مافي القلب
﹝ روايتي ليست مجانية ﹞
الـثـمـن الذي عليك دفعه لقرائتها
هو: التعليق على الفقرات ✍🏻
والضغط على القلب أسفل البارت ♥️
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وقد بکی من فرط ما فيه ذلك الذي لا شيئ يبکیه
**
هي لا تحب الكتمان، بل كانت دومًا من أصحاب التفكير المفرط الذين لا يطيقون الصمت...
تُفضّل الحديث، البوح، البعثرة أمام من تثق بهم... وأخوها كان دائمًا الملجأ الذي تستقر فيه أفكارها المتضاربة..
لكن هذه المرة، احتفظت بالأمر في داخلها،
لأنها قررت أن تقول كل شيء لهما... لا له وحده...
في المقهى، كانت آيلا تتحرك بقلق واضح، تمشي ذهابًا وإيابًا بينما ترمق زوجها بنفاد صبر، وهو يلتهم ما تبقى من كعكة عيد ميلادها بشراهة...
قالت بانزعاج:
"لقد أصبحت الساعة الثالثة فجرًا ولم تعد بعد! ولا تجيب على هاتفها أيضًا! أليس في قلبها قليل من الإحساس؟! انا أكاد أموت رعباً هنا!! "
ردّ ديريك ببرود، وفمه ممتلئ بالكعك:
"بدلًا من القلق، جربي أن تتناولي حصتك من الكعك لأني على وشك التهامها أيضًا، لم أكن أعلم أنها تجيد صنع الكعك بهذا الشكل... أنتِ محظوظة بوجودها"
نظرت إليه آيلا بغضب، وأشارت إليه بتهديد :
"استمع إليّ جيدًا، إمّا أن تبدأ في مساعدتي بالبحث عنها... أو سأُلطّخ وجهك بما تبقّى من الكعك!"
رفع ديريك حاجبًا، وقلب عينيه بملل مصطنع:
"لا تهدري الكعك رجاءً... ثم إن الساعة الآن الثالثة إلا سبع دقائق، لا تبالغي في التهويل..."
أرادت آيلا أن تضربه بالكعكة كما هددت، لولا أنه أمسك بمعصمها في اللحظة الأخيرة بلطف، ثم قال بنبرة واثقة:
"أتخافين على أخت زاكروس؟ بحقك، لن يستطيع أحد لمسها"
نظرت إليه آيلا بعينين تقدحان غضبًا، لترد عليه بصوت متحشرج مشحون بالعاطفة:
"أنا لا أخاف عليها من أحد يا ديريك... أخاف عليها من نفسها! لما لا تفهمني؟"
تنهّد ديريك باستسلام، ثم قال بنبرة أخف:
"حسنًا، معكِ حق... هل يمكنك إحضار شيء يخصها؟"
فهمت آيلا على الفور ما ينوي فعله؛ يريد أن يستخدم قدرته لتتبع أثر روز...
ركضت فورًا نحو المطبخ، تبحث بعينيها عن أي شيء تركته خلفها، حتى وقعت نظراتها على صدريّة المطبخ المعلقة بجانب الموقد...
أمسكت بها بسرعة، ثم عادت بها إلى ديريك وجلست إلى جانبه
ناولتْه إياها وهي تسأله بقلق:
"هل تفي بالغرض؟"
أومأ لها ديريك بإيجاب وهو يضع لقمة من الكعك في فمه بعفوية:
"أنا متأكد أني سأجدها نائمة... أو تلعب مع بيري"
ثم أمسك بالصدريّة بين يديه، أحاطها بأصابعه بلطف، وأغمض عينيه
وما إن بدأ تركيزه، حتى تغيرت ملامحه فجأة... تعقّدت، توترت، وانكمشت حاجباه بشكل مفاجئ...
شعرت آيلا بانقباض في صدرها، وكأنّ حدسها بدأ يصيح مجددًا...
لكنها لم تنطق، لم تشأ أن تقاطعه... فقط راقبت صمته وهي تمسك يدها بيدها الأخرى بقلق واضح...
فتح ديريك عينيه فجأة، وقال بصدمة ونبرة مرتجفة :
"إنها... تريد إلقاء نفسها من الجسر!"
