DIVA
DIVA
جزء 5 من 11
وضع القراءة:

لحن الذكريات وضهور شرشبيل

﹝ روايتي ليست مجانية ﹞
الـثـمـن الذي عليك دفعه لقرائتها
هو: التعليق على الفقرات ✍🏻
والضغط على القلب أسفل البارت ♥️
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
:"حتى عندما تمنیت أن أبتعد عن العالم بأکمیله گنت أريدك أن تأتي معي!"
هو قالها لأنه يحبني... لأنني عالمه.... لأنني كل شعوره... رغم أنه ابتعد عني....
لكنه قال أيضا " الكلام اخترع الكتابه حتی يبقى الاثر و ما لا یمکن له ان يعبر بالکتابه یعبر بالموسيقى.."
ذلك الكلام...وتلك الموسيقى... ناجمة عن شعور... لكن أي شعور... ولِمَ؟
******************************
ثلاثة أعوام تمرّ،
ولا يحبّ تذكّر مرور الزمن سوى الأشجار...
فتقدّم العمر مصدر فخرٍ لها، أما البشر، ففي كل خطوة يمضيها الزمن، يطبع على وجوههم أثرًا، أو ربما ندبة،
وغالبًا ما يخلّف في دواخلهم مرارة...
مرارة فقدان من أخذهم الزمن دون إنذار....
لكن ثمة موتى... حتى الموت لا يمكنه قتلهم فينا،
فبمرور الأعوام الثلاثة، لا تزال روز متمسكة بذكرى أخيها الراحل....
تستمرّ في بيع الكعك بالطريقة التي علمها إياها، لا تغيّر شيئًا منها....
ترتدي نظّاراته، سترته، وتضع مشبك الشعر الذي أهداه لها دومًا....
حتى أنها توقفت عن صبغ شعرها، ليصبح بلون شعره،
كأنها تريده حيًا في كل ما حولها....
لا ترغب في نسيانه، لا تسمح لذكراه أن تتلاشى...
حتى بطاقته الشخصية المزوّرة، لا تزال تحتفظ بها، تتأملها كلّ حين،
لئلا تنسى ملامحه....
وها هي الآن،
تجلس أمام قبره، مرتديةً ثيابها السوداء، تكلمه دون أن تُصدر صوتًا....
نعم... فهي قد فقدت صوتها فعلًا،
فقد سرقته منها الصدمة يوم اختطف الموت أعزّ من عرفت....
تعلم جيدًا أنها تستطيع أن تزور طبيبًا نفسيًا،
وأن العلاج ممكن،
لكنها لا ترغب بذلك...
لأنها ببساطة، لا تملك أحدًا لتتحدث معه،
سوى بيري وبعض الزبائن....
صحيحٌ أن بعض الزبائن قد سخروا من صمتها،
لكنها لم تهتم،
كما أنها واجهت بعض الصعوبات في بداية الامتحانات الشفهيّة،
لكنهم تفهّموا حالتها فيما بعد،
وسمحوا لها بإجراء الامتحانات كتابيًا، كما البقية.
وككل مرة...
تعيد ذات الكلمات،
بعينيها، لا بشفتيها،
مؤمنةً في أعماقها،
أنه كما فهمها دون كلامٍ ذات يوم،
سيفهمها الآن....
"لم أتقبّل فكرة موتك...
يلزمني أن أعيش طويلًا، ربما مئة عام، لا أعلم،
فقط لأصل إلى تلك اللحظة التي أستطيع أن أنطق اسمك
أو أقول شيئًا عنك...
دون أن أجهش بالبكاء.
أنا لا أستطيع تذكّرك...
ولا حتى ذكرى واحدة،
دون أن تمتلئ عيناي بالدموع،
اسمك وحده... يبكيني.
وحين أبكي... لا أجدك معي.
رغم أنك خارطتي،
لا أجدني في حدودك.
ورغم أنني أقف أمام القبر الذي دُفن فيه قلبي، لا جسدك فقط،
ما زلتُ...
أنتظرك أن تأتي....
زاكي....الطفلة الصغيرة يؤلمها الحنين إليك "
.........................................................................
على تمام الساعة الثالثة عصراً، تقف روز في مطبخ المقهى، تُخرج آخر كعكة من الفرن لتبدأ بتحضير أدوات التزيين، وعلى كتفها يقف "بيري" يتمتم بصوت خافت بلغته الخاصة....
اشتهر مقهى توليپ بكعك الفراولة والفانيليا، لذا تحرص روز دائمًا على إعداد كميات أكبر منه مقارنةً بباقي الأصناف....
ورغم أن باقي أنواع الكعك لا تقل لذة، إلا أن الناس بقوا يُفضلون هذا النوع، ربما لما يحمله من شعور بالحب والحنين....
وبينما بدأت بتقطيع الفراولة، قاطعها وصول إشعار على هاتفها، جعلها تتجمّد في مكانها من الصدمة؛ فهي نادرًا ما تتلقى رسائل، فلا أحد يملك رقمها أساسًا....
ولوهلة، ظنت أنها رسالة من ديريك سيلفادور، ذلك الذي كادت تحرق الهاتف لأجله من كثرة محاولاتها الفاشلة للتواصل معه....
تركت السكين على الطاولة، ونزعت القفازات، ثم سحبت الهاتف من جيب الصدرية، لتتفاجأ بأن الرقم ليس رقمه، بل رقم غريب قد أرسل لها مقطع فيديو.
جلست على الأريكة بصمت، وفتحت الفيديو...
كان تسجيلاً من كاميرات مراقبة، لغرفة تحتوي على رجلين، وقد ميّزت أحدهما دون أي جهد:
أخيها زاكروس...
أما الآخر، فكان جالسًا على كرسي تعذيب،
يسير زاكروس بخطى بطيئة وثقيلة حتى وقف أمام الرجل الآخر، ثم مدّ يده ليفك العقدة القماشية التي كانت تغلق فمه، وقال بنبرة مستفزة وهو ينظر مباشرة في وجهه:
"أوه، مارك... كم أشفق عليك."
ردّ مارك وهو يضحك بسخرية:
"هل نفذ الرجال عند عائلتك، ليرسلوا مراهقًا مثلك؟"
وما إن أنهى كلمته حتى صفعه زاكروس على وجهه صفعة قوية أدت إلى نزف من أنفه وفمه، ثم همس قرب أذنه بنبرة باردة:
"أنت لست صعبًا إلى درجة أن نشغل الكبار بك."
زمجر مارك والشرار يتطاير من عينيه:
"أيها اللعين! كيف تجرؤ أن تمد يدك على أحد أفراد عائلة سيلفادور؟! ألا تعرف عاقبة ما فعلت؟! لقد فتحت الطريق لسلالتك كلها نحو الجحيم، أيها الطفل!"
ضحك زاكروس بصخب، بطريقة مجنونة، كمختلّ هارب من مصحة عقلية....
من يراه لن يصدق أنه ذلك الشخص الحنون الذي عرفته روز،
لكنها تعرف هذا الجانب فيه جيدًا...
هي تعرف كل جوانبه....
خلعت النظارات حت تسمح لدموعها بالانهمار لیس لخوفها او بسبب المشهد ،لا لا ... هي قد شاهدت الاسوء بالفعل لكنها فقط تبكي علی اخیيها الذي صنعوا منه وحشا ثم تخلصوا منه بسهولة....
لینطق زاکروس حالما انتهی من الضحك :" مارك سیلفادور ، اتضن ان احد من عائلتك سینقذك الان ؟ هم أساساً لن يهتموا باختفائك !"
اجابه مارك بثقة: "لا لا مستحیل هم سینتقمون منك و من عائلتك كامله! "
زاکروس بتلاعب :" اذا ساتراهن معك ، سأقوم بتقطيعك الى اشلاء و ارسل بعض منها لهم و اترك معك قنبله موقوته لتفجیر رأسك الفارغ هذا ، ان قدم احد منهم فستحافظ على حياتك و ان لم ياتي فساکون سعید بتخلیص العالم من
عاهر قذر مثلك ، ما رأيك ؟"
ضل مارك جامداً دون جواب مما دفع زاکروس للضحك بصوت اعلى من المرة السابقة ليقول بضحك : " اتخاف من مراهق سید مارك سیلفادور ؟ اهه ما بك اضننت اني ساقتلك
ببساطة ؟"
لیردف مارك اخيراً: " زاکروس لا تهذي "
ليرد زاكروس بسرعة وهو يضمّ يديه إلى صدره ساخرًا:
"أهذي؟ بالطبع لا... أهه، لدي سؤال ما فائدة هذه الأظافر يا ترى؟"
أجابه مارك بتردد، يحاول التماسك:
"لحماية نهاية الأصابع..."
صَفّق زاكروس بخفة وقال بسخرية:
"رائع، يبدو أنك ذكي يا مارك... يؤسفني أن يضيع هذا الذكاء هباءً."
ثم أشار إلى يده، متابعًا ببرود:
"لكن بالنسبة لي، فلا أرى لها أي فائدة في جسدك."
وما إن أنهى كلماته حتى ملأ فم مارك بقطعة قماش مجددًا، ثم أمسك بأداة حادة... وبدأ بخلع أظافره، واحدة تلو الأخرى....
