DIVA
DIVA
جزء 3 من 3
وضع القراءة:

عدوك سلاحك

﹝ روايتي ليست مجانية ﹞
الـثـمـن الذي عليك دفعه لقرائتها
هو: التعليق على الفقرات ✍🏻
والضغط على القلب أسفل البارت ♥️
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كانت تسير بخطوات متثاقلة عبر شوارع أضنة الباردة، فتاة لم تتجاوز الحادية عشرة، تحتضن جسدها الصغير بذراعيها وتحاول حماية نفسها من برد الليل....
عينُها شاردة في الفراغ، كما تفعل في كل مرة تُطرد فيها من المنزل.
كل هذا، فقط لأن طموحها كان مختلفًا...
لأنها أرادت أن تختار مصيرها بنفسها ..
أحيانًا، يكون اختيارك لطريقك سببًا في تدمير مستقبلك. العناد والإصرار قد يحطمانك قبل أن يصنعاك.
لكن في المقابل، همسة داخلها ما تزال تهمس:
"لا تتردد في اتخاذ قرار ينهي معاناتك."
منذ أن بلغت التاسعة، خضعت روز لأقسى أنواع التدريب، خاصة في الأسلحة والإلكترونيات، فقد كانت تبرع فيهما بذكاء لافت ..
وفي سن الثانية عشرة، جاء اليوم الذي كان من المفترض أن تنضم فيه رسميًا إلى المافيا، كما فعل أخوها زأكروس، ووالدها "ألكساندر"، وكل فرد في عائلتها تقريبًا.
لكنها... رفضت ..
ذلك الرفض كان كفيلاً بقلب حياتها رأسًا على عقب.
حتى والديها...
إذ أنهما انقلبا عليها ..
وها هي الآن، في الثالثة عشرة من عمرها، تمضي عامًا كاملاً تتعرض فيه يوميًا للإهانة والضرب... على يد من كان يُفترض أن يكونا أمانها...
ولم يكن لها ملجأ في هذا العالم سوى أخيها،
كان الوحيد المختلف عنهم جميعًا، فبالرغم من الأعمال التي يقوم بها ضمن المافيا، إلا أنه ظل كما عرفته منذ اللحظة الأولى التي فتحت فيها عينيها على الحياة..
لم يلوث قلبه الفساد، لم ينطفئ نوره مثلهم،
رغم أنه يكبرها بخمس سنوات، ويبلغ الثامنة عشرة الآن، إلا أنها لم تشعر يومًا بذلك الفرق...
كان أقرب لها من كل شيء...
أشبه بتوأمٍ خُلق من ذات الوجع، من ذات الحاجة،
كل ما كانت تفتقده... وجدته فيه...
الريح تلفح وجهها، والبرد يأكل أطرافها حتى بدأت تتحول إلى الزُرقة،
رفعت بصرها لتجد حديقة أمامها، فتقدمت نحوها بخطى واهنة، علّها تجد مكانًا يحميها قليلًا، رغم أنها لا ترتدي سوى ملابس النوم ..
وقفت في منتصف الحديقة، تبحث بنظراتها عن شيء قد يساعدها... أو حتى عن شخص،
لكن لا أحد...
لم تستغرب كثيرًا، فالوقت تجاوز الثالثة صباحًا، على الأقل، هذا ما تعتقده.
وفي النهاية، جلست تحت شجرة، رغم أن الأرض كانت باردة لدرجة مؤلمة، إلا أن أطرافها باتت عاجزة عن حملها من شدّة الخدر.
وفجأة... شعرت بخطوات تقترب خلفها،
لكنها لم تُعرها اهتمامًا،
فكما تبحث هي عن مأوى...
لا بد أن هناك مخلوقات أخرى،
كلاب، قطط، أو حتى أرواح تائهة مثلها...
تبحث عن الدفئ في هذا الليل البارد..
وفجأة... شعرت بشيء ما يُطبق على وجهها،
كأن شيئًا غريبًا يُغطي أنفها وفمها دفعة واحدة...
فتحت عينيها على اتساعهما، مصدومة...
لكنها لم تستطع أن ترى بوضوح،
كل شيء مشوّش...
كأن العالم يتمايل أمامها...
الأرض تتحرك... أو ربما هي من كانت تتحرك فوقها!
بدأت الحواس تتخلى عنها واحدة تلو الأخرى...
لم تعد تشعر بالبرد، لم تعد تشعر بأي شيء...
سوى النعاس،
كان النعاس ينهشها برقة، يسحبها بلطف لا يُقاوم.
لم تستطع المقاومة...
استسلمت.
وبين غيبوبة الحواس وهمس الظلام،
ظنّت أن الرب أخيرًا قد أنزل سكينته عليها...
ظنّت أنها ستنام، فقط تنام،
حتى يعثر عليها شقيقها ككل مرة..
لكن ليت كل ما نتخيله يتحقق فعلًا...
......................................................................
عاد إليها شعور البرد من جديد، يتسلل ببطء كأنّه يستكشف إن كانت لا تزال على قيد الحياة،
لكن هذه المرة... كان أخف ..
فتحت عينيها بثقل وتعب،
وبدلاً من أن تجد الحديقة أمامها كما تتذكّر...
وجدت نفسها داخل غرفة مظلمة، باردة،
يتسلل إليها ضوء خافت من نافذة صغيرة في الأعلى...
ظلت ساكنة للحظة، عاجزة عن الفهم،
لكن حين بدأت تتّضح الصورة في عقلها،
نهضت بفزع...
حينها فقط شعرت بوخزة حادة في ساقها اليمنى،
أنين ألم ارتفع من حلقها وهي تحدّق بساقها المرتجفة...
شيء ما كان مغروزًا فيها...
تجمّعت الدماء أسفلها، تبتلُ بها الأرضية،
شعرت بلزوجة سائلة تمتد تحتها...
ارتعبت...
تراجعت إلى الخلف بسرعة، دون أن تجرؤ على الضغط على ساقها المصابة،
زاحفة بيديها المرتعشتين، محاولة أن تبتعد...
أن تهرب...
کانت زجاجة متوسطة الحجم قد دخل نصفها الى
ساقها...
اخرجتها بحركة سريعة حتى یسهل علیها کتم صوتها
و قامت بشق القليل من قماش قمیصها الذي ترتديه لتقوم بلفها به بغرض تقليل النزيف،
رجعت الى الموقع الذي جرحت به قدمها انحنت علی رکبتیها بحذر لتبدأ بالبحث بیدیها عن قطعة زجاج اکبر حجماً حت وجدت غایتها
لتذهب و تقف بجانب باب الغرفة،
الخوف پسيطر عليها بالکامل ولا تسمع في المكان الا صوت نبضها و تنفسها العالي لكن استجمعت شجاعتها لتبدأ بضرب الباب بقوة بهدف ان ياتي احد،
وبالفعل لم يمر الا بضع دقائق حتى سمعت خطوات قريبة من الباب لتمسك الزجاجة بقوة بيدها اليسرى،
و تتجهز...
فتح شخص ما الباب لکنه عندما لم يجد احد دخل الغرفة قاصداً البحث عنها،
لتنتهز الفرصة فور رؤيتها للسلاح في يدة لتقوم بغرز الزجاجة بسرعة في عنقه و اخذ السلاح فوراً لتطلق النار علیه بیدها اليسری..
ليسقط فوراً امامها و تبدأ الدماء بالتدفق بغزارة من رأسه وعنقه..