اتسعت عينا آيلا حتى غطّت ملامح وجهها، نظرت لديريك بصمت مرعوب، ولم تمضِ سوى ثوانٍ حتى اندفعا معًا، يتسابقان للوصول إلى السيارة.... انطلقت السيارة بسرعة كبيرة متوجهة نحو الجسر...
وبعد دقائق قليلة، توقفت سيارتهما السوداء قرب أحد الجسور ...
نزلا منها مسرعَين، كانت أقدامهما بالكاد تلمس الأرض من فرط التوتر، حتى أبصرَا روز...
جالسة على حافة الجسر، ساقاها تتأرجحان في الهواء، ونظراتها مسمّرة في الماء تحتها، بشرودٍ يُدمع الحجر...
اقتربت منها آيلا بخوف واضح في صوتها، وقالت برجاء:
"روز... لا تفعلي هذا، أرجوكِ."
لكن روز لم تلتفت، واكتفت بالهمس دون أن تحرك جسدها:
"لماذا أتيتما؟"
ديريك بنبرة هادئة تخالف الارتباك الذي ينهش صدره:
"لأنك لا تريدين القفز، جئنا فقط لنذكّرك."
ابتسمت روز ابتسامة جانبية حزينة، وقالت بسخرية مُرة:
"لِمَ؟ أتعتقد أنني لا أستطيع؟"
نظرت آيلا إلى ديريك بسرعة، وكأنها تطلب الدعم، فأكمل ديريك بصوته العميق:
"تستطيعين، أعلم ذلك... بل أعلم أنكِ قد تفعلينها دون أن يرفّ لكِ جفن، لكنني أيضًا أعلم أنك لا تريدين"
ساد بينهم صمت مشحون بالوجع، ثم قطعت آيلا ذلك السكون بصوت مرتجف:
"روز... لا تهملي تضحيات أخيك، لا تكسريها بهذا القرار"
التفتت روز إليهما أخيرًا، وعيناها ممتلئتان بالدموع:
"منذ أن كنت طفلة، كنتُ أحلم بأن أصبح طبيبة... تخيّلا فقط، طبيبة بين عائلة من القتلة! حلمي كان إنقاذ الأرواح، لا أخذها... الجميع سخر منه، الجميع دهسه، ما عدا أخي... وحده ضحّى بكل شيء ليحقق لي ذلك"
أخفضت نظرها إلى قدميها المعلّقتين، تتأرجحان كأنها تزن بهما القرار، وتابعت بصوت مكسور:
"لكن الآن... لا أرى نفسي صالحة لشيء، لا أستطيع أن أكون طبيبة، فأينما ذهبت... أظل روز من جنكيز"
تقدّم ديريك منها خطوتين، ثم قال بجديّة:
"لستِ كذلك، أنتِ من ريفا، روز، أنا... أنا ديريك ريفا، وقد ضممتك أنتِ وأخاك لعائلتي، لأنني كنت أراكم عائلتي"
صرخت روز، ودموعها تتساقط بحرارة:
"اللعنة على هذه الأخوّة يا هذا!"
تجمّدت خطوات ديريك، وانحبس الكلام في حلق آيلا... لم يعرف أيّ منهما كيف يرد...
أكملت روز وهي تبكي :
"أي أخوّة هذه التي بُنيت على المصالح؟! أنا لا أصدّق أنكم هنا من أجلي، أنتم فقط تريدون الفلاش، هذا كل ما في الأمر!"
كان صراخها هذه المرّة أعلى، أكثر ألمًا... وكان ينتزع شيئًا من قلب آيلا التي بدأت دموعها تسيل بصمت....
اقترب ديريك منها أكثر بخطوتين، ورفع يديه قليلاً كأنه يسلم نفسه لألمها، ثم قال بصوت هادئ وعاجز:
"روز... نحن آسفون، حقًا، لا أعرف كيف أعبّر... هذه أول مرة في حياتي أعتذر فيها، ولا أعرف كيف أبدأ، فقط... سامحينا..."
