صدى
فتحتُ عينيّ بتثاقل، لم أكن قد استوعبت الوقت بعد. قبل أن أتحرّك، فُتح الباب، ودخلت ميا دون انتظار إذن. كانت ما تزال ترتدي معطفها، وشعرها غير مرتّب، وعيناها متّسعتان أكثر من المعتاد.
«آيريس»، قالت بسرعة، «انهضي.»
جلستُ على السرير، أشعر بأن قلبي سبقني إلى الوعي.
«ما الذي يحدث؟»
لم تجب.
تقدّمت نحو النافذة، وسحبت الستارة دفعة واحدة.
تجمّدتُ في مكاني.
السماء كانت رمادية قاتمة، الرياح تضرب النوافذ بعنف، والأمطار تنهمر بلا توقف. الشارع الذي اعتدتُ رؤيته مزدحمًا كان شبه فارغ، واللافتات تتمايل كأنها على وشك السقوط.
نظرتُ إلى هاتفي.
إشعارات متتالية:
تعليق المحاضرات.
تحذيرات الطقس.
البقاء في الأماكن المغلقة.
التفتُّ إلى ميا ببطء.
كانت تنظر إليّ كما لو أنها ترى شخصًا آخر.
«كنتِ محقّة»، قالتها بصوت منخفض، لا يحمل اتهامًا... بل دهشة.
«كيف عرفتِ؟»
لم أجب.
لم أستطع.
كنت مصعوقة للمرة الثانية.
ليس بسبب العاصفة،
بل لأن الرسالة لم تكن تحذيرًا هذه المرة...
كانت معرفة.
وفي تلك اللحظة، أدركتُ أن تجاهل هذا الشخص لم يعد خيارًا.
وأن السؤال لم يعد هل هو حقيقي؟
بل... من يكون؟
ابتلعتُ دهشتي بسرعة، قبل أن تتحوّل إلى سؤال لا أريد الإجابة عنه.
قلتُ وأنا أنهض من السرير، محاوِلة أن يبدو صوتي عاديًا:
«مجرد توقّع. نشرة الطقس كانت تتحدث عن اضطراب منذ أيام.»
رفعت ميا حاجبيها بشك، لكنها لم تُعلّق.
«إن كان هذا توقّعًا، فأنتِ سيئة جدًا في إخفائه.»
ابتسمتُ ابتسامة قصيرة، ثم أشرتُ إلى خزانة الملابس.
«هيا، بدّلي ملابسكِ وسرّحي شعركِ، الجو أبرد مما يبدو.»
التفتُّ نحو الباب، أرتدي معطفي.
«سأنزل لأحضر شيئًا ساخنًا نشربه. إن بقينا هكذا سنتجمّد فعلًا.»
قالت ميا وهي تضحك بخفة:
«فكرة ممتازة.»
خرجتُ قبل أن تضيف شيئًا آخر.
في الممر، كان الهواء أبرد، والصمت أثقل. كل خطوة كنتُ أخطوها كانت محاولة لإقناع نفسي بأنني ما زلتُ أسيطر على الأمور.
لم أكن أريد التفكير.
ولا تذكّر الرسالة.
ولا الاعتراف بأن توقّعاتي لم تكن توقّعاتي أصلًا.
كل ما أردته هو كوب ساخن،
وصمت مؤقت،
ووقت إضافي قبل أن أواجه حقيقة واحدة:
أن ما يحدث لم يعد يمكن تفسيره بالصدفة.
جلسنا قرب النافذة، أكواب المشروب الساخن بين أيدينا، والبخار يتصاعد ببطء كأنه يحاول الهروب من البرد خارج الزجاج.
قالت ميا وهي تنفخ في كوبها:
«أقسم أن هذا أفضل قرار اتخذته اليوم. لو تأخرنا ساعة واحدة لكنتِ وجدّتِني قطعة ثلج.»
ضحكتُ بخفة.
«أنا فقط أنقذت حياتكِ من التجمد.»
نظرت إليّ بنصف ابتسامة.
«غريبة... منذ متى وأنتِ تهتمين بحياتي؟»
رفعت كتفيّ.