الصراخ الذي انطلق من مارك ملأ الغرفة بأكملها، متقطعًا، حادًا، موجعًا...
وحين انتهى زاكروس، وضع الأظافر في صندوق كرتوني للهدايا، ثم نظر إليه بشفقة مصطنعة، بينما كان مارك يبكي ويلهوث من شدة الألم.
انحنى زاكروس نحو أذنه، وهمس بنبرة حزينة متصنعة:
"أشفقت عليك يا مارك... قلبي الرقيق لم يتحمّل مظهرك، كنت كأنك امرأة تلد... لذا، سأقوم لك بمعروف."
رَمى العلبة بإهمال، ثم أردف بتمثيل حزين:
"يا للأسف... لقد اتعبني ذلك... كنت أظن أنني أُعدّ هدية تليق عائلتك، لكن ماذا أفعل بطيبة قلبي؟"
وما إن أنهى جملته، حتى سحب سلاحه المُزيَّن باسمه الذهبي...
وأطلق رصاصةً استقرت بدقة بين حاجبي مارك....
هل رأيتم طيبة قلب زاكروس؟ أعني....هو لم يقم بتقطيعه إلى أشلاء أو تعذيبه... هو فقط اخضعه لجلسة تقليم الأضافر ومن ثم قتله برصاصة في رأسه....
أترون كمية اللطافة ؟
انتهى مقطع الفيديو،
لتنتبه روز بعدها مباشرة لرسالة أخرى وصلت:
"سأقتلك بنفس الطريقة التي قُتل بها أخي على يد أخيك."
لم يخطر ببالها سوى سؤال واحد:
هل هذا ديريك؟
فقد شدّ انتباهها أن مارك وديريك ينتميان لنفس العائلة... عائلة سيلفادور.
والحقيقة؟
سأكذب إن قلت إن أطرافها بدأت ترتعش أو أن الخوف تسلل إليها....
بل ببساطة، أعادت الهاتف إلى جيبه في صدريتها، ثم عادت لإكمال تزيين الكعك،
بقي نصف ساعة فقط على موعد افتتاح المقهى، فهي تفتحه كل يوم من الساعة الرابعة عصرًا حتى الحادية عشرة ليلًا.
وخلال تزيينها للكعك، كانت دموعها لا تزال تنهمر بصمت، بغزارة، كأنها تغسل ألم الذكرى...
كانت تفكر، بين نفسها، بأنها لن تعارض الذهاب إلى حيث أخيها...
لن تُخل بوعدها له...
ولن تستخدم السلاح أبدًا.
ربما كان ذلك تفكيرًا غبيًا، وربما يُضيّع تضحية زاكروس بالكامل،
لكن شوقها له...
يفوق كل شيء...
ومع توافد الزبائن، بدأت روز تهرول ذهابًا وإيابًا بين الطاولات، تبتسم لكل من يصادفها، وتكتفي بالإيماء للزبائن حتى يبدؤوا بإعطائها طلباتهم....
أغلب من يرتاد هذا المقهى طلاب من الثانوية القريبة، وهي ذات الثانوية التي تدرس بها روز، وإن كان ذلك بنظام استثنائي لا يلزمها بالحضور الدائم....
كان معظم الطلاب يستلطفونها، ربما لقربها من أعمارهم، لكن بعضهم كانوا ينظرون لها باحتقار... لسببٍ يكاد يجهله الجميع....
تقدّمت روز نحو طاولة تجلس عندها مجموعة من الفتيات، وابتسمت لهن قبل أن تُظهر صفحة جديدة من دفتر ملاحظاتها الصغير استعدادًا لتسجيل الطلبات.
قالت إحداهن باستهزاء:
"هل أنتِ خرساء؟ لماذا لا تتكلمين؟"
اكتفت روز بالابتسام كعادتها، غير أن الفتاة الأخرى تمتمت بصوت منخفض، لكن مسامع روز التقطته جيدًا:
"هل انتهت المقاهي يا لارا حتى تأخذينا إلى مكان تعمل فيه خرساء؟"
رفعت روز حاجبها، وتبدلت ملامحها بالكامل.
كتبت عبارة قصيرة على ورقة من دفترها، ثم مزّقتها بهدوء من الصفحة، ووضعتها على الطاولة أمامهن.
كانت الورقة تقول:
"اذهبي لتلك المقاهي إذًا، وأتمنى ألّا تعودي إلى هنا مجددًا وشكرًا."
وما إن وضعت روز الورقة على الطاولة حتى استدارت لتُكمل عملها، لكن الفتاة التي قرأت الرسالة وقفت بغضب وضربت الطاولة بقوة، قائلة والشرر يتطاير من عينيها:
"من أنتِ حتى تفكري بطردنا؟!"
توقّفت روز ببطء، ثم استدارت نحوهن، ونظرت إليهن بنظرة يملؤها البرود.
كانت نظرةً صلبة، لا تحمل أي أثر للابتسامة التي اعتدن رؤيتها على وجهها قبل لحظات،
الجميع في المكان لاحظ التغير المفاجئ، ولم يسعهم إلا أن يقارنوا بين تلك النظرة الباردة والنظرة الهادئة السابقة...
بدا وكأن الانفصام يجري في دماء عائلتها بالكامل....
في تلك اللحظة، كان بيري يقف أعلى جهاز الكاشير، لكنه حين رأى الموقف، فردّ جناحيه وانطلق ليقف فوق كتف روز، وكأنّه يعتقد أن حركته تلك ستخيف الفتاة وتحمي روز منها....
تجاهلت روز الأمر تمامًا، واستدارت مجددًا لتُكمل عملها، لولا أن الفتاة تقدّمت نحوها وحاولت شدّ شعرها من الخلف....
لكن روز، بحركة سريعة ومدروسة، استدارت وأمسكت بذراع الفتاة، ثم لوتها خلف ظهرها،
هذا المشهد أرعب بعض الطالبات الصغيرات، بينما بدأت أخريات بتصوير ما يحدث، واكتفى البعض الآخر بالمراقبة بصمت....
تقدّمت باقي الفتيات من المجموعة باتجاه صديقتهنّ، فتركتها روز في تلك اللحظة، مما جعلها تسقط مباشرة في أحضان صديقاتها، وسط همسات واستغراب في المكان كله....
خرجن على الفور، وقبل أن يخرجن تمامًا، وضعت إحداهن إصبعها بوجه روز وقالت بحدة:
"ستندمين."
ثم غادرن المكان.
ملأت روز رئتها بالهواء بعمق، وعادت تلك الابتسامة لترتسم على وجهها، أومأت لبيري ليعود إلى مكانه، ثم انحنت بابتسامة خفيفة نحو الزبائن تعتذر لهم عمّا حدث قبل قليل، وعادت تتابع عملها....
ومع كل قطعة كعك أو فنجان قهوة أو كأس عصير تعدّه، تبدأ معاناتها لمنع بيري من الغطس فيها.... صحيح أنه بغاء، لكنه ليس بغاءً عاديًا....
نعلم جميعًا أن البغاء الطبيعي يتغذى على الحبوب أو الخبز، والفواكه تشرب الماء، أما بيري فله ذوق خاص: يحب الحلويات والقهوة، لكن أصنافه المفضلة هي اللحوم والدجاج!
لكن كيف تشرح له أن أكله للدجاج كأنه يأكل لحم أخيه؟
مع ذلك، تحب روز تلبية طلبات ببغائها، وتترك له يوميًا قليلاً من كل صنف تعده، لكنه يحب رؤية ملامحها المنزعجة، فحتى لو أعطيته نفس النوع مرارًا، سيظل يركض نحو أطعمة الزبائن....
لا يمكن إنكار أن روز تنزعج من هذا، لأنه يؤخرها عن عملها، لكنها في الوقت نفسه لا تخفي أن هذا يسلّيها حقًا، رغم أنها لا تظهر ذلك....
بقي قطعتان من الكعك، واحدة بالشوكولاتة والأخرى بالفراولة، وكانت الساعة تشير إلى العاشرة وسبع وثلاثين دقيقة....
وبما أن المقهى فارغ تمامًا، قررت روز أن تستغل هذا الوقت لتكمل دراستها حتى تتمكن من النوم قبل الفجر، على الأقل اليوم....
فهي عادةً تنام من الساعة الرابعة صباحًا حتى التاسعة صباحًا، ثم تبدأ بالتسوق للمتجر ومن ثم العمل....
خلعت صدرية العمل وارتدت سترة أخيها السوداء، المطرزة بحرف "Z" باللون الأخضر بشكل صغير على الناحية العلوية من الجهة اليسرى....
قلبت اللائحة على باب المقهى لتُظهر كلمة "مغلق"، ثم توجهت نحو زجاج المطعم المطل على الشارع، الذي كان مضللاً بالكامل بسبب رطوبة الجو وبرودته....
اتكأت على الحائط وأخرجت هاتفها، متصلة لنفس الشخص للمرة الألف دون ملل، ولم يكن سوى ديريك سيلفادور ....
