وضع القراءة:

أفق

اقتربتُ منه، ووضعتُ رأسي على صدره، بلا كلمات. لم يحتضنني فورًا، تردّد، ثم أحاطني بذراعيه أخيرًا، بحذرٍ يشبه الخوف، وبحبٍ يشبه الندم.
وفي تلك اللحظة، أدركتُ شيئًا واحدًا:
ربما لا يمكننا الهرب من المستقبل...
لكننا نستطيع، أخيرًا، ألا نواجهه وحدنا.
عدتُ إلى المنزل وأنا نضحك بلا سبب واضح، أتحرّك في أرجاء الشقة وكأنني أخفّ وزنًا، أرقص وأغنّي بصوتٍ مكسور النغم، غير آبهة بشيء. نظرت إليّ ميا باستغراب، ثم ضحكت وقالت:
«واضح أن يومكِ لم يكن عاديًا.»
توقّفتُ فجأة، شعرتُ بأن السرّ يضغط على صدري. لم أستطع. جلستُ على الأريكة وسحبتُ نفسًا طويلًا، ثم قلتُ:
«ميا... يجب أن أخبركِ بكل شيء.»
سكتت فورًا، جلست قبالتي، وعيناها ثابتتان عليّ. بدأتُ أحكي. من البداية. من الرسائل، ومن الخوف، ومن الحقيقة التي كنتُ أهرب منها، ومن لقائي به، ومن الوعد الذي قطعته... ومن الوعد الذي كسرته الآن.
لم تُقاطعني. لم تسخر. لم تبتسم حتى. وحين انتهيتُ، ساد صمت قصير، ثم نهضت فجأة واحتضنتني بقوة.
قالت وهي تضحك والدمع في صوتها:
«أخيرًا! كنتُ متأكدة أن في قصتكِ فصلًا ناقصًا.»
نظرتُ إليها بقلق: «أنتِ... لستِ غاضبة؟»
ابتعدت قليلًا وحدّقت في وجهي. «غاضبة؟ لا. سعيدة. خائفة قليلًا. لكن سعيدة.» ثم أضافت بنبرة مازحة كعادتها: «وبهذه المناسبة التاريخية...»
أشارت بيدها نحو المطبخ.
«هيا، حضّري لنا القهوة.»
ابتسمتُ رغم تردّدي وقلتُ وأنا أنهض:
«قهوة؟ بعد كل هذا؟»
ضحكت وهي تمدّ ساقيها على الطاولة:
«بالطبع. لا يمكن استقبال صدمات كونية، وآباء عائدين من المستقبل، ووعود سرّية... بدون قهوة جيّدة.»
توجّهتُ إلى المطبخ، شغّلت آلة القهوة، وقلتُ من هناك:
«لكن إن كانت سيئة، فلا أتحمّلينني المسؤولية.»
ردّت وهي تبتسم:
«اليوم؟ حتى القهوة السيئة ستكون مثالية.»
ووسط رائحة البنّ، أدركتُ أن بعض الأسرار لا تُخفَّف إلا حين تُقال، وأن بعض العهود... تُكسر فقط لأن القلب لم يعد يحتمل الصمت.
وضعتُ فنجاني القهوة على الطاولة وجلستُ قبالة ميا. كانت تنفخ على القهوة ببطء، كأنها تحاول كسب وقت قبل أن تتكلم.
قالت أخيرًا وهي ترفع عينيها نحوي:
«إذًا... والدكِ هو مديركِ. عالم. يرى المستقبل. ويعمل مع جهات غامضة. هل نسيتُ شيئًا؟»
تنفّستُ بعمق. «يصرخ عليّ في العمل، ويطردني من القاعات، ويختفي كلما اقتربتُ منه عاطفيًا.»
هزّت رأسها بإعجاب مصطنع. «رائع. اختيار ممتاز للأبوة المتأخرة.»
ابتسمتُ ابتسامة متعبة. «لا تسخري.»
مالت بجسدها للأمام، وصوتها أصبح أهدأ. «أنا لا أسخر منكِ يا آيريس. أنا أحاول أن أفهم. كيف تشعرين الآن؟»
نظرتُ إلى فنجاني. «مشوَّشة. غاضبة. خائفة. لكن... مطمئنة بطريقة غريبة. كأنني أخيرًا أعرف لماذا كان كل شيء يحدث.»