والآن فقط أدركت ما فعلته،
صحيح أن عائلتها اعتادت القتل كما يشرب المرء الماء، لكن... هي؟ هذه أول مرة تسفك فيها دمًا بيديها،
رعشة مفاجئة اجتاحت جسدها، لكنها سرعان ما استعادت وعيها، قبضت على السلاح بقوة وتفقدت عدد الطلقات المتبقية: أربع،
تمنت فقط أن تكفيها، حمدت الرب أن السلاح مزوّد بكاتم صوت، فهي لا تعرف كم من الأشخاص ما زالوا في المكان...
أخذت لحظات تستوعب أين هي، تتمعن في تفاصيل البناء حولها، بناية ضخمة، غير مكتملة البناء، وعلى ما يبدو كانت في الطابق الرابع،
لكن ما صدمها فعلاً... أنها لم تجد أحدًا غير ذلك الرجل. لا أحد. لا حراس، لا كاميرات مراقبة، لا أي أثر لتنظيم...
"بحقكم، أهذا اختطاف أم عبث؟" فكرت بسخرية متوترة،
"أما كان من الأفضل أن تتحققوا من خلفية من تختطفونه؟ هل تظنون أن ابنة إحدى أقوى عائلات المافيا يمكن لشخص واحد فقط أن يتغلب عليها؟"
أخفت السلاح بين طيات ثيابها الممزقة، وغادرت المبنى رغم قدمها المصابة، مرتدية ملابس النوم، وفي وضح النهار. مظهرها البائس كان كفيلاً بجذب الأنظار، لكنها لم تهتم....
عيناها ظلّتا تبحثان عن أي علامة تدلها على موقعها، لكنها لم تتعرف على شيء،
المكان من حولها أشبه بخرابة كبيرة، صامت وخالٍ تمامًا من البشر...
ورغم كل شيء... تابعت السير، جريحة، مرتجفة، وحيدة....
......................................................................
في الجهة الأخرى من المدينة،
كان زاكروس قد عاد لتوه من العمل، والساعة تشير إلى العاشرة صباحًا...
في يده علبة حليب صغيرة وقطعة شوكولاتة، كعادته كلما عاد من الخارج، لا ينسى روز الصغيرة..
دخل غرفتها مباشرة، لكنها لم تكن هناك،
الغرفة مرتبة بعناية...
استغرب، فهذا ليس من طباعها...
روز تنام كالقتلى في العادة، وهو من أطلق عليها ذات مرة لقب "الباندا النائم"، لصعوبة إيقاظها...
وضع الحليب والشوكولاتة على سريرها، ثم خرج متوجهًا نحو غرفة والديهما،
طرق الباب ثلاث مرات، ليأتيه صوت والده من الداخل يأذن له بالدخول...
فتح الباب بخفة، ليجد والده جالسًا على كرسيه الجلدي، مسترخيًا بجزئه العلوي، بينما ينظف سلاحه الأسود بعناية،
كان السلاح مزينًا بشعار العائلة، والذي يشبه رقعة شطرنج...
نمط معقّد من المربعات السوداء والفضية، يرمز إلى تكتيكهم الدقيق في عالم لا يرحم...
بمعنى أن كل من في الساحة، من جندي إلى قائد، مستعد لافتداء الملك بروحه، ولا يخرج منها إلا ميتًا،
وفي هذه الساحة، لا يتحرك أحد إلا بإشارة من شخص واحد فقط، ومن دونه... الجميع مجرد قطع عاجزة عن الحركة...
كان هذا الشعار مطبوعًا على أجساد أفراد المافيا، محفورًا على أسلحتهم، كعهد لا رجعة فيه،
بعد لحظات من الصمت، قطع "ألكساندر" الأجواء بنبرة هادئة لكنها حادة:
- "هل أُنجزت المهمة على أكمل وجه؟"
نبس زاكروس بثبات:
- "نعم، سيدي."
نعم... "سيدي".
لا تستغرب من ذلك.
ففي هذا البيت، لا أحد ينادي "ألكساندر" بـ"أبي"، حتى زوجته لا تخاطبه إلا بهذه الكلمة.
إنه قانون غير معلن، لكنه راسخ...
ابتسم ألكسندر ابتسامة خفيفة، أشبه بابتسامة لاعب شطرنج واثق من خطوته القادمة:
ألكساندر:
- "أحسنت، زاك، هل تحتاج إلى شيء؟"
زاكروس:
- "في الواقع... لم أجد روز في غرفتها، هل أرسلتها إلى مكان ما؟"
ضحك ألكساندر ضحكة ساخرة، قبل أن يجيب بنبرة تهكمية:
ألكساندر:
- "ههه، لقد هربت مع حبيبها."
تجمّد زاكروس في مكانه.
"روز"؟ و"حبيب"؟ في جملة واحدة؟!
هذا غير منطقي،
هو يعرف روز جيدًا... مستحيل أن تفعل شيئًا كهذا..
وحتى لو أحبت يومًا، فهي لن تخفي أمرًا بهذه الأهمية عنه، مستحيل....
قال زاکروس بصدمه :" اي حبيب ؟ عن ماذا تتحدث ؟
رد عليه الكساندر بابتسامة تشبه كل شيء إلا الابتسامة :"حبیبها لتلك النكرة ، لقد امسکتها البارحة برفقته فهربت معه "
نبس زاکروس ببرود :"سيدي، انا حقاً في مزاج سيء اتمنى ان لا تمزح معي هکذا کما أنها تبلغ الثالثة عشر، أي شخص سيواعد طفله ؟"
رد الكساندر وهو يضحك بسخرية :"منذ متی و انا امزح معك ؟ اخبرتك الف مرة ان لا تدللها هکذا
لانها عار فقط
هي مجرد نكرة ولا اعترف بها انها ابنتي و لو ظهرت امامي مجدداً لن اتردد بقتلها و انا اباشر بالأوراق لأتبرأ منها رسمياً"
زاکروس :" ابي لا تهذي كيف تتبرأ منها من المستحيل ان تفعل روز شيء كهذا، هنالك خطأ ما !"
وضع سلاحه على الطاولة ليرفع حاجبه و يقول متسائلاً:
" أبي ؟ ماذا اخبرتکم عن ابي تلك "
قال زاکروس بفظاظة ممزوجة بخيبة أمل :" اعتذر سيدي ، أتسمح لي بالانصراف؟"
رد ألكساندر ببرود :
- "انصرف... لكن إياك أن تذكرها أمامي مجددًا. تلك الفتاة لم تعد ابنتي."
لم يردّ زاكروس، فقط همهم بأدب وقلبه مجروح، ثم استدار ببطء، وخرج من الغرفة يغلق الباب خلفه بصمت، لكن الصمت لم يكن في داخله...
في داخله، نيرانٌ تشتعل، حارقة، تتغذى على الغضب والذهول والخذلان...
كيف يمكن لأب أن يتخلّى عن ابنته بهذا الشكل؟ بل كيف يمكن له أن يتكلّم عنها وكأنها لم تكن أبدًا؟
شدّ على قبضة يده بقوة حتى برزت عروقه، لكنّه أجبر نفسه على التنفس ببطء، محاولًا لجم اندفاع،
"روز لن تفعلها، أنا واثق... روز لا تهرب، روز تخبرني بكل شيء... لا بد من وجود خطب ما "
ومع أول خطوة له خارجًا من جناح والده، انطلقت قدماه بتلقائية نحو الأماكن التي تعرفها روز...
الحديقة الخلفية، السطح، زوايا المنزل التي كانت تختبئ فيها حين تكون حزينة...
كل ركن اعتادت أن تملأه بضحكتها الخجولة أصبح الآن هدفًا لبحثه اليائس...
......................................................................
واصلت السير بقدمها المصابة، تجرها خلفها كأنها ليست جزءًا منها، كل خطوة تُلهب الجرح وتُضعف جسدها، لكنها لم تتوقف.