ومع رنين الهاتف وانتظارها أن يرد، طغى على عينيها اللون الأحمر الذي يدل على رغبتها في البكاء، لكنها كبتته بقوة....
وبينما كانت يدها اليمنى تمسك الهاتف وتثبته على أذنها، بدأت يدها الأخرى ترسم على الزجاج بإصبعها.
رسمت عينين وفمًا حزينًا، وعندما انقطع الخط دون رد، مسحت الرسم بكلتا يديها، مفسحةً مساحة صغيرة تطل منها على الخارج....
توجهت إلى بيري، الذي كان شبه نائم، فحملته وجلست على إحدى الطاولات، وجعلته يستقر في حضنها، ثم فتحت حاسوبها استعدادًا لبدء الدراسة....
لم تمر سوى ثوانٍ حتى فُتح باب المقهى، ولما التفتت روز، التقت بعيني فتاة عسليتين تشبهها في العمر، ذات بشرة بيضاء وشعر ذهبي، وعيون بنية كأن حبيبات القهوة اقتُبست من بريقها....
كانت ترتدي قميصًا أبيض وبنطالًا عريضًا ذو قصة رسمية، بالإضافة إلى سترة باللون الأوف وايت....
فور دخولها، التقت عيناها بعيني روز، وقالت:
"أعلم أنك أغلقت المقهى، لكن هل يمكنني أن أعزف على البيانو؟"
وأشارت نحو البيانو المقابل لها، ذلك البيانو الذي أحضرته روز منذ فترة لتكمل ديكور المقهى، رغم أنها تجيد العزف عليه، لكنها لم تجرب بعد أن تعزف عليه أمام أحد....
نظرت روز إلى البيانو، ثم حولت عينيها نحو الفتاة وأومأت لها كإشارة للموافقة، ثم عادت أنظارها إلى جهاز الحاسوب دون أن تبالي....
دخلت الفتاة سريعًا، أغلقت الباب خلفها، وتوجهت نحو البيانو لتبدأ بالعزف....
حالما بدأت تعزف، تجمدت روز وأعادت النظر إلى الفتاة بصدمة، لم تكن تعزف لحنًا عاديًا... بل كان ذلك اللحن الذي اعتاد أخوها أن يعزفه لها في صغرها....
لحن لأغنية تركية قديمة، لم تكن مجرد أنغام موسيقية تردد في أذنيها، بل كانت ذكريات...
مع كل ذكرى تزور ذاكرتها، انهمرت دموع دون أن تشعر، وكأن عالمها توقف تمامًا؛ لم ترَ سوى تلك الفتاة، ولم تسمع سوى صوت موسيقاها....
حتى عندما أنهت الفتاة العزف، بقيت روز محدقة في نفس المكان بلا حركة، في الحقيقة، أشك في أنها كانت تتنفس أصلاً....
استقامت الفتاة وهمّت بالتوجّه نحو الباب، لكنها توقفت حينما لفت انتباهها منظر روز... كانت جامدة، ملامحها غارقة في الدموع، ونظراتها شاردة في الفراغ كأنها لا تزال تسمع الموسيقى....
بدأت ملامح الاستغراب تظهر على وجه الفتاة، لا يُعقل أن مجرد لحن قد فعل كل هذا بها... لا بد أن هناك قصة، وكانت مصمّمة على معرفتها....
تقدّمت بخطوات واثقة وسريعة نحو روز، ثم انحنت لتضمّ رأسها إلى صدرها، تعانقها دون أي سؤال....
بقيت روز في حضنها للحظات، ساكنة، قبل أن تستعيد وعيها تدريجيًا وتبتعد قليلًا....
عندها، تركتها الفتاة بلطف، وسحبت أحد الكراسي لتجلس بجانبها....
نطقت روز بصوت متلعثم، وهي تحاول فهم ما حدث:
"مـ... من أين... تعرِفين هذا اللحن؟"
ردّت عليها الفتاة بسرعة وعفوية:
"آه، هذا لحن لأغنية تركية أحبها... أستمع إليها منذ فترة. صحيح، اسمي آيلا، وأنتِ؟"
أجابت روز بتردد وارتباك:
"ر.. روز."
ضحكت آيلا بخفوت، كأنها تحاول تخفيف الجو، وقالت:
"لِمَ كل هذا التوتر؟ هل أنت بخير؟ هل لامس اللحن جرحًا قديمًا؟"
مسحت روز دموعها بكفّيها، وضمّت بيري النائم في حضنها أكثر، ثم أجابت بصوت متقطع:
"أنا بخير... فقط هذا اللحن... لا أعلم، فقط..."
قاطعتها آيلا بلطف وهي تضع يدها على كتفها:
"ششش... أفكارك مشوشة الآن، لا تُجبري نفسك على الكلام، صفّي ذهنك أولاً... أنا هنا."
سكتت روز، واكتفت بالنظر إلى داخل عيني آيلا، كأنها تبحث عن إجابات لا تعرفها، لاحظت آيلا بيري النائم في أحضان روز، فابتسمت برقة وقالت:
"إنه نفس الطائر الذي رأيته في الفيديو... كم هو لطيف، ما اسمه؟"
نظرت روز إلى بيري، ثم أعادت عينيها إلى آيلا مجيبةً بابتسامة خفيفة:
"بيري... لكن، عن أي فيديو تتحدثين؟"
أخرجت آيلا هاتفها وبدأت بالتقليب فيه قليلًا، ثم وضعته أمام روز ليتسنى لها المشاهدة....
كان أحد الزبائن قد التقط مقطعًا لشجار روز مع مجموعة من الفتيات في المقهى عصر اليوم، ونشره على حسابه. الفيديو انتشر بسرعة...
شاهدت روز المقطع بصمت، وعندما انتهى، قالت آيلا وهي تشير إلى شاشة الهاتف:
"في الفيديو ظهر البيانو خلفك، وأردت حقًا أن أجرب العزف عليه... ولهذا جئت، لكنني غيّرت هدفي الآن."
نظرت إليها روز باستغراب:
"و... ما هو هدفك الجديد؟"
ابتسمت آيلا ابتسامة واسعة دافئة، وقالت دون تردد:
"أن أكون صديقتك."
ترددت روز، نظرت في عينيها مجددًا، ثم إلى بيري وكأنها تبحث عن إشارة... لكن شيئًا ما في قلبها همس لها بالموافقة....
فقالت، بصوت منخفض لكنه صادق:
"موافقة."
زادت ابتسامة آيلا، وكأنها استمتعت بردة فعل روز الخفيفة، ثم غيّرت الموضوع فجأة، قائلة بنبرة مرحة:
"إذًا يا صديقتي... هل لي أن أعلم، لماذا لم تردي على تلك الفتاة؟"
تجمدت روز، وبهتت ابتسامتها، ليس لأن السؤال كان محرجًا، بل لأن شيئًا ما في عقلها انقلب فجأة... لقد استوعبت للتو أنها قد تكلّمت....
كانت آيلا تحدق بها بعينين تحملان الكثير من الفهم، كانت تعلم... كانت تعلم من البداية أن روز بكماء، لم يكن سؤالها إلا حيلة رقيقة، طريقة ذكية لتُشعرها بأنها قد تجاوزت حاجز الصمت... لتجعلها تدرك بنفسها أنها نطقت، أخيرًا....
ولهذا لم تُبدِ آيلا أي اندهاش من كلمات روز المتقطعة سابقًا، كانت تدرك تمامًا أن الإجابة لا تهم، وأن لحظة الوعي كانت كل ما تسعى إليه...
ابتسمت مجددًا، ثم غيرت الموضوع بلطف وكأن شيئًا لم يكن:
"بالمناسبة... هل بقي لديكِ قطعة من كعكة الفراولة؟ أنا أموت لتجربتها."
عادت ملامح روز إلى طبيعتها، وأومأت لها بصمت، ثم نظرت إلى بيري الذي كان لا يزال نائمًا في حضنها، وقالت بتردد وبكلمات متقطعة:
"هل... يمكنُكِ... أن تتركيه... في حضنك؟"
ابتسمت آيلا بتفهم، وعدّلت جلستها لتأخذ بيري برفق إلى حضنها، دون أن تنطق بكلمة، كأنها كانت تحترم تلك اللحظة الصغيرة التي انطلقت فيها روز أخيرًا....
وقفت روز، واتجهت نحو المطبخ، تُحضّر قطعة كعكة الفراولة وتزينها بخطٍّ من الكراميل كما تُحب أن تقدمها... بها شيء من الدفء....
لكن حين عادت بالكعكة، وجدت المشهد غريبًا ومألوفًا في آنٍ معًا...
كان بيري قد استيقظ، يدور حول نفسه بجنون فوق الطاولة، كمن يبحث عن شيء ضائع،
لكن ما إن وقعت عيناه على روز، حتى غرد بصوتٍ عالٍ، ورفع جناحيه عاليًا، وكأنّه وجد مراده... وكأنها وحدها تعني له البيت.
الساعة تشير إلى الثالثة والنصف فجرًا، وهو الوقت الذي أنهت فيه روز دراستها أخيرًا، أغلقت الحاسوب وسحبت أنفاسها بعمق، وكأنها تعود من عالم آخر...