صمتت ميا لحظة، ثم قالت: «وهل تثقين به؟»
ترددتُ. «لا أعلم. أظنني... أريد أن أثق به. وهذا ما يخيفني.»
أومأت ببطء. «هذا طبيعي. أنتِ لا تريدين رجلًا يعرف المستقبل. تريدين أبًا لا يهرب منكِ.»
رفعتُ رأسي إليها. «بالضبط. قلتُ له ذلك.»
اتسعت عيناها. «وفعلًا قلتِ له؟»
«نعم. قلتُ له: أرجوك، كن أبي، لا مجنونًا يراقبني من الظل.»
ابتسمت ميا ابتسامة صغيرة، صادقة. «وهذا يتطلّب شجاعة أكثر من حلّ أعقد معادلة رياضية.»
ضحكتُ بخفة. «لا تخبريه بذلك، سيجعلني أشرحها على اللوح أمام الجميع.»
ضحكت هي أيضًا، ثم تنهدت. «آيريس... هناك شيء واحد فقط أريدكِ أن تعديني به.»
«ما هو؟»
«إن شعرتِ يومًا أن وجوده في حياتكِ يؤذيكِ أكثر مما يحميكِ... تبتعدين. دون تردد. دون بطولة.»
أجبتها فورًا: «أعدكِ.»
ابتسمت، ثم رفعت فنجانها. «إذًا، نخب الحقيقة المتأخرة، والآباء العائدين من الزمن الخطأ، والقهوة التي أنقذت العالم.»
رفعتُ فنجاني ولامسته بفنجانها.
«ونخب ميا... الصديقة التي لم تهرب حين أصبح عالمي أغرب مما يُحتمل.»
قالت وهي تبتسم:
«من قال إنني عاقلة أصلًا؟»
ضحكنا معًا، وفي تلك اللحظة، ولأول مرة منذ زمن طويل، شعرتُ أنني لستُ وحدي في هذا المستقبل المربك.
ذهبتُ أنا وميا في الصباح الباكر، نتبادل شكاوى النوم القليل والقهوة التي لم تؤدِّ واجبها بعد. جلسنا إلى مكاتبنا، وما إن وضعتُ حقيبتي على الكرسي وجلست، حتى ظهر موظف من قسم الموارد، يبتسم ابتسامة رسمية أكثر من اللازم.
قال: «الآنسة آيريس؟ السيد جون يطلبكِ في مكتبه.»
تنهدتُ بعمق، وأغمضتُ عينيّ لثانية. نظرت إليّ ميا بزاوية فمها المائلة:
«لم تمضِ دقيقتان... رقم قياسي جديد.»
همستُ لها: «إن لم أعد خلال عشر دقائق، فأخبري الشرطة أن مديري اختطفني نفسيًا.»
ضحكت، ولوّحت لي بيدها: «حظًا سعيدًا مع المدير... أو الأب... أو الكائن الغامض أيًّا كان اليوم.»
سرتُ في الممر ذاته، لكن هذه المرة بخطوات أهدأ. طرقتُ الباب.
«ادخلي.»
دخلتُ، فوجدته جالسًا خلف المكتب، ينظر إلى شاشة الحاسوب بجدية مصطنعة. لم يرفع رأسه فورًا، بل قال بنبرة رسمية مبالغ فيها:
«تأخرتِ ثلاثين ثانية عن وقت العمل.»
رفعتُ حاجبيّ. «أنا هنا منذ أقل من دقيقة.»
أجاب دون أن ينظر إليّ: «الدقيقة الأولى هي الأهم. اجلسي.»
جلستُ، متحفزة. ثم رفع رأسه أخيرًا... وكانت ابتسامته خفيفة، تلك التي لم أرها إلا نادرًا.
قال: «القهوة في يدكِ خاطئة.»
نظرتُ إلى الكوب. «ماذا بها؟»
«تحملينه بيدكِ اليمنى.» قالها بجدية تامة. «وأنتِ دائمًا تشربينها باليسرى.»