نظرت له روز، والدموع تتوهج في عينيها كأنها مشتعلة من الداخل، ثم مدت يدها ببطء وسحبت مشبك شعرها من بين خصلاتها السوداء المتشابكة، ورمته باتجاه ديريك...
ارتطم المشبك بالأرض قرب قدميه، فحدّق إليه ديريك بدهشة لا تليق بموقف مماثل، ولم تكن آيلا بأفضل حال، فقد اتسعت عيناها من الذهول...
قالت روز بهدوء :
"هذا ما تسعون إليه... خُذه"
انحنى ديريك ببطء والتقط المشبك، وما إن قلبه بين يديه حتى تفككت أجزاؤه ببراعة... وفي لحظة، استقر الفلاش الحقيقي بين أصابعه.
ضرب ديريك جبهته بكفّه، وصرخ بعصبية:
"كان في شعركِ طوال هذا الوقت؟! تبًا لك أيها الفأر، كم أتمنى أن ألكمك!"
ضربته آيلا على ظهره بقوة، وقالت بغضب:
"أحمق! هل هذا وقت المزاح؟!"
لكن روز اكتفت بالوقوف هناك، بعينين ساكنتين، وقالت دون أن تنظر لأيٍ منهما:
"دعيه، لا داعي للتمثيل... هذه كانت غايتكم منذ البداية، لا ألومكما، فذلك عملكما، لكن..."
تنهدت، ثم أكملت بصوت متصدّع:
"كنت أتمنى فقط... لو حصلتما عليه دون المرور عبر قلبي"
تقدمت آيلا نحوها، عيناها تغليان بندمٍ صادق:
"روز، نعم... كانت تلك غايتنا، لكن أقسم أننا لم نرغب بأذيتك! بعدها فقط... أردنا البقاء معك، كنّا صادقين!"
ردّت روز بصوت خافت، دون أن تحرك رأسها:
"لو أردتما ذلك حقًا... لكنتما طلبتماه، لا أن تبحثا خلف ظهري. ومع ذلك..."
توقفت للحظة، ثم استدارت نحو النهر، عيناها زجاجيتان، كان قلبها يتحلل ببطء:
"أحببتكما حقًا... لكني أعلم جيدًا... لن يحبني أحد كما أحبني زاكروس، ولهذا، سأذهب إليه"
فُتحت شفتا آيلا لترُد، لكن روز سبقتها، وقالت بصوت ناعم كأنّه وصيّة أخيرة:
"ديريك... هي تحبك، فلا تؤذِها يومًا، وإن عثرتم على جسدي، دعوا بيري يراه... حتى لا يظن أني تخليت عنه"
وفي لحظة لا تُنسى، وبدون وداع، ألقت روز بنفسها في مياه النهر...
صرخت آيلا باسمها، جاثية على الأرض، يديها ترتعشان، عيناها تغرقان بالدموع...
أما ديريك، فانتزع سترته كمن يُنتزع من داخله، وألقى بنفسه خلفها بلا تردد...
ظلت آيلا تحدق في النهر، الماء يتراقص تحت ضوء القمر، وكأنّه يسخر منها...
لم تكن تبكي فقط... كانت تتحطّم...
لقد عرفت منذ البداية أنها لن تستطيع التخلي عنها، وإن فعلت... فإن الألم سيكون مضاعفًا...
وها هو كذلك...
أما ديريك، فكان صوت زاكروس يطنّ في رأسه، تلك الوصية التي قالها ذات ليلة:
"اعتنِ بها، لا أحد سواك يستطيع"
كل صورة، كل صرخة، كل دمعة من روز، كانت تتساقط على قلبه كالسكاكين...
غطس مرارًا في أعماق النهر، صارع الظلام والماء والهلع، لكنه لم يجد سوى... نظّاراتها...
كانت عائمة فوق الماء....اخر ماتبقى منها
أشرقت الشمس، ولم تشرق معها سوى الحقيقة المُرّة...
كانت آيلا ما تزال جالسة على ضفاف النهر، نظراتها متجمدة، ويدها تتحرك ببطء بين أصابعها وهي تتفحّص نظارات روز وكأنها تحاول بعينيها تعقّب آخر ما رأته تلك العدسة… آخر لحظة من حياة فتاة، سقطت ولم تصعد...