ثم وجهت نظرها نحو تلك الفتاة الغريبة النائمة أمامها على الطاولة، تتأمل كيف دخلت حياتها فجأة، وكيف أعادت إليها النطق دون أي مجهود يُذكر....
لا يمكن إنكار أن دماء المافيا تجري في عروق روز، لذا فالثقة السريعة ليست من صفاتها، بل تُعد ضربًا من التهور....
إذن... كيف سمحت لتلك الدماء أن تفتح لها هذا الباب بهذه البساطة؟
يبدو أن حنينها لأخيها قد طغى على حذرها المعتاد... طغى على تفكيرها بالكامل....
ظلت تحدّق في ملامح آيلا بعمق، كأنها تحاول أن تحفظ تفاصيل وجهها، نَفَسها، وحتى الطريقة التي تنام بها.
في ذهنها... كان هناك سؤال واحد لا يغادر:
"هل هذا هو العوض؟ أم وسيلة ناعمة لتنفيذ ذلك التهديد؟"
مدّت يدها بهدوء نحو بيري، التقطته دون أن يشعر، ووضعته في جيبها بلطف، ثم بدأت تعبث بخصلات شعر آيلا المنسدلة بخفة، بنظرات لا تحمل عداءً... بل دهشة، فضول، شيء يشبه الأمل، لكنها تخشاه....
تحركت آيلا بخفة، وفركت عينيها تزامنًا مع تنهيدة ناعسة:
"آه، لم أشعر بالوقت... كم الساعة الآن؟"
أجابت روز بصمت، مدّت يدها ووضعت الهاتف أمامها كي ترى الوقت بنفسها....
لكن آيلا لم تكن بحاجة للهاتف، كانت تنظر إلى روز مباشرة، بنظرات يغلفها صدق لا يمكن تجاهله....
قالت بصوت هادئ، مليئ بالحنان:
"لا داعي أن تريني... يكفي أن تقوليه بنفسك،
حتى إن كنتِ تجدين بعض الصعوبة في النطق،
أنا سأستمع إليك، روز... فنحن أصدقاء الآن."
ابتسمت روز على كلمات آيلا... لم تكن معتادة على هذا النوع من الحديث، أو هذه النبرة اللطيفة التي تسكنها حنية خالصة.
آخر من تكلّم معها بتلك الطريقة، وأولهم أيضًا... كان شقيقها زاكروس....
قالت بهدوء، وهي تحاول ألا تُظهر التردد في صوتها:
"ما رأيك أن ت...تبيتي عندي اليوم؟ ف... فالوقت متأخر."
رفعت آيلا هاتفها بابتسامة وردّت ببساطة:
"لا داعي، سأتصل بزوجي ليأتي ويأخذني."
اتسعت عينا روز بدهشة خفيفة، ثم سألتها بتردد واضح:
"زوجك؟ لكن أ... ألستِ صغيرة على الزواج؟"
ضحكت آيلا بخفة، وهي تلوّح بيدها كأنها تؤجل الحديث:
"سأحكي لكِ قصتي فيما بعد، وعد."
وما إن أنهت كلماتها، حتى استقامت وسارت بعيدًا قليلًا لتجري مكالمة مع زوجها، بينما بدأت روز تغلق الحاسوب وتجمع حاجياتها في الحقيبة....
أطفأت الأنوار، ثم الأجهزة في المقهى، بحركات روتينية لكنها هادئة... وكأنها تخشى أن تُفسد هدوء اللحظة الأخيرة....
لكن قبل أن تنهي ما بيدها، شعرت بذراعين تلتفان حولها من الخلف... دفء مفاجئ وعطر خفيف سبق الشفاه التي لامست خدها برقة.
تجمدت روز في مكانها للحظة بدهشة، قبل أن تسمع صوت آيلا يهمس:
"وداعًا يا صديقتي."
ثم خرجت آيلا بهدوء من المقهى، تاركة وراءها أثرًا ناعمًا كالمطر.
بعد بضع دقائق، لحقت بها روز، خرجت، أقفلت الباب بالمفتاح، وبدأت السير في الشارع الصامت.
وما إن خطت أولى خطواتها... حتى بدأ المطر ينهمر، قطرات ناعمة تساقطت كأنها تغسل بقايا الحزن من قلبها....
كانت تمشي بهدوء في الشارع المبتل، تحاول فقط حماية بيري من أن يتبلل، وتُبقي خطواتها خفيفة وثابتة حتى لا توقظه من نومه الدافئ....
وما إن وصلت إلى المنزل، حتى ركضت مباشرة نحو قفص بيري لتضعه فيه بعناية، تتأكد من أنه جاف تمامًا، وأن ريشه لم يمسّه المطر....
أما هي... فقد تبللت أكثر مما كانت تعتقد، فالمطر كان غزيرًا، لكنها لم تهتم، كل ما كان يشغل بالها هو راحة "بيري".
خلعت سترة أخيها المفضلة وعلّقتها بهدوء حتى تجف، ثم دخلت إلى الحمام لتغتسل بماء دافئ يذيب البرد العالق بعظامها، تأمل أن تخرج منه إلى سريرها وعالم الأحلام الوردية التي انتظرتها طوال اليوم.
أو هكذا ظنت روز...
فعادةً ما تكون أحلامها وردية، مليئة بضوءٍ خافت وحنينٍ مألوف، لكن... ليس الليلة.
فبعد أن هدأ المطر وصعدت أول خيوط الشمس لتداعب النوافذ، بدأت علامات الانزعاج تظهر على وجه روز وهي نائمة.
تقلبت على جانبها الأيمن... ثم الأيسر، جبينها يتصبب عرقًا رغم برودة الجو، أنفاسها مضطربة كأنها تركض في سباق لا نهاية له.
أيّ مراقب سيظن فورًا أنها تحلم بكابوس...
وهنا الصدمة:
كابوسها... هو أخيها!
.........................................................................
في ذات سريرها... وفي بيتها الصغير... وبينما جسدها مشلول لا يقوى على الحراك، كان يقف عند حافة السرير، يحدّق بها بعينين مثقلتين بالخذلان، هو... زاکروس...
وجهه كما تتذكره تمامًا، لكن عينيه... لم تكن كما كانت.. لا دفء فيهما، لا رحمة، فقط ظلال من العتاب والكراهية....
قال بنبرة باردة :
"هل أنتِ سعيدة يا روز؟
هل كنتِ سعيدة حين تركتِني أموت؟
حين سلبتِني حياتي؟!"
حاولت أن ترد... أن تقول "لم أقصد"، أن تصرخ "لم يكن بيدي"، لكن فمها لم يتحرك....
الدموع تجمّعت في عينيها، تملأها حتى باتت رؤيته ضبابًا، كأن عقلها يرفض أن يراه على هذه الصورة... أو لعلها لا تريد تصديقه....
اقترب أكثر، وبنبرة ملأى بالقرف قال:
"لا تحاولي الكلام،
أعرف كل أعذارك، وصدقيني... كلها فاشلة،
أنا أكرهك، روز... لقد دمّرتِ حياتي."
سكت برهة... ثم صرخ فجأة بأعلى صوته :
"أكرهك!!!"
قفز فوق جسدها... وجهه يقترب حتى لم تعد ترى سواه، ويداه تمتدّان إلى عنقها، تضغطان بكل ما تحمله الكراهية من قسوة....
هي تحاول الصراخ، لا صوت....
تحاول التنفس، لا هواء....
تحاول الحركة، لا جدوى....
هو لا يتوقف...
وهي... تختنق...
العالم حولها يتحول إلى لون واحد: أسود...
لكن في لحظة... صوت خافت، ناعم، كأن أحدهم ينادي من بعيد...
ورجفة خفيفة في أطراف أصابعها...
استيقظت روز بفزع، كأنها انتُزعت من بحرٍ من الظلام....
أنفاسها متسارعة، صدرها يعلو ويهبط كأن الهواء أصبح سلعة نادرة في هذا العالم، ودموعها... لا تتوقف.
تحسّست رقبتها، كأنها لا تزال تشعر بأثر يديه، بأصابعه، بصوته...
"أكرهك."
انكمشت على نفسها، جذبت قدميها إلى صدرها، واحتضنتهما بقوة، كأنها تحاول احتواء ما تبقى من ذاتها... وبدأت تبكي....
تبكي بكل ما فيها من كسر....
بكل الذكريات....
بكل الذنب....
تمتمات خرجت من بين شهقاتها... مبعثرة، مكسورة، غير مفهومة لأي أذن، لكن معناها واضح لها وحدها:
"أنا آسفة، زاكروس... كنت أريد فقط أن أحميك،
أنا لم أقصد... أقسم لك، كنت أحلم أن نعيش معًا، أن نكبر سويًا... كنت أراك تضحك لي... لا تخنقني."
لكن لا أحد يرد.
لا أحد يسمع... سوى بيري.
استيقظ الطائر الصغير على صوت بكائها، على ذلك النحيب الذي مزّق سكون المكان، فنهض على عجل من داخل قفصه، رفرف بجناحيه بخفة، اقترب من الباب المغلق....
لم يستطع فعل شيء... فقط اكتفى بالنظر إليها، بعينيه الصغيرتين اللامعتين، كأنه يفهم....
