الفصل الاول _الدفتر
لم يكن إلياس يبحث عن شيء حين دخل ذلك المتجر. كان المطر يهطل منذ ساعات، والمدينة في تلك الليلة تبدو مختلفة تمامًا؛ فالشوارع شبه خالية، والمحال أغلقت أبوابها واحدًا تلو الآخر، بينما انعكست أضواء السيارات على الإسفلت المبلل كخطوط باهتة تتحرك فوق مرآة سوداء.
كان إلياس يسير بلا وجهة محددة. لم يكن يحب المطر، لكنه كان يجد في السير أثناء هطوله شيئًا يخفف عنه غضبه. وفي تلك الليلة تحديدًا، كان غاضبًا من كل شيء؛ من عمله الذي فقده قبل أسبوع، ومن هاتفه الذي لم يتوقف عن الرنين، ومن أخيه دانيال الذي لم يكلف نفسه عناء السؤال عنه منذ أن غادر المنزل.
توقف إلياس أمام متجر صغير في نهاية الشارع. لم يكن قد رآه من قبل. كانت فوق الباب لوحة خشبية قديمة كُتب عليها: «الأوراق والأشياء القديمة». كانت الإضاءة داخل المتجر ضعيفة إلى حد جعل من الصعب عليه رؤية ما في الداخل بوضوح.
نظر إلى ساعته. كانت تشير إلى 11:43 مساءً. قال في نفسه إن المتجر لا بد أن يكون مغلقًا، لكنه فوجئ عندما دفع الباب فانفتح بسهولة، وتبع ذلك رنين جرس صغير معلق فوقه.
طن...
رفع إلياس رأسه. كان المتجر أضيق مما توقع، وممتلئًا بأشياء قديمة؛ ساعات متوقفة، وصور بلا أصحاب، وكتب صفراء الصفحات، وصناديق خشبية، وآلات تصوير عتيقة، ورسائل مربوطة بخيوط مهترئة.
وفي نهاية المتجر، جلس رجل عجوز خلف مكتب صغير. لم يرفع رأسه، وقال بصوت هادئ: «تفضل.»
تردد إلياس قليلًا، ثم قال: «هل المتجر لا يزال مفتوحًا؟»
رفع الرجل عينيه إليه. كانت عيناه غريبتين، ليس بسبب لونهما، وإنما بسبب الطريقة التي نظر بها إلى إلياس؛ وكأنه يعرفه منذ زمن بعيد.
قال العجوز: «ما دام الباب مفتوحًا، فالمتجر مفتوح.»
ابتسم إلياس ابتسامة خفيفة، ثم بدأ يتجول بين الرفوف. كان يبحث عن أي شيء يشغله، حتى وقع نظره على مجموعة من الكتب القديمة. مد يده إلى أحدها وسحبه من مكانه، ثم قلب بعض صفحاته دون اهتمام حقيقي. وبعد لحظات، أعاده إلى مكانه.
عندها لمح شيئًا أسود خلف مجموعة من الكتب.
مد يده وسحبه ببطء.
كان دفترًا.
كان غلافه أسود بالكامل، بلا عنوان، ولا صورة، ولا اسم. مرر إلياس أصابعه فوق الغلاف، فشعر ببرودته الغريبة، ثم فتح الصفحة الأولى.
كانت فارغة.
قلب الصفحة الثانية.
فارغة.
ثم الثالثة.
فارغة أيضًا.
ابتسم بسخرية وقال: «دفتر فارغ؟»
جاء صوت العجوز من خلفه: «ليس فارغًا.»
استدار إلياس. كان الرجل ينظر إليه الآن.
قال إلياس: «ماذا تقصد؟»
أشار العجوز إلى الدفتر وقال: «قلت لك... إنه ليس فارغًا.»
نظر إلياس إلى الصفحات مرة أخرى وقال: «لا يوجد فيه شيء.»
نهض العجوز من مكانه واتجه نحوه ببطء. كانت خطواته واضحة فوق أرضية المتجر الخشبية. توقف أمام إلياس، ومد يده نحو الدفتر، لكنه لم يأخذه.
قال: «بعض الأشياء لا تظهر من النظرة الأولى.»
ضحك إلياس وقال: «هل هو دفتر مسحور أم ماذا؟»
لم يضحك الرجل. ظل ينظر إليه للحظات، ثم قال: «إذا أردت، خذه.»
تفاجأ إلياس وقال: «بكم؟»
أجاب العجوز: «مجانًا.»
رفع إلياس حاجبه وقال: «مجانًا؟ ولماذا؟»
ساد الصمت للحظات، ثم قال الرجل: «لأنك أنت من اخترته.»
شعر إلياس بشيء من الغرابة، لكنه لم يعرف سببه. نظر إلى الدفتر مرة أخرى. كان هناك شيء غريب يدفعه إلى الاحتفاظ به، رغم أنه لم يكن يعرف شيئًا عنه.