أما ديريك، فظلّ يغطس ويصعد ويغوص من جديد، مرارًا، دون كلل... كمن يرفض تصديق أن النهر قد ابتلعها فعلًا
لكن بعد محاولات متكررة لم تجدِ نفعًا، اقترب منها، مبللًا بالكامل، قطرات الماء تنساب من شعره وسترته، يقف أمامها والذنب يحرق قلبه
"سأتصل بفريق مختص... سنجدها، أعدكِ بذلك"
همس بنبرة خشنة، متعبًا لا من الغطس، بل من الصدمة.... والألم والذنب
آيلا لم تلتفت إليه، فقط قالت بشرودٍ موجع:
"حتى وإن وجدوها... لقد مر وقت طويل، تحت الماء..."
سكتت للحظة ثم همست بانكسار:
"لقد... ذهبت يا ديريك"
بدأت الدموع تسيل من عينيها بصمت، فلم يقل شيئًا، بل جلس إلى جانبها، وجذبها بلطف إلى صدره المبتل، تاركًا إياها تبكي كما تشاء...
رأسها على قلبه، يديها ترتجفان، ولا تزال تمسك نظارات روز، كأنها تحاول أن تبقي أثرًا منها على قيد الحياة...
"أتمنى لو لم أشاركك بهذه الخطة السخيفة..."
قالتها بصوت باكٍ مخنوق
"أتمنى... فقط أن تكون لا تزال على قيد الحياة، أنا لا أستطيع تحمّل هذا الذنب يا ديريك..."
أجابها وهو يربت برفق على شعرها:
"ليس ذنبك، إن كان لأحد أن يتحمّل هذا، فهو أنا... أنا من أخلف وعده لأخيها"
صرخت فجأة، كأن اعترافه لم يكن كافيًا لتهدئة الغليان في صدرها:
"لا! كيف يكون ذنبك وأنا من وضعت تلك الخطة الغبية؟! أنا من تقربت منها! أنا من كذبت... من تمسكت بها!"
ولم يقاطعها...
تركها تُفرغ ألمها، ودموعها، وكرهها لنفسها...
حتى هدأت، وأرخت جسدها تمامًا بين ذراعيه، منهكة، حزينة، نادمة...
اقترب منها وهمس قرب أذنها:
"دعيني آخذك إلى البيت، وسأتكفل بالبحث... سأُحضر رجالي، سنجدها"
لكنها هزّت رأسها نافية بهدوء:
"أريد الذهاب إلى بيتها"
فهم ديريك أن النقاش انتهى، فهز رأسه ولبّى رغبتها دون أي جدال...
وقبل أن تتحرّك، أمسكها بذراعيه وحملها إلى السيارة بنفسه...
لم تُقاوم...
أحاطت عنقه بذراعيها، دفنت وجهها في صدره، ولا تزال تمسك بنظارات روز كأنها تخشى أن تنكسر بين أصابعها...
جلسها في المقعد الأمامي، ثم عاد إلى مقعده خلف المقود، أخرج هاتفه واتصل فورًا...
"أريد أفضل رجال الغوص لديك، فتاة قفزت من الجسر القريب من مقهى توليب، ابحثوا... لا تتأخروا"
سكت لبرهة، يستمع للطرف الآخر، ثم قال:
"تبلغ السادسة عشرة، نحيلة، شعرها أسود أو بني، متوسط الطول... ابحثوا حتى لو استغرق الأمر يومًا كاملًا"
ثم أغلق الهاتف، ودون كلمة، بدأ بقيادة السيارة نحو منزل روز...
كان كل منهما غارقًا في صمته، لكن قلب كلٍّ منهما يصرخ بندم لا حدود له...
كان ديريك يقود السيارة بصمت، لكن عينيه لا تكفّان عن الانزلاق نحو آيلا بين الحين والآخر، ملامحها المرهقة، صمتها، طريقة انحناء كتفيها...
كل شيء فيها الآن، يُشبه روز...
تلك النظرات المنطفئة، كأنها نسخة باهتة من ضوءٍ كان يومًا ما يملأ المكان دفئًا...
