الفصل العاشر _ النهاية
كان إلياس واقفًا في الغرفة المظلمة، والدفتر الأسود أمامه فوق الطاولة الخشبية القديمة. لم يعد يسمع صوت المطر في الخارج، ولا خطوات أندرو، ولا حتى أنفاس دانيال. كان كل شيء ساكنًا بصورة مخيفة، وكأن العالم بأكمله توقف منتظرًا قراره الأخير. فتح إلياس الدفتر بيد مرتجفة، فظهرت الصفحة التي تحمل اسمه، وتحت اسمه تاريخ اليوم. بقي يحدق فيه طويلًا، ثم قال بصوت خافت: «إذن هذا هو كل ما أردته منذ البداية... أن أختار شخصًا يموت بدلًا مني.» ظهر سطر جديد على الصفحة: «اكتب الاسم.» رفع إلياس رأسه ونظر إلى دانيال، الذي كان يقف قرب الباب، شاحب الوجه وعيناه ممتلئتان بالخوف. قال دانيال: «إلياس، لا تفعل.» أجابه إلياس: «لن أكتب اسمك، ولن أكتب اسم أي شخص.» وفجأة ظهر سطر آخر: «إذن ستموت.» ابتسم إلياس للمرة الأولى منذ أن بدأ كل شيء وقال: «إذا كان موتي هو الثمن، فسأدفعه.»
اقترب أندرو منه بسرعة وقال: «لا تفعل! والدك حاول الشيء نفسه، ولهذا أخذه الدفتر.» التفت إليه إلياس وقال: «أين أبي؟» بقي أندرو صامتًا لثوانٍ، ثم أشار إلى الصفحة الأخيرة. كانت هناك جملة مكتوبة بخط مختلف: «لم يمت فيكتور ميلر.» ارتجف قلب إلياس عندما قرأها، ومد يده إلى الصفحة، لكن قبل أن يلمسها ظهرت كلمات جديدة أمام عينيه: «كان هنا طوال الوقت.» سقطت الدموع من عينيه وقال: «أبي...» ثم سمع صوتًا خلفه يعرفه جيدًا، صوتًا لم يسمعه منذ طفولته: «إلياس.» استدار ببطء، فرأى والده واقفًا في آخر الغرفة. لم يكن شبحًا مرعبًا، بل بدا كما يتذكره تمامًا، بملامحه الهادئة ومعطفه القديم. لم يستطع إلياس الكلام. قال فيكتور: «سامحني يا بني.» اقترب إلياس منه وقال: «لماذا تركتني؟» أجابه والده: «لأنني ظننت أنني أستطيع أن أنهي الأمر وحدي. كنت مخطئًا. الدفتر لا يريد الموت، ولا يريد الدم، إنه يريد الخضوع. كل شخص يكتب فيه يمنحه جزءًا من إرادته، حتى يصبح أسيرًا له. وأنا كنت آخر من حاول مقاومته قبلك.»
نظر إلياس إلى الدفتر وقال: «وكيف أنهيه؟» أجابه والده: «لا تكتب اسمًا.» ثم بدأ جسد فيكتور يتلاشى ببطء. صاح إلياس: «أبي!» فقال فيكتور: «لا تبحث عني بعد اليوم... لقد انتهى دوري.» ثم اختفى، وبقي إلياس واقفًا في مكانه والدموع على وجهه. نظر إلى الدفتر للمرة الأخيرة، ثم حمله بكلتا يديه، وأغلقه. قال أندرو: «إذا كنت ستفعلها، فافعلها الآن.» وضع إلياس الدفتر فوق الأرض، وأشعل النار فيه. بدأت الصفحات تتلوى، وظهرت عليها عشرات الأسماء للحظات، ثم اختفت واحدًا تلو الآخر. ارتفع صوت صراخ خافت من داخل الدفتر، كأن عشرات الأشخاص يتحدثون في وقت واحد. تراجع دانيال، بينما بقي إلياس واقفًا أمام النار دون أن يتحرك.
كانت آخر صفحة تحترق ببطء. ظهر عليها اسم واحد فقط: «إلياس ميلر.» ثم بدأت الحروف تتلاشى. عندما احترق الاسم بالكامل، انطفأت النار فجأة، وساد الصمت.
انتظر إلياس شيئًا آخر، لكنه لم يحدث. لم يظهر أي اسم جديد، ولم يسمع أي صوت، ولم يتحرك شيء في الغرفة. لم يبقَ من الدفتر سوى الرماد الأسود.
اقترب دانيال منه وقال بصوت مرتجف: «هل انتهى؟» نظر إلياس إلى الرماد وقال: «نعم... انتهى.»
بعد ساعات، خرج الأخوان من المتجر القديم مع أول ضوء للفجر. كانت المدينة هادئة، والسماء بدأت تستعيد لونها بعد ليلة طويلة من المطر. التفت إلياس إلى الخلف، لكنه لم يجد المتجر. لم يكن هناك سوى جدار حجري قديم وممر ضيق. سأل دانيال: «أين ذهب؟» أجابه إلياس: «ربما لم يكن موجودًا أصلًا بالطريقة التي ظنناها.»
عادا إلى منزلهما، وهناك وجدا شيئًا لم يتوقعاه. على الطاولة كانت صورة قديمة تجمع إلياس ودانيال ووالدهما فيكتور. حمل إلياس الصورة، وقلبها، فوجد جملة كتبها والده قبل سنوات: «إذا وصلت إلى هنا، فهذا يعني أنك اخترت أن تكون حرًا.»
أغمض إلياس عينيه، وابتسم بحزن. لأول مرة منذ سنوات شعر أن صدره خفيف، وكأن شيئًا كان يراقبه طوال حياته قد اختفى إلى الأبد.
مرت أسابيع، ثم أشهر. لم يعد الدفتر، ولم يسمع إلياس صوتًا غريبًا في الليل، ولم تظهر أسماء جديدة. عاد إلى حياته الطبيعية، وبدأ يعمل ويخرج مع دانيال، حتى إن ذكريات تلك الليلة أصبحت شيئًا يشبه الكابوس القديم الذي لا يتذكر منه الإنسان سوى أجزاء متفرقة.
وفي إحدى الليالي، جلس إلياس وحده قرب النافذة، وأخرج صورة والده من درج مكتبه. ظل ينظر إليها طويلًا، ثم قال: «لقد وفيت بوعدك يا أبي.»
وضع الصورة في مكانها وأغلق الدرج.
وفي اللحظة نفسها، هبت الريح من النافذة، فتحركت الستارة، وسقط شيء صغير من فوق رف الكتب. نظر إلياس إليه، ثم تجمد في مكانه.
كانت قطعة سوداء صغيرة من الورق.
اقترب منها ببطء، وانحنى ليلتقطها. قلبها بين أصابعه، وكانت هناك كلمة واحدة مكتوبة عليها بخط والده:
«تحررت.»
ابتسم إلياس، وأحرق الورقة دون تردد، ثم شاهد رمادها يتطاير مع الهواء من النافذة.
ولأول مرة، لم يخشَ ما سيأتي بعد ذلك.
لأن الوصية الأخيرة لم تكن أن يموت أحد.
بل أن يرفض إلياس أن يقتل من أجله.
النهاية.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!