وضع القراءة:

أثر

رفعتُ رأسي ونظرتُ إلى ميا، وقلتُ بهدوء متكلّف:
«أظنني... سأغيّر طلبي.»
لكن السؤال الحقيقي لم يكن عن الطعام.
كان عن هذا الشخص:
إن كان يعرف المستقبل فعلًا...
فلماذا أنا؟
أريتها هاتفي
نظرتْ إليّ ميا بجدّية على غير عادتها، ثم قالت بسرعة وكأنها حسمت الأمر:
«إذًا وأنا أيضًا سأغيّر طلبي. يا إلهي... وسأكتب تعليقًا سيئًا عن هذا المطعم، لا مزاح في موضوع التسمّم.»
لوّحت بيدها للنادل، وغيّرت طلبها إلى طبق خالٍ من الخضار تمامًا، ثم انحنت نحوي وهمست:
«وبصراحة؟ هذا الشخص المجهول... لا أظنّه رجلًا.»
رفعتُ حاجبيّ بدهشة.
«لماذا؟»
قالت وهي تفكّر:
«لأنه يهتمّ بأدقّ التفاصيل. توقيتك، طعامك، من معك، حتى الأشياء الصغيرة التي قد لا ننتبه لها. هذا ليس أسلوب تهديد، بل أسلوب مراقبة دقيقة... وكأنه يخاف عليك.»
لم تعجبني الفكرة.
لم تُخفّف خوفي، بل زادته.
مرّت الدقائق ببطء قاتل. كنت أراقب كل حركة في المطعم، كل لقمة تُرفع إلى فم، كل كأس ماء. حاولتُ أن أبدو طبيعية، لكن يدي كانت ترتجف كلما نظرتُ إلى هاتفي.
وفجأة...
بدأ كل شيء.
سمعنا صوت كرسيّ يُسحب بعنف، ثم شخصًا ينهض وهو يضع يده على فمه. بعدها آخر، ثم ثالث. ارتفعت الأصوات، وتحوّل الهمس إلى فوضى. نادل يركض، امرأة تصرخ، وآخرون يطلبون الإسعاف.
نظرتُ إلى ميا.
كانت تحدّق في المشهد وعيناها متّسعتان.
«آيريس...»
لم أستطع الرد.
كنت ثابتة في مكاني، قلبي يخفق بعنف، لكن جسدي سليم. لا ألم، لا غثيان، لا شيء.
تمامًا كما قال.
رنّ هاتفي.
رسالة جديدة.
لم أفتحها فورًا.
كنت أعرف ما فيها... لكن الخوف هذه المرة لم يكن من التنبؤ.
كان من الحقيقة الواضحة التي لم يعد بإمكاني إنكارها:
قالت ميا وهي تضع معطفها بسرعة:
«حسنًا... بما أنّ شيئًا لم يحدث لنا، فمن الأفضل أن نعود إلى المنزل فورًا.»
أومأتُ دون جدال. لم أكن أملك طاقة للنقاش أصلًا. خرجنا من المطعم، والهواء الليلي البارد صفع وجهي كأنه يحاول إيقاظي من كابوسٍ طويل. سرنا جنبًا إلى جنب، خطواتنا متسارعة، وحديثنا متقطّع.
قالت ميا محاولة كسر الصمت:
«هذا... هذا لم يعد طبيعيًا يا آيريس. ما رأيناه للتو—»
قاطعتها بهدوء مرهق:
«أعرف.»
تردّدتُ لحظة، ثم أخرجتُ هاتفي.
فتحتُ الرسالة التي لم أجرؤ على قراءتها داخل المطعم.
كانت قصيرة... لكنها أصابتني في الصميم:
«هل تثقين بي الآن؟
إذًا إياكِ ومخالفة أيّ شيء أقوله، حرصًا على سلامتك.»
توقّفتُ عن المشي.
تجمّد كل شيء من حولي.
لاحظت ميا ذلك فورًا، التفتت إليّ بقلق:
«آيريس؟ ماذا هناك؟»
ناولتها الهاتف بيد مرتجفة. قرأت الرسالة، وارتفع حاجباها ببطء، ثم أعادت النظر إليّ.
لم تسخر هذه المرة.
لم تضحك.
لم تحاول التخفيف.
قالت بصوت منخفض:
«هذا... لم يعد تحذيرًا.»
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
«إنه أمر.»