«منذ أن أصبحتِ تشاركينني المطبخ.»
ضحكت ميا، ثم صمتت لحظة، تنظر إلى الخارج حيث بدأت الرياح تعصف بالثلج.
«هل تصدقين أن الجامعة ستغلق فعلًا؟»
«آمل ذلك،» قلت وأنا أرتشف جرعة صغيرة، «أحتاج يومًا لا أفعل فيه شيئًا سوى النوم والشعور بالذنب لأنني لم أدرس.»
«هذا توصيف حياتي بالكامل.»
ساد بيننا صمت مريح، ليس ثقيلاً، فقط دافئ.
ثم قالت ميا فجأة:
«بالمناسبة... أنتِ بخير؟ تبدين شاردة منذ أمس.»
هززت رأسي بسرعة.
«نعم، فقط إرهاق. لا أكثر.»
تأملتني لثانيتين، ثم اكتفت بهز رأسها.
«حسنًا. لكن إن قررتِ يومًا أن تخبريني بشيء غريب... أنا هنا.»
ابتسمتُ، ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عيني.
«سأفعل.»
لكنني في داخلي كنت أعلم...
أن ما لديّ لم يكن غريبًا فحسب،
بل أخطر من أن يُقال على طاولة،
وبين كوبين من مشروب ساخن.
قالت ميا فجأة وهي تنهض من مكانها:
«هيا، تعالي إلى غرفتي. نشغّل الحاسوب ونقضي اليوم كله نشاهد أفلامًا. طالما العالم في الخارج ينهار، فلننهَر نحن بشكلٍ لطيف.»
ضحكتُ وأنا أضع الكوب جانبًا.
«اقتراح مغرٍ جدًا... لكن لديّ شرط.»
التفتت إليّ رافعة حاجبها.
«شرط؟»
قلتُ وأنا أبتسم:
«هل ستُحضّرين لي الفشار؟»
تأوهت بتمثيل مبالغ فيه.
«طبعًا، صاحبة الرؤى المستقبلية لا يمكن أن تشاهد فيلمًا بدون فشار.»
ضحكتُ أكثر، ونهضت أتبعها نحو غرفتها، وأنا أقول:
«انتبهي، قد أطالب بنكهات إضافية.»
«لا تتمادي.» ردّت وهي تفتح الباب، «أنتِ محظوظة لأنني وافقت أصلًا.»
دخلنا الغرفة، وأغلقت ميا الباب خلفنا، بينما كانت العاصفة في الخارج تزداد شراسة...
لكن في تلك اللحظة، بدا العالم كله صغيرًا، دافئًا، وآمنًا بشكلٍ مريب.
مرت الساعات دون أن أشعر بها.
فيلمٌ تلو الآخر، ضحكاتٌ متقطعة، وتعليقاتٌ عفوية من ميا، ومحاولاتٌ مني لفهم نهايات الأفلام المعقّدة. كان ذلك كافيًا ليُبعد ذهني—ولو مؤقتًا—عن الرسائل، وعن ذلك الإحساس المزعج بأن هناك من يراقب خطواتي بدقّة أكثر مما ينبغي.
ثم قاطع كل شيء صوتُ طرقاتٍ متتالية على الباب.
توقفتُ عن الضحك، ونظرتُ إلى ميا.
«هل تتوقّعين أحدًا؟»
هزّت رأسها وهي تنهض.
«لا... لكن يبدو أنه شخص مستعجل.»
اقتربت من الباب وقالت بصوتٍ عالٍ:
«تفضّل.»
انفتح الباب، وظهر أليكس، أحد طلاب المجمع السكني نفسه. كان شعره لا يزال مبتلًا قليلًا، ومعطفه معلّقًا على كتفه، وملامحه تحمل الإرهاق الذي يخلّفه الطقس القاسي.
قال وهو يلتقط أنفاسه:
«انتهت العاصفة أخيرًا.»
قالت ميا وهي تعود إلى الأريكة:
«هذا واضح... نيويورك قرّرت أن ترحمنا.»
ابتسم أليكس ابتسامة خفيفة، ثم قال:
«وصلنا تعميم قبل قليل. قرّرت الجامعة أن تأخذ يوم العطلة الرسمية القادمة، وتداوم فيه بدل هذا اليوم الذي توقّفت فيه الدراسة بسبب العاصفة.»
