الفصل السادس
لم يجب إلياس عندما سمع صوت العجوز. بقي واقفًا في منتصف الغرفة، وعيناه مثبتتان على الممر المظلم، بينما كان الضابطان يرفعان سلاحيهما في اتجاه الصوت. مرّت ثوانٍ طويلة دون أن يظهر أحد، ثم تحركت الستارة القريبة من الباب الخلفي رغم أن جميع النوافذ كانت مغلقة. قال الضابط بصوت حازم: «أظهر نفسك!» لم يأتِ أي رد. تقدم الضابط بضع خطوات نحو الممر، لكن إلياس أمسك بذراعه وقال: «انتظر.» نظر إليه الضابط باستغراب، فأشار إلياس إلى الدفتر الموضوع فوق الطاولة. كانت صفحته قد تغيرت مرة أخرى، وظهرت عليها جملة جديدة بخط أسود: «لا تذهب إلى المتجر.» حدق إلياس في الكلمات، ثم رفع عينيه نحو الممر. كان صوت العجوز قد أخبره بالضبط أن يعود إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء، لكن الدفتر الآن يحذره من الذهاب إلى المتجر. لم يعد يعرف أيهما يصدق. قال الضابط: «ما الذي يحدث؟» أجابه إلياس: «لا أعرف، لكنني أعتقد أن هذا الدفتر يريد مني أن أذهب إلى مكان ما.» قال الضابط بحدة: «هذا ليس وقت الألغاز. أخبرني كل شيء من البداية.» نظر إلياس إلى الدفتر، ثم إلى الضابط، وأخبره عن المتجر، والعجوز، والدفتر، والأسماء التي ظهرت فيه، والصورة القديمة التي وجدها في منزل إدوارد. استمع الضابط إليه دون مقاطعة، لكن عندما انتهى، بقي صامتًا للحظات. ثم قال: «هناك شيء لم تخبرني به.» سأله إلياس: «ماذا؟» أخرج الضابط الصورة القديمة من جيبه ووضعها أمامه، ثم قال: «أنت قلت إنك لا تعرف هؤلاء الأشخاص، أليس كذلك؟» أجاب إلياس: «نعم.» أشار الضابط إلى الرجل الذي يقف بجانب إدوارد في الصورة وقال: «هذا الرجل اسمه فيكتور هاربر.» شعر إلياس بشيء من الارتباك. «هاربر؟» أومأ الضابط وقال: «والد إدوارد.» ثم أشار إلى الشخص الخامس في الصورة، رجل يقف في الخلفية ووجهه نصف مخفي بالظل. «وهذا الرجل هو الشخص الذي لم أذكره لك.» اقترب إلياس من الصورة. «من يكون؟» قال الضابط: «لا أعرف.» ثم قلب الصورة على ظهرها، وأضاف: «لكن هناك اسم مكتوب هنا.» نظر إلياس إلى الكتابة، فوجد اسمًا واحدًا: أندرو ميلر. شعر بقشعريرة تسري في جسده. كان الاسم مألوفًا له، لكنه لم يعرف من أين. بقي يحاول تذكره حتى تذكر فجأة صندوقًا قديمًا كان والده يحتفظ به في المنزل. كان اسم أندرو ميلر مكتوبًا على أحد الملفات التي رآها عندما كان صغيرًا. قال إلياس: «أبي كان يعرف هذا الرجل.» رفع الضابط رأسه وقال: «هل أنت متأكد؟» أجاب إلياس: «نعم، أعتقد ذلك.» ثم أضاف بعد لحظة: «لكنني لا أعرف ما العلاقة بينهما.» لم يرد الضابط، وفي تلك اللحظة اهتز هاتف إلياس. وصلته رسالة من رقم مجهول. فتحها، فوجد صورة. كانت الصورة لمنزل قديم محاط بالأشجار، وفي أسفلها كُتب: «إن كنت تريد معرفة الحقيقة، اذهب إلى المكان الذي ولدت فيه.» حدق إلياس في الصورة طويلًا. كان يعرف المنزل. لقد رآه عشرات المرات في طفولته، لكنه لم يزره منذ سنوات. كان منزل العائلة القديم، المكان الذي عاش فيه مع والديه وأخيه دانيال قبل أن يضطروا إلى مغادرته بعد وفاة والده. قال إلياس: «يجب أن أذهب إلى هناك.» أمسك الضابط بذراعه وقال: «لن تذهب وحدك.» خرجوا من المنزل بعد دقائق، واتجهوا نحو سيارة الشرطة. طوال الطريق، لم يتحدث إلياس كثيرًا. كان ينظر من النافذة ويتذكر طفولته. كان المنزل القديم يقع خارج المدينة، في منطقة نائية تحيط بها الغابات من ثلاث جهات. كان والده يمنعه دائمًا من الذهاب إلى القبو، ولم يكن يسمح له ولأخيه بالاقتراب من الغرفة الموجودة خلف المطبخ. في ذلك الوقت، كان إلياس يظن أن والده يخفي أدوات قديمة هناك، لكنه بدأ الآن يفكر في سبب آخر. بعد نحو ساعة، توقفت السيارة أمام المنزل. كان المكان مهجورًا منذ سنوات، والنوافذ مغطاة