قال: «حسنًا، سأخذه.»
ابتعد العجوز عن الطريق وقال: «كما تشاء.»
وضع إلياس الدفتر داخل حقيبته، ثم اتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج، التفت إلى الرجل وقال: «سيدي... من أين حصلت على هذا الدفتر؟»
تغيرت ملامح العجوز. وللمرة الأولى منذ دخول إلياس إلى المتجر، ظهر على وجهه شيء يشبه الخوف.
قال بصوت منخفض: «لا تسأل عن الأشياء التي لا تريد أن تعرف إجاباتها.»
ظل إلياس صامتًا لثوانٍ، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: «تصبح على خير.»
لم يجبه الرجل.
خرج إلياس من المتجر وأغلق الباب خلفه. وبمجرد أن استدار، رفع عينيه نحو اللوحة الخشبية مرة أخرى. عندها لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل. أسفل اسم المتجر كانت هناك عبارة صغيرة جدًا:
«نحن لا نبيع ما نملكه... بل ما يريد أن يرحل.»
ظل إلياس يحدق فيها لثوانٍ، ثم هز رأسه وقال: «ما هذا الكلام الغريب؟»
أكمل طريقه تحت المطر، غير مدرك أن الدفتر الذي وضعه في حقيبته لم يكن مجرد دفتر قديم، بل كان بداية شيء لن يستطيع الهروب منه.
وصل إلياس إلى شقته بعد منتصف الليل بقليل. خلع معطفه المبلل ووضعه قرب الباب، ثم ألقى حقيبته فوق الطاولة. كان المكان هادئًا، هادئًا أكثر مما ينبغي. أشعل المصباح، واتجه إلى المطبخ وأعد لنفسه كوبًا من الشاي، ثم عاد إلى غرفة الجلوس.
جلس على الأريكة. وبعد لحظات، تذكر الدفتر. أخرجه من حقيبته ووضعه أمامه. ظل يتأمله؛ لا عنوان، ولا اسم، ولا شيء.
فتح الصفحة الأولى.
فارغة.
قلب الصفحة.
فارغة.
قلب عدة صفحات بسرعة.
كلها فارغة.
ضحك وقال لنفسه: «هذا هو الدفتر الذي أخافني عليه العجوز؟»
أمسك قلمًا وقرر أن يكتب اسمه في الصفحة الأولى. وضع رأس القلم على الورقة، لكنه توقف. لم يعرف لماذا. شعر بشيء غريب. كانت مجرد ورقة، ومع ذلك شعر وكأن هناك شيئًا يمنعه من الكتابة.
تردد للحظة، ثم كتب:
إلياس
رفع القلم وظل ينظر إلى اسمه. مرت عدة ثوانٍ، ثم سمع صوتًا خافتًا.
تك...
رفع رأسه ونظر حوله، لكنه لم يجد شيئًا.
عاد ينظر إلى الدفتر. كان يشعر بأن الصوت جاء من الصفحة.
ابتسم لنفسه وقال: «لا بد أنه صوت من الشارع.»
أغلق الدفتر ووضعه فوق الطاولة، ثم ذهب إلى غرفته. وبعد دقائق قليلة، غلبه النوم.
---
في الساعة 3:17 فجرًا، استيقظ إلياس فجأة. فتح عينيه، لكنه لم يعرف لماذا استيقظ. كانت الغرفة مظلمة، والهدوء يملأ المكان.
مد يده نحو هاتفه وأضاء الشاشة.
3:17
ظل ينظر إلى الوقت للحظات.
ثم سمع صوتًا.
صوت ورق يتقلب.
فشششش...
جلس على السرير. نظر نحو باب غرفته. جاء الصوت من غرفة الجلوس.
ظل ساكنًا.
ثم عاد الصوت مرة أخرى.
فشششش...
نهض إلياس. فتح باب غرفته ببطء. كان الممر مظلمًا. مشى خطوة، ثم أخرى، حتى وصل إلى غرفة الجلوس.
توقف.
كان الدفتر فوق الطاولة.
مفتوحًا.
تجمد في مكانه.
كان متأكدًا من أنه أغلقه.
اقترب ببطء ونظر إلى الصفحة. كانت الصفحة التي كتب فيها اسمه.
لكن اسم إلياس لم يعد موجودًا.
شعر ببرودة تسري في جسده.
قلب الصفحة.
وفي الصفحة التالية، وجد اسمًا آخر.
اسمًا مكتوبًا بحبر أسود داكن.
وتحته تاريخ.
حدق إلياس فيه طويلًا.
ثم شعر بأن قلبه توقف للحظة.
لأن التاريخ المكتوب بجانب الاسم كان...
غدًا.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!