لم يكن هدفها النجاة بقدر ما كان مجرد العثور على شيء يدلّها... أي شيء،
لكن المكان بدا كصحراء صامتة... لا حياة، لا صوت، لا حتى نسمة هواء..
البنايات حولها كانت إطلالات مخربة، معظمها مهجور أو نصف مدمر، وكأن أحدًا لم يمر من هنا منذ سنين...
وهناك، في لحظة يأس، انكمش قلبها وهي تدرك الحقيقة...
" أنا لست في أضنة "
لكن قبل أن يبتلعها الرعب، لمحَت سيارة بيضاء مرتفعة تقترب من الطريق الموازي لها،
كأن السماء أرسلتها لها، أو لعلها سراب!
رفعت يديها بسرعة وبدأت تلوّح بجنون، تتجاهل كل أصوات الخوف في عقلها، كل التحذيرات التي تصرخ في داخلها..
"لا خيار آخر... إن حاول إيذائي، لدي السلاح... سأدافع عن نفسي!"
توقّفت السيارة ببطء أمامها، الزجاج الأمامي مضلّل، فلم تستطع رؤية من في الداخل.
توقّف الزمن للحظة وهي تحدق، تتنفس بصعوبة...
ثم انخفض الزجاج بهدوء، ليضهر السائق...
كان رجلًا أسمر البشرة، تتخلّل لحيته خصلات من الشيب، وملامحه رغم قساوتها الأولى، حملت شيئًا من الحنان النادر....بدا في أواخر الخمسين من عمره، حين أطلّ من النافذة وقال بصوتٍ دافئ فيه شيء من القلق:
"ما حالتك هذه يا ابنتي؟ هل أنتِ ضائعة؟"
أجابت روز بصوت متعب، بالكاد يخرج من بين شفتيها:
"عمي... أنا من سكان أضنة، لكن... لا أعلم أين أنا الآن "
قطّب حاجبيه قليلًا، ثم قال وهو يفتح الباب الجانبي:
"اركبي معي، أخبريني بقصتك."
ترددت... ظلت واقفة مكانها للحظة، تتصارع داخلها مشاعر الريبة والخوف، لكن ملامحه التي تشبه دفء الأب الغائب لامست شيئًا في قلبها المرتجف،
وفوق ذلك... لم يكن لديها خيار آخر....
ركبت السيارة بهدوء، بالكاد استطاعت رفع قدمها المصابة،
وما إن جلست، حتى التفت إليها سائلاً بصوت فيه حنان أبوي حقيقي:
"كيف حال قدمك؟"
قالت وهي تخفض عينيها:
"دخلت فيها زجاجة... حاولت علاجها بنفسي."
نظر إليها مطولًا، ثم تنهد وقال بنبرة عاتبة حنونة:
"ابنتي... أي علاج هذا الذي قمتِ به؟ ألا ترين حالها؟"
لم تجب، بقيت صامتة، تشعر بمرارة العجز وصدق كلماته. هو محق... قدمها كانت في حالة يُرثى لها....
أكمل الرجل كلامه بهدوء:
"أنتِ الآن في أوردو، هل لديكِ أحد هنا لأوصلك إليه؟"
نظرت إليه روز بعيون شاحبة، صوتها خرج مكسورًا:
"لا..."
ابتسم بلطف، وملامحه ازدادت حنانًا:
"لا داعي للحزن، سأوصلك سالمة بإذن الله إلى أحضان والديك، اسمي كهرمان، وأتمنى ألا تترددي في قبول مساعدتي "
ترددت للحظة، ثم قالت بصوت خافت تشوبه الدهشة:
"لكن... عمي، كيف ستقطع كل هذا الطريق لأجلي وأنت لا تعرفني حتى؟"
أجاب بنبرة حازمة لكنها مليئة بالدفء:
"يكفيني أنني أعلم أنكِ بحاجة إلى مساعدة، هذا وحده سبب كافٍ، ما اسمكِ الكامل يا ابنتي؟"
ترددت للحظة، ثم قالت وقد رفعت عينيها نحوه للمرة الأولى بثقة صغيرة:
" روز... روز جنكيز "
........................................................................
بعد بحثٍ طويلٍ، مرهقٍ، يائس... جال زاكروس في كل مكانٍ قد يخطر على باله، من زوايا المنزل المهجورة، إلى المدرسة، إلى كل ركنٍ اعتادت أن تمر به أو تترك فيه ظلًّا من ضحكتها الصغيرة.
لكن كل الطرق كانت تُفضي إلى الفراغ..
وأخيرًا، وصل إلى مكانها المفضل... تلك الأرجوحة البيضاء التي تتوسط الحديقة، تهتز دومًا كأنها تشتاق لصوت ضحكتها الطفولية وهي تصرخ له:
"زآك! ادفعني أعلى، أريد أن أطير!"
جلس مكانها بصمت، موضع قدميها لا يزال محفورًا في الأرض، وكأنها غادرت للتو...
أسند رأسه للخلف، يغالب غضبه وخوفه... وبين ضلوعه ظلّ طيفٌ صغير من الأمل.....ذلك النوع الذي لا يموت....أنها ستظهر فجأة، كما تفعل دائمًا...
ستربت على كتفه من خلفه، وتهمس:
"زآك، تأخرت عليّ."
لكن... لم تأتِ....
ومرّ الوقت، ثقيلًا... صامتًا... مؤلمًا.
وروز لم تأتِ....
ظل زاكروس على حاله... جالسًا على الأرجوحة البيضاء، صامتًا، يُقاتل عاصفةً من الحزن والغضب والأمل الذي يُوشك أن يُخنق...
حتى اهتز هاتفه فجأة...
رسالة!
فتحها ببطء، متوقعًا أي شيء... ما عدا هذا،
معلومات عن أحد أفراد الاستخبارات الأمريكية
الاسم: ديريك سيلفادور.
اللقب؟ زير النساء.
ولا، هذه ليست مزحة....
كل فتاة تراه تقع في شباكه دون أن يُحرّك ساكنًا، وكأنه ساحر ولد بجاذبية قاتلة لا تفسير لها،
وهو، بالمقابل، لا يقصّر في ردّ الجميل، يقسم أيامه بين نساء العالم وكأنها مهمة وطنية، وكل ساعة من عمره تُهدى لوجه جديد،
رجل بلا قلب، بلا ولاء، بلا ندم... فقط ابتسامة ساحرة وسجل حافل بالانتصارات على الجبهتين: النساء... والأعداء،
وبرغم هذا الانحلال، إلا أنه كابوس حقيقي في ساحة المعركة،
قوته، دهاؤه، سلطته المطلقة... جعلت منه شبحًا يهابه الجميع، حتى كبار قادة المافيا،
والآن؟
المافيا تُلقي بـ زاكروس إلى فم هذا الوحش، كأنهم يقولون له بصراحة باردة:
"إما أن تموت على يديه... أو على أيدينا."
جميل، أليس كذلك؟
أن يُواجه مراهق في مقتبل العمر واحدًا من أشرس رجال الاستخبارات الأمريكية؟
لا بد أن يكون هناك خطأ...
ومع ذلك...
ورغم كل ما في الأمر من جنون، خطرت فكرة غريبة في ذهن زاكروس...
ماذا لو... كانت هذه المواجهة فرصته؟ سلاحه؟
ربما، فقط ربما...
يستطيع أن يقلب الطاولة....
كانت روز تحدق بالشوارع من خلف زجاج السيارة، بعينين نصف مغمضتين، ناعستين من التعب...
لكن لا شيء فيها يدل على الاستسلام،
حتى الآن، ورغم دفء المقعد وتلك الابتسامة المريحة على وجه الرجل، لم تستطع أن تغفو...
