وضع القراءة:

وجع

وضعتُ الهاتف جانبًا، وأطفأتُ الضوء.
وفي الظلام، للمرة الأولى، لم أنتظر رسالة.
انتظرتُ نفسي.
استيقظتُ صباح يوم التخرّج قبل أن يرنّ المنبّه.
لم يكن نومًا حقيقيًا بقدر ما كان إغماضة طويلة. الضوء المتسلّل من خلف الستارة بدا باهتًا، ربيعيًا، يشبه هذا اليوم الذي انتظرته سنوات دون أن أعرف كيف أشعر حياله.
ارتديتُ الرداء الأكاديمي ببطء. مرّرتُ أصابعي على القماش كأنني أتأكد أن اللحظة حقيقية. في المرآة، لم أرَ الطفلة التي قيل لها إن والدها مات، ولا الطالبة التي طُردت من قاعة محاضرة، بل فتاة على وشك أن تُغلق فصلًا كاملًا من حياتها.
ميا كانت كعادتها، ضجيجًا محبّبًا. دخلت الغرفة وهي تحمل هاتفها وتلتقط صورًا لكل شيء تقريبًا.
قالت وهي تضحك:
«إن بكيتِ اليوم، فأقسم أنني سأنشر الصورة.»
أجبتها وأنا أتنفّس بعمق:
«هذا تهديد غير أخلاقي في يوم التخرّج.»
ضحكت، ثم شدّتني إلى عناق سريع. «أنا فخورة بكِ.»
في الساحة الكبيرة، كان كل شيء يبدو مبالغًا فيه: الأصوات، الألوان، الابتسامات. جلستُ في مكاني، أعدّل القبعة فوق رأسي، وأحاول ألّا أبحث بعينيّ عن شخص واحد بالتحديد.
ثم رأيتهما.
أمي كانت تقف قرب الصفوف الأمامية، ترتدي فستانًا بسيطًا بلون هادئ. عيناها كانتا تلمعان، ويدها مشتبكة بيد فرانك. بدا متوتّرًا قليلًا، كما لو أنّه يخشى أن يكون دخيلًا على هذه اللحظة، لكنه حين لمحني لوّح بخجل، بابتسامة حقيقية هذه المرّة.
شعرتُ بشيء ينضغط في صدري.
ليس ألمًا... بل امتلاء.
عندما نُودي اسمي، وقفتُ. سمعتُ تصفيقًا أعرف مصدره حتى قبل أن أراه. صعدتُ إلى المنصّة، تسلّمتُ شهادتي، وتوقّفتُ لثانية واحدة فقط، أبحث بعينيّ عنهما.
أمي كانت تبكي.
فرانك كان يربّت على كتفها، وعيناه عليّ.
تلك اللحظة، بكل بساطتها، أعادت ترتيب أشياء كثيرة داخلي. لم تكن عائلتي مثالية، ولم تكن قصّتي نظيفة أو سهلة، لكنها كانت... موجودة.
بعد انتهاء الحفل، اندفعت أمي نحوي واحتضنتني بقوة.
قالت بصوت مكسور:
«فعلتِها يا آيريس.»
أجبتها هامسة:
«نعم... فعلتُ.»
فرانك وقف قربنا، متردّدًا لثانية، ثم قال:
«أنا... سعيد لأنني هنا اليوم.»
نظرتُ إليه، ثم قلت بهدوء صادق:
«وأنا أيضًا.»
في طريق العودة، وبين ضحك ميا وحديث أمي المتواصل عن الصور، أدركتُ شيئًا بسيطًا لكنه حاسم:
ليس كل من يغيب يترك فراغًا دائمًا.
وبعض الفصول، حتى المؤلمة منها، تنتهي لتمنحنا فرصة البدء من جديد.
يوم تخرّجي لم يكن نهاية قصّة.
كان فقط اللحظة التي توقّفتُ فيها عن النظر إلى الخلف، وسمحتُ لنفسي أن أمشي... إلى الأمام.
بدأتُ العمل أنا وميا في نيويورك بعد أسابيع قليلة من التخرّج. لم يكن الانتقال دراميًا كما توقّعت؛ لا حقائب ممزّقة، ولا دموع وداع طويلة. فقط قرار هادئ بأن نجرّب، وأن نرى إلى أين يمكن أن تأخذنا المدينة إن منحناها فرصة حقيقية.