ساد صمتٌ قصير.
قالت ميا باستغراب:
«أي أنّ العطلة أُلغيت؟»
هزّ أليكس كتفيه.
«تقريبًا، لكن على الأقل لن يتأثر البرنامج الدراسي.»
أومأتُ بصمت، أحاول أن أبدو غير مهتمّة، بينما كانت جملة واحدة تتردّد في داخلي بإلحاح:
كما ورد في الرسالة تمامًا.
قال أليكس وهو يتّجه نحو الباب:
«أردت فقط إبلاغكما. الجو أصبح أهدأ الآن.»
أغلقت ميا الباب بعد خروجه، ثم التفتت إليّ مبتسمة.
«يبدو أنّ يومنا لم يكن سيئًا كما ظننت.»
بادلتها الابتسام، لكن قلبي لم يشارك وجهي.
لأن الهاتف، الملقى قرب الوسادة، بدا فجأة أثقل من أن يُتجاهل.
نزلنا معًا إلى المطبخ المشترك.
كان شبه خالٍ، إلا من ضوءٍ أبيض بارد ورائحة قهوة قديمة ما تزال عالقة في المكان. بدأتُ بغسل الصحون التي تراكمت منذ الصباح، بينما جلست ميا على الطاولة المقابلة لي، تتحدث بلا توقّف عن فيلمٍ شاهدته سابقًا وعن نهايةٍ كانت تراها أفضل.
كنت أستمع بنصف تركيز، أومئ برأسي وأصدر همهماتٍ متفرقة، إلى أن اخترق حديثها صوت رنين هاتفي.
توقّفت يداي عن الحركة.
لم ألتفت فورًا، كأنني كنت أخشى ما سأراه.
قلتُ بهدوء مصطنع:
«هل يمكنكِ أن تنظري من أرسل؟ يداي مبللتان.»
التقطت ميا الهاتف، وحدّقت في الشاشة لثانية أطول من المعتاد.
قالت وهي تعقد حاجبيها:
«الرقم... غريب جدًا.»
التفتُّ إليها أخيرًا.
«كيف غريب؟»
قالت ببطء:
«طويل... أطول من أي رقم رأيته. ليس محفوظًا، ولا يشبه أي رمز دولة أعرفه.»
شعرتُ ببرودةٍ تزحف إلى أطرافي.
«وماذا يقول؟»
ابتلعت ريقها قبل أن تقرأ:
«يقول:
لا تتركي غرفتكِ اليوم حتى الصباح. سيدخل لصوص إلى المبنى، وستأتي الشرطة لاحقًا. لن يصيبكِ أذى، لكن ستكون هناك فوضى.»
ساد صمتٌ ثقيل في المطبخ.
لم يعد يُسمع سوى صوت الماء المنهمر من الصنبور.
أغلقتُ الصنبور ببطء، ومسحت يديّ بالمنشفة.
لم أسأل كيف يعرف.
لم أسأل لماذا أنا تحديدًا.
كل ما فكرتُ به هو أمرٌ واحد فقط:
كيف يمكن لرسالةٍ مجهولة... أن تعرف ما سيحدث بهذه الدقّة؟
قطعت ميا الصمت فجأة، وصوتها يحمل مزيجًا من الضحك والقلق:
«ما هذا؟ هل هي مزحة جديدة؟»
هززتُ رأسي بسرعة.
«لا... لا يوجد وقت.»
نزعتُ المنشفة عن يديّ وقلت بلهجة حاسمة لم أعتد استخدامها:
«اصعدي معي إلى الأعلى. الآن. غرفتي أكثر أمانًا.»
حدّقت بي لثانية، كأنها تحاول أن تقرأ وجهي، ثم نهضت دون جدال. صعدنا الدرجات بخطوات سريعة، ولم نتبادل كلمة واحدة. كان كل شيء يبدو عاديًا أكثر مما ينبغي، وهذا بالضبط ما جعل قلبي يخفق بقوة أكبر.
