الدفتر الأسود
الدفتر الأسود
جزء 3 من 10
وضع القراءة:

الفصل الثالث_ اول علامة

لم يستطع إلياس أن يبعد عينيه عن الكلمة التي ظهرت في الصفحة. بقي واقفًا أمام الطاولة، والهاتف ما يزال في يده، بينما كان عقله يحاول استيعاب ما حدث خلال الدقائق القليلة الماضية. «بدأنا.» كلمتان فقط، لكنهما كانتا كافيتين لجعله يشعر بأن شخصًا ما يراقبه من مكان قريب. أغلق الدفتر بسرعة، ثم دفعه داخل الدرج وأغلقه بالمفتاح مرة أخرى. هذه المرة لم يكتفِ بإغلاقه، بل سحب الطاولة بعيدًا عن الحائط ووضع كرسيًا أمام الدرج، وكأنه بذلك يستطيع منع شيء لا يعرفه من الخروج. بقي واقفًا للحظات، ثم نظر إلى الساعة. كانت الرابعة وثلاث عشرة دقيقة صباحًا. لم يكن أمامه سوى ساعات قليلة قبل أن يبدأ اليوم، ومع ذلك شعر بأن النوم أصبح مستحيلًا. عاد إلى غرفته وأغلق الباب، ثم جلس على حافة السرير وهو يفكر في اسم إدوارد هاربر. حاول الاتصال بالرقم الذي ظهر منه اتصال العجوز، لكنه وجد أن الهاتف مغلق. بحث عن اسم إدوارد مرة أخرى، وهذه المرة أضاف اسم المدينة التي يعيش فيها، فظهرت له عشرات النتائج. أخذ يتصفحها واحدة تلو الأخرى، حتى توقف عند خبر قديم نُشر قبل ثلاثة أيام في صحيفة محلية. كان العنوان: «اختفاء رجل في ظروف غامضة». شعر إلياس بانقباض في صدره، وفتح الخبر. كان الرجل المفقود يُدعى إدوارد هاربر، ويبلغ من العمر اثنين وأربعين عامًا، ويعيش وحيدًا في منزل يقع في الطرف الشمالي من المدينة. أُبلغ عن اختفائه بعد أن لم يحضر إلى عمله لمدة يومين، وكانت سيارته موجودة أمام منزله، بينما لم يعثر المحققون على أي أثر يدل على مكانه. قرأ إلياس الخبر مرة ثانية، ثم ثالثة. لم يعد الأمر مزحة بالنسبة إليه. الرجل الذي ظهر اسمه في الدفتر كان موجودًا بالفعل، وقد اختفى قبل أيام. لكنه لم يفهم شيئًا واحدًا؛ لماذا كتب الدفتر تاريخ الغد بجانب اسمه إذا كان إدوارد قد اختفى أصلًا؟ أغلق الهاتف، ثم استلقى على السرير، لكنه ظل مستيقظًا حتى بدأت خيوط الضوء الأولى تتسلل من خلف الستائر. عند السابعة صباحًا، ارتدى ملابسه وغادر الشقة دون أن يخبر أحدًا بما حدث. كان أول مكان فكر في الذهاب إليه هو منزل إدوارد. احتاج إلى نحو أربعين دقيقة للوصول إلى الطرف الشمالي من المدينة. كانت المنطقة أكثر هدوءًا من وسط المدينة، والبيوت متباعدة، تحيط بها الأشجار القديمة والأسوار الحديدية. توقف إلياس أمام منزل رمادي صغير يحمل الرقم 27. كانت السيارة التي قرأ عنها في الخبر ما تزال متوقفة أمام المنزل. اقترب من الباب، ثم تردد قبل أن يطرق. لم يكن يعرف ماذا سيقول إذا فتح له أحد. لكنه في النهاية رفع يده وطرق الباب. انتظر. لا جواب. طرق مرة أخرى. بقي الصمت مسيطرًا على المكان. نظر من النافذة القريبة، لكنه لم يستطع رؤية شيء سوى غرفة مظلمة وستائر مغلقة. وبينما كان يستعد للمغادرة، لاحظ شيئًا على الأرض قرب الباب. انحنى والتقطه. كانت ورقة صغيرة مطوية بعناية. فتحها، فتغير وجهه فورًا. كان مكتوبًا عليها بخط يدوي واضح: «لا تثق بالرجل الذي يرتدي المعطف الرمادي.» رفع