سترتاحين قليلًا. أحيانًا التفسير—حتى لو كان مملًا—أفضل من هذا القلق.»
أومأتُ دون حماس.
علاقتي بأمي لم تكن سيئة، لكنها لم تكن دافئة أيضًا. كنا نتحدث، نعم، لكننا لم نكن نبوح. كانت أمًّا حاضرة جسديًا، بعيدة عاطفيًا، وكأن بيننا مسافة لا تُرى ولا تُقطع.
وصلنا إلى الجامعة، وجلسنا في مكاننا المعتاد في القاعة. المقاعد نفسها، الضجيج نفسه، كل شيء يبدو طبيعيًا على نحوٍ مستفز. دخل أستاذ الرياضيات، جون، بخطواته الواثقة ونظارته المستقرة على أنفه، وبدأ الشرح كعادته، صوته منتظم، سبورته ممتلئة بالرموز.
كنت هناك... لكنني لم أكن هناك.
عقلي كان في مكانٍ آخر، يعيد قراءة الرسائل، يتتبّع التوقيت، يحاول فهم ما لا يُفهم. لم أسمع السؤال، ولا لاحظت انتقاله إلى مسألة جديدة.
حتى قال فجأة:
«هيّا يا آنسة آيريس، تفضّلي وأجيبي عن هذه المعادلة.»
رفعتُ رأسي متأخرة، وعدة أزواج من العيون كانت تنظر إليّ. شعرتُ بحرارةٍ في وجهي، ونهضتُ بتردد. نظرتُ إلى السبورة... ولم أكن أعرف من أين أبدأ.
لكنني بدأت.
تحرّكت يدي وحدها تقريبًا. كتبتُ، شطبتُ، عدّلتُ المسار. لم أتّبع الطريقة التي شرحها، ولا القوانين التي حفظناها. كنت أبحث عن نتيجة، عن نهاية، عن شيءٍ صحيح بأي طريقة.
عندما انتهيت، ساد الصمت.
استدار الأستاذ جون نحو السبورة، ثم نحوي، ثم عاد لينظر إلى ما كتبتُه مرة أخرى. عقد حاجبيه قليلًا، ثم قال ببطء:
«هذا... ليس الحلّ الذي توقّعته.»
انقبض قلبي.
أخطأتُ، هذا مؤكد.
لكنّه أضاف، بنبرةٍ لا تخلو من دهشة:
«وليس خطأً أيضًا.»
التفت إلى القاعة.
«من حيث النتيجة، هي صحيحة. لكن الطريقة...»
توقّف، ثم نظر إليّ مباشرة.
«من أين تعلّمتِ هذا الأسلوب؟»
ابتلعتُ ريقي.
«لا أعلم، سيدي. فقط... فكّرتُ بها هكذا.»
ظلّ ينظر إليّ لثوانٍ طويلة، كأنّه يحاول أن يقرأ ما وراء إجابتي، ثم قال:
«اجلسي.»
جلستُ، وقلبي يخفق بقوة.
لم أكن أعلم إن كنتُ قد أجبتُ عن معادلة...
أم اخترعتُ قانونًا جديدًا فقط لأن رأسي كان في المستقبل بدل الحاضر.
جلستُ في مكاني، وما زال صدى كلماته يتردّد في أذني. انحنت ميا نحوي قليلًا، وأخفضت صوتها إلى همسٍ بالكاد يُسمع، وعلى شفتيها تلك الابتسامة الساخرة التي لا تظهر إلا عندما تحاول تخفيف التوتر.
قالت:
«رائع... لم تكتفِ بأن يكون لديكِ شخص غامض يعرف المستقبل، الآن قرّرتِ أيضًا اختراع فرعٍ جديد من الرياضيات.»
كتمتُ ابتسامة باهتة.
«توقّفي.»
تابعت وهي تنظر إلى الأستاذ ثم تعود إليّ:
«هل رأيتِ وجهه؟ ظننتُ للحظة أنه سيعلن عن اكتشاف علمي أمامنا.»
قلتُ وأنا أتنفّس بعمق:
«لم أكن أعرف ماذا أفعل. عقلي كان في مكانٍ آخر.»
مالت برأسها قليلًا.
«واضح. أنتِ شاردة لدرجة أن دماغك يعمل في بُعدٍ زمني مختلف.»
نظرتُ إليها، ولم أجد ردًا مناسبًا.
ضحكت بخفة، ثم همست:
«على الأقل، إن لم يحلّ الشخص المجهول مشاكلكِ... يمكنكِ دائمًا الاعتماد على عبقريتك المفاجئة.»
هذه المرة، ابتسمتُ فعلًا.