حدّقتُ فيه، غير مصدّقة. «هل... استدعيتني من أجل هذا؟»
هزّ رأسه ببطء. «أيضًا... جلستِ بطريقة سيئة. ظهركِ منحنٍ.»
أجبتُ ببرود: «سأحرص على إبلاغ طبيبي... ومديري... وأبي... إن لزم الأمر.»
ضحك. نعم، ضحك فعلًا. ضحكة قصيرة، مكتومة، كأنه تذكّر فجأة أنه بشر.
قال وهو يشير بيده: «حسنًا، حسنًا. هذا كل شيء.»
حدّقتُ فيه. «هذا كل شيء؟»
«أردتُ فقط أن أتأكد أنكِ هنا.» ثم أضاف بصوت أخف: «وأن أمارس دوري كمدير مزعج... وأبٍ يحاول المزاح ولا يجيده.»
سكتُّ لحظة، ثم قلتُ: «نجحتَ في الأول أكثر من الثاني.»
ابتسم ابتسامة جانبية. «أحتاج إلى تدريب.»
وقفتُ. «في المرة القادمة، اكتفِ برسالة.»
توقّف قبل أن أفتح الباب وقال: «آيريس.»
التفتُّ.
قال بهدوء صادق: «أنا سعيد لأنكِ هنا اليوم.»
أومأتُ دون كلام، وخرجت.
عندما عدتُ إلى مكتبي، كانت ميا تنتظرني بعينين فضوليتين.
«ها؟ ماذا فعل هذه المرة؟»
جلستُ، وارتشفتُ قهوتي باليد اليسرى متعمّدة. «لا شيء خطير.»
ثم أضفتُ بابتسامة صغيرة لم أشعر بها منذ زمن:
«فقط... مدير مزعج، وأب يتعلّم كيف يكون طبيعيًا.»
مرّت الأيام على هذا الإيقاع الهادئ؛
سنة... ثم أخرى.
لم يتغيّر شيء يُذكر، وكأن الزمن قرّر أخيرًا أن يتركني ألتقط أنفاسي.
ميا بقيت كما هي؛ ثرثارة، ساخرة، وفية بشكلٍ يطمئن القلب. بقينا في الشركة نفسها، المنصب ذاته، وحتى الشقة لم تتغيّر إلا بتفاصيل صغيرة أضفناها مع الوقت: نبتة جديدة قرب النافذة، ملصق مضحك على الثلاجة، وفنجان قهوة مكسور نرفض رميه لأنه "جزء من التاريخ".
أما أبي...
فقد تغيّر.
ببطء، بحذر، وكأنه يسير على أرضٍ زجاجية. لم يعد ذلك الرجل المشدود القاسي الذي يراقب كل شيء من بعيد، بل صار أقرب إلى "أب طبيعي قليلًا"؛ يسأل عن يومي، يعلّق على عملي، وأحيانًا يرسل لي رسالة بلا سبب سوى: «هل أكلتِ؟»
لم يكن مثاليًا، لكنه كان يحاول. وهذا كان كافيًا... إلى حدٍّ ما.
أمي؟
كانت حاضرة دائمًا. مكالمات طويلة، نصائح لا تنتهي، وحرص مبالغ فيه كعادتها. كنت أستمع أكثر مما أشرح، وأجيب أقل مما تعرف. بعض الحقائق بقيت حبيسة صدري.
كنتُ جالسة على الأريكة، أحدّق في سقف الغرفة، أستعرض هذه الأفكار بلا ترتيب، حين اهتزّ هاتفي فجأة.
نظرتُ إلى الشاشة.
أمي.
تنهدتُ ابتسامة خفيفة، وضغطت زر الإجابة.
«ألو... مرحبًا يا أمي.»
جاءني صوتها دافئًا، مألوفًا، وكأنه يعبر المسافة بين مدينتين بسهولة:
«مرحبًا يا آيريس، كنتُ أفكر بكِ. كيف حالك اليوم؟»
«أنا بخير، متعبة قليلًا من العمل، لا أكثر.»