تمامًا كما كانت روز، حين يوصلها بالسيارة، في كل مرة...
شرد بالطريق وهو يتذكر لحظة قديمة...
[فلاش باك]
كان ديريك جالسًا في أحد المقاهي، يحتسي شرابه المفضل بنصف اهتمام، حين اقتحم زاكروس المكان وهو يعرج، وجهه عابس وعرقه يتصبب...
رفع ديريك حاجبه بدهشة قبل أن ينفجر ضاحكًا:
"ما الذي حدث لك؟! لحظة... هل تحرّشتَ بفتاة وضربتك بكعبها؟!"
رمقه زاكروس بنظرة منزعجة وهو يجلس بتنهيدة:
"لستُ مثلك، لم أفعل شيئًا... فقط تعرّضت للعقاب"
قهقه ديريك وأشار له بكأسه:
"متّى ستتعلم كيف تؤدي عملك؟ الأمر بسيط، اقتل هذا، اشترِ سلاحًا من ذاك، بِع البضاعة لهذا وانتهينا!"
زفر زاكروس وهو يقلب عينيه:
"كفّ عن تبسيط الأمور أيها الخروف، لم أرتكب أي خطأ... كل ما في الأمر أن أختي تجد صعوبة في تعلّم السباحة، فتلقيت العقاب بدلًا عنها"
ابتسم ديريك بسخرية مقلّدة:
"يا لفأرنا الحنون... أكاد أذرف دمعة!"
ثم أشار للفتيات الجالسات في الطاولة المقابلة وأضاف بخفة:
"لكن لا تشوّه صورتي أمام الجميلات، رجاءً"
زمّ زاكروس شفتيه بقرف واضح:
"أتمنّى لو كنت متُّ في العقاب ولم أرك مجددًا"
ضحك ديريك عاليًا وهو يهز رأسه:
"لا تحلم، لن تتخلّص مني بهذه السهولة، على كل حال... ما بها أختك؟ ضعيفة لدرجة أنها لا تستطيع السباحة؟"
تغيرت نبرة زاكروس للحظة، واختفى المزاح من عينيه:
"لا أعلم... فقط قالوا لي إنها فشلت في الاختبار"
[نهاية الفلاش باك]
عاد ديريك إلى واقعه وهو يقود، وتمتم بخفوت:
"هل يُعقل أنها حتى الآن لا تعرف السباحة؟ لكن… أين اختفت؟ أنا قفزت خلفها فورًا… ومع ذلك لم أجد لها أثرًا سوى نظاراتها!"
في تلك اللحظة، وصلوا إلى منزل روز، قرر ديريك النزول مع آيلا والبقاء برفقتها حتى تهدأ، ثم يعود إلى النهر لاستكمال البحث...
مدّ ديريك يده نحو رأس آيلا، وبدأ يمرر أصابعه برفق بين خصلات شعرها الشقراء ليوقظها:
"إيلي... لقد وصلنا"
فتحت آيلا عينيها المتعبتين وأومأت له بصمت، فنزلا من السيارة معًا، كانت آيلا تملك نسخة من مفاتيح المنزل، فحين أعطتها روز مفتاح المقهى، كان معه مفتاح منزلها أيضًا...
وما إن فتحا الباب… حتى تجمّدا مكانهما...
كانت روز تجلس على الأرض، تطعم بيري بهدوء، وكأن شيئًا لم يكن...
طار بيري فورًا ليستقر فوق رأس آيلا، التي ما زالت مذهولة، بينما همست بصوت شبه مرتجف:
"دي... ديريك، هل هذا شبح؟ أم أنني أتوهم؟"
ردّ ديريك بالصدمة ذاتها:
" انتظري....الست الوحيد الذي يراها !!!"
نبست ايلا بصدمة :
" شبح... ام شيطان... "
وقفت روز من مكانها بابتسامة هادئة، قائلة:
"وهل يفرق؟ إن كان يهمّ، فأنا شيطان"
لم تتحمل آيلا المشهد، هرعت إلى روز واحتضنتها بقوة، تنفجر بالبكاء بين ذراعيها، أما بيري، فسقط على الأرض...
