حيرة
تابعتُ بصوت أهدأ، لكنه أكثر حدّة:
«كنتَ تقولها وكأنك اعتدتَ قولها. وكأنها ليست فكرة طارئة.»
رفع رأسه أخيرًا. نظر إليّ طويلاً، نظرة أربكتني أكثر من أي إنكار كان يمكن أن يقوله.
قال بصوت منخفض:
«بعض العادات... لا تزول.»
سألتُ، وقلبي يخفق بعنف:
«من أين تعرِفها؟»
فتح فمه ليجيب، ثم أغلقه. بدا عليه صراع داخلي، كأن الكلمات ترفض الخروج أو تخيفه.
قال أخيرًا:
«لأنني كنتُ أقولها كثيرًا.»
همستُ، دون أن أشعر:
«لمن؟»
طال الصمت. كان ثقيلاً، خانقًا. ثم قال، بصوت خافت بالكاد يُسمع:
«لطفلةٍ... كانت تشبهك كثيرًا.»
تجمّدتُ في مكاني.
لم يقل أكثر من ذلك.
لم يحتج.
في تلك اللحظة، لم أعد أبحث عن دليل.
كنتُ قد عرفته...
قبل أن يجرؤ أحدنا على نُطق الحقيقة.
لم أستطع الردّ فورًا. الكلمات علِقت في حلقي، ثقيلة كأنها لا تنتمي إلى صوتي. نهضتُ ببطء، وكأن جسدي يسبق وعيي، ثم قلتُ بصوتٍ خافت:
«أستاذ جون...»
توقّف عند الباب. لم يلتفت، لكن خطواته توقّفت، كأن الاسم شدّه من الخلف.
تابعتُ قبل أن أفقد شجاعتي:
«هل كنتَ تعرف فتاة اسمها آيريس... منذ زمن بعيد؟»
ساد صمت قصير، ثم قال بنبرة حيادية أكثر مما يجب:
«آيريس اسم شائع.»
ابتلعتُ ريقي.
«كانت في السادسة من عمرها. لا تحب الحليب الدافئ، مهما حاولوا إقناعها. وتُصرّ على الجلوس بجانب النافذة، حتى في الشتاء.»
لم يلتفت هذه المرة أيضًا. لكنني رأيت كتفيه يتيبّسان.
قال بعد لحظة:
«الأطفال متشابهون أكثر مما نعتقد.»
تقدّمتُ خطوة.
«لا. هذه لم تكن عادة. كانت... هي.»
استدار أخيرًا، لكن نظرته لم تستقرّ عليّ. كانت عينيه معلّقتين في مكانٍ ما خلفي، كأنه يرى شيئًا لا أراه.
قال بهدوء غريب:
«بعض الذكريات لا تنتمي لشخصٍ واحد. أحيانًا نسمعها، فنحملها دون أن نعرف كيف وصلت إلينا.»
لم أفهم قصده، لكن قلبي انقبض.
سألته بصوتٍ منخفض:
«ومن أين تأتي تلك الذكريات؟»
أجاب وهو يضع يده على مقبض الباب:
«من أماكن لا تعود إلينا... حتى لو أردنا.»
فتح الباب، وتوقّف لثانية أخيرة دون أن ينظر إليّ.
«نصيحتي لكِ، آنسة آيريس... لا تبحثي كثيرًا في أشياء قديمة. بعض الأبواب، إن فُتحت، لا تُغلق مجددًا.»
ثم خرج.
بقيتُ واقفة في مكاني، أحدّق في الباب المغلق، وصداه لا يزال يرنّ في أذني.
لم يعترف.
لم يُنكر.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا تمامًا:
ذلك الجواب...
لم يكن جواب غريب.
لحقتُ به دون تفكير.
كان يمشي بسرعة غير معتادة، كأن المباني تبتلعه وهو يحاول الهرب من شيء يطارده منذ زمن. ناديتُه مرة، ثم ثانية:
«أستاذ جون!»
لم يتوقف.
خرجنا من بوابة الجامعة، والهواء البارد يلسع وجهي، والطلاب من حولنا لا يلاحظون شيئًا. رفعتُ صوتي أخيرًا:
«توقّف، لو سمحت!»
توقّف فجأة. استدار نحوي، وعلى وجهه نفاد صبر ممزوج بتوتر حاول إخفاءه.
قال بحدّة خفيفة:
«ماذا تريدين يا آنسة آيريس؟»
ترددتُ لحظة، ثم قلتُ بصوتٍ ثابت رغم ارتجاف داخلي:
«أريد أن أفهم.»
قطّب حاجبيه. «تفهمي ماذا؟»
اقتربتُ خطوة.
«لماذا تعرف أشياء لا ينبغي لك معرفتها؟ ولماذا...» سكتُّ لحظة، ثم أكملتُ: «لماذا كان جوابك قبل قليل كأنك تعرفني؟»
زفر بعمق، ونظر حوله، كأنه يتأكد أن لا أحد يستمع.
«أنتِ طالبة ذكية. أحيانًا يبالغ الأساتذة في الملاحظة، هذا كل شيء.»
هززتُ رأسي.
«لم أتحدث عن المحاضرة. تحدثتُ عن طفلة عمرها ست سنوات.»
تصلّب وجهه.
قال بلهجة رسمية حاول أن يجعلها فاصلة:
«أنتِ تُسقِطين أمورًا شخصية على مواقف لا علاقة لها بها.»
