الفصل السابع
ظلَّ إلياس يحدق في الرجل الواقف أعلى الدرج، غير قادر على تصديق ما تراه عيناه. كان أندرو ميلر يقف هناك بهدوء غريب، وكأن ظهوره في ذلك المكان أمر طبيعي، وكأن إلياس لم يقضِ السنوات الماضية معتقدًا أن هذا الرجل مجرد اسم منسي في أوراق والده القديمة. رفع الضابط سلاحه فورًا وقال: «لا تتحرك!» لم يبدُ على أندرو أي خوف، بل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: «كنت أعلم أنكما ستصلان إلى هنا.» تقدم الضابط خطوة وقال: «أين إدوارد؟» لم يجب أندرو، بل نظر مباشرة إلى إلياس وقال: «قبل أن تسأل عن إدوارد، عليك أن تسأل عن والدك.» شعر إلياس بأن صدره ضاق، فقال: «ماذا تعرف عن أبي؟» أجابه أندرو: «أعرف أكثر مما تتخيل، وأعرف أيضًا لماذا ظهر اسمك في الدفتر.» رفع إلياس الدفتر القديم الذي وجده فوق الطاولة وقال: «إذن أخبرني ما هذا.» نظر أندرو إلى الدفتر، وتغيرت ملامحه قليلًا، ثم قال: «هذا ليس الدفتر الذي تبحث عنه.» قال إلياس: «ماذا تقصد؟» أجاب أندرو: «هناك دفتر واحد فقط هو الأصل، أما البقية فهي نسخ.» نظر إلياس إلى الدفتر الموجود بين يديه، ثم إلى أندرو، وقال: «ومن يملك الأصل؟» ابتسم أندرو ابتسامة حزينة وقال: «أخوك.» تجمد إلياس. تذكر مكالمته الأخيرة مع دانيال، وتذكر أن أخاه كان في المنزل القديم، وأن اسمه ظهر في الدفتر. قال بسرعة: «أين دانيال؟» أجاب أندرو: «في المكان الذي كان يجب ألا يعود إليه.» تقدم إلياس نحوه، لكن الضابط منعه. قال إلياس: «أين هو؟» قال أندرو: «في الغرفة التي أغلقها والدك منذ عشرين عامًا.» شعر إلياس بقشعريرة. كان يعرف الغرفة التي يقصدها؛ الغرفة خلف المطبخ، تلك التي مُنع هو ودانيال من الاقتراب منها طوال طفولتهما. قال إلياس: «لماذا؟ ماذا يوجد هناك؟» أجاب أندرو: «الحقيقة.» ثم أضاف بعد لحظة: «والحقيقة ليست دائمًا شيئًا يرغب الإنسان في معرفته.» بدأ أندرو بالنزول ببطء، لكن الضابط وجه سلاحه نحوه وقال: «قف مكانك!» توقف الرجل، ثم نظر إلى الضابط وقال: «إذا أردت قتلي، فافعل، لكنك بذلك ستتركه يواجه الشيء وحده.» سأل الضابط: «أي شيء؟» لم يجب أندرو. وفي اللحظة نفسها، جاء صوت طرق من الجهة الأخرى من القبو. ثلاث طرق متتالية. طرق... طرق... طرق... التفت الجميع نحو الجدار. كان الصوت يأتي من خلفه. اقترب إلياس ببطء، ووضع يده على الجدار. كان باردًا، لكن شيئًا آخر لفت انتباهه؛ كانت هناك خطوط رفيعة حول جزء منه، وكأن خلفه بابًا مخفيًا. قال أندرو: «لقد وجدته.» نظر إلياس إليه وقال: «وجدت ماذا؟» أجاب: «الباب الذي أخفاه والدك.» بحث إلياس بعينيه عن شيء يمكنه فتحه، حتى وجد مقبضًا صغيرًا مخفيًا خلف أحد الصناديق. أمسكه وسحبه، فانفتح جزء من الجدار ببطء، وظهر ممر ضيق مظلم يمتد إلى داخل الأرض. خرج منه هواء بارد يحمل رائحة الرطوبة والعفن. قال الضابط: «لن ندخل.» لكن إلياس كان قد بدأ بالفعل بالسير نحو الممر. أمسك الضابط بذراعه وقال: «هذا جنون.» أجابه إلياس: «أخي هناك.» ثم أضاف: «وأنا لن أتركه.» دخل إلياس الممر، وتبعه الضابط بعد لحظات، بينما بقي أندرو خلفهما. كان الممر ضيقًا، وجدرانه مغطاة بعلامات غريبة تشبه الرموز، وعلى الأرض آثار أقدام حديثة. قال إلياس: «دانيال مر من هنا.» انحنى الضابط ليفحص الآثار، ثم قال: «نعم، ويبدو أنه لم يكن وحده.» تابعوا السير حتى وصلوا إلى باب حديدي في نهاية الممر. كان الباب مفتوحًا قليلًا. دفعه إلياس ببطء، فظهرت غرفة صغيرة تحتوي على طاولة وكرسي ومصباح قديم. وفي منتصف الغرفة كان دانيال جالسًا على الكرسي، ورأسه منخفض. ركض إلياس نحوه وقال: «دانيال!» رفع دانيال رأسه ببطء. كان وجهه شاحبًا، وعيناه متعبتين، لكنه كان حيًا. قال بصوت ضعيف: «كان يجب ألا تأتي.» احتضنه إلياس للحظة، ثم ابتعد وقال: «ماذا حدث لك؟» نظر دانيال إلى الدفتر الذي يحمله إلياس، ثم قال: «هل وجدته؟» أجاب إلياس: «وجدت ماذا؟» قال دانيال: «الدفتر الأصلي.» أخرج إلياس الدفتر من جيبه وقال: «هذا؟» هز دانيال رأسه. «لا، هذا مجرد نسخة.» قال إلياس: «أين الأصل؟» نظر دانيال إلى الطاولة. كان فوقها صندوق خشبي صغير. قال: «في الداخل.» فتح إلياس الصندوق، فوجد دفترًا أسود أصغر من الدفتر الذي بحوزته. رفعه بيد مرتجفة، وقبل أن يفتحه، قال دانيال: «لا تفعل.» نظر إليه إلياس وقال: «لماذا؟» أجاب دانيال: «لأنك إذا فتحته، فلن تستطيع التراجع.» قال إلياس: «لقد تجاوزنا مرحلة التراجع منذ زمن.» فتح الدفتر. كانت الصفحة الأولى تحمل أسماء كثيرة، لكن جميعها كانت مشطوبة، باستثناء اسم واحد. إلياس ميلر. وتحت اسمه تاريخ ميلاده، ثم تاريخ آخر لم يأتِ بعد. ارتجفت يد إلياس. قال: «ما هذا التاريخ؟» اقترب دانيال ونظر إليه، ثم قال: «هذا هو اليوم الذي تموت فيه.» ساد صمت ثقيل. قال إلياس: «كم بقي؟» لم يجب دانيال. أعاد إلياس السؤال: «كم بقي؟» رفع دانيال عينيه إليه وقال: «ثلاثة أيام.» شعر إلياس بأن الغرفة بدأت تضيق من حوله. قلب الصفحة بسرعة، فوجد شيئًا آخر مكتوبًا أسفل اسمه: «لا يمكن تغيير المصير إلا إذا مات شخص آخر مكانه.» رفع إلياس رأسه وقال: «إذن هذا هو الدين.» أومأ دانيال ببطء وقال: «أبي حاول أن يسدد الدين بدلًا منك.» سأل إلياس: «ماذا فعل؟» أجاب دانيال: «في الليلة التي ولدت فيها، عقد أبي الصفقة.» قال إلياس: «مع من؟» وقبل أن يجيب، انطفأ المصباح. غرق المكان في الظلام. سمع إلياس صوت دانيال يصرخ باسمه، ثم سمع شيئًا يسقط على الأرض. أضاء الضابط مصباحه بسرعة، لكن دانيال لم يعد في الغرفة. كان الكرسي فارغًا. وعلى الجدار المقابل ظهرت كلمات جديدة، محفورة كأنها كُتبت للتو: «ثلاثة أيام أصبحت يومين.» ثم سمع إلياس صوتًا خلفه، قريبًا جدًا من أذنه: «والآن جاء دورك.» التفت بسرعة، لكنه لم ير أحدًا. وعندما عاد ينظر إلى الدفتر، وجد أن التاريخ الذي كان أمامه قد تغير. لم يتبقَّ أمامه ثلاثة أيام. كان الغد هو يوم موته.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!