الفصل التاسع
لم يرَ إلياس شيئًا في الظلام سوى الصفحة البيضاء أمامه، لكن صوت القلم وهو يتحرك فوقها كان واضحًا كأنه يُكتب داخل رأسه. كان دانيال واقفًا أمامه، ممسكًا بالقلم، بينما كان الحبر الأسود ينتشر على أصابعه ببطء. قال إلياس: «ماذا فعلت؟» لم يجب دانيال، بل ظل ينظر إلى الصفحة وكأنه ينتظر شيئًا. حاول إلياس الاقتراب منه، لكن دانيال رفع يده وقال: «لا تلمسني.» كانت نبرته مختلفة، وكأن شخصًا آخر يتحدث من خلاله. قال إلياس: «دانيال، انظر إليّ.» رفع دانيال عينيه، وعاد الخوف إلى وجهه للحظة، ثم قال بصوت منخفض: «أخرجني من هنا.» تقدم إلياس نحوه، لكن قبل أن يصل إليه انفتح الدفتر وحده، وبدأت الصفحات تتقلب بسرعة شديدة حتى توقفت عند صفحة في منتصفه. كانت الصفحة مليئة بأسماء، بعضها مكتوب منذ سنوات، وبعضها بدا حديثًا. وفي أسفل الصفحة ظهر اسم والد إلياس، فيكتور ميلر، وبجانبه تاريخ وفاته. لكن التاريخ لم يكن تاريخ وفاته الحقيقي. كان بعد ولادة إلياس بثلاثة أيام فقط. قال إلياس: «هذا غير ممكن... أبي مات عندما كنت في السادسة.» أجابه دانيال: «هذا ما أخفوه عنا.» اقترب إلياس منه وقال: «ماذا تقصد؟» قال دانيال: «أبي لم يمت في ذلك اليوم الذي أخبرونا به. لقد اختفى أولًا، ثم عاد بعد سنوات.» شعر إلياس بالارتباك وقال: «لماذا لم يخبرني أحد؟» أجاب دانيال: «لأن أمي كانت تعرف أن الحقيقة ستقودنا إلى الدفتر.» ثم نظر إلى أندرو الواقف قرب الباب وقال: «وهو كان يعرف كل شيء.» التفت إلياس إلى أندرو وقال: «أخبرني بالحقيقة.» بقي أندرو صامتًا، ثم أغلق الباب خلفه واقترب منهم. قال: «كان والدك وأخي فيكتور يبحثان عن هذا الدفتر منذ سنوات، لكنهما لم يكونا أول من وجده. قبل أكثر من خمسين عامًا، عثر عليه رجل يُدعى صموئيل كرو داخل منزل مهجور في أطراف المدينة. في البداية اعتقد أنه مجرد دفتر قديم، لكنه اكتشف أن الكلمات تظهر فيه من تلقاء نفسها. كتب اسمه في الصفحة الأولى، وفي اليوم التالي مات ابنه. حاول صموئيل أن يتخلص من الدفتر، لكنه كان يعود إليه في كل مرة. وبعد سنوات بدأ يكتب أسماء الآخرين، معتقدًا أنه يستطيع التحكم به، لكن كل اسم كان يفتح بابًا جديدًا للعهد.» قال إلياس: «وما علاقة أبي بذلك؟» أجاب أندرو: «والدك حاول إنهاء الأمر.» ثم أخرج ورقة قديمة من جيبه وسلمها إلى إلياس. كانت تحمل توقيع فيكتور، وتحت التوقيع عبارة قصيرة: «سأدفع الثمن بنفسي، ولن يصل إلى ابني.» رفع إلياس رأسه وقال: «إذن أبي ضحى بنفسه من أجلي.» أومأ أندرو وقال: «نعم، لكنه لم يكن يعلم أن العهد لا يُلغى بالموت.» سأل إلياس: «إذن ماذا يريد الدفتر؟» نظر أندرو إلى الدفتر وقال: «وريثًا.» شعر إلياس