ابنة المافيا لا تنام في حضرة الغرباء...
حتى وإن بدوا طيبين...
حتى وإن ابتسموا كما يبتسم الآباء...
ثم...هل يمكن لطفل لم يذق حنان الأبوين حتى أن يميز الابتسامة الأبوية الدافئة من غيرها؟
كانت تثق به... إلى حدٍ ما...
لكن عقلها ظل يهمس لها أن الثقة عملة نادرة، لا تُمنح بسهولة، خاصة بعدما قضت ساعات كانت فيها مجرد رهينة
كانت تراقبه بطرف عينها، تدرس تفاصيله بصمت
هو الآخر لم يقطع السكون، عيناه معلقتان بالطريق، وشفتيه لا تزالان تحملان تلك الابتسامة الهادئة...
ورغم كل شيء...
كانت تشعر بشيء من الأمان...
دفء خفيف، خافت، لكنه كافٍ ليمنع دموعها من الهطول...
........................................................................
وقف زاكروس ببطء، كمن يحمل على كتفيه وطأة العالم، وأعاد هاتفه إلى جيبه،
نظر حوله للمرة الأخيرة، في أرجاء الحديقة الهادئة التي كانت في يومٍ ما مملكة ضحكات روز.
لم يكن هناك أحد... لا أثر لها...
أغمض عينيه لحظة، ثم تنفس بعمق، وكأن قلبه يحاول أن يبتلع خيبته بصمت،
انتهت محطته هنا،
الوقت الآن... للعبة أخرى...
دون أن يلتفت للخلف، بدأ السير...
وجهته التالية؟
ديريك سيلفادور... زير النساء، الذي لا يحتاج إلى خرائط أو مخابرات لتحديد مكانه...
ففي مدينة أضنه، كلما كثر تجمع النساء...
كان ديريك هناك...
حيثما ارتفعت الضحكات الناعمة، وتبادلت النظرات اللامعة، يمكنك أن تراهن بأنه قريب... أقرب مما تظن....
........................................................................
كيف يمکن ان یبقی شخص مبتسماً کل هذا الوقت؟
"هل يضايقه وجودي؟ هل أصبحت عبئًا عليه؟"
كان هذا الصوت الخافت يدور في ذهن روز بلا هوادة، يُخفت شعورها بالراحة ويزيد من ثقل أنفاسها...
ظلت تنظر إليه من طرف عينها، تتساءل إن كان الهدوء الذي يحيطهما حقيقيًا أم مجرد صمت مجاملة....
ثم خطفها طيف من القلق…
أخي… هل هو بخير؟ هل يبحث عني الآن؟ هل يشعر بالخوف مثلي؟
سؤالٌ تسلل إلى قلبها كرمح، جعل أصابعها تقبض على حافة المقعد دون وعي.
لكن قبل أن تتمادى أفكارها في العتمة، أحست بتباطؤ السيارة… ثم توقفها...
تسارعت دقات قلبها.
لم يصلا بعد، فلماذا توقف؟
شهقت بخوف وتشبثت بمقبض الباب، لكنّه تلاشى فور أن نظرت إلى الجهة اليسرى… مجرد مطعم صغير بسيط....
تنفست الصعداء، وراقبت الرجل يفتح بابه وينزل بهدوء...
توجه نحو المقاعد الخلفية، وأخرج عصا خشبية… من النوع الذي يستخدمه كبار السن،
اقترب منها، فتح بابها بلطف، ومدّ لها العصا دون أن ينطق بكلمة....
ثم خلع معطفه وأعطاها إياه، مشيرًا برأسه بلطافة وكأنه يقول: "تعالي، لا تقلقي."
تجمدت روز في مكانها للحظة.
عيناها تحدقان فيه، وكأنها تدرس ملامحه من جديد…
حين ضحك، انكسر الجليد داخلها، ضحكته كانت دافئة، كمن يربت على قلبٍ خائف،
تبسمت بخفة، خرجت من السيارة بحذر، تمسك المعطف والعصا بيد، وتغلق الباب باليد الأخرى.
وقف بجوارها، وانتظرها بصبر حتى لحقت به، ثم أقفل السيارة وسارا معًا نحو المطعم....
ما إن دخل هو حتى بدأت هي تتلمس طريقها باستخدام العصا، تحاول التأقلم مع هذه الخطوة الجديدة التي لم تعتمدها،
لم يكن الأمر سهلاً، لكنّه كان أهون من أن تواصل السير وهي تعرج، وكان الأهم من ذلك... أنه أقل ألمًا....
دفعت باب المطعم بخفة، لتجد نفسها في مساحة دافئة رغم بساطتها...
كان المطعم صغير الحجم، يغلب عليه اللون الأبيض والرمادي، وأثاثه من الخشب المعتق الذي يمنح المكان روحًا عتيقة....
هنا وهناك، تنتثر مزروعات خضراء تُزيّن الزوايا...
نظرت أمامها لتراه جالسًا على إحدى الطاولات، يبتسم حين لمحها، ثم يقف فورًا ليسحب الكرسي المجاور له،
لم يمدّ يده إليها، لم يُسرع بحركة تمس جسدها، لم يلمسها حتى بلمسة بسيطة....
في تلك اللحظة فقط... أدركت روز شيئًا مهمًا:
هو يساعدها... لكن باحترام...
ارتفعت درجة الأمان بداخلها، وتضاعف احترامها له،
جلست بصمت وهي تراقب تصرفاته التي تشبه أولئك الرجال النادرين في القصص والكتب، لا الواقع....
جلس أمامها وسألها بصوته الهادئ:
"أتفضلين اللحم أم الدجاج يا ابنتي؟"
أجابت بتردد وحرج:
"لا داعي لتكليف نفسك عمي..."
كهرمان، بصوته العميق المطمئن، ردّ بابتسامة لا تفارق وجهه:
"لا يوجد أي تكلفة يا ابنتي، أنتِ أمانة في عنقي حتى أعيدك لعائلتك، ومن واجبي إطعامك."
أجابت روز بتودد خافت، يشوبه شيء من الامتنان والحرج:
"أعدك... أعدك أني سأردها لك."
ضحك بخفة وهزّ رأسه ثم قال بهدوء:
"لا داعي لذلك يا ابنتي، أساسًا... لن تُسعفك الأيام، فأيامي أنا....معدودة هنا."
رفعت عينيها نحوه، وقد أحست بشيء ينقبض في صدرها:
"أتقصد... أنك ستسافر؟"
لكنّه، وكأنه تعمّد التهرب، غيّر الموضوع بسرعة:
"لم تجيبيني بعد... ماذا تفضلين؟"
استغربت هذا التحول المفاجئ، لكن فضّلت ألا تضغط عليه.
"الدجاج." أجابت أخيرًا بصوت منخفض.
نهض فورًا، واتجه نحو الكاشير ليطلب الطعام، بينما بقيت هي تحدق في الطاولة بصمت،
لم يكن هناك الكثير ليفكر فيه عقلها، لكنّه رغم ذلك... لم يتوقف عن التفكير، وكعادته، لا يجيد التفكير بلونٍ آخر سوى الأسود...
مرّت الدقائق بهدوء دون أن تنتبه، حتى عاد هو يحمل صينية بسيطة...
عليها شطيرتان، بعض البطاطس المقلية، وكأسين من عصير بارد.
وحده حضور الطعام أعادها قليلًا إلى الواقع... لكنها لم تلمسه،
بل بقيت تحدّق فيه بشرود، وأفكارها تتكاثر في رأسها الأشباح....