أكملت ميا الجملة عني:
«وهو واثق أنكِ ستنفّذينه.»
تابعنا السير، لكن الطريق بدا أطول من المعتاد. كل خطوة كانت تثقل صدري أكثر. لم أعد أفكّر إن كنت أصدّق أم لا...
السؤال تغيّر.
لم يعد: هل هو يعرف المستقبل؟
بل أصبح:
ماذا سيحدث إن خالفتُه؟
وللمرة الأولى في حياتي...
شعرتُ أن مستقبلي لم يعد ملكي.
مرّت الأيام...
ولم يتوقّف شيء، إلا دهشتي الأولى.
رسالة كل يوم، وأحيانًا رسالتان.
تحذيرات قصيرة، جافة، بلا مقدمات ولا تبريرات.
كنت أستيقظ فأجدها، أو أعود من الجامعة فتكون بانتظاري، وكأنّ صاحبها يعرف تمامًا متى أنظر إلى هاتفي.
اعتدت الأمر.
وهذا ما أخافني أكثر من الرسائل نفسها.
لم أعد أرتجف حين يرنّ الهاتف، ولم أعد أسأل كيف ولا لماذا.
شخص مجهول، مجنون بالمستقبل، يظهر فقط ليحذرني من الأخطار في حياتي... ثم يختفي.
«لا تجلسي قرب النافذة اليوم.»
«تغيّري طريق العودة.»
«لا تتأخري بعد الغروب.»
وأنا... أطيع.
مرّت الأيام بهدوء غريب، كأن حياتي صارت تُدار من خارجها.
لم يحدث شيء سيئ، بل على العكس؛ كنت دائمًا أنجو.
دائمًا أسبق الخطر بخطوة واحدة.
لكن في داخلي، كان هناك شيء ينكسر ببطء.
لم أعد أثق بحدسي.
لم أعد أختار.
صرت أعيش وفق رسائل... لا أعرف من يكتبها، ولا لماذا يختارني أنا.
ومع كل رسالة جديدة، كنت أشعر أن المسافة بيني وبين حياتي الحقيقية تتّسع.
كأنني لا أعيش المستقبل...
بل أهرب منه.
ولم أسأل نفسي السؤال الأهم إلا متأخرة جدًا:
إذا كان يحذرني من كل خطر...
فممَّا يحاول أن يحميني حقًا؟
قطعت، كعادتها، تركيزي وسلسلة أفكاري ميا وثرثرتها المتواصلة. كانت تتحدث بحماس وكأن ما نعيشه لعبة غامضة ممتعة، لا سلسلة أحداث تقلب حياتي رأسًا على عقب. نظرتُ إليها، ثم إلى هاتفي، وكأن الجهاز الصغير بين يديّ صار مصدر كل هذا الجنون.
قلتُ فجأة، دون مقدّمات:
«علينا أن نعرف من يفعل هذا.»
توقفت ميا عن الكلام للحظة، رفعت حاجبيها، ثم ابتسمت ابتسامة نصف جادّة:
«تقصدين... مجنون المستقبل؟»
هززتُ رأسي.
«نعم. أيًّا كان. لا يمكن أن يستمر هذا هكذا.»
ضحكت بخفّة، ثم قالت وهي تحاول أن تبدو واقعية:
«آيريس، أنتِ تعلمين أن هذا شبه مستحيل. رقم مجهول، رسائل بلا أثر، لا أخطاء... كأنه شبح.»
كنت أعلم ذلك.
كنت أعلم أننا نطارد وهمًا.
لكن شيئًا في داخلي لم يعد يحتمل الجهل.
قلتُ بصوت أخفض:
«مع ذلك... بدأتُ أشك بالجميع، ميا. حرفيًا الجميع.»
نظرت إليّ هذه المرة بجدّية حقيقية، بلا مزاح.
«الجميع؟»
«الأساتذة، الطلاب، الجيران، حتى الأشخاص الذين يمرّون بنا صدفة. كل من يبتسم أكثر من اللازم، كل من يعرف شيئًا صغيرًا عني... أشعر وكأنهم يراقبونني.»
ساد صمت قصير بيننا.
صمت ثقيل، غير مريح.
ثم وضعت ميا يدها على كتفي وقالت:
«حسنًا... حتى لو كان الأمر مستحيلًا، فلنحاول. على الأقل، إن كنا سنفقد عقولنا، فلنفعل ذلك معًا.»