«إذن أجبني.» قلتها بهدوء حاد. «من أين جاء كلامك عن الذكريات التي لا تعود؟»
نظر إليّ طويلًا. طويلًا بما يكفي ليؤلمني الانتظار.
ثم قال بصوتٍ أخفض:
«لأن بعض الناس يعيشون بنصف حياة، يا آنسة آيريس. نصف هنا... ونصف في مكانٍ آخر.»
لم أفهم تمامًا، لكن قلبي خفق بعنف.
قلتُ:
«وأنت... أي نصف تعيش؟»
ابتسم ابتسامة قصيرة، خالية من أي دفء.
«النصف الذي يسمح لي بالبقاء واقفًا.»
خطا خطوة إلى الخلف، ثم أضاف بنبرة تحذير:
«توقّفي عن هذا. ما تفعلينه لن يقودكِ إلى إجابات، بل إلى خسارات.»
ثم استدار ليغادر.
صرختُ خلفه، دون أن أشعر:
«هل خسرتَني من قبل؟»
توقّف.
لم يلتفت.
قال بصوتٍ بالكاد سمعته:
«بعض الخسارات... لا تُعالج بالاعتراف.»
ثم مضى، وتركني واقفة في منتصف الطريق، أدرك أنني لم أعد أطارده...
بل الحقيقة نفسها.
عدتُ إلى السكن الجامعي برفقة ميا، وخطواتي أبطأ من المعتاد، كأن الطريق يطول عمدًا ليمنحني وقتًا إضافيًا للإنكار. كانت ميا تمشي إلى جانبي، لكنها لم تكفّ عن الالتفات إليّ، تراقب وجهي كما لو كان يحمل إجابة جاهزة.
«آيريس...» قالت أخيرًا، بعد صمت قصير لم تحتمله. «أنتِ صامتة منذ خرجنا من الجامعة. ماذا قال لكِ؟»
هززتُ رأسي. «لا شيء مهم.»
رفعت حاجبيها بسخرية تعرفها جيدًا. «هذا أسوأ جواب ممكن. أنتِ إمّا تخفين كارثة، أو أنكِ على وشك اختراع لغز جديد.»
تنفستُ بعمق. «هو... مراوغ. لا يجيب، لا ينفي، ولا يعترف.»
توقّفت فجأة، ما أجبرني على التوقف معها. نظرت إليّ بجدية نادرة.
«آيريس، أنتِ لا تلحقين أستاذكِ كل يوم خارج الحرم الجامعي. ما الذي يحدث؟»
تابعتُ السير، فاضطرت للحاق بي.
«قال أشياء غريبة. عن الذكريات، عن الخسارة... وكأنه يعرفني، لكنه يرفض قول ذلك صراحة.»
سارت بجانبي بصمت لثوانٍ، ثم قالت:
«هل تخيفكِ الفكرة؟»
فكرتُ قليلًا. «لا. ما يخيفني... أن تكون صحيحة.»
وصلنا إلى المبنى أخيرًا. أدخلتُ المفتاح، وفتحتُ الباب، وما إن دخلنا حتى أسقطت ميا حقيبتها على الأريكة.
«حسنًا.» قالت وهي تعقد ذراعيها. «لن أضغط عليكِ أكثر. لكن أعدكِ بشيء واحد: مهما كان ما تكتشفينه... لن تواجهيه وحدكِ.»
نظرتُ إليها، وابتسمتُ ابتسامة صغيرة، ممتنة أكثر مما أستطيع التعبير عنه.
في تلك الليلة، وبينما كانت ميا ما تزال تثرثر محاولة إعادتي إلى الواقع، أدركتُ شيئًا واحدًا بوضوح مؤلم:
لم أعد أبحث عن إجابة.
الإجابة... هي التي بدأت تقترب مني.
في اليوم التالي، حضرتُ إلى الدوام كعادتي، أو هكذا حاولتُ أن أُقنع نفسي. ارتديتُ ملابسي بعناية مبالغ فيها، كأن الترتيب الخارجي قادر على ترميم الفوضى في رأسي. ميا كانت تتحدث منذ الصباح، عن الامتحانات، عن الطقس، عن أي شيء لا علاقة له بما حدث بالأمس، وكأنها تحاول أن تمنحني مهربًا مؤقتًا.
دخلنا الحرم الجامعي، وكانت الحركة فيه طبيعية على نحو مستفز. طلاب يضحكون، آخرون يركضون نحو قاعاتهم، وأصوات مألوفة كنتُ جزءًا منها يومًا ما. اليوم، شعرتُ كأنني أراقب المشهد من خلف زجاج سميك.
كانت أول محاضرة لنا... الرياضيات.
جلستُ في مقعدي المعتاد، وميا إلى جانبي. فتحتُ دفتري، أمسكتُ القلم، لكنني لم أكتب شيئًا. كنتُ أراقب الباب أكثر مما أراقب السبورة.
دخل الأستاذ جون بعد دقائق. بدا متعبًا، أكثر شحوبًا من المعتاد، ونظرته لا تستقر في مكان واحد. عندما مرّ بنظره على القاعة، توقّف لثانية عند مقعدي، ثم أشاح بوجهه بسرعة.
بدأ الشرح.
كان صوته ثابتًا، لكن يده ارتجفت قليلًا وهو يكتب المعادلات. حاولتُ التركيز، أقسم أنني حاولت، لكن كل حركة منه، كل سكون، كانت تُشعرني أن هناك جدارًا غير مرئي بيننا، جدارًا أعرفه ولا أراه.
همست ميا:
«إنه يتصرف وكأنه لم ينم.»
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!