عندما دخلنا غرفتي، أغلقتُ الباب خلفنا وأدرتُ القفل.
الصوت المعدني الخفيف كان كافيًا ليجعل الواقع أثقل.
استدارت ميا نحوي فورًا.
«آيريس... ماذا يحدث؟»
لم أنتظر سؤالًا آخر.
«توجد رسائل.»
عقدت حاجبيها.
«أي رسائل؟»
تنهدتُ بعمق، وجلست على حافة السرير.
«الرسالة الأولى كانت عن الطريق السريع. حذّرتني من حادث مروري، وتجاهلتها تقريبًا... ثم وقع الحادث أمامنا.»
اتسعت عيناها.
«ماذا؟»
تابعتُ بصوت أخفض:
«والثانية... عن العاصفة. قالت إننا يجب أن نشتري حاجياتنا قبلها، وإن الدراسة ستتوقف. وحدث كل ذلك بالضبط.»
ساد صمتٌ ثقيل.
كانت ميا تنظر إليّ كما لو أنها تراَني للمرة الأولى.
قالت أخيرًا:
«وأنتِ لم تخبريني؟»
أخفضتُ بصري.
«لأنني ظننتها مصادفات. غريبة... لكن مصادفات.»
جلست بقربي، وصوتها هذه المرة جاد تمامًا:
«وهذه الرسالة؟ عن اللصوص؟»
رفعتُ رأسي ببطء.
«لا أعرف إن كانت مصادفة أيضًا. لكنني لن أخاطر.»
لم تجب.
اكتفت بالنظر إلى الباب المغلق، وكأنها تحاول أن تسمع ما لم يحدث بعد.
وفي تلك اللحظة تحديدًا،
في أسوأ توقيتٍ ممكن،
رنّ هاتفي من جديد.
نظرتُ إلى الشاشة، وكأنني أبحث عن أي شيء... إلا الاسم الذي ظهر.
أمي.
زفرتُ ببطء، وشعرتُ بانقباض في صدري.
قالت ميا بصوتٍ خافت:
«أجيبي... ربما تطمئنين قليلًا.»
ضغطتُ على زرّ الإجابة، ووضعت الهاتف على أذني.
«مرحبًا يا آيريس،» قالت أمي بنبرتها المعتادة، تلك التي تحمل قلقًا دائمًا تحاول إخفاءه.
«اتصلتُ لأطمئن عليكِ فقط. الطقس هناك كان سيئًا اليوم، أليس كذلك؟»
نظرتُ إلى ميا، ثم إلى الباب المغلق.
«نعم، لكنه هدأ الآن.»
قالت:
«جيد. أردتُ أن أسألك... هل أنتِ في شقتكِ؟»
توقفتُ لثانية.
«نعم.»
تنفّست براحةٍ مسموعة.
«أرجوكِ لا تخرجي الليلة. الأخبار تتحدث عن بعض السرقات في مناطق قريبة من السكنات الطلابية.»
تجمّد الدم في عروقي.
رفعت ميا حاجبيها ببطء، وقد فهمت كل شيء من وجهي.
تابعت أمي، غير مدركة لما يحدث داخلي:
«لا أريدكِ أن تقلقي، فقط كوني حذرة. أغلقي الباب جيدًا، حسنًا؟»
«حسنًا، أمي.»
خرج صوتي أهدأ مما أشعر به.
وقبل أن أنهي المكالمة، سمعتُ صوت زوجها ينادي من الخلف:
«ماريانا؟ العشاء جاهز.»
تنهدت أمي.
«سأتصل بكِ لاحقًا يا عزيزتي. انتبهي لنفسكِ.»
أغلقتُ الخط.
ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة.
قالت ميا أخيرًا، بصوتٍ بالكاد يُسمع:
«آيريس... هذا لم يعد طبيعيًا.»
ما إن أنهيتُ المكالمة حتى التفتُّ إلى ميا.
كانت واقفة قرب المكتب، هاتفها في يدها، وشاشتها مضاءة. لم تكن تنظر إليّ، بل إلى الرقم الذي بدأت تكتبه.
عرفتُ فورًا.
كانت تنتظر اللحظة التي تتصل فيها بالشرطة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!