ثم بدأ بالتغريد... بصوت خافت، ناعم، بالكاد يُسمع،
كأنّه يحاول أن يواسيها... أو يُشاركها وحدتها....
لكن روز... لم تسمعه....
كانت غارقة بالكامل في داخِلها، في عتاب لم يهدأ منذ ثلاث سنوات،
وفي خيبة حلمٍ... طالما تمنّت أن تراه، لكنه أتاها بصورة كابوس....
جلست على التراب منذ الصباح الباكر، صامتة رغم عودة صوتها، إلا أنها منذ أكثر من ساعة لا تنطق بكلمة، فقط تحدق بصمت في اسم أخيها المنقوش على حجر القبر، ودموعها تنهمر بهدوء....
ليست لأنها لا تملك الكلام، بل لأن الكلمات كلها محشورة في حلقها، تحترق هناك دون أن تخرج.... هناك الكثير من التبريرات التي تحترق في حنجرتها، تريد أن تُطلقها، تريد أن تبرر لنفسها، لكن الشجاعة لا ترافقها لتقول شيئًا....
كانت تلك الدموع تمثل محاولاتها الفاشلة في إيجاد تفسير لما حدث، فمهما حاولت أن تتذكر، لا تستطع استدعاء لحظة قتل أخيها، كل ما تذكره هو رغبتها في الإمساك بسلاح وحمايته، لكن بدلاً من ذلك، وجدت نفسها مستلقية على السرير، وأخيها... مقتول بالفعل....
مهما جهدت، لا تذكر شيئًا، فجوة سوداء تحيط بتلك اللحظة، تبتلعها وتتركها مع ألم فقدان لا يُطاق، وصدمة لا تندمل....
وكأنها تقول: "أنا بجوارك.. متى ما ضاقت بي الحياة سأكون هنا، حتى إن كنتَ أنت السبب، سأعود إليك.. أيضًا."
شعرت روز بيد توضع برفق على كتفها، استدارت بفزع، لتجد آيلا قد جلست إلى جوارها بصمت.... نظرت إليها بعينين هادئتين وقالت بصوت منخفض:
"زاكروس ريفا... ماذا يقربك؟"
أجابت روز، وهي تعيد أنظارها نحو القبر أمامها:
"أ.. أخي، ل... لكن، لماذا أنتِ هـ... هنا؟"
ابتسمت آيلا بلطف، وقالت:
"إذاً، اسم عائلتك ريفا؟"
أومأت روز رأسها تأكيدًا، لتتابع آيلا:
"كنت أزور أهلي.. وقد حدثتهم عنك."
نظرت روز نحوها، ولم تقل شيئًا، لكنها لم تنكر في داخلها سعادتها بسماع ذلك، انتابها ذلك الشعور الدافئ، وكأن فراشات بدأت تطير في معدتها بخفة....
استقامت آيلا واقفة، ثم مدت يدها نحو روز كإشارة للوقوف، فنهضت روز، ليأتي ما لم تتوقعه تمامًا... عناقٌ مباغت....
آيلا ضمّتها فجأة، بقوة غير متوقعة، مما صدم روز للحظات قبل أن تبادلها العناق بهدوء.
وبعد ثوانٍ، ابتعدت آيلا قليلًا، لتتغير ملامح وجهها وتنقلب إلى انزعاج طفولي واضح. ضمّت يديها إلى صدرها وقالت، بنبرة مشاكسة وملامح متجهمة:
"همففف... لماذا أنتِ أطول مني رغم أني أرتدي كعبًا عاليًا؟!"
ضحكة صغيرة خجولة تسللت إلى وجه روز دون أن تشعر، لكن قلبها... كان قد ابتسم فعلًا....
وبتلك الحركات الطفولية والمفاجئة، نجحت آيلا في استبدال تلك الدموع التي كانت تشق طريقها على وجه روز، بضحكة خافتة، حلوة الملامح، خجولة، لكنها صادقة... تمامًا كطفل صغير اكتشف فجأة أنه ما زال بإمكانه أن يضحك....
صعب أن يكون المرء وحيدًا... أن يجهل ما يريد، ويتنقل كالهواء، يجوب الشوارع ذاتها كل يوم، يحيّي المتسولين بملامح خاوية، يخطو سريعًا كأنه مُنتظر، وينظر للسماء عند كل إشارة مرور، وكأنه ينتظر أن يهطل الأمل، كما يهطل المطر... دون موعد، دون استئذان....
لكن الوحدة، لا تأتي إلا باردة، طويلة، صامتة....
وآيلا؟ كانت تعمل بهدوء على إطفاء برودة هذا العالم من حول روز، تزرع فيه شيئًا من الدفء، والضحك، وتنجح... وبشكلٍ مذهل....
غريب أمر هؤلاء الذين يأتون دون سابق إنذار، يقتحمون تفاصيلك بخفة، ويصبحون جزءًا منك، قبل أن تملك حتى الوقت لتدرك كيف... تشعر وكأنك تعرفهم منذ سنين، رغم أنك تعرفت عليهم منذ ساعات معدودة....
بدأت آيلا تنفض التراب عن ملابسها، بحركات عفوية، ففعلت روز الشيء نفسه... بشكل لا واعٍ تقريبًا، مما جعل آيلا تبتسم، وكأنها أدركت أمرًا عزيزًا عليها.
لقد بدأت تؤثر على روز....
كيف عرفت؟ ببساطة... عندما تبدأ بالتأثير على شخص ما، ستجده يكرر أفعالك، دون أن ينتبه... يقلّدك أحيانًا، يشبهك فجأة، يتقاطع معك في التفاصيل الصغيرة....
وهذه التفاصيل الصغيرة، هي التي تغيّر كل شيء....
البعض قد يظن أن من يفعل ذلك ضعيف الشخصية، أو يحاول أن يكون مثلك بدافع الغيرة... لكنهم لا يفهمون لغة الحب....
حب الأصدقاء أعمق وأصدق من حب العشاق أحيانًا....
وما إن انتهت آيلا من نفض ملابسها حتى سألت:
"إذًا، إلى أين تنوين الذهاب الآن؟"
أجابت روز فورًا بتردد:
"لـ... للتسوّق."
هتفت آيلا بحماس:
"نفس تفكيري! منذ البارحة وأنا أخطط لشراء فستان جديد... أوه، لحظة! ما رأيك أن نشتري فساتين متشابهة؟"
روز بتردد واضح:
"فـ... في الحقيقة، كنت أقصد شراء الحليب."
تجمدت ملامح آيلا للحظة من الصدمة، لم تكن تتوقع هذا الرد. تغيرت تعابيرها سريعًا إلى انزعاج طفولي، ووضعت يديها على صدرها قائلة بانفعال:
"روز ريفا! سنذهب للتسوق، وسترتدين فستانًا مشابهًا تمامًا لما سأشتريه، وبعدها نشتري الحليب خاصتك! هل لديك أي اعتراض؟"
عادت آيلا إلى مكانها بجانب روز، وسارتا معًا من جديد بخطى هادئة.
قالت روز بصوت خافت، وكأن الكلمات تخرج منها بصعوبة:
"الفعل أصعب من... الكلام."
ابتسمت آيلا بثقة وهي ترفع خصلة من شعرها بغرور خفيف، ثم أجابت:
"لكن معي... يصبح الأمر أسهل."
ابتسمت وانزلت رأسها،
هل تعتقدون أن روز أخبرتها بحقيقتها؟
بالطبع لا،من المستحيل أن تعيد فتح ذلك الباب بعد أن أغلقته بإحكام....
كل ما قالته لآيلا كان عن شقيقها... مع حذف بعض التفاصيل، وإضافة أخرى، ولمسة بهارات هنا وهناك في قصة موته....
ببساطة... نسخة مخففة من الحقيقة....
وفجأة، توقفت آيلا بشكل غير متوقع، وقبل أن تتمكن روز من فهم ما يحدث، كانت آيلا قد سحبتها من يدها بسرعة إلى داخل أحد متاجر الأعشاب الصغيرة....
لنكن صادقين، روز لا تحب لا طعم الأعشاب ولا رائحتها،
لكنها لم تعارض، فقط تركت آيلا تتجول وتشتري ما تريد....
لكن الصدمة جاءت حين رأت حجم العلب التي اختارتها آيلا:
زنجبيل، شاي بابونج، عرق السوس... كميات تكفي لعلاج قرية صغيرة....
وحين حاولت آيلا أن تحمل الأكياس الثلاثة بنفسها، تدخلت روز بهدوء، وأخذت منها اثنين لتخفف عنها.
ثم علّقت بنبرة خفيفة، لا تخلو من الدهشة:
"لـ... لم أكن أعلم أ... أنك مدمنة أ... أعشاب."
ابتسمت آيلا لتجيبها بهدوء:
"أنا؟ لا، لا أحب شرب الأعشاب في العادة."
نظرت إليها روز باستغراب وسألت بتردد:
"إذاً... لِمَ كلُّ هذا؟ لزوجك؟"
ضحكت آيلا برقة وقالت:
"بالطبع لا! إنها لكِ، هذه الأعشاب ستساعد حبالك الصوتية."
