الدفتر الأسود
الدفتر الأسود
جزء 2 من 10
وضع القراءة:

الفصل الثاني_ الاسم الأول

ظلَّ إلياس واقفًا أمام الطاولة دون أن يجرؤ على لمس الدفتر. كان الاسم المكتوب في الصفحة أمامه غريبًا عنه تمامًا، وكذلك التاريخ الذي تحته. حاول أن يقنع نفسه بأن ما يراه ليس سوى مزحة سخيفة، وربما كان قد كتب الاسم بنفسه ثم نسي ذلك بسبب الإرهاق. لكنه كان يعرف أنه لم يكتب سوى اسمه، وكان متأكدًا من أن الصفحة الثانية كانت فارغة عندما فتح الدفتر في المساء.
مدَّ يده ببطء نحو الصفحة، ثم توقف قبل أن تلامس أصابعه الورق. شعر ببرودة غريبة تنبعث من الدفتر، وكأن شيئًا باردًا قد وُضع بداخله منذ لحظات. ابتلع ريقه، ثم قلب الصفحة بسرعة. كانت الصفحة التالية فارغة تمامًا، وكذلك التي بعدها. أخذ يقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، حتى وصل إلى نهاية الدفتر، لكنه لم يجد سوى صفحات بيضاء. عاد إلى الصفحة التي ظهر فيها الاسم، وحدق فيها من جديد.
كان الاسم هو إدوارد هاربر، وتحته تاريخ الغد.
لم يكن الاسم مألوفًا له، ولم يتذكر أنه التقى شخصًا بهذا الاسم في حياته. أخرج هاتفه، وكتب الاسم في محرك البحث، لكنه لم يجد شيئًا مهمًا؛ عدة نتائج متفرقة لأشخاص يحملون الاسم نفسه، ولا شيء يربطهم بالدفتر أو بالمتجر الذي اشتراه منه.
قال إلياس بصوت خافت: «ربما كان العجوز يعبث معي.»
حاول أن يضحك، لكن صوته خرج ضعيفًا.
أغلق الدفتر ووضعه في درج الطاولة، ثم أغلق الدرج بالمفتاح. لم يكن يريد رؤيته مرة أخرى تلك الليلة. عاد إلى غرفته، وألقى بنفسه على السرير، وظل ينظر إلى السقف لعدة دقائق. حاول النوم، لكنه لم يستطع. كانت صورة الاسم والتاريخ تتكرر في ذهنه باستمرار، وكلما أغمض عينيه تخيل الصفحة السوداء أمامه.
بعد نحو نصف ساعة، بدأ النعاس يتغلب عليه. أغمض عينيه، وحاول أن ينسى ما حدث.
عندها سمع طرقًا على الباب.
طرقة واحدة.
فتح عينيه.
ظل ساكنًا.
مرت بضع ثوانٍ، ثم جاءت طرقة ثانية.
طرقة واحدة.
جلس إلياس على السرير ونظر نحو باب الشقة. لم يكن يتوقع زيارة أحد في هذه الساعة، كما أن شقته تقع في الطابق الرابع، ولم يكن هناك سبب يجعل شخصًا يأتي إليه في الثالثة والنصف صباحًا.
أمسك هاتفه ونظر إلى الشاشة.
3:49 صباحًا.
نزل من السرير ببطء واتجه نحو الباب. وضع عينه على فتحة الباب الصغيرة، لكنه لم ير أحدًا في الخارج. بقي واقفًا للحظات، ثم عاد إلى غرفته.
وبمجرد أن استدار، سمع صوتًا خلفه.
طرقة ثالثة.
لكنها هذه المرة لم تأتِ من باب الشقة.
جاءت من داخل الغرفة.
التفت إلياس بسرعة.
لم يكن هناك شيء.
ظل واقفًا، وعيناه تتحركان بين أرجاء الغرفة. ثم سمع صوتًا خافتًا صادرًا من درج الطاولة في غرفة الجلوس.
كان الدرج يهتز.
اقترب منه بحذر، ومد يده نحو المقبض، ثم تذكر أنه أغلقه بالمفتاح.
تراجع خطوة.
وفجأة انفتح الدرج وحده.
لم يتحرك إلياس.
ظل الدرج مفتوحًا، والظلام بداخله كثيفًا بصورة غير طبيعية.
كان الدفتر في مكانه.
لكنه لم يعد مغلقًا.
كان مفتوحًا على صفحة جديدة.
اقترب إلياس، وشعر بأن قدميه تتحركان رغمًا عنه. نظر إلى الصفحة، فلم يجد اسمًا هذه المرة.
وجد جملة واحدة فقط.
«لا تدع إدوارد يموت.»
تجمد الدم في عروقه.
تراجع إلى الخلف، وسقط الهاتف من يده.
لم يكن يعرف إدوارد.
لم يكن يعرف أين يعيش.
لم يكن يعرف حتى إن كان هذا الشخص موجودًا فعلًا.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا له الآن.
الدفتر لم يكن يكتب عن أشخاص ماتوا.
كان يخبره بمن سيموت.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفه فوق الأرض.
نظر إليه بدهشة.
كان هناك اتصال وارد من رقم مجهول.
تردد طويلًا قبل أن يلتقطه.
ثم ضغط زر الإجابة.
لم يسمع شيئًا في البداية.
فقط صوت تنفس بطيء.
قال إلياس: «من أنت؟»
لم يأته جواب.
ثم جاء صوت رجل مسن عبر الهاتف، ضعيفًا ومخنوقًا، لكنه كان مألوفًا جدًا.
قال الرجل: «ألم أقل لك ألا تأخذ الدفتر؟»
اتسعت عينا إلياس.
كان الصوت هو صوت صاحب المتجر.
قال إلياس بسرعة: «كيف حصلت على رقمي؟ ومن هو إدوارد؟»
ساد الصمت للحظات.
ثم قال العجوز: «إذا أردت أن تنقذ إدوارد، فعليك أن تجده قبل منتصف الليل.»
توقف إلياس عن التنفس للحظة.
«ولماذا؟»
جاءه الرد بصوت أكثر انخفاضًا:
«لأن الوقت الذي كُتب بجانب اسمه... ليس وقت وفاته.»
ثم انقطع الاتصال.
ظل إلياس ممسكًا بالهاتف، عاجزًا عن الكلام.
رفع عينيه نحو الدفتر.
كانت الصفحة ما تزال مفتوحة.
لكنه لاحظ شيئًا جديدًا.
تحت الجملة التي قرأها قبل لحظات، بدأ حبر أسود بالظهور ببطء، وكأن يدًا غير مرئية تكتب أمام عينيه.
ظهرت كلمة واحدة.
«بدأنا.»
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.