ضحكت ضحكة قصيرة. «أنتِ دائمًا متعبة من العمل. متى ستتعلمين أن ترتاحي؟»
«عندما تتوقفين عن سؤالي السؤال نفسه.» قلتها مازحة.
سكتت لحظة، ثم تغيّر صوتها قليلًا، صار أهدأ. «آيريس... هل أنتِ سعيدة؟»
ترددتُ ثانية واحدة. ثانية فقط.
«نعم يا أمي. أنا... مستقرة.»
«هذا أهم شيء.» قالتها وكأنها تطمئن نفسها قبل أن تطمئنني. ثم أضافت: «اشتقتُ لكِ.»
أغمضتُ عينيّ. «وأنا أيضًا.»
سمعتُ صوتها يبتعد قليلًا، ثم يعود: «سأترككِ الآن، يبدو أن فرانك يناديني. لا تنسي أن تشربي الماء... الإرهاق لا يظهر فجأة.»
تجمّدتُ.
نفس الجملة.
نفس النبرة.
نفس التحذير القديم.
ابتلعتُ ريقي بسرعة. «حسنًا يا أمي... سأتذكر.»
«أحبكِ.»
«وأنا أحبكِ.»
انتهت المكالمة.
أنزلتُ الهاتف ببطء، وعدتُ أحدّق في الفراغ. لم يكن هناك خطر، ولا رسالة، ولا تحذير من المستقبل... ومع ذلك، شعرتُ بذلك الوخز الخفيف في صدري.
ليس خوفًا هذه المرة.
بل إحساسًا غريبًا بأن الماضي، مهما هدأ، لا يختفي تمامًا...
هو فقط ينتظر لحظة مناسبة ليُذكّرك بأنه كان هنا.
رائع... هذه نهاية دافئة، هادئة، ومؤلمة بشكل جميل.
لا تحتاج صدمة ولا رسالة أخيرة. تحتاج حياة.
سأعطيك خاتمة تجمع كل ما مرّ، ثم تُغلق القصة بهذه الجملة بالضبط، وبأسلوبك.
حين أسترجع كل ما حدث، أشعر وكأن حياتي كانت سلسلة من التحذيرات غير المرئية.
رسائل تظهر في اللحظة الخطأ، طرق لم أسلكها، حوادث لم تقع، وخيارات ظننتُها صدفة... لكنها لم تكن كذلك أبدًا.
كنتُ فتاة تحاول أن تعيش بهدوء، فوجدتُ نفسها في قلب مستقبل لا تفهمه، وأمام رجلٍ ظننته غريبًا، ثم عدوًا، ثم مديرًا مزعجًا... قبل أن أفهم الحقيقة التي كانت تلاحقني منذ طفولتي.
لم يكن مجنون المستقبل مجنونًا.
ولم يكن منقذًا خارقًا أيضًا.
كان فقط... أبًا خائفًا.
أبًا رأى ما يمكن أن يحدث لابنته، فاختار أن يراقب من بعيد، أن يؤلمها قليلًا بدل أن يخسرها إلى الأبد.
وأنا، في المقابل، تعلّمت أن النجاة لا تعني الهرب من الخطر فقط، بل مواجهة الحقيقة مهما كانت قاسية.
اليوم، لم تعد هناك رسائل.
لم أعد أترقّب اهتزاز الهاتف، ولا أبحث عن إشارات خفية في كل تفصيلة.
لدي عمل أحبه، وصديقة لا أستطيع تخيّل حياتي دونها، ومدينة تعلّمت أن أنتمي إليها.
ولدي... أب.
ليس مثاليًا.
ليس بطلًا.
لكنه موجود.
كنتُ أرتّب الطاولة، أضع الأطباق بهدوء، أستمتع بلحظة عادية لم أكن أظن يومًا أنها ستكون حلمي الأكبر.
وفجأة، جاء صوته من المطبخ، طبيعيًا، دافئًا، بلا خوف ولا تحذير:
«آيريس... هيا، الطعام أصبح جاهزًا.»
ابتسمتُ.
وفي تلك اللحظة فقط، أدركتُ أنني أخيرًا... وصلتُ إلى المستقبل الذي أنقذني منه طوال هذه السنوات.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.