تجمّدت روز من المفاجأة، لم يخطر ببالها هذا الرد،
ثم نظرت إلى الأكياس التي تحملها، وقد اقتحم عقلها سؤال ملحّ:
"هل سأشرب كل هذا؟!"
رفعت بصرها نحو آيلا، لتجدها تومئ لها وكأنها قرأت أفكارها،
تنهدت روز وأكملت السير إلى جانبها، مستسلمة للأمر الواقع؛ فقد شعرت من نظرات آيلا أنها قد تفعل المستحيل لإجبارها على شرب تلك الأعشاب، حتى لو اضطرت إلى دفنها ثم سقي قبرها بها....
وفي أثناء سيرهما، فتحت آيلا الحديث من جديد، قائلة بنبرة مرحة:
"إذن، كيف ذوقك في الفساتين؟"
توقفت روز لثوانٍ، لم تعرف بماذا تجيب، فهي في الحقيقة لم ترتدِ فستانًا قط....
وفي نهاية الأمر، قالت بصوت خافت ومتردد:
"طويل... ولا يُظهر شيئًا."
نظرت آيلا إلى روز وهي ترفع حاجبها وقالت مبتسمة:
"وأنا أحب الفساتين القصيرة التي تُظهر أكثر مما تُخفي."
ضحكت روز، فضحكت آيلا معها على اختلاف ذوقهما.
في الحقيقة، أنا أفضّل هذا النوع من الاختلاف في أي علاقة....
أشعر أنه لا ينبغي أن نبحث عن من يشبهنا، بل عن ذلك الشخص المختلف عنا... من يُكملنا، أو ذاك الذي يكون مستعدًا للتنازل عند حدود مبادئنا، كما نتنازل نحن أيضًا عند حدوده....
ففي النهاية، نحن مختلفان....
وهكذا، لا تنتهي العلاقة،
نحن خُلقنا أنصافًا... ونصفنا الآخر غالبًا ما يكون مختلفًا عنا،
السالب يبحث عن الموجب، لا لينفر منه بل ليكتمل به،
فالشحنات المختلفة تتجاذب، أما المتشابهة فتتنافر....
ذلك قانون لا أنساه أبدًا... لأنه ببساطة، يعني لي الكثير....
فما المتعة في الوقوع بحب شخص يشبهك تمامًا؟
لو أردنا ذلك، لوقعنا في حب أنفسنا....
لكن أنفسنا لا تؤذينا، لا تهجرنا، ولا تتركنا...
وما المتعة في اختزال الحب في الحبيب فقط؟
أحيانًا، لا يُكملنا ولا يفهمنا سوى صديق... أخ... أم... أو أب....
فتوأم الروح لا يُشترط أن يكون حبيبًا....
علمت روز أنهما قد وصلا أخيرًا إلى وجهتهما، حينما سحبتها آيلا إلى داخل أحد المحلات،
كان المتجر ممتلئًا بالفساتين لدرجة لا يمكن لأحد أن يدخله دون أن يخرج بفستان وكأنه صُمم خصيصًا له، وباللون الذي يليق به تمامًا....
وهنا، بدأ الجدال بين الشحنات السالبة الموجبة، فما يعجب روز لا يرضي آيلا، وما يلفت نظر آيلا لا يناسب ذوق روز....
حتى استقرتا أخيرًا على فستان طويل بأكمام طويلة، يُعد ساترًا ومقبولًا إلى حدٍّ ما بالنسبة لروز، ومرضياً كذلك لآيلا، إذ إنه يُبرز تفاصيل الخصر والجزء العلوي بفضل الأشرطة الجانبية عند الخصر....
في الحقيقة، لم تكن روز لتنوي ربط تلك الأشرطة، لكنها لم تملك الوقت لتجربة باقي المتجر، أو حتى لمواصلة الجدل مع آيلا....
اختارت روز اللون الفستقي، كونه واحدًا من ألوانها الثلاثة المفضلة، أما آيلا فاختارت الأحمر، وهو أيضًا من ألوانها المفضلة الثلاثة....
يبدو أنهما تتشاركان في كون كليهما يملكان ثلاثة ألوان مفضلة، لكنهما لا تتشابهان في أي منها....
روز تفضّل: "الأبيض، الرمادي، والفستقي".
أما آيلا فتفضّل: "الأحمر، الأسود، والبنفسجي".
وفور خروجهما من المتجر، قالت روز بابتسامة تقابل اتساع ابتسامة آيلا:
"سأذهب إلى بيتي الآن، ثم... إلى المقهى."
أشارت آيلا بيدها نحو أحد الاتجاهات قائلة:
"اسلكي هذا الطريق، ففي نهايته يوجد سوبرماركت، اشتري منه ما تحتاجين، ثم اتجهي يمينًا وستصلين إلى منطقتك.
ولا تنسي ارتداء الفستان."
أومأت روز بابتسامة، فأكملت آيلا وهي تمد يدها:
"أعطيني الأعشاب لأعدّها لك."
أرادت روز أن ترفض، فهي قادرة على إعدادها بنفسها، لكنها كانت متأكدة تمامًا كما كانت آيلا أنها لن تفعل ذلك اليوم، ولن تلتزم بها أصلًا....
وقبل أن تنطق روز، سبقتها آيلا بنبرة حادة:
"روز!"
قلبت روز عينيها بملل، ثم سلّمتها الأعشاب مستسلمة للأمر، مما جعل آيلا تبتسم باتساع قبل أن تستدير، تاركةً روز، ليمضي كل منهما في طريقه....
أتعرفون ذلك الشعور؟
حين يقع حدث بسيط، لكنه يترك داخلك أثرًا يجعلك تبتسم دون سبب واضح، حتى بعد مرور وقت طويل عليه، يومًا كاملًا، وربما أكثر؟
كلاهما يشعر بهذا الشعور الآن... شعور السعادة لمجرد أنهما كانا معًا....
كلاهما يتغير تغيّرًا جذريًا حين يكون الآخر بقربه.
كلاهما استثناء في حياة الآخر....
روز، التي لا تحب إقامة الصداقات عادة، ولا تميل إلى التعلق بأحد، أو الوثوق به، بل لا تسمح لأحد حتى أن يعلم بأمر أخيها... آيلا كانت الاستثناء الوحيد....
أما آيلا، فهي بطبعها ليست اجتماعية، لكنها رغم ذلك تستمر في خلق أطراف الحديث، وفي ترتيب اللقاءات، فقط مع روز....
ورغم كل هذا...
لم ينتبه أيٌّ منهما لهذا التغيّر الذي طرأ عليه، أو ربما تجاهلاه عمدًا، تحت تأثير تلك السعادة الخفية التي لا تظهر إلا حين يتواجدان معًا....
في قلب كلٍّ منّا استثناءٌ لا يشبه غيره....
وفي قلب كلٍّ منّا نبض... لا يُكتب له اسم....
ذكرتُ سابقًا مرارًا أن الحياة غير عادلة... لكن الآن، أودّ أن أضيف شيئًا جديدًا:
الحياة لا تكتفي بعدم العدل، بل تقرأ أفكارك، وتتغذّى على صدمتك....
كل ما لم تتخيله يومًا أنه سيحدث... سيحدث، وبكل سلاسة، كما لو أنه مكتوب لك سلفًا....
تمامًا كما حدث مع روز،
لم تتخيل أبدًا أن ترتدي فستانًا يُظهر تفاصيل جسدها، لكنها فعلت....
ومع ذلك، بقيت متمسكة بسترة أخيها، تُخفي بها ما يكشفه القماش، وبينهما كانت ترتدي صدرية المقهى.
فهي ما تزال تصنع الكعك... فقط الكعك.
أما بيري، فكان يطير هنا وهناك داخل المقهى بلا هدف، يشبه الذبابة تمامًا، لا يهدأ.
حتى سُمع صوت فتح باب المقهى.
تركت روز الخلطة التي كانت تعدّها وتقدّمت خارجة من المطبخ، تقصد أن تتفقد الداخل....
لتجد آيلا...
ترتدي الفستان الأحمر، تحمل حقيبة سوداء، وخصلات شعرها تنسدل بحرية على كتفيها، مزينة ببعض المكياج الخفيف، وفي يدها مطارة حرارية سوداء عليها نقوش فضية.
نظرت آيلا إلى روز نظرة مطوّلة.
ثم وضعت ما بيدها على إحدى الطاولات، وتقدّمت دون أن تنطق بكلمة واحدة....
سحبت روز من يدها برقة، وأجلستها على أحد الكراسي، ثم بدأت تفكّ ضفائرها...
بصمت، لكن بعناية.
كأنها تقول:
"اليوم، أنا المسؤولة عنك "
روز بتذمّر:
"آيلا، لِمَ كل هذا؟"
آيلا بابتسامة راضية:
"هكذا أجمل."
وما إن انتهت من فكّ ضفائرها حتى انساب شعر روز المموّج الطويل على كتفيها وغطّى ظهرها قليلًا،
فيما تركت آيلا المشبك في موضعه يزيّن النصف الأيسر من شعرها كما كان في البداية، بعناية محسوبة....
