صدع
تسع سنوات.
كنتُ خلالها أكبر من دون أن يكبر اسمي في ذاكرة أحد.
قال:
«علمتُ أن والدتكِ تزوجت. رجل اسمه فرانك. كنتُ... خارج الصورة تمامًا. لم أعد زوجًا، ولا أبًا، ولا حتى ذكرى واضحة.»
نظر إليّ أخيرًا، وفي عينيه شيء يشبه الاعتذار الذي لا يُقال:
«غيّرتُ اسمي. من توم... إلى جون. درست من جديد، بنيت حياة هادئة، حياة بلا ضجيج. كانت جيدة... مستقرة.»
ثم تنفّس بعمق.
«لكنني لم أستطع أن أمنع نفسي.»
لم أفهم.
قال:
«في المستقبل الذي رأيته، كنتُ أعرف أشياء ستحدث لكِ. الطريق السريع. العاصفة. تفاصيل صغيرة لا ينتبه لها أحد... لكنها كانت حقيقية.»
تذكرتُ كل مرة وصلني فيها تحذير غامض، كل مرة نجوْتُ فيها من شيء لم أفهمه.
«كنتُ أرسل الرسائل لأنني أردتُ حمايتكِ... من بعيد.»
صمت، ثم أضاف بصوت أثقل:
«لكن في هذا العمر تحديدًا... رأيتُ أنني أصبحتُ سببًا لأذيتكِ، لا لحمايتك. فقررتُ أن أبتعد تمامًا.»
رفعتُ عينيّ إليه:
«إلى أن...»
«إلى أن دخلتِ القاعة، وجلستِ في الصف الأول، وكنتِ طالبتي.»
ساد صمت طويل.
ثم قال بهدوء حاسم:
«وهنا فقط... أدركتُ أن الهروب لم يعد ممكنًا، وأن الماضي لحق بي أخيرًا.»
نظرتُ إليه، وكل ما كان يتراكم في صدري انفجر دفعةً واحدة:
«إذًا لماذا؟»
ارتفع صوتي رغم محاولتي السيطرة عليه. «لماذا أخرجتني من القاعة؟ لماذا عاقبتني لأنني لم أعرف حلّ السؤال؟ لماذا كنتَ صارمًا معي إلى هذا الحد؟»
تقدّمت خطوة نحوه.
«أنا تبنّيتُك كأستاذي، احترمتك، وثقتُ بك... وأنت تعرف هذا.»
ساد صمت قصير، لكنه كان صمتًا متوترًا، كأن الهواء نفسه ينتظر.
رفع رأسه فجأة، وكأن الكلمات طعنته في مكانٍ لم يكن مستعدًا له. حاول أن يتكلم، ثم تراجع، ثم قال بنبرة بدت كأنها هروب أكثر من كونها جوابًا:
«كنتُ... أحاول أن أبقي مسافة.»
لم أترك له المجال.
«مسافة؟ أم عقاب؟»
عندها رفع صوته.
لأول مرة.
«لأنني لن أخسركِ مرةً أخرى!»
تجمّدتُ في مكاني. لم أسمعه يصرخ... بل ينهار.
تابع، وصوته مشحون بشيء أعمق من الغضب:
«كنتُ صارمًا لأنني رأيتُ ما سيحدث إن اقتربت. رأيتُ كيف يبدأ الأمر بشيء صغير... ثقة، اعتياد، تعلق... ثم ينتهي بكِ أذى لا يُحتمل.»
اقترب خطوة، ثم توقف، كأنه خاف من نفسه.
«أردتُكِ قوية. مستقلة. لا تحتاجين إليّ. لا تتعلّقين بي.»
خفض صوته فجأة، لكنه صار أخطر:
«أنتِ لم تري ما رأيته أنا.»
شعرتُ بأن قلبي يخفق بعنف.
«وما الذي رأيته؟»
أدار وجهه بعيدًا.
«رأيتُ عالمًا تكونين فيه أنتِ الخسارة التي لا أستطيع تحمّلها.»
ثم قال بلهجة قاطعة، وكأنه يصدر حكمًا نهائيًا:
«لذلك ابتعدي عني. هذا ليس عقابًا... هذا حماية.»
لكنني أدركت في تلك اللحظة شيئًا واحدًا فقط:
أن صرامته لم تكن كراهية،
وأن قسوته لم تكن رفضًا،
بل خوفًا...
خوف أبٍ يعرف النهاية، ولا يملك القوة ليغيّرها.