كانت سخريتها البسيطة أول شيءٍ ذلك اليوم جعل الواقع يبدو... قابلًا للاحتمال.
ما إن أنهى أستاذ الرياضيات محاضرته وغادر القاعة، حتى أطلقتُ زفرة طويلة دون أن أشعر. جمعتُ دفتري ببطء، وكأنني أحتاج دقيقة إضافية لأستعيد نفسي.
دخل أستاذ الفيزياء بعده مباشرة.
رأيته يقف عند المنصّة، يحمل أوراقه، ويبدأ بترتيبها بدقّة مبالغ فيها. وقبل أن ينطق بكلمة، تمتمتُ دون وعي، بصوتٍ خافت لكن كافٍ لأن تسمعه ميا:
«يا إلهي... أبشع مادة.»
كتمت ميا ضحكة، ومالت نحوي.
«على الأقل الرياضيات ما زالت تحبّك.»
أغمضتُ عينيّ لثانية.
«الفيزياء لا تحبّ أحدًا. هي فقط تنتقم.»
بدأ الأستاذ بالشرح، قوانين، وحدات، أسهم تتحرّك في اتجاهات مختلفة. الكلمات كانت تصل إلى أذني، لكن عقلي رفض استقبالها. كل معادلة بدت لي كنسخة مشوّهة من سؤالٍ أكبر:
إن كان المستقبل يُعرف... فهل يمكن تغييره؟
نظرتُ إلى السبورة، ثم إلى يديّ.
للمرة الأولى، شعرتُ أن الفيزياء ليست مادة دراسية فحسب، بل تهديدًا شخصيًا.
انتهى يومي على هذا النحو؛
إرهاقٌ ذهني، وضجيج أفكار لا يتوقف، وتمنٍّ صامت بأن يختفي ذلك المجنون بالمستقبل إلى الأبد.
كنا نمشي أنا وميا جنبًا إلى جنب خارج الحرم الجامعي. قالت، بنبرة تمزج السخرية بالقلق:
«هيا، اسألي مجنون المستقبل... ما الكارثة التي ستحدث اليوم؟»
قلتُ بسرعة:
«توقفي.»
ضحكت بخفة، ثم أضافت:
«أحيانًا أشعر أنه يسمع أفكارك.»
نظرتُ أمامي وقلت ببطء:
«بل أظنّه يسمعنا نحن الاثنتين.»
وقبل أن تكمل تعليقها، اهتزّ هاتفي في يدي.
توقّفتُ عن المشي.
رقم مختلف.
طويل.
غير مألوف.
فتحتُ الرسالة، وقلبي يخفق بقوة.
«لا تعودي إلى الشقة قبل الساعة الثانية عشرة.»
رفعتُ رأسي ببطء، وحدّقت في الكلمات كأنها ستتغير.
لم يكن هناك تفسير.
ولا تحذير واضح.
فقط أمرٌ مباشر.
قالت ميا بصوتٍ خافت:
«ماذا يقول؟»
أعطيتُها الهاتف. قرأت الرسالة، ثم رفعت نظرها إليّ، وقد اختفى أي أثرٍ للمزاح من وجهها.
«آيريس...»
توقفت، ثم قالت بجدّية:
«لم يعد أمامكِ خيار.»
أغلقتُ الهاتف، وشعرتُ بثقل القرار يهبط على صدري.
قد أكون خائفة.
قد أكون متعبة.
لكن إن كان هناك شيء واحد لم أعد أشك فيه بعد الآن، فهو هذا:
ذلك الشخص...
يعرف المستقبل حقًا.
توقّفتُ عن المشي فجأة، والتفتُّ إلى ميا قبل أن أتمكّن من التفكير أكثر. خرج صوتي أضعف مما أردته، محمّلًا برجاءٍ لم أحاول إخفاءه.
«أرجوكِ...»
ابتلعتُ ريقي.
«لا أريد البقاء وحدي. تعالي معي.»
نظرت إليّ ميا لثوانٍ، تقرأ وجهي كما لم تفعل من قبل. لم تسأل أين سنذهب، ولم تطلب تفسيرًا. اكتفت بأن شدّت حزام حقيبتها وقالت بحزمٍ هادئ:
«لن أترككِ وحدكِ.»
شعرتُ بشيءٍ دافئ يتسرّب إلى صدري، رغم القلق الذي لم يغادر. بدأنا نمشي من جديد، لكن هذه المرّة دون وجهة واضحة. الشوارع من حولنا كانت مزدحمة، الأصوات كثيرة، والناس يمضون في حياتهم كأن العالم لم يتغيّر.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!