كل احتمال، كل سيناريو مظلم، كل صوت قالت له "اسكت" من قبل... عاد يصرخ،
بينما هو... بدأ يأكل شطيرته ببساطة،
دون أن يُجبرها على الأكل، أو يسأل لماذا لم تبدأ..
لأنه ببساطة...لم يفهم....
لاحظ شرودها الطويل ونظراتها المريبة للطعام، فتوقف عن الأكل، رفع حاجبه قليلاً وقال بتفهّم عميق:
"آه… نسيت، جِنكيز....إحدى عائلات المافيا."
ثم وضع شطيرته جانبًا، مد يده إلى شطيرتها بهدوء، قطع منها قطعة صغيرة وتناولها، تبعتها قطعة من البطاطس، ثم رشفة من كأس العصير الخاص بها.
نظرت إليه بدهشة، ثم انفجرت ضاحكة بخفة، ليضحك هو أيضًا  ضحكة صغيرة عالقة بين شفتيه الممتلئتين بالطعام، لكنها كانت صادقة....
لقد فهمها، فهم ما لم تنطق به.....
في عالم مثل عالمها، كل لقمة قد تكون الأخيرة، وكل كأس قد يُخفي سمًّا... كان تصرفه بسيطًا، لكنه كسر خوفها، وأراح عقلها المضطرب....
قالت بخفوت وهي تراقبه:
"ألا تخاف؟ رغم علمك بأني من المافيا؟"
رفع نظره نحوها بابتسامة هادئة، ثم أجاب بصوته العميق الرزين:
"في كل مكان… وداخل كل شرير، يوجد شخص طيب، وانت....لايبدو عليكِ انكِ منهم."
كلماته لامست شيئًا في داخلها لم تُدركه من قبل، لم تُجب، لكن بدلاً من ذلك، بدأت تأكل بشراهة، وكأن جسدها قرر أخيرًا أن يثق بهذا الهدوء....
اعتقدت للحظة أنها تُحرجه بجوعها، لكن حين رفعت عينيها نحوه، وجدته يبتسم لها… كأب يراقب طفلته وهي تتناول طعامها أخيرًا بعد يوم طويل...
أنهيا طعامهما بسرعة، وخرجا من المطعم في صمت مريح....
ركبت السيارة مجددًا، جلست إلى جانبه، وأغمضت عينيها....هذه المرة، دون مقاومة...
أغمضتها لأنها تثق…
وثقتها هذه، كانت أكبر هدية قد تهبها لأي شخص....
وبينما السيارة تسير عائدة نحو أضنه، غفَت روز بهدوء، للمرة الأولى منذ زمن طويل، بقلبٍ مرتاح...
لكن…
ألا تعتقدون أنها اتخذت القرار سريعًا؟
لا ألومها حقًا....
فهي مجرد طفلة، تفتقر إلى الحب، إلى الحنان… إلى أبسط لمسة دافئة.....
وبمجرد أن ترى موقفًا لطيفًا من شخص ما، تثق به فورًا، وكأنها وجدت في تصرفه وطنًا....
برأيكم، من السبب؟
العائلة، طبعًا....
حين يكبر الإنسان دون حنان الأبوين، يكبر بكامل الاستعداد لدفع عمره كله مقابل ذرّة من الحب الصادق....
ذرّة فقط، لا أكثر...
أمثال هؤلاء… حافظوا عليهم إن عرفتموهم....
فهم لا يخذلون أبدًا من أحبّوهم....
لكنهم يُخذَلون كثيرًا… من الذين أحبّوهم بصدق مبالغ فيه....
قلّة فقط من يعرفون كيف يحبونهم دون أن يكسروهم...
فهم يحبّون بمبالغة قد تُربك البعض، وتُرهق البعض الآخر....
ينكسرون من كلمة، من نظرة، من تجاهل، من صمت…
أحيانًا يبكون من تخيل شيء مستحيل، مجرد وهم يمر في بالهم قد يُغرقهم في حزن عميق....
التعامل معهم صعب، مؤلم أحيانًا، لكنه مقدّس… لا يتقنه سوى من أحبهم بصدقٍ....
أترون ماذا تصنع الاستهانة بمشاعر الأطفال؟
حين لا يسمعك أحد وأنت صغير، تكبر… لتروي كل شيء لأي أحد....
حتى إن لم تكن تعرفه....
إن كبرتَ في بيتٍ قاسٍ…
فلن تتعلم كيف تردّ، بل كيف تتفادى النقاش،
سيتحول أي صوت مرتفع إلى صفّارة إنذار في عقلك،
وسيصبح الهدوء أمنية، لا عادة ..
إن لم يُصفق لك أحد على نجاحاتك الصغيرة وأنت طفل،
ستكبر باحثًا عن التصفيق في كل مكان…
مقايضًا ذاتك بقائمة إنجازات،
ومرهونًا بنظرة رضا من الآخرين.....
إن لم تجد من يحتضنك حين تخاف،
ستغدو يدك باردة حتى وأنت تمسك بيد من تحب  ..
لهذا… قبل أن تُنجب، اسأل نفسك بصدق:
هل يمكنك أن تحب دون شرط؟
أن تُربّي دون أن تَكسِر؟
أن تصمت حين تغضب… وتَحضن حين يبكون...؟
فالأطفال ليسوا نتيجة شهوة، بل أمانة، حياة،
وكل خذلان صغير في طفولتهم…
يصير صدعًا كبيرًا في أرواحهم حين يكبرون..
الآن…
دعونا نعود إلى روز
كانت نائمة في المقعد الجانبي، رأسها مائلٌ نحو النافذة،
مهدّأة بأنفاسٍ دافئة، وكأنها أخيرًا وجدت صدرًا وهميًّا تضع عليه كل حذرها،
العم كهرمان لم يُصدر أي صوت،
كان يقود سيارته القديمة بهدوءٍ،
لم يكن مستعجلًا، بل كأنه يُمهّد الطريق لطمأنينتها أكثر من وصولها..
دلف إلى مدينة أضنة، ثم بدأ يسلك الطرق المؤدية إلى إحدى زواياها الأقل صخبًا،
حيّ يعرفه الجميع…
حيّ جنكيز،
مكان لا يجرؤ غريبٌ على الدخول إليه دون سبب،
حيث تتناثر بيوت أبناء العائلة في تناغم يشبه قبائل الزمن القديم،
وفي منتصف الحي تمامًا، كان هناك قصر ضخم،
بُنيّ على الطراز الملكي، بسقفٍ مائل ونوافذ خشبية داكنة،
هو بيت الجدّ الأكبر… وقائدهم الذي لا يُردّ له أمر:
مرتضى جنكيز،
ذلك الاسم الذي يُقال في أضنة بخشوع…
وفي ذات الوقت، يرتجف له خصومه ..
لكن كهرمان لم ينظر للقصر بخوف....
وما إن دخلوا حدود حي جنكيز حتى اضطر كهرمان إلى التوقف....
كان ثلاثة شبان يقفون في منتصف الطريق، يحملون أسلحة واضحة، وعيونهم تتفحّص السيارة بريبة.
تقدّم أحدهم نحو الزجاج الجانبي، ووقف بثبات أمامه، ناظرًا إلى كهرمان بنظرة شكّ حذرة.
طرق الشاب بخفة على زجاج السيارة، ما كان كافيًا لإيقاظ روز من غفوتها القصيرة.
رفع حاجبه وسأل بنبرة جافّة:
"ما الذي جاء بك إلى هنا أيها العم؟ لا تبدو من أهل هذا الحي."
مدّ كهرمان يده إلى علبة سجائره، لكنّه لم يُشعل شيئًا، بل أجاب بهدوء يليق بكبره:
"جئت لأُعيد أمانة إلى أهلها، وهي هذه الفتاة  يا بني."