إلياس رأسه ونظر إلى الشارع. لم يكن هناك أحد. وضع الورقة في جيبه، ثم عاد ونظر إلى المنزل. شعر فجأة بأنه ليس وحده. كان هناك شيء في المكان جعله يشعر بأن عينين تراقبانه من خلف إحدى النوافذ. تراجع خطوة، ثم سمع صوتًا خافتًا من داخل المنزل. صوت شيء سقط على الأرض. تجمد في مكانه. اقترب من الباب ووضع أذنه عليه. لم يسمع شيئًا. ثم جاء الصوت مرة أخرى، هذه المرة أوضح؛ كانت هناك خطوات تتحرك داخل المنزل. تراجع إلياس، لكنه لم يغادر. أخرج هاتفه واتصل بالشرطة، ثم أخبرهم بأنه يقف أمام منزل رجل مفقود وقد سمع أصواتًا من الداخل. وبعد دقائق وصلت سيارة شرطة، ونزل منها رجلان. شرح إلياس ما حدث، ثم دخلوا المنزل بعد فتح الباب بالقوة. بقي إلياس في الخارج، ينتظر. مرت دقائق طويلة قبل أن يخرج أحد الضابطين. كان وجهه شاحبًا. قال: «هل أنت متأكد من أنك لم تدخل المنزل من قبل؟» أجاب إلياس: «لا، هذه أول مرة.» نظر إليه الضابط للحظات، ثم قال: «تعال وانظر بنفسك.» دخل إلياس إلى المنزل. كانت رائحة المكان خانقة، والهواء باردًا بصورة غير طبيعية. لم يكن هناك شيء مقلوب أو محطم، لكن الغريب أن جميع الساعات الموجودة في المنزل كانت متوقفة عند الوقت نفسه. نظر إلى إحداها. كانت تشير إلى 3:17. شعر بقشعريرة تسري في جسده. تبع الضابط إلى غرفة الجلوس، وهناك رأى شيئًا جعل خطواته تتوقف. فوق الطاولة كانت هناك عشرات الصور القديمة، وكل صورة تحمل تاريخًا مختلفًا. اقترب منها، ثم التقط إحداها. كانت الصورة لرجل يقف أمام المتجر الذي دخله إلياس في الليلة الماضية. الرجل هو إدوارد هاربر. قلب الصورة، فوجد تاريخًا مكتوبًا خلفها يعود إلى أكثر من عشرين عامًا. قال إلياس بصوت خافت: «ما هذا؟» لم يجبه الضابط. كان ينظر إلى الصورة بذهول، ثم قال: «أعتقد أن عليك أن تأتي معنا.» وقبل أن يتمكن إلياس من الرد، سمع صوتًا من الطابق العلوي. كان صوت خطوات بطيئة تنزل السلم. رفع الجميع رؤوسهم في اللحظة نفسها. خطوة... ثم خطوة أخرى... ثم توقف الصوت. قال أحد الضابطين: «ابقَ هنا.» وأمسك بمسدسه، ثم بدأ بالصعود. تبعه زميله، بينما بقي إلياس في الأسفل. مرت ثوانٍ ثقيلة. ثم سمع صوت ارتطام قوي في الأعلى، أعقبه صراخ قصير. ركض إلياس نحو السلم، لكنه توقف عندما رأى الضابطين يهبطان بسرعة. كان أحدهما يمسك بذراعه، والآخر يحدق خلفه بخوف واضح. قال إلياس: «ماذا حدث؟» لم يجب أحد. وفجأة رن هاتف إلياس في جيبه. أخرجه بيد مرتجفة. لم يكن الرقم مجهولًا هذه المرة. كان هناك إشعار واحد فقط على الشاشة، من تطبيق الملاحظات في هاتفه. فتحه، فوجد ملاحظة جديدة لم يكتبها بنفسه. لم تكن تحتوي إلا على جملة واحدة: «إدوارد ليس في المنزل.» رفع إلياس عينيه نحو الضابطين، ثم عاد ينظر إلى الهاتف. وفي اللحظة نفسها، جاء صوت طرق خافت من الطابق العلوي. ثلاث طرق متتالية. طرق... طرق... طرق... ثم جاء صوت رجل من خلف باب الطابق العلوي، صوت بدا مألوفًا على نحو مخيف، وقال بهدوء: «إلياس... لماذا أحضرتهم معك؟»
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.