وقف فجأة، وكأن القرار اتُّخذ في داخله قبل أن ينطقه. أشار بيده إلى الباب، حركة حادّة، لا تترك مجالًا للتراجع، وقال بصوتٍ خالٍ من أي ارتجاف:
«والآن... حصلتِ على أجوبتك. اخرجي.»
نظرتُ إلى يده أولًا، ثم إلى وجهه.
لم يكن قاسيًا كما حاول أن يبدو، بل متعبًا. متعبًا إلى درجة أن القسوة صارت درعه الأخير.
«بهذه البساطة؟» خرج صوتي أهدأ مما شعرت به. «بعد كل هذا... تريدني أن أخرج فقط؟»
لم يلتفت. ظلّ ينظر نحو الحائط، وكأنه لو نظر إليّ سيتراجع.
«نعم.»
تقدّمت خطوة، ثم أخرى، لكنني توقفت قبل الباب. قبضت على المقبض، وشعرتُ ببرودته في راحة يدي.
«أبي...» قلتها مرةً أخرى، أبطأ هذه المرة، أثقل.
«إن كنتَ تعتقد أن إبعادي عنك سيحميني... فأنت مخطئ. لأنني الآن أعرف. والمعرفة لا يمكن طردها كما تطرد شخصًا من غرفة.»
لم يجب.
فتحتُ الباب، لكنني لم أخرج فورًا.
«قد أخرج الآن، كما تريد. لكن لا تطلب مني أن أنسى. ولا تتوقّع أن أتوقف عن رؤيتك كما أنت... لا كما تحاول أن تكون.»
ثم خرجت.
أُغلق الباب خلفي بهدوءٍ مؤلم، لا يشبه نهاية حوار...
بل يشبه بداية شيءٍ لم يُقال بعد.
أخرجتُ هاتفي فور أن ابتعدتُ خطوات قليلة عن الباب.
أصابعي كانت ترتجف، ليس من البرد، بل من ثِقل ما تركته خلفي. لم أفكّر، لم أتردّد، ضغطت الاسم الوحيد الذي شعرتُ أنه يستطيع أن يُبقيني واقفة.
ميا.
رنّ الهاتف مرة... مرتين... ثم جاء صوتها، حيًّا، مألوفًا، وكأنه حبل نجاة.
«آيريس؟ ماذا حصل؟ أين أنتِ؟»
ما إن سمعتُ صوتها حتى انكسر شيء داخلي. لم أبكِ، لكن صوتي خرج مبحوحًا، كأنني كنتُ أختنق منذ ساعات.
«ميا... أحتاجك. الآن.»
ساد صمت قصير في الطرف الآخر، ذلك الصمت الذي يسبق الجدية الحقيقية.
«حسنًا. أين أنتِ؟»
نظرتُ حولي. الشارع بدا عاديًا على نحوٍ مستفز، الناس تمشي، السيارات تمرّ، وكأن العالم لم يتوقّف رغم أن عالمي فعل.
«أمام المبنى القديم... قرب الجامعة.»
«لا تتحرّكي. سأكون عندك خلال دقائق.»
أغلقتُ الخط، وأسندتُ ظهري إلى الجدار. لأول مرة منذ بدأت كل هذه الفوضى، سمحتُ لنفسي أن أتنفّس بعمق. لم أكن وحدي. لم أعد مضطرة لحمل هذا السر وحدي.
بعد دقائق، رأيتها تقترب مسرعة، شعرها غير مرتّب، حقيبتها تتأرجح، وعيناها تبحثان عني بقلق. ما إن رأتني حتى توقفت.
«يا إلهي... آيريس، وجهك—»
لم أترك لها فرصة لإكمال الجملة. تقدّمت خطوة واحدة، وانهرت بين ذراعيها.
وضعت يدها على رأسي دون أن تسأل، دون أن تضغط. فقط قالت بصوت منخفض، ثابت:
«أنا هنا. قولي كل شيء... أو لا تقولي شيئًا. كما تريدين.»
وفي تلك اللحظة، أدركتُ أن الملجأ الحقيقي ليس مكانًا...
بل شخصٌ يعرف كيف يقف معك عندما ينهار كل ما سواه.
عدنا إلى السكن بصمتٍ ثقيل.
لم تسألني ميا في الطريق، ولم أتكلم. كانت تعرف أن الكلام سيأتي وحده... حين أكون قادرة.