حينها، تدخّلت روز، لا يزال صوتها مبحوحًا من النوم، إلا أن نبرتها حملت وضوحًا كافيًا:
"ميشيل؟ ألم تتعرّف إليّ؟ أنا… روز."
ساد صمت قصير، تغيّرت خلاله ملامح الشاب، وسرعان ما أشار إلى رفاقه بالتراجع.
"روز؟! ما الذي جرى لك؟ ما هذه الحالة التي انتِ بها ؟"
أجابته بهدوء مكسور:
"قصة طويلة… لكن الأهم من كل شيء، أنّ هذا العم قد ساعدني كثيرًا، هل يمكنك السماح له بالدخول معي؟"
نظر ميشيل إلى كهرمان ثم إلى روز مجددًا، وكأنه يزن الموقف بعناية،
ثم قال بنبرة يعلوها احترام حقيقي:
"من قدّم يد العون لأحد أفراد عائلتنا، فهو ضيف لدينا، وتحت حمايتنا.. "
تنفّست روز الصعداء وابتسمت ابتسامة امتنان:
"شكرًا لك، ميشيل."
تراجع الشبان جانبًا، ورفع ميشيل يده إشارة بالمرور...
تابع كهرمان القيادة، بينما أخذت روز تُرشده إلى الطريق المؤدي إلى منزل عائلتها الكبير،
وفي عينيها شيء من النعاس، لكن في صدرها راحة لم تعرفها منذ زمن....
حتى بلغوا ذلك المنزل ذا الطوابق الثلاثة، بطابعه المعماري الصارم، إذ طغى عليه اللونان الأسود والرمادي، ونوافذه المظلّلة حجبت ما بداخله كأنها تعكس طبيعته الغامضة.
ترجّلت روز من السيارة متكئة على عصاها، تتقدّم ببطء وحرص، فيما كان العم كهرمان يسير خلفها بصمت، يمنحها كل ما تحتاجه من وقت وخطوات، دون استعجال أو ضيق، كأنّه أب يخشى على ألم ابنته...
وقبل أن تضع قدمها على عتبة بيتها، سحبت سلاحها من جيبها الجانبي وسلمته لحارس البيت دون أن تنبس بكلمة...
كان هذا من قوانين عائلة جنكيز الصارمة: لا أحد يدخل حاملًا سلاحًا، باستثناء الأب.
كل من يحمل سلاحًا يسلّمه للحارس عند الدخول، ويستعيده عند الخروج....
هكذا هي حياة أبناء المافيا… يسير كل فرد وفق قواعد دقيقة لا تقبل الخطأ أو التجاوز.
دخلت روز وهي تبتسم بخفة، مزيج من الحنين والخجل، لمجرد أنها تعود إلى حيث تنتمي  أو كانت تظن أنها تنتمي...
وفي قلب الحديقة الواسعة، جلس والدها، ألكسندر جنكيز، بهيبته المعتادة...
وما إن وقعت عيناه عليها، حتى قام واقفًا وتقدّم بخطى ثابتة، قبل أن يرفع يده ويصفعها بقوة، صفعة مزّقت السكون، وألقت بها أرضًا بلا مقدمات.
تجمّدت اللحظة، وانحبس الهواء في صدر العم كهرمان من هول المفاجأة.
صرخ ألكسندر بنبرة مشتعلة بالغضب:
"أيتها العاقة… أتهربين مع عشيقك؟ وتعودين لتقفي أمامي وكأن شيئًا لم يكن؟! أتضيّعين شرفك مع رجل يكبرك بأعوام؟!"
وقعت كلماته على قلبيهما كالصاعقة،
تسمرت روز في مكانها، تحدّق به بذهول، فيما تكدّست الدموع في عينيها، عاجزة عن الفهم… عاجزة عن الدفاع… عاجزة حتى عن البكاء...
ليرد العم کهرمان مبرراً له :" اخي هي لم تفعل ما__"
لم يتمکن من إكمال کلامه بسبب الكساندر الذي سحب سلاحه و اطلق على راسه رصاصتین ..
انتفضت روز نحو جثته التي سقطت بجانبها لتبدأاً بالبكاء و الامساك بیده لتقول بنبرة متقطعة اثر بکائها "ابي لِمَ...لِمَ قتل..ته"
ليتقدم نحوها ويسحبها من شعرها ليجعلها تقف على قدمها المصابة و يتحدث بالقرب من وجهها مثبتاً عينيه بداخل خاصتها " لستك والدك ولا يشرفني ان اکون والد عاهرة أفهمتِ؟"
انهی کلماته ليرمیها علی الارض مجدداً
لينادي حارس البيت ليقوم بتجهیز سیارته و رجاله تتسائلون لما ؟
ببساطة سيدفن ابنته حیه مع العم او عشیقها، بنظره هذه عاداتهم فمن تزني تدفن و هي على قيد الحياة و يمنع على احد ان يعارض فمن يعارض يعتبر زاني أيضاً...
........................................................................
خرج ديريك من الحمّام، ينشّف شعره بمنشفة صغيرة، ليفاجأ بـزاكروس واقفًا أمام الباب، عاقدًا ذراعيه على صدره، وكأنّه ينتظره منذ وقت...
من حسن حظ ديريك – أو من سوء حظ زاك – أنّ الأول لا يفارق مسدسه حتى داخل الحمام...
رفعه مباشرة صوب جبهة زاك، دون تردّد.
لكن زاك لم يتحرك، لم يرمش حتى...
وبعد لحظة من التوتر، نطق ديريك بنبرة ساخرة:
"أترى... فأر من فئران جنكيز معجب بي؟ ما الذي تفعله في غرفة رجل أعزب ومسكين مثلي؟"
رفع زاك حاجبًا، وردّ بسخرية مماثلة:
"مسكين وأعزب؟ أشك في كلا الأمرين...
على كل حال، لا تقلق... لستُ معجبًا بك."
ضاقت عينا ديريك وهو يراقبه بشك:
"إن لم تكن معجبًا، فما الذي جاء بك إلى هنا إذًا؟ إلى غرفتي تحديدًا؟"
تحوّل صوت زاك فجأة إلى الجدية:
"ديريك سالفادور... يجب أن تعتبرها فرصة، لك الشرف في مساعدتي."
زمّ ديريك شفتيه بضيق، وانفجر غاضبًا:
"من تظن نفسك بحق الجحيم، أيها الفأر الجنكيزي؟!"
لكن زاك تجاهل انفعاله، وأكمل ببرود، وكأن الموت لا يعني له شيئًا:
"ديريك... أرجوك، لم يعد لدي الكثير من الوقت."
تغيّرت ملامح ديريك تدريجيًا، وانخفض مسدسه عن جبين زاك، ثم قال بلهجة جدّية:
"اجلس هناك... وسأتحدث معك بعد أن أرتدي ملابسي."
وأشار برأسه نحو السرير...
ذهب ديريك ليرتدي ملابسه، إذ لم يكن يرتدي سوى رداء الاستحمام، بينما كان زاكروس يراقبه من طرف الغرفة بضجر، وكأن الوقت يمرّ عليه كأنه عالق في حجرة انتظار....
وما إن انتهى ديريك من ارتداء قميصه، حتى جلس إلى جواره على حافة السرير، ثم قال بنبرة فيها شيء من التهكم:
"اطربني... ماذا تريد مني؟"
تنهد زاك بعمق، لأن ما سيقوله أثقل من أن يُقال بسهولة:
"سأعطيك كل المعلومات التي أملكها عن مافيا جنكيز، كل شيء... بالأسماء، الأسرار، نقاط الضعف...