ربّتت روز على ظهر آيلا بخفوت وهمست قرب أذنها بصوت دافئ، بالكاد مسموع:
"ششش… أنا بخير"
تقدّم ديريك ليغلق الباب خلفه، ثم قال بصوت مملوء بالدهشة:
"لكن… كيف؟"
ظلت روز تحتضن آيلا بهدوء، قبل أن تهمس بصوت خافت:
"قتلتُ روز جنكيز... حتى تتمكن روز ريفا من العيش بينكم"
ابتعدت آيلا عنها قليلًا، تمسح دموعها وهي تقول بجدية ممزوجة بالخوف:
"لا تفعلي ذلك مجددًا، أرجوك"
أومأت روز بابتسامة مطمئنة:
"لن أفعل"
ثم التفتت بنظرها نحو ديريك، وقد شعرت أن هناك شيئًا عالقًا في صدره، يريد قوله... لكنه متردد، ربما لوجود آيلا...
فبادرت آيلا بقولها، وكأنها تقرأ ما بين السطور:
"ارتاحي هنا، سآخذ ديريك معي لأعطيه بعض الأشياء… "
نبست روز قبل ان تغادر ايلا :
" لا اريد رؤية نجومك مجددا... بقدر ماهي جميلة الا انها تؤذي قلوب من يحبونك "
ضحكت ايلا بخفة وأومأت لها، جلست روز على سريرها تستعيد أنفاسها، أما بيري، فقد قفز إلى حضنها طالبًا عناقًا دافئًا، فضمّته إليها بحنان...
خرجت روز إلى الخارج، وتبعها ديريك بهدوء، مغلقًا الباب خلفهما.
وقفت أمامه، مبتسمة:
"هيا، انطق، أعلم أنك تريد قول شيء"
تردد ديريك قليلًا، ثم قال باستغراب:
"أنا فقط… لا أفهم. لماذا لم تخبريها بأي شيء؟ أعني… يداك، الهدية… حتى ما فعلته لأجلها؟"
ضمّت روز يديها إلى صدرها، وهي تجيبه بهدوء:
"لأنها تحبك، ديريك… ولا أريد أن تتأذيا بسبب أي شيء، يكفيني أنكما بخير"
حدّق فيها بدهشة:
"لكني آذيتك!"
أجابت بنفس الابتسامة الدافئة:
"لم تؤذني، بل حاولت أن تحميني، فقط... كانت الطريقة خاطئة"
سكت للحظات، قبل أن يسألها وهو لا يزال مذهولًا:
"لكن… ألم تكوني تفشلين دائمًا في اختبار السباحة؟ كيف نجوت؟!"
رفعت حاجبها بخفة وهي تجيب:
"كنت أفشل في القتال تحت الماء، وليس في السباحة نفسها. ثم… هل كنت تظن أنني سأقفز من الجسر دون خطة؟ توقعت أن تكشفني فورًا بقوتك... لكنكم تأخرتم"
اتسعت عينا ديريك:
"وإن أخبرتك أننا جئنا مصادفة؟!"
ضحكت روز بصوت خافت:
"في هذه الحالة… عليك أن تُعيد النظر في هويتك"
ثم مدت يدها إلى جيبها وأخرجت الفلاش، وقدمته له...
أخذه ديريك بتردد وهو ينظر إليها باستغراب، فسارعت بالشرح:
"في السابق، أعطيتك معلومات عن أعمامي فقط… أما هذا، فهو يحتوي على كل ما تريد معرفته عن والدي… وعن زعيمنا"
وما إن أنهت جملتها، حتى فتحت الباب مجددًا ودخلت إلى الغرفة، لتجلس بجانب آيلا التي استقبلتها بابتسامة عريضة، لكن بنظرة مريبة...
قالت آيلا بنبرة طفولية:
"ماذا كنتما تُخفيان عني؟!"
