الدفتر الأسود
الدفتر الأسود
جزء 4 من 10
وضع القراءة:

الفصل الرابع

تجمد إلياس في مكانه، ولم يستطع أن يجيب عن السؤال الذي جاءه من خلف الباب. كان صوت الرجل واضحًا هذه المرة، هادئًا، لكنه يحمل نبرة جعلت شيئًا باردًا يسري في جسده. نظر إلى الضابط الواقف أمامه، ثم إلى زميله الذي كان يضغط على ذراعه المصابة، ولمح في عينيهما شيئًا لم يره فيهما من قبل؛ الخوف. قال الضابط بصوت منخفض: «هل تعرف هذا الصوت؟» لم يجب إلياس مباشرة، فقد كان يحاول تذكر المكان الذي سمع فيه النبرة نفسها. ثم تذكر. كان الصوت يشبه صوت العجوز صاحب المتجر، لكن هناك اختلافًا بسيطًا جعله غير قادر على التأكد. قال أخيرًا: «لا... لا أعرفه.» فجاء الصوت من الأعلى مرة أخرى: «أنت تعرفني يا إلياس.» تراجع الضابط خطوة وأشار إلى زميله بأن يخرج من المنزل، ثم أمسك بسلاحه وبدأ بالصعود. تبعه إلياس دون أن يشعر، حتى أمسك الضابط بذراعه وقال: «ابقَ هنا.» لكن إلياس هز رأسه وقال: «إنه يعرف اسمي... وأنا أريد أن أعرف من يكون.» لم يجب الضابط، واكتفى بالنظر إليه لثوانٍ قبل أن يسمح له بالصعود خلفه. كانت درجات السلم تصدر صريرًا مع كل خطوة، وكلما اقتربوا من الطابق العلوي ازداد الهواء برودة. وصلوا إلى الممر، وكان هناك باب واحد في نهايته. كان الباب مغلقًا، لكن الضوء كان يتسلل من أسفله. رفع الضابط سلاحه وقال: «من بالداخل؟» لم يأتِ جواب. كرر سؤاله، لكن الصمت كان الرد الوحيد. اقترب من الباب ووضع يده على المقبض، ثم فتحه ببطء. كانت الغرفة فارغة. لم يكن فيها سوى سرير قديم، وخزانة خشبية، ومصباح صغير فوق طاولة. نظر الضابط في أرجاء الغرفة، ثم فتح الخزانة، بينما تقدم إلياس بحذر. لم يكن هناك أحد. قال الضابط: «كيف يمكن لشخص أن يكون هنا منذ لحظات ثم يختفي؟» لم يجد إلياس جوابًا. اقترب من النافذة، وكانت مغلقة من الداخل، كما أن الغبار على حافتها لم يكن يحمل أي أثر يدل على أن أحدًا فتحها مؤخرًا. ثم لمح شيئًا على الجدار. كانت هناك صورة كبيرة معلقة فوق السرير. اقترب منها، وشعر بأن وجهه تغير فورًا. كانت الصورة قديمة، ويظهر فيها خمسة أشخاص يقفون أمام المتجر نفسه الذي دخله في الليلة الماضية. كان الرجل العجوز بينهم، وبجانبه رجل أصغر سنًا يشبه إدوارد هاربر بصورة واضحة. لكن الشخص الثالث في الصورة كان هو نفسه إلياس. لم يفهم ما يراه. اقترب أكثر، ثم مد يده نحو الصورة وكأن لمسها سيجعله يستيقظ من هذا الكابوس. قال: «هذا مستحيل...» نظر الضابط إلى الصورة، ثم إليه. قال: «هل تعرف هؤلاء الأشخاص؟» هز إلياس رأسه بسرعة: «لا... لم أرهم في حياتي.» لكن شيئًا آخر جذب انتباهه. في أسفل الصورة كان هناك تاريخ. 1998. تراجع إلياس خطوة. لقد وُلد عام 2001. كان مستحيلًا أن يكون موجودًا في صورة التُقطت قبل ولادته بثلاث سنوات. اقترب الضابط من الصورة وأخذها من مكانها. وخلفها كانت هناك ورقة صغيرة مثبتة على الجدار. نزعها وقرأ ما فيها، ثم تغير وجهه. قال إلياس: «ماذا كُتب فيها؟» لم يجبه الضابط فورًا. انتزع إلياس الورقة من يده وقرأها بنفسه. كانت تحتوي على جملة واحدة: «حين يظهر إلياس، يبدأ العد التنازلي.» شعر إلياس بأن أنفاسه أصبحت أثقل. قال: «من كتب هذا؟» وقبل أن يجيبه الضابط، انطفأ المصباح فجأة. غرق الطابق العلوي في الظلام. سمعوا صوت شيء يتحرك في الممر، ثم صوت خطوات تبتعد بسرعة. رفع الضابط سلاحه، وبدأ يبحث في الظلام، بينما أخرج إلياس هاتفه وأشعل المصباح. لم يكن هناك أحد. ثم سمعوا صوت ارتطام في الطابق السفلي. ركضوا نحو السلم، وعندما وصل إلياس إلى غرفة الجلوس توقف فجأة. كان الدفتر الأسود موجودًا فوق الطاولة. لم يكن قد رآه قبل دخول المنزل، وكان متأكدًا أنه تركه في شقته. اقترب منه ببطء، بينما قال الضابط: «لا تلمسه.» لكن إلياس لم يستطع منع نفسه. فتح الصفحة الأولى، فوجد اسمًا جديدًا مكتوبًا بالحبر الأسود. إدوارد هاربر. وتحته تاريخ اليوم. لم يكن تاريخ الغد كما كان في شقته. لقد تغير. حدق إلياس فيه، ثم رفع عينيه نحو الضابط وقال: «اليوم هو يوم موته.» وفي اللحظة نفسها، سمع الجميع صوت هاتف يرن في الطابق العلوي. ركض أحد الضابطين إلى الهاتف، ثم عاد بعد لحظات ووجهه شاحب. قال: «إنه هاتف إدوارد.» اقترب إلياس منه وقال: «أين وجدته؟» أجابه الضابط: «في الغرفة.» ثم سكت لحظة وأضاف: «والغريب أن الهاتف لم يكن يحتوي على أي شريحة اتصال.» نظر إلياس إلى الدفتر مرة أخرى، فلاحظ أن الحبر بدأ يتحرك على الصفحة أمام عينيه. ظهرت كلمات جديدة ببطء، حرفًا بعد حرف، وكأن يدًا غير مرئية تكتبها. «لم يمت إدوارد بعد.» ثم ظهرت جملة أخرى تحتها: «لكنه ليس الوحيد الذي سيموت الليلة.» شعر إلياس بأن قلبه يخفق بعنف. رفع رأسه نحو الضابط، وفي اللحظة نفسها دوى صوت طرق قوي على باب المنزل. اقترب الضابط من الباب، ثم توقف عندما سمع صوتًا من الخارج. كان صوت إدوارد هاربر نفسه. قال بهدوء: «افتحوا الباب... قبل أن يصل إليكم.»
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.