وفي المقابل، أريد منك أن تجد أختي... وتهرّبها خارج البلاد،
أريدك أن تنقذها منهم."
لم يمنحه ديريك ردًا سريعًا، فقط نظر إليه باستغراب خفيف، وكأنه يحاول تقدير حجم ما يُطلب منه....
لكن قبل أن ينطق، رنّ هاتف زاكروس فجأة...
أخرجه بهدوء من جيبه، وفتح الخط دون أن يتفوّه بكلمة،
لم يُسمع سوى الصمت من طرفه، لكن تعابير وجهه تغيّرت تدريجيًا... وكأن خبرًا ثقيلًا قد هبط عليه كالصاعقة...
همس أخيرًا بصوتٍ منخفض:
"أنا قريب... حين تراني، شتّت انتباههم."
ثم أنهى المكالمة بسرعة، ووضع الهاتف في جيبه مجددًا.
رفع ديريك حاجبه متسائلًا، قبل أن يرد زاكروس سريعًا:
"لقد عثرت على أختي.
لذا... المقابل تغيّر، أريدك أن تهرّبنا أنا وهي، معًا."
تنهّد ديريك، وقال بنبرة ساخرة تحمل في طيّها لمحة جدية:
"ولِمَ لا أهرّب العائلة بأكملها أيضًا؟"
ابتسم زاك ابتسامة صغيرة، شبه حزينة:
"لا أريد أن أُثقل عليك.
يكفي... نحن الإثنين فقط."
........................................................................
في طرف المقبرة، عند القسم المخصص لعائلة جنكيز، كانت أربع سيارات سوداء متوقفة بانتظام، بينما خالفتهم سيارة بيضاء واحدة، تقف جانبًا....
في المقعد الخلفي لتلك السيارة البيضاء، جلست روز،
يداها ورجلاها مقيدتان، وظهرها مستند إلى المقعد بجمود....
لم تكن تصرخ، ولا تحاول المقاومة… فقط تبكي بهدوء....
دموعها تنزل بلا توقف، لكن وجهها كان خاليًا من أي تعبير، كأنها لم تعد موجودة فعلًا، فقط جسدها حاضر....
من حولهم، تسعة رجال مدججين بالسلاح يقفون بتأهب،
لا ينظرون إليها، لا يتحدثون....
يبدو أنهم تلقوا أوامر صارمة، ولا أحد فيهم يجرؤ على مخالفتها....
قريبًا من الحفرة التي بدأت تتشكل ببطء، كان والدها، ألكساندر، يحفر بيديه....
لم يطلب من أحد أن يقوم بذلك بدلاً منه،
وجهه مشدود، نظراته مركّزة على الأرض التي تنشق أمامه....
إلى جانبه، وقفت تيريزا، والدتها،
لا تبكي. لا تقترب من روز....
فقط تقف هناك، عيناها على زوجها، وصمت ثقيل يحيط بها....
لم يكن واضحًا إن كانت عاجزة، أم خائفة، أم فقط قررت ألا تعارض....
لم ينطق أحد....
كان المشهد كله يتحرك بصمت، كأن الجميع يعرف أن ما يحدث لا رجعة فيه....
كل ما سُمع هو صوت المجرفة وهي تضرب التراب....
وصوت أنفاس روز… المتقطعة..
كان ميشيل يقف على مسافة قريبة من القبر، يتابع بصمت حركة سيده ألكسندر وهو يحفر،
انتظر الحظة التي يشعر أنها مناسبة، ثم اقترب بخطى ثابتة، وحين لاحظ ألكسندر اقترابه، توقف عن الحفر، وغرس المجرفة في الأرض بقوة، ثم التفت إليه بنبرة ضيق:
"ما الأمر الآن؟"
رد ميشيل دون أن يرفع نظره نحوه، بصوت هادئ ومحسوب:
"سيدي… الاجتماع مع السيد مرتضى سيبدأ بعد نصف ساعة، هل تأذن لنا بمساعدتك؟ حتى لا تتأخر."
زمّ ألكساندر شفتيه، كمن تذكّر شيئًا نسيه تمامًا،
تنهد ببطء وقال بنبرة جافة:
"آه… نسيت، أحسنت يافتى نادِ الرجال، أنا سأرتاح قليلاً."
ابتسم ميشيل بخفة، وأجاب باحترام:
"أمرك، سيدي."
ثم استدار، وبدأ ينادي رجال الحراسة الواقفين في الخلف تحديدًا، موجهًا الأمر إليهم بالمجيء لمساعدة السيد في إنهاء الحفر....
أما ألكساندر، فخرج من الحفرة بخطوات ثقيلة واتجه نحو سيارته...
استند عليها بأنفاس مرهقة،
ولم تمضِ لحظات حتى لحقت به زوجته تيريزا، كانت تسير بخطوات بطيئة، رأسها منخفض....
وقفت بجانبه، وقالت بصوت خافت بالكاد يُسمع:
"سيدي… ماذا لو علم زاك؟"
رفع ألكساندر نظره إليها ببطء، ثم قال بحدة منخفضة، وهو يشيح بوجهه:
"لا توجعي رأسي الآن، يا امرأة، كيف سيعلم إن لم تفتحي فمك؟ وإن علم… هل تظنينه سيقف بوجهي؟!"
صمتت تيريزا، وكأنها ابتلعت ما كانت على وشك قوله، بينما تابع هو نظره نحو القبر الذي يحفره رجاله، وكأن كل شيء يسير كما يجب... حتى لو على حساب ابنته....
كان رده كافيًا لإسكاتها… لم تكن تيريزا تهتم حقًا بابنتها، ولم تجرؤ حتى على السؤال عن الحقيقة،
كل ما أرادته هو أن تتخلص منها، لكن الوقت لم يعد في صالحها، فقد بدأت تخشى من ردة فعل زاك....
تعلم جيدًا مكانتها عنده، وتعلم أنه إن اكتشف ما حدث، لن يسامح بسهولة....
في تلك اللحظة، كانت روز ما تزال في المقعد الخلفي، مكبلة اليدين والقدمين، تبكي بصمت وحرقة....
مقلتاها جمدتا من فرط الألم، ولم تعد تبكي بقدر ما كانت تنهار بهدوء....
وفجأة… شعرت بباب السيارة يُفتح بهدوء.
ارتجف قلبها، وظنت أن لحظة دفنها قد حانت.
لكن حين التفتت برأسها المرتجف… رأت وجهًا لم تتوقعه....
زاك....
بلا كلمة، أشار لها بإصبعه أن تلتزم الصمت، بينما عيناها اتسعتا من الذهول، وكأن الحياة دُفعت فيها من جديد.
لم تصدر أي صوت، بالكاد تنفّست… ثم انفجرت بالبكاء مرة أخرى، لكن بصوت مكتوم.
أحاطت بذراعيها المقيّدتين عنقه، ودفنت وجهها في كتفه.
احتضنها زاك بقوة، ورفعها عن المقعد بحذر، ثم أغلق الباب خلفه بهدوء وهمس في أذنها:
"تمسكي جيدًا، أيتها الطفلة… أنا هنا "
ابتسمت بخفوت، ثم مسحت دموعها المبللة بكم قميصه، ودفنت وجهها أكثر في صدره...
شدّها إليه من خصرها وأخذ يسير للخلف بهدوء، خطواته حذرة، عينيه تراقبان المكان بحذر قاتل.
وبمجرد أن ابتعد مسافة كافية عن التجمع، ركض بكل ما أوتي من قوة، حتى وصل إلى سيارته المتوقفة خلف سور بعيد نسبيًا.
فتح الباب الخلفي، وضعها بسرعة، قبّل جبهتها دون كلمة، ثم أغلق الباب، واستدار للركض ليفتح باب السائق ويجلس خلف المقود...