ابتسمتُ ابتسامة باهتة.
لم أكن أبحث عن الحقيقة فقط.
كنت أبحث عن دليل واحد... أنني لست مجنونة.
لم نكتشف شيئًا.
لا اسم،
لا وجه،
ولا حتى خيط واحد يقود إلى الحقيقة.
توقفنا عن البحث، ليس لأننا اقتنعنا، بل لأننا تعبنا. بعض الألغاز لا تُحل، بل تُترك جانبًا... مؤقتًا.
وبقيت ميا.
بقيت كما كانت دائمًا، ثرثارة، ساخرة، وقريبة أكثر مما تسمح به المسافات المنطقية بين شخصين. ومع الوقت، أصبحت الرسائل جزءًا من روتيني اليومي، مثل المنبّه، أو القهوة الصباحية، أو طُرقها المفاجئ على باب غرفتي.
ثم، دون أن أشعر، دخلنا سنتنا الأخيرة في الجامعة.
السنة التي يفترض أن تكون مليئة بالقرارات المصيرية، والقلق من المستقبل، والسؤال الممل:
ماذا بعد التخرّج؟
لكنني، على غير العادة، لم أفكر كثيرًا في ذلك.
كنت أعيش يومي كما هو، أحضر المحاضرات، أضحك مع ميا، وأتظاهر بأن وجود شخص يعرف ما سيحدث لي غدًا... أمر طبيعي تمامًا.
ومع ذلك،
في مكانٍ ما بداخلي،
كنت أعلم أن هذه السنة لن تمر بسلام.
لأن الشخص المجهول لم يختفِ.
هو فقط... ينتظر.
كنا في طريقنا إلى قاعة محاضرة أستاذ الرياضيات،
الأستاذ جون... الاسم ذاته، الوجه ذاته، والنبرة نفسها التي لم تتغير طوال هذه السنوات.
بقي ثابتًا كما هو، كأن الزمن لم يمر عليه كما مرّ علينا.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر.
في الفترة الأخيرة، بدأ يتجاهلني.
لم يعد يختارني للإجابة كما كان يفعل سابقًا، لا يلتفت ليدي المرفوعة إلا نادرًا، وكأنني أصبحت فجأة غير مرئية. في البداية أقنعتُ نفسي أن الأمر صدفة، ثم ضغط العمل، ثم عدد الطلاب... لكن التكرار حوّل الشك إلى يقين.
لاحظت ميا ذلك قبلي.
كانت تميل نحوي وهمست، بنبرتها المعتادة التي تحاول أن تجعل كل شيء مزحة:
«إما أنكِ أخفتِه بذكائك، أو أنكِ كسرتِ قلبه بمعادلة.»
ابتسمتُ ابتسامة باهتة، لكن داخلي لم يضحك.
لم يكن تجاهله عاديًا.
كان مقصودًا...
وكأن هناك شيئًا يعرفه، أو يخشاه، أو يتجنّبه.
وعندما فتحنا باب القاعة ودخلنا، شعرتُ بذلك الإحساس المألوف يزحف إلى صدري:
ذلك الإحساس الذي يخبرني أن الهدوء لن يدوم طويلًا.
بدأ الشرح، ومنذ اللحظة الأولى بدا مختلفًا.
مزعوجًا... أو متوترًا... لا أعلم. صوته لم يكن ثابتًا، وخطّه على اللوح كان أسرع من المعتاد، مشوشًا كأن أفكاره تسبقه ولا تلحق به.
كتب مسألة طويلة ومعقّدة، ثم استدار إلينا وقال:
«من يريد حلّها؟»
رفعتُ يدي تلقائيًا.
رفعتها بثقة العادة، وبانعكاس سنواتٍ من كوني خياره الأول.
نظر إليّ.
نظرة قصيرة، خاطفة... ثم تجاوزني.
وقعت عيناه على ميا.
ميا، التي كانت في تلك اللحظة تحديدًا تأكل، مطمئنة تمامًا إلى أنه لم يرها، وكأن العالم توقف عند قضمة غير محسوبة.
قال بهدوء قاتل:
«الآنسة ميا، تفضّلي.»
تجمّدت ميا في مكانها.
توقفت يدها في الهواء، واتسعت عيناها، والتفتت نحوي ببطء وكأنها تطلب النجدة.
همستُ دون صوت: حظًا سعيدًا.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.