أمي عادت إلى منزلنا في لوس أنجلوس. ودّعتني عند المطار بعناق أطول من المعتاد، ووصايا أعرفها عن ظهر قلب. فرانك اكتفى بابتسامة وربتة خفيفة على كتفي. لم أقل الكثير، ولم يقل هو أكثر، لكن ذلك كان كافيًا. بعض العلاقات لا تحتاج كلمات كثيرة كي تستمر.
أنا وميا استأجرنا شقّة صغيرة قرب مكان عملنا. لم تكن جميلة بالمعنى المتعارف عليه؛ غرفتان ضيّقتان، مطبخ بالكاد يتّسع لشخصين، ونوافذ تطلّ على مبنى رمادي آخر. ومع ذلك، حين دخلناها للمرة الأولى، شعرنا بأننا نملك العالم.
قالت ميا وهي تلقي بحقيبتها أرضًا:
«حسنًا، هذه مملكتنا الآن.»
أجبتها وأنا أفتح النافذة قليلًا:
«مملكة صغيرة... لكنها لنا.»
أيام العمل الأولى كانت مرهقة. جداول طويلة، أسماء جديدة، ومحاولات مستمرة لإثبات الذات. كنت أعود إلى الشقّة متعبة، أخلع حذائي عند الباب، وأجلس على الأرض أحيانًا فقط لأستوعب أن هذه حياتي الآن. لا جامعة، لا محاضرات، لا قاعات أعرف كل زواياها. فقط مستقبل مفتوح... ومخيف قليلًا.
ميا تأقلمت بسرعة كعادتها. كانت تحوّل التعب إلى نكات، والفوضى إلى ضحك. أما أنا، فكنت أتعلم بهدوء كيف أعيش دون إشارات، دون تحذيرات، ودون صوت خفي يخبرني بما سيحدث لاحقًا.
وللمرّة الأولى منذ زمن طويل، لم يهتزّ هاتفي برسالة غريبة.
وكان الصمت... مريحًا.
في تلك الشقّة الصغيرة، بين أكواب القهوة الباردة، وأحاديث منتصف الليل، بدأتُ أفهم أن النجاة ليست حدثًا واحدًا كبيرًا، بل سلسلة أيام عادية نختار أن نعيشها رغم كل ما عرفناه من قبل.
كنتُ أخطو إلى حياتي الجديدة ببطء، دون أن أنظر خلفي.
على الأقل... كنت أظنّ ذلك.
في تلك الأيام، ظننتُ — وبثقة لا تخلو من سذاجة — أنّني المهندسة الأفضل في العالم.
لم يكن غرورًا بقدر ما كان نشوة البدايات. كنت أستيقظ كل صباح وأنا متأكدة أنّني وُجدتُ لهذا المكان تحديدًا، لهذا المكتب، لهذا العمل. أفهم المخططات بسرعة، ألتقط التفاصيل التي يغفل عنها الآخرون، وأقترح حلولًا تجعل زملائي يلتفتون إليّ بدهشة صامتة.
كنت أعمل لساعات طويلة دون أن أشعر بالتعب. القهوة تبرد بجانبي، والمدينة تذوب خلف الزجاج، وأنا منغمسة في الحسابات والتصاميم كأن العالم اختُصر في شاشة واحدة. وحين يمرّ مديري قرب مكتبي ويومئ برأسه إعجابًا، كنت أشعر أن كل ما مررتُ به كان ثمنًا مستحقًا لهذه اللحظة.
ميا كانت تسخر مني قائلة:
«تمهّلي يا عبقرية، لم ينتهِ الأسبوع الأول بعد.»
فأجيبها بابتسامة واثقة:
«أعطيهم شهرًا، وسيسمّون أحد الممرات باسمي.»
كنا نعود إلى الشقّة متأخرتين، نتحدث عن العمل كما لو كان مغامرة لا وظيفة. أشرح لها ما أنجزته، وهي تستمع بنصف اهتمام، ثم تقاطعني لتسأل إن كنت قد أغلقتُ الحاسوب أصلًا ذلك اليوم.
كنت أؤمن أنني أخيرًا في المكان الصحيح، في الزمن الصحيح، وأن الماضي — بكل تعقيداته — أصبح خلفي بلا رجعة.
لم أكن أعلم أن الثقة المفرطة تشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
ولا أن الشعور بأنكِ في القمّة، أحيانًا، لا يعني سوى أنكِ على وشك أن تري كم كان الطريق طويلًا... وكم لا يزال.