بالغبار، والحديقة غارقة في الأعشاب اليابسة. نزل إلياس من السيارة، وشعر بشيء مألوف وغريب في الوقت نفسه. قال الضابط: «ابقَ قريبًا مني.» فتح إلياس الباب بالمفتاح القديم الذي كان يحتفظ به في منزله. انفتح الباب بصوت طويل، وانتشرت رائحة الرطوبة في المكان. دخلوا إلى الصالة، وكانت الأثاثات القديمة مغطاة بالأقمشة البيضاء. نظر إلياس حوله، ثم قال: «لم يتغير شيء.» لكنه سرعان ما أدرك أنه كان مخطئًا. فوق المدفأة كانت هناك صورة عائلية لم تكن موجودة عندما غادر المنزل. اقترب منها، وعندما رأى ما فيها، تجمد في مكانه. كانت الصورة تجمع والده ووالدته ودانيال، وكان إلياس نفسه يقف بينهم. لكن الصورة لم تكن قديمة. كانت تبدو وكأنها التُقطت حديثًا. وفي خلفية الصورة، خلف أفراد العائلة، كان يقف الرجل نفسه الذي ظهر في الصورة القديمة مع إدوارد. أندرو ميلر. تراجع إلياس خطوة وقال: «هذا مستحيل.» اقترب الضابط من الصورة، ثم لمسها بحذر. قال: «متى التُقطت هذه الصورة؟» أجاب إلياس: «لا أعرف.» ثم لاحظ شيئًا آخر. كانت والدته تنظر إلى الكاميرا، وكان والده ينظر إليها، ودانيال ينظر إلى إلياس، أما إلياس نفسه فكان ينظر إلى شخص يقف خارج إطار الصورة. شعر إلياس بالخوف عندما أدرك أن الشخص الذي كان ينظر إليه في الصورة لم يكن أندرو ميلر. كان هناك شخص آخر. اقترب من الصورة أكثر، ولاحظ انعكاسًا صغيرًا في زجاج النافذة خلفهم. كان يظهر فيه وجه رجل يقف في مكان مظلم داخل المنزل. قال إلياس: «هناك شخص خلفنا.» التفت الضابط بسرعة، لكن الغرفة كانت فارغة. ثم سمعوا صوتًا صادرًا من القبو. طرق... طرق... طرق... قال الضابط: «ما هذا؟» أجاب إلياس بصوت خافت: «القبو.» اتجه الاثنان نحو الباب المؤدي إليه. كان الباب مغلقًا بسلسلة حديدية قديمة. أخرج الضابط مصباحه، بينما أخذ إلياس يبحث عن المفتاح. قال: «كان أبي يحتفظ بالمفتاح هنا.» فتح أحد الأدراج القديمة، فوجد صندوقًا خشبيًا صغيرًا. فتحه، وكان بداخله مفتاح أسود. حمله إلياس بين أصابعه، وشعر بالبرودة نفسها التي شعر بها عندما لمس الدفتر للمرة الأولى. قال الضابط: «هل أنت متأكد من أنك تريد فتحه؟» نظر إلياس إلى الباب، ثم إلى المفتاح. «إذا كان أخي في خطر، فلا خيار أمامي.» أدخل المفتاح في القفل، وأداره ببطء. انفتحت السلسلة وسقطت على الأرض. فتح إلياس الباب، فخرج هواء بارد من القبو وأطفأ شعلة المصباح للحظة. نزلا الدرج بحذر، وكلما نزلا درجة شعر إلياس بأن المكان يصبح أبرد. وعندما وصلا إلى الأسفل، أضاء الضابط المصباح من جديد. كان القبو مليئًا بالصناديق القديمة والملفات والكتب، لكن شيئًا واحدًا جذب انتباه إلياس فورًا. في منتصف القبو كانت هناك طاولة خشبية، وفوقها دفتر أسود. اقترب منه ببطء، ثم توقف. لم يكن الدفتر الذي أخذه من المتجر. كان نسخة أخرى منه. فتحه، وكانت الصفحة الأولى تحتوي على أسماء كثيرة، بعضها مشطوب، وبعضها ما يزال واضحًا. وبين الأسماء وجد اسم والده. فيكتور ميلر. تراجع إلياس وقد ارتجفت يداه. «هذا اسم أبي...» قال الضابط: «ميلر؟ أليس اسم والدك هاربر؟» لم يجب إلياس. حدق في الاسم مرة أخرى، ثم أدرك شيئًا لم يكن مستعدًا لمعرفته. اسم والده الحقيقي لم يكن فيكتور هاربر كما كان يعتقد طوال حياته. كان فيكتور ميلر. وفي أسفل الصفحة، كان هناك تاريخ يعود إلى اليوم الذي وُلد فيه إلياس. وتحت التاريخ ظهرت جملة قصيرة: «في هذا اليوم بدأ الدين.» وفجأة، جاء صوت من خلفهما. «وأنت لم تكن من المفترض أن تعرف ذلك أبدًا.» التفت إلياس والضابط في اللحظة نفسها. كان رجل يقف عند أعلى درجات القبو، ووجهه غارق في الظلام. ثم أضاءت ومضة البرق المكان للحظة، فرأى إلياس وجهه بوضوح. كان أندرو ميلر.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!