جلس، أدار المحرك، وضغط على دواسة الوقود بأقصى ما يمكن…
رغم أنه لا يحب القيادة السريعة، هذه المرة كانت مسألة حياة أو موت....
أثناء القيادة، لم يتبادلا أي كلمات… فقط ضحكات،
ضحكات عالية، صادقة، كأنها المرة الأولى التي يتنفسان فيها حرية حقيقية....
لم يكونا بحاجة للكلام، الضحك وحده قال كل شيء....
مرت دقائق قبل أن ينتبه زاك إلى أن معصمي روز ما زالا مقيّدين.
رمقها بنظرة جانبية لكنه لم يتوقف، استمر في القيادة حتى وصل إلى ذلك المنزل الفخم…
منزل ديريك سلفادور....
لكن هذه المرة لم يدخل متخفيًا كما فعل في السابق....
دخل كأي ضيف طبيعي…
الحراس عند البوابة لم يوقفوه، بل حيّوه باحترام، تنفيذًا لأوامر ديريك الأخيرة....
أوقف السيارة أمام المدخل الرئيسي، استدار إلى أخته وقال برقة لم يعهدها أحد منه من قبل:
"أيتها الطفلة… أنا سأدخل أولًا، أما أنت فابقي هنا، خذي هذه السكين، فكّي بها قيودك، ولا تخرجي حتى أعود."
ناولها السكين بابتسامة صغيرة، فردت عليه بابتسامة واسعة، عينان دامعتان من الفرح لا الحزن هذه المرة....
ترجل من السيارة، وأغلق الباب خلفه بهدوء،
دخل بهدوء… رسمي… محترف...
لكن لنكن صريحين، هذا زاكروس جينكيز أيها السادة...
لم يتجه إلى غرفة الاستقبال، بل سار مباشرة نحو غرفة النوم، كما فعل في المرة الأولى، دون أي اعتبار للخصوصية....
وصل الباب… وفتحه دون أن يطرقه.
في اللحظة ذاتها، كان ديريك يخرج من الحمام، نصف مرتدٍ لملابسه، فرفع سلاحه فورًا دون تفكير، ووجهه نحوه بانفعال:
"أنت؟! أيها الفأر… ما مشكلتك معي؟! هل هذه هوايتك؟ أن تقتحم غرفتي؟!"
ضحك زاكروس وهو يدخل الغرفة قائلاً بسخرية:
"لدي الكثير من المشاكل حاليًا… وليس لدي متسع لوضعك ضمنها، أيها الخروف."
رمش ديريك بصدمة، وأنزل سلاحه تدريجيًا وهو يرد:
"خروف؟!… لماذا الخروف تحديدًا؟"
هزّ زاكروس كتفيه بلا مبالاة:
"وما ذنبي إن كانت مخيلتي تراك خروفًا؟"
تنهد ديريك بضيق وهو يُرجع المسدس إلى مكانه:
"صبرك يا رب… سأقتلك يومًا ما."
تقدم زاك خطوة بثقة حتى وقف أمامه مباشرة:
"هذا يعتمد عليك، يا سلفادور."
أشار له ديريك بالجلوس، فجلس زاكروس دون نقاش،
فتح ديريك درج مكتبه وسحب منه مجموعة أوراق، جلس مقابل زاك وهو يتفحصها بصمت....
قطب زاك وهو يراقبه وقال بنبرة جادة:
"أتمنى أن تُسرع… الشمس حارقة في حديقتك."
رفع ديريك حاجبه:
"وما المشكلة في الشمس؟"
رد زاك بجدية:
"أختي في السيارة…لديها حساسية من الضوء، وتزداد سوءاً عندما تبكي "
قال ديريك بدهشة أشد:
"حساسية من الضوء؟ ولماذا لم تدعها تدخل؟"
أجاب زاكروس بابتسامة ماكرة:
"ببساطة… لا أثق بك."
ضحك كلاهما، ثم هز ديريك رأسه وقال بسخرية:
"آه، يا فأر جنكيز... هات ما لديك، فالشعور متبادل."
أخرج زاكروس جهاز تخزين صغيرًا من جيبه، وبدأ يمرّره بين أصابعه ببطء، ثم قال:
"وماذا أعددت لنا، أيها الخروف؟"
تنهد ديريك بنفاد صبر وأجاب:
"أعددت لكما هويات كاملة، وإقامة في إيطاليا، ستغادران اليوم عبر البحر، مع صديق لي في الميناء... ولا أريد أن أراكما في حياتي مجددًا."
ضحك زاكروس، ورفع حاجبه بخبث:
"صدقني... أنا أيضًا لا أرغب في رؤيتك مجددًا، لكن....كل هذه الأوراق... مزورة؟"
أجابه ديريك بنبرة ساخرة:
"بالطبع مزورة... ماذا كنت تظن؟ أنني سجّلتكما رسميًّا في السفارة؟"
قال زاكروس بهدوء، وهو يعيد الجهاز إلى جيبه:
"حسنًا... لكن قبل أن نُجري التبادل، ويذهب كلٌّ منا في طريقه، أودّ أن أطلب منك طلبًا أخيرًا."
رفع ديريك حاجبه وردّ بسخرية:
"هل تنوي أن تطلب كليتي مقابل هذه المعلومات أيضًا؟"
قال زاكروس بجدية ونبرة هادئة:
"أريدك أن تعدني، بعد أن أموت، إذا وجدت أختي حتى بالصدفة، أن تعتني بها، مهما كلفك الأمر، لا تدعها تتلوث بعالمي، لا تدعها تنضم إلى المافيا."
رد ديريك بملل:
"يكفي! لماذا تتحدث وكأنك تعرف أنك ستموت فعلاً؟ لا تقلق، العاهر لا يموت بسهولة."
أصر زاكروس:
"فقط عدني، رغم أنك لا تفي بوعودك."
قال ديريك بنبرة انفعال مصطنع:
"لماذا تجعلني أشعر كأن هذا وعد زواج؟ بالطبع لن أفي به إن كان كذلك."
قلب زاكروس عينيه بنفاد صبر وقال:
"ديريك سلفادور!"
ضحك ديريك وقال:
"حسنًا، حسنًا، أيتها الفأرة، لا تغضبي، لكن لماذا أنا بالذات؟"
نهض زاكروس، وسحب الملفات من يد ديريك، وترك الفلاش على الطاولة، وأضاف:
"لأن ليس لي أحد غيرك."
ثم خرج من الغرفة، ومن البيت بأكمله، متجهًا نحو سيارته مجددًا....
ليركب السيارة ويقول بابتسامة:
"تعالي واجلسي بجانبي، أيتها الطفلة."
فعلت روز ما قاله بابتسامة، وسحب وجهها مقربًا له أكثر فور صعودها بجانبه، ليقبل رأسها ثم أضاف:
"من الآن فصاعدًا، ممنوع نزول أي جوهرة من هذه الجواهر، ومن يكون سببا في نزولها…أنزل   دمه.. "
ضحكت روز على كلامه وسألته:
"ما هذه الأوراق التي بحوزتك، أخي؟"
ابتعد عنها ومرر لها الأوراق قائلاً بسعادة:
"هذه بداية حياتنا الجديدة معًا."
.................................................................
لکل نهاية بداية و لكل بداية جديدة حكاية لها جذور تمتد من بداية قديمة فهل یا تری سینعم ابطالنا
بالحياة التي يتمنونها ؟
ام ستصیب رصاصة الماضي الحاضر لتقتله و تلطخ دمائه المستقبل..؟؟
.___يتبع___.
عدد الكلمات : ٦١٢٢
𝕵.𝕸
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.