نبست آيلا بابتسامة :
"والآن، نحتاج لبعض اللمسات الأخيرة."
وقبل أن تتمكن روز من الاعتراض، كانت آيلا قد نزعت نظاراتها بلطف، وروز لم تحتج...
ثم بدأت آيلا بإخراج أدوات التجميل من حقيبتها الصغيرة،
واكتفت بوضع لمسات خفيفة: ماسكارا على رموش روز، لون شفاه بني مائل للوردي، وقليل من البلاشر الذي منحها حيوية دافئة....
وما إن أنهت حتى تمتمت روز بهمس خجول:
"١... أكان هذا ض... ضروريًا؟"
آيلا، بذات الابتسامة الواثقة:
"بالطبع. لا تكتمل إطلالة الفستان إلا هكذا."
ابتسمت روز بدورها، ثم ارتدت نظاراتها من جديد في هدوء، متزامنة مع همستها الهادئة:
"س... سأكمل عملي الآن... يـ... يمكنك أن تبقي "
ردّت آيلا وهي تمد لروز المطارة الحرارية، بنبرة تحمل إصرار الأم وحرص الصديقة:
"ليس قبل أن تشربي... وأتأكد أن نطقك تحسّن."
روز، متلعثمة ممتنة ولكن قلقة:
"شـ... شكراً لَ... لكِ حـ... حقًا، لَ... لكن سأتـ... سأتأخر."
آيلا، وهي تعقد ذراعيها بعناد لطيف:
"ستتأخرين أكثر إن جادلتِني."
زفرت روز تنهيدة استسلام هادئة، أخذت المطارة وفتحت الغطاء. لم تسمح لنفسها حتى بأن تستنشق رائحة الشراب،
فهي تعرف جيدًا ما الذي قد ينتظرها، ثم شربته دفعة واحدة... وكأنها تتخلص من عقاب....
كان ساخنًا. لا... بل كان نارًا تتسلل إلى حنجرتها، تحرقها حرفيًا.
حتى إنها أمسكت بعنقها بيدها الأخرى من شدة الألم، عيناها تدمعان ووجهها يحمر تدريجيًا.
أما آيلا، فبدأت تتوتر وهي تراقب المشهد...
لِمَ القلق؟ ببساطة لأن هذه الخلطة من اختراعها الشخصي،
وقد اختارت مكوناتها دون استشارة أحد، دون قياس، ودون أدنى تفكير....
روز، بصوت مختنق يكاد لا يخرج من بين شفتيها:
"لـ... لو كانت نارًا، لما سـ... ستحرقني كهذه. مـ... ما هذا؟"
آيلا لم تجب، كانت نظراتها مزيجًا نادرًا من الذهول والفخر....
نجحت. من أول مرة، لم تصدق أنها فعلتها، لكن روز شربتها كاملة، بل واعترفت بقوتها....
روز، بابتسامة مرهقة وهي تمد لها المطارة:
"شـ... شكراً لكِ، سـ... سأذهب الآن لأكمل عملي."
تلقتها آيلا وهي تبتسم دون أن تقول شيئًا... فبعض الانتصارات الصغيرة، يكفي أن تُشعرنا بأننا مهمون في حياة أحدهم
آيلا، وهي تأخذ المطارة بابتسامة ماكرة:
"لم تذهب تلك الحَرقة عبثًا."
روز، بدهشة متزايدة:
"ماذا تقصدين؟ لحظة... أوه فهمت الآن!"
ضحكت آيلا من ردة فعلها، ثم قفزت فجأة وعانقت روز بفرح، ليردّ عليها العناق دون تردد....
نتعلم من هذا المشهد أن الابتكار رائع دائمًا،
لا تفكروا كثيرًا فيما تفعلون، خصوصًا في الطبخ والأدوية،
دعوا إحساسكم يرشدكم إلى الوصفات، ففي النهاية، إما أن ينتهي بكم الأمر في الطوارئ،
أو أن تبتكروا سحرًا بمعنى الكلمة....
آيلا، بابتسامة لا تفارق وجهها، وهي لا تزال يداها تحيطان برقبة روز:
"هل يمكنني اللعب مع بيري بدلًا من الجلوس هنا؟"
ضحكت روز وأجابت:
"طبعًا، هو ينتظرك في الداخل... إن استطعتِ الإمساك به بالطبع!"
آيلا، مستغربة:
"لم أفهم؟"
روز، وهي تقلب عينيها بسخرية:
"ستفهمين حالما ترين سرعته في المطبخ."
وبالفعل... قضت آيلا وقتها تركض خلف بيري في أرجاء المطبخ، تصرخ وتضحك كلما أفلت منها، بينما روز أكملت إعداد الكعك وتزيينه بتركيز وهدوء. وعندما بدأ وقت التنظيف، انضمت آيلا فورًا لتساعدها، وعملا سويًا كلاهما كأن أحدهما يعرف إيقاع الآخر...
سأعترف... مظهرهما لم يكن مناسبًا إطلاقًا للتنظيف، فتاتان ترتديان فساتين أنيقة، بشعر منسدل ينساب على أكتافهما، وبعض المكياج واللمسات الجمالية التي لا تتناسب مع ممسحة أو دلو ماء، مظهرهما يليق بمقهى صغير في أحد أفلام الحب، حيث تدخلان لتناول الكعك وشرب القهوة في موعد غرامي، لا لتنظيف الأرضية وتلميع الطاولات....
لكن بالنسبة لهما، لم يكن الأمر مجرد تنظيف... بل لحظات مشتركة، ووقت يُقضى معًا، وهذا وحده كان كافيًا ليجعل التعب أقل قسوة، والحركة أكثر خفة. لم ينتبها لأي شيء آخر سوى أنهما معًا... وهذا فقط ما كان يريحهما ويمنحهما شعورًا خفيًا بالطمأنينة....
ابتسمتا برضى عندما انتهيا من العمل في الوقت المناسب.
روز، وهي تنظر إلى الساعة:
"بقي عشر دقائق... سأرتب الكعك حتى أقلب اللافتة."
أومأت آيلا برأسها، ثم اتجهت نحو الحمامات لترتب نفسها قليلاً قبل بدء الدوام الرسمي....
مرت بضع دقائق فقط... حتى سُمع صوت الباب يُفتح ودخل أول الزبائن.
كانت المفاجأة أنهن كن نفس مجموعة الفتيات اللواتي تشاجرن مع روز في السابق....
روز كانت تقف خلف الكاشير، تحاول ألا تظهر أي توتر، وبجانبها كانت آيلا تجلس على الكرسي المرتفع، تلهو مع بيري الذي جلس في حجرها وكأنه لا يدرك توتر الأجواء الذي بدأ يتشكل من بعيد....
تأهبت آيلا على الفور واقفة من مكانها، لكن روز رفعت يدها بخفة دون أن تلتفت إليها، كأنها تقول لها: دعي الأمر لي.
خطت روز خطوة أخرى للأمام، لا زالت تضم يديها لصدرها، ونظرتها لا تبارح وجوه الفتيات، جامدة، لكنها هادئة، لم يظهر على ملامحها خوف، بل صلابة مبطنة بقليل من السخرية....
مينا، وهي تلوّح بهاتفها من جديد:
"رغم إنك دمرتِ سمعة صديقتي، نحن لن نؤذيكِ، لكن يجب أن تعتذري أمام الكاميرا، الآن، وإلا..."
توقفت مينا عن الكلام للحظة، ثم أنزلت نظرها بتفحص واضح على ملامح روز، من قدميها إلى أعلى كتفيها، وكأنها تحاول إهانتها بنظراتها قبل كلماتها، ثم أكملت:
"اتضح انك فتاة مثلنا.... وانا التي اعتقدتكِ رجلا.... والآن اعتذري ولاتضيعي وقتنا"
رفعت روز حاجبها الآخر بهدوء، وكأنها تشاهد شيئًا مضحكًا دون أن تبتسم، ثم ردّت، بنبرة منخفضة وواثقة:
"وإن لم أعتذر؟"
كان وقع كلماتها كالصاعقة على الفتيات،
تجمدت مينا، وتحولت دهشة لارا إلى غضب جامح....
لارا، وهي تتقدم بخطى عنيفة، دفعت روز من كتفها صارخة:
"هيي إنتِ! تقصدين إنك لن تعتذري؟!
ثقي إننا سندخلك بمشكلة لاترغبين في عيشها أبد!"
ارتد جسد روز قليلًا بفعل الدفع لكنها لم تتراجع، نظرت مباشرة في عيني لارا، بحدة حقيقية هذه المرة، ثم قالت:
"جربي."
تقدّمت روز خطوة إلى الأمام، وابتسامة جانبية ترتسم على وجهها، ثم قالت بثقة:
"أنا لا أتهرب من رؤيته... بل أتمنّى ذلك. هيا، ابدؤوا، أنا أُشاهد."
في تلك اللحظة، أخرجت الفتاة التي سبق أن ضربتها روز وتُدعى لميس يدها من حقيبتها، وأشهرت سلاحًا، موجّهة إياه مباشرة نحو وجه روز....