دامت حياتي على هذا الحال فترةً لم أعد أعدّ أيامها. تأقلمتُ أخيرًا، لا كمن ينجو، بل كمن يعيش فعلًا. أصبحتُ سعيدة... أو هكذا بدا الأمر. السعادة لم تأتِ دفعةً واحدة، بل تسللت بهدوء، حتى صارت جزءًا من روتيني اليومي دون أن ألاحظ متى بدأت.
انتقلنا أنا وميا إلى شقّة أكبر قليلًا. لم تكن فاخرة، لكنها كانت دافئة، تشبهنا. غرفة جلوس تتّسع لضحكنا المتأخر وأحاديثنا الطويلة، وغرفة واحدة مشتركة لنا أنا وميا، نتقاسمها بلا تذمّر، كأن السنوات الماضية علّمتنا أن المساحة ليست ما يصنع الراحة، بل الصحبة.
اخترنا كل زاوية بعناية. علّقنا الصور بلا نظام، وتركنا الكتب تتكدّس قرب السرير، ووضعنا النباتات حيث يصلها الضوء. أحد الشبابيك كان يطلّ على المدينة مباشرة؛ مبانٍ متلاصقة، أضواء لا تنطفئ، وضجيج بعيد يذكّرنا بأن نيويورك لا تنام... ونحن معها.
المطبخ كان مفاجأة جميلة. صغيرًا لكنه أنيق، بأرفف مفتوحة وسطح خشبي دافئ. وبالطبع، كان هناك ركن القهوة.
ميا أصرت عليه من اللحظة الأولى، وضعت الماكينة في الزاوية، ورتّبت الأكواب المختلفة كما لو كانت كنزًا.
قالت وهي تبتسم:
«هذا أهم ركن في الشقّة.»
أجبتها وأنا أعدّ القهوة:
«بل أهم قرار اتخذناه.»
في تلك الشقّة، بدأتُ أشعر بأنني أنتمي حقًا. لم أعد أعدّ الأيام، ولم أعد أترقّب شيئًا. كنت أعمل، أعود متعبة، أشارك ميا العشاء، ثم نجلس قرب النافذة نراقب المدينة بصمت مريح.
ظننتُ أنني وصلت.
وأن الحياة، أخيرًا، قرّرت أن تكون عادلة معي.
لكنني لم أكن أعلم أن الهدوء ليس نهاية القصة...
بل بدايتها الحقيقية.
دام هذا الحال حتى قرّر القدر، فجأةً ومن العدم، أن يعبث بكل ما ظننته مستقرًا.
كان يوم عمل عاديًا. شاشتي ممتلئة بالمخططات، القهوة إلى جانبي، وميا تهمس لي بشكوى جديدة عن جهاز الطباعة. لم يكن في الجو ما ينذر بشيء غير طبيعي... إلى أن طُلب منّا جميعًا التوجّه إلى قاعة الاجتماعات.
دخلنا مع البقية، جلسنا في الصفوف الخلفية، ننتظر المدير الجديد الذي كثر الحديث عنه في الأيام الماضية. همسات، توقّعات، وأسماء لا تعني لي شيئًا.
ثم فُتح الباب.
وتوقّف كل شيء.
دخل هو.
لم يحتج الأمر أكثر من ثانية واحدة. نفس القامة، نفس المشية الهادئة، نفس النظرة التي لا تخطئها الذاكرة مهما حاولت نسيانها. شعرتُ بأن الدم انسحب من وجهي، وبأن الغرفة ضاقت فجأة. ميا التفتت إليّ ببطء، وعيناها متّسعتان، وكأنها تسأل دون أن تنطق: هل أراه أنا أيضًا؟
كان هو مديرنا الجديد.
وقف أمامنا بثبات، قدّم نفسه باسمٍ رسمي، بصوت هادئ خالٍ من أي ارتباك. تصرّف كأننا غرباء، كأن السنوات، والرسائل، والجامعة، وكل ما بيننا لم يكن أكثر من وهم.
أما أنا... فكنت أقاوم رغبتي في الوقوف والصراخ بأن هذا مستحيل.
نظرتُ إليه، ونظر إليّ لثانية واحدة فقط. ثانية قصيرة، لكنها كانت كافية لأفهم أن ما يحدث ليس مصادفة، وأن القدر لم يكتفِ بجمعنا مرة أخرى... بل قرّر أن يربط مصائرنا من جديد، وفي المكان الوحيد الذي لم أكن أملك فيه خيار الهروب.
ميا مالت نحوي وهمست بصوت مرتجف:
«آيريس... هذا... هذا لا يمكن أن يكون حقيقيًا.»