بقشعريرة. «وريثًا؟» قال أندرو: «كل من يكتب اسمه في الصفحة الأولى يصبح جزءًا من الدفتر. وبعد موته ينتقل العهد إلى أقرب شخص يحمل دمه.» فهم إلياس أخيرًا سبب ظهور اسمه، وسبب ظهور اسم دانيال، وسبب خوف والده طوال تلك السنوات. قال: «لكنني لم أكتب سوى اسمي.» أجابه أندرو: «وهذا كان كافيًا.» فجأة سمعوا صوتًا قويًا من خلف الباب. التفت الجميع، ثم جاء الصوت مرة أخرى، لكن هذه المرة كان مصحوبًا بصوت رجل يصرخ: «افتحوا الباب!» اقترب إلياس من الباب، لكنه توقف عندما تعرف على الصوت. كان صوت العجوز صاحب المتجر. قال أندرو بسرعة: «لا تفتح.» سأل إلياس: «لماذا؟» أجاب أندرو: «لأنه ليس هو.» عاد الصوت من الخارج: «إلياس! افتح الباب!» تراجع إلياس. كان الصوت مطابقًا لصوت الرجل، لكن شيئًا فيه كان خاطئًا. قال دانيال: «لا تسمع إليه.» ثم أشار إلى الدفتر وقال: «انظر إلى الصفحة.» اقترب إلياس، فرأى اسمًا جديدًا يظهر تحت اسمه. صموئيل كرو. وتحت الاسم تاريخ قديم، ثم بدأت تظهر كلمات جديدة: «آخر من كتب، أول من يعود.» قال أندرو: «صموئيل مات منذ أكثر من ثلاثين عامًا.» رفع إلياس رأسه وقال: «إذن كيف ظهر اسمه؟» لم يجب أندرو. بدأت أصوات الطرق تزداد قوة، حتى اهتز الباب. قال دانيال: «علينا أن نخرج من هنا.» قال إلياس: «كيف؟» أشار دانيال إلى الباب الخلفي للمتجر، وقال: «هناك مخرج.» ركض الثلاثة نحو الباب، لكن قبل أن يصلوا إليه، انطفأت الشمعة الوحيدة في المتجر. غرق المكان في ظلام كامل، ثم جاء صوت خطوات بطيئة خلفهم. خطوة... ثم أخرى... ثم توقف الصوت. شعر إلياس بأن شخصًا يقف خلفه مباشرة. لم يجرؤ على الالتفات. جاء صوت هامس بالقرب من أذنه: «أبوك لم يمت من أجلك.» تجمد إلياس. «بل مات لأنه حاول قتلي.» استدار بسرعة، لكنه لم ير أحدًا. أشعل دانيال مصباح هاتفه، فظهرت على الجدار خلف إلياس كلمات جديدة، وكأنها كُتبت بالدم: «الوصية ليست ما كتبه والدك.» ثم ظهرت جملة ثانية أسفلها: «الوصية هي ما ستكتبه أنت.» نظر إلياس إلى الدفتر، فرأى صفحة جديدة تنفتح وحدها. كان في أعلاها عنوان واحد: «الوصية الأخيرة.» وتحت العنوان ظهرت جملة واحدة: «اكتب اسم الشخص الذي تريد أن يعيش بدلًا منك.» شعر إلياس بأن يديه بدأتا ترتجفان. نظر إلى دانيال، ثم إلى أندرو، ثم عاد إلى الصفحة. كان أمامه خيار واحد فقط، لكن الثمن لم يكن حياته وحدها. مد يده نحو القلم، وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعه المقبض، سمع صوتًا من خلف الباب يقول بهدوء: «إذا كتبت اسمًا واحدًا... سينتهي كل شيء.» ثم أضاف الصوت: «أما إذا رفضت، فسيموت الجميع.»
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!