ما إن أغلقتُ باب الغرفة خلفنا حتى جلستُ على السرير، وأسندتُ ظهري إلى الحائط، وكأنني كنتُ أهرب منه طوال الطريق. ميا جلست قبالتي، تنتظر، عيناها ثابتتان عليّ، لا استعجال فيهما.
تنفّستُ بعمق، ثم قلتُ فجأة، دون مقدّمات: «سأخبركِ كل شيء. بالحرف.»
ورويتُ لها كل شيء.
من اللحظة التي ناداني فيها باسمي بطريقة لم تشبه أي أستاذ،
من الجملة التي قالها عن والدتي،
من نظرته حين لاحقته،
من اعترافه،
من صوته حين رفعه للمرة الأولى،
من الباب الذي أشار إليه بيده وكأنه يُغلق خمسة عشر عامًا دفعة واحدة.
كنتُ أتكلم بسرعة أحيانًا، وببطء مؤلم أحيانًا أخرى.
وتوقفتُ عند الجملة التي لا تزال تطرق رأسي بلا رحمة.
«أنا لن أخسركِ مرة أخرى... لذا ابتعدي عني.»
ضحكتُ ضحكة قصيرة، مكسورة. «تخيلّي يا ميا... يقولها وكأنني أنا من اختفى. وكأنني أنا من ترك.»
صمتُّ لثوانٍ، ثم شعرتُ بشيء يتصدّع أخيرًا في صدري.
«قلبي... شعرتُ به يتفتّت. حرفيًا.»
نظرتُ إليها، وعيناي تحترقان. «أكرهه.»
لم أقصد أن أقولها بتلك القسوة... لكنها خرجت كما هي.
«أكره أبي، ميا. أكرهه لأنه عاد، ولأنه لم يعد، لأنه أنقذني ثم طردني، لأنه عرفني ثم محاني. أكرهه لأنه جعلني أحتاجه ثم قال لي ابتعدي.»
ارتجف صوتي. «كان أسهل عليّ أن يكون ميتًا... من أن يكون حيًّا ويختار ألّا يكون أبي.»
ميا لم تقاطعني. لم تقل "لكن". لم تحاول الدفاع عنه.
اقتربت فقط، وجلست إلى جانبي، وأسندت كتفها إلى كتفي.
قالت بهدوء موجع: «من حقكِ أن تكرهيه.»
نظرتُ إليها بدهشة.
«من حقكِ أن تغضبي، وأن تنهاري، وأن تشعري بالخيانة. الأب لا يختفي ثم يعود بشروط... ولا يطلب من ابنته أن تدفع ثمن اختياراته.»
سكتت لحظة، ثم أضافت: «لكن شيء واحد فقط... لا تسمحي له أن يجعلكِ تكرهين نفسكِ أيضًا.»
أغمضتُ عينيّ.
لأول مرة منذ بدأت هذه القصة، لم أشعر أنني ضائعة تمامًا.
كنتُ مجروحة، نعم.
غاضبة، نعم.
لكنني لم أعد وحدي.
وذلك... كان كافيًا لهذه الليلة.
فتحتُ هاتفي ببطء، وكأنني أخشى ما سأجده فيه، رغم أن الشاشة كانت سوداء، صامتة، لا تحمل أي إشعار جديد.
لكن ذاكرتي لم تكن صامتة.
تذكّرتُ اهتزاز الهاتف في تلك المحاضرة.
تذكّرتُ الرعشة التي سرت في يدي حينها، والرسالة التي قرأتها سريعًا ثم أخفيتها وكأنها جريمة.
«اخرجي من المحاضرة الآن. هناك خطر قادم.»
ابتلعتُ ريقي.
رفعتُ الهاتف أمامي، وفتحت سجل الرسائل القديمة. لم يكن هناك اسم. لم يكن هناك وجه. فقط كلمات... وكلمات الآن باتت تملك صوتًا أعرفه جيدًا.
همستُ، كأنني أخاف أن يسمعني أحد: «كان هو...»
ميا نظرت إليّ فورًا. «آيريس؟ ماذا؟»
أريتها الشاشة، لكنني لم أحتج أن أشرح كثيرًا.
قلتُ بصوت منخفض، متكسّر: «الرسالة... التي وصلتني في المحاضرة. التي قالت لي أخرج. كانت منه.»
عقدت ميا حاجبيها. «لكن... كيف؟»
أجبتها وأنا أحدّق في الكلمات: «كان الوحيد الذي عرف أن هناك خطرًا. الوحيد الذي كان يراقب. الوحيد الذي... كان حاضرًا وغائبًا في الوقت نفسه.»
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!