ضحكت روز وهي ترد ببساطة :
" لاشيئ فقط اعطيته فلاش اخر "
نظرت آيلا إلى روز بجديّة، وعينيها تلمعان برجاء:
"روز... هل تسامحيننا؟"
قلبت روز عينيها بابتسامة ماكرة قبل أن تضحك بخفة وتقول:
"لست منزعجة منكما أساسًا، ثم إني حقًا أفكّر في إحراق تلك الصفحة من حياتي، أشعر أني لو قرأت الصحف غدًا سأجد صورتي واسمي على الصفحة الأولى!"
انفجر ديريك بالضحك، وهو يرد ساخرًا:
"كل ما فعلتِه ولستِ منزعجة؟ أتمنى فقط ألّا يأتي يوم وتغضبي فيه فعلًا!"
نظرت له روز بنصف ابتسامة وغمغمت:
"بدأت تُزعجني فعلًا، أيها الخروف"
صرخت آيلا بدهشة مصطنعة:
"لا أفهم... كيف تنزعجين منه؟! مع كل هذه الوسامة؟!"
ردّت روز بنفس النبرة المستنكرة:
"عن أي وسامة تتحدثين؟ ينقصه فقط قرنان ورداء أبيض ليُصبح خروفًا رسميًا!"
نظر لها ديريك بعينين حزينتين، مقلدًا ملامح طفل مكسور القلب، وكأنه يمثل الحزن ببراعة تامة...
رفعت روز حاجبها، مستنكرة:
"كل هذا الطول والعرض والعضلات والهيبة على الإنترنت، والآن تتصرف كطفل محروم من الحلوى؟"
ضحكت آيلا وهي تهمس لها:
"عامليه على قدر حجم عقله... وصالحيه بسرعة"
تنهدت روز باستسلام، ثم نهضت واقتربت لتعانق ديريك برفق...
لكنه ظل ثابتًا، رافضًا مبادلتها العناق، مصرًا على تمثيل الزعل، حتى همست له روز بنبرة دافئة:
"أحبك، أخي"
حدّق فيها ديريك بذهول وهمس وكأنه صُدم:
"أكان يجب أن أمسح بهيبتي الأرض كي تقوليها؟!"
ضحكت روز ولم تُجب، ليُبادلها ديريك العناق أخيرًا، بابتسامة خفيفة خفّف بها الجو المشحون…
لكن ما إن ابتعدت روز حتى باغتته بصفعة على وجهه، صمتت بعدها لحظة، ثم ندمت فورًا...
ديريك بصدمة وهو يضع يده على خده:
"هل… هل صفعتني للتو؟!"
آيلا وقد اتسعت عيناها بالدهشة:
"روز! لماذا؟!"
روز بحزن مفتعل وهي تنظر إلى وجه ديريك بتمعّن:
"لِمَ بشرته أفضل من بشرتي؟ هل تخضع لعلاج معيّن؟ ما الذي تستخدمه؟ أخبرني حالًا!"
بقي ديريك صامتًا من شدة الذهول، ينظر إليها كأنها ألقت عليه تعويذة غريبة، أما آيلا فقد كانت على وشك أن تختنق من شدة الضحك...
تقدم ديريك خطوة نحو روز، وما إن فعل ذلك حتى طار بيري من كتف آيلا، ليستقر بثقة فوق رأس روز، رافعًا جناحيه في وجه ديريك كأنه يحذره...
رفع ديريك حاجبه وقال بعينين مهددتين:
"كم أودّ نتف ريشك الآن، أيها العصفور الوقح!"
ردّت روز بتحدٍ، وهي تضع يدها على خصرها:
"وجرب فقط، وسأنتف صوفك أنت!"
ضحكت آيلا وهي تصفق بمرح:
"كفى، أنتما الاثنان! اليوم عيد ميلادي، أريد أن نخرج معًا… ثلاثتنا!"
صرخ بيري صرخة عالية فيها اعتراض واضح، مما جعل آيلا تضحك أكثر وتردف:
"آسفة آسفة… أقصد أربعتنا!"
ضحكت روز بدورها، ثم تبعها ديريك وهو يبتسم،
رفعت روز يدها نحو ديريك، فأومأ لها بإشارة طفولية مماثلة، وأمسك يدها كأنهما عادا مجرد اخوين… لا أكثر، ولا أقل...
.___يتبع___.
𝕵.𝕸
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!