لم أجبها.
لأن الحقيقة، مهما حاولتُ الهرب منها، كانت تقف الآن أمامي...
ببدلة رسمية، وابتسامة مهنية، واسم جديد على بطاقة التعريف.
عدتُ إلى المنزل في ذلك المساء وأنا أجرّ قدميّ جرًّا، كأن المدينة ازدادت ثقلًا فجأة. أغلقتُ الباب خلفي بصوت أعلى مما يجب، وأسندتُ ظهري إليه، أتنفّس بصعوبة. الشقّة التي كانت قبل ساعات فقط ملاذًا دافئًا، بدت غريبة... صامتة أكثر من اللازم.
خلعتُ حذائي دون اهتمام، وتركتُ الحقيبة تسقط أرضًا. ميا لحقت بي بعد دقائق، لكنها ما إن رأت وجهي حتى توقّفت عن الكلام. لم أسألها كيف كان يومها، ولم تسألني كيف أشعر. بعض الأسئلة تكون واضحة الإجابة حدّ الألم.
دخلتُ الغرفة، جلستُ على حافة السرير، ودفنتُ وجهي بين يديّ. كل الصور التي حاولتُ إغلاقها في الماضي عادت دفعة واحدة: القاعة، صوته، نظرته المتعمّدة التي تدّعي اللامبالاة، وكأنه لم يدمّر عالمي من قبل... ويعود الآن ليفعلها مجددًا.
همستُ بصوت خرج مكسورًا أكثر مما توقّعت: «لا أصدّقك... ولا أصدّق نفسي.»
ثم، وللمرّة الأولى منذ زمن طويل، قلتها بصراحة جارحة، بلا تلطيف ولا تردّد: «كم أكرهك يا أبي.»
الكلمة سقطت ثقيلة في الغرفة.
أبي.
كأنني انتزعتها من صدري بالقوّة.
لم أكرهه لأنه عاد.
بل لأن عودته كانت دائمًا متأخّرة، ودائمًا في الوقت الخطأ، ودائمًا بالطريقة التي تؤذيني أكثر.
استلقيتُ على السرير أحدّق في السقف، أدركتُ حقيقة واحدة فقط تلك الليلة:
بعض الأشخاص لا يكتفون بكسر قلوبنا مرة واحدة...
إنهم يعودون فقط ليتأكّدوا أن الشقوق ما زالت هناك.
بعد أسبوع كامل من التجاهل المتعمَّد، وصلني استدعاؤه.
رسمي. مقتضب. كأي رسالة عمل باردة.
وقفتُ أمام باب مكتبه لثوانٍ، أعدّل نفسي، أرتّب ملامحي كما أرتّب خوذتي قبل معركة لا أريدها. ثم دخلت.
«نعم، سيد جون؟»
خرج صوتي ثابتًا أكثر مما أشعر به. تصرّفتُ تمامًا كما لو كان مجرّد مديري... لا أكثر.
رفع رأسه ببطء عن الأوراق، نظر إليّ نظرة أعرفها جيدًا، تلك التي تحاول أن تقرأ ما خلف الكلمات. قال بصوت منخفض لكنه حاسم: «توقّفي.»
عقدتُ ذراعيّ. «عن ماذا؟»
«عن التمثيل. أنتِ تعرفين جيدًا كيف تفعلينه.»
ضحكتُ ضحكة قصيرة بلا روح. «وهل استدعيتني إلى هنا لتنتقد أدائي؟ إن كان الأمر كذلك، فبإمكانك إرسال ملاحظة عبر البريد مثل أي مدير محترم.»
سكت لحظة، ثم نهض من مقعده. لم يقترب، لكنه لم يبتعد أيضًا. «جلوسكِ في القاعة قبل سنوات، خروجك منها، عملك هنا الآن... كل هذا ليس صدفة.»
نظرتُ إليه مباشرة، بلا خوف هذه المرة. «كل شيء في حياتي كان صدفة... إلا أنت. أنت قرار سيئ تكرّر.»
شدّ فكه، وكأن الكلمات أصابته حيث لا يريد الاعتراف. «أنا لم آتِ لأؤذيك.»
«بل فعلت.»
قلتُها بهدوء مرعب. «وفعلتَ ذلك مرارًا. ثم عدتَ... كمدير. هل هذا نوع جديد من الهروب؟»
تنفّس بعمق، ثم قال: «استدعيتك لأنكِ تطلبين نقلًا داخليًا.»
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.