تراجعت الفتاتان الأخريان خطوة إلى الخلف، لتتقدّم لميس إلى الواجهة، بينما وقفت آيلا مذعورة، وتقدّمت بسرعة لتقف بجوار روز، في حين بقي بيري ثابتًا على رأس آيلا، يراقب الموقف دون أدنى انزعاج....
كل هذا جرى تحت أنظار روز الثابتة، التي لم يبدُ عليها أي أثر للخوف.
قالت لميس بنبرة تحدٍّ:
"هل حياتكِ رخيصة إلى هذا الحد؟"
ردّت روز بذات الهدوء، ونبرة لا تخلو من السخرية:
"وهل سأفقدها بسبب سلاح مزيّف؟ هل سرقتِ مسدسَ أخيكِ الصغير؟"
بدأت الفتيات ينظرن إلى بعضهنّ بتردّد، فيما لم تكن آيلا مطمئنة لتصرّف روز الذي بدا كمن يعبث بالنار، أما بيري، فقد بقي مسترخيًا فوق رأسها، وكأن شيئًا لم يحدث؛ لم يشعر بأي تهديد حقيقي تجاه صاحبته....
سحبت لميس الزناد، ليرتفع صوت خافت لا يشبه صوت الطلقات مطلقًا، مما فجّر ضحكة عالية من روز، ضحكة سخرية تامة حطّمت ما تبقّى من ثقة الفتيات....
أردفت روز، وهي تضحك:
"ما هذا الصوت الرقيق؟ أتظنّون حقًّا أنه صوت سلاح؟ يبدو أنكنّ لم تسمعن صوت سلاح حقيقي في حياتكن أصلًا."
وما إن أنهت روز كلماتها، حتى عادت بهدوء خلف الطاولة، وانحنت قليلًا تُخرج شيئًا ما من أسفلها، تحت أنظار آيلا التي كانت لا تزال واقفة في مكانها، مشوشة الفكر، لا تستوعب ما يجري....
لم تكن تعرف من تكون الفتاة التي تقف بجانبها الآن... أهذه هي روز التي عرفتها؟ كيف تغيّرت بهذه الطريقة؟ ما الذي تخفيه؟
وفي لحظة صامتة مشحونة بالتوتر، أخرجت روز سلاحًا، رفعته عاليًا وسحبت الزناد، ليصدر صوت حقيقي هذه المرة، صوت قوي وحاد أفزع الفتيات جميعًا... ما عدا آيلا....
قالت روز بثبات وهدوء:
"هل سمعتموه الآن؟ أتحببن أن تسمعن صوت الطلق أيضًا؟"
لم يجرؤن على الرد، وبدأن بالخروج ببطء من المقهى، دون أن ينطقن بكلمة واحدة، وكأن الخوف قد عقد ألسنتهن....
أما آيلا، فلم تُبعد عينيها عن ذلك السلاح، كانت تحدّق فيه بذهول، تتأمل النقوش الذهبية التي تزيّنه، واسم زاكروس المحفور عليه بوضوح....
أخفضت روز السلاح بهدوء، وأعادته إلى مكانه، وكأن شيئًا لم يكن....
لكن آيلا لم تتركها، بل تقدّمت منها فورًا وقالت بنبرة مشحونة بالتساؤل:
"أحتاج إلى تفسير لما حدث الآن...؟"
أجابت روز بنبرة باردة:
"لا داعي. انسِ ما حدث أصلًا."
ثم استدارت لتغادر، إلا أن آيلا أمسكتها من ذراعها، وأوقفتها، لتجبرها على مواجهتها، وقالت بإصرار:
"كيف تقولين لا داعي؟ ما هذا السلاح؟ ومن أين لكِ تلك الشخصية التي ظهرت للتو؟"
ردّت روز مبررة، بصوت هادئ :
"آيلا، أنا أعيش بمفردي، يجب أن أكون هكذا. أما السلاح، فهو لأخي... لا تقلقي، إنه مرخّص."
بالنسبة للكثيرين، كانت تلك حجة مقبولة، وربما كافية. لكن بالنسبة لشخص مثل آيلا، لم تكن كذلك تمامًا، خصوصًا وأن ما قيل عن الترخيص، وإن بدا صحيحًا على الورق، إلا أن الحقيقة مختلفة... الرخصة مزوّرة، والسلاح مرخّص باسم أخيها، لا باسمها....
نظرت آيلا إليها بعينٍ يشوبها الشك، وقالت بنبرة مترددة:
"أشعر أن هناك أمرًا ما تخفينه عني."
أجابت روز بثقة ظاهرة تخفي توترًا دفينًا:
"لا تتبعي إحساسك دائمًا... لأنه غالبًا ما يكون خاطئًا "
آيلا، وقد بدأت تشعر بالإرهاق من التفكير، اكتفت بالرد بصوت منخفض:
"أتمنى أن يكون كذلك..."
لكن الحقيقة أن روز لم تكن مرتاحة كما تبدو، كانت الكلمات عالقة في حنجرتها، ترفض الخروج، وخصوصًا حين تلتقي نظراتها بنظرات آيلا، ومع ذلك، كانت تقنع نفسها دومًا بأن ذلك الطريق انتهى، وأنه لم يعد لها به أي صلة، فلا داعي لأن تفتح أبوابًا أغلقت....
أما عن التهديد الذي تلقّته، فهي متأكدة تمامًا أنه لم يكن صادرًا عن تلك الفتيات، فعائلة سيلفادور معروفة بقوتها ونفوذها وهنّ لا يمتلكن الجرأة أو الوسائل لفعل شيء كهذا....
ورغم كل هذا، فإن الشيء الوحيد الذي تخشاه روز فعلًا، هو أن تمتد يد من آل جنكيز نحوها... وتحديدًا والدها، فلو كان على أحد أن يقتلها، فهي تفضّل أن يكون أي شخص... إلا هو أو فردا من آل جنكيز...
.........................................................................
في نهاية اليوم، وقفت روز في المطبخ تغسل الصحون بهدوء، كان صوت الماء المنساب يتداخل مع ضحكات بيري الصغيرة وهو يلهو برغوة الصابون، يمد يديه في الحوض، يعبث بالماء دون كلل. لم تمانع روز، بل كانت تبتسم له بين الحين والآخر وهي تتابع غسل الصحون بحركات رتيبة ومتقنة....
في الخلف، جلست آيلا على الأريكة وهي تمسك هاتفها، تراسل زوجها، ملامحها كانت كافية لتفضح حالها: ابتسامة مشرقة لا تفارق وجهها، نظرات مشعة كأن القلوب تقفز من عينيها، وأصابعها تعبث بشعرها بين الحين والآخر، تمشطه، تلفه، ثم تتركه ليتدلّى بنعومة على كتفها، كانت غارقة في عالمها الوردي، كما لو أن كل شيء آخر قد اختفى....
روز، وسط انشغالها بالماء والصابون، كانت تسرق النظرات إليها، ليس حسدًا، بل شيء أشبه بالدعاء الصامت، "أتمنى ألّا أقع في الحفرة ذاتها."
هي تحب أن ترى الحب في عيون الناس، تشعر بالطمأنينة حين ترى قلوبًا تنبض من أجل آخرين، لكن... أن يحدث ذلك معها؟ لا،
هي ترفض فكرة الزواج، ترفض التعلق، لأنها تدرك نفسها أكثر من غيرها، وإن وقعت في الحب؟ فهذه مصيبة بكل المقاييس....
روز من أولئك الأشخاص الذين يُفرطون في العطاء حين يحبّون، من النوع الذي يمرض لأجل كلمة، ويهتز مزاجه لأجل نظرة، ويبقى الليل بطوله يفكر بسبب جملة واحدة، فماذا لو أحبت شخصًا يجرحها؟ يؤذيها؟
حينها لن تكون روز التي نعرفها... ستكون شيئًا آخر مكسورًا تمامًا....
وذلك هو السبب الأول، أما الثاني؟
فلا شأن لكم به....
أنهت غسل الصحون، ثم رفعت بيري بين ذراعيها لتغسله جيدًا من آثار الصابون، تفرك يديه الصغيرتين وتضحك حين يرغو وجهه، ثم اتجهت به إلى آيلا، التي رفعت عينيها للحظة وابتسمت، بينما لا تزال أطراف أصابعها معلقة بالهاتف....
قالت روز و هي تمسك بيري من جناحيه الذي يشبه الجرذ المبلل : " آیلا هل یمكنك ان لا تدعیه یقترب مني حتى انتهي ؟
آیلا بلا مبالاة : " نعم نعم"
رفعت روز حاجبها باستغراب لکنها لضيق الوقت لم تجادلها و وضعته في حضنها بینما هو لا يقوى على الحركه بسبب ریشه المبلل
اکملت آیلا المحادثه لتردف باستغراب "کیف اصبح بيري بهذا الشكل ؟ لحضه منذ مق و هو في حضني ؟"
ردت روز فوراً بابتسامة:" لانه کان غرقاً مثلك لكن الماء يختلف "
ضحکت آیلا لتحمله و تضعه في مكانها بينما هي اتجهت الى روز معانقة اياها من الخلف لتقول :" اتمنی ان اراك تغرقین بذات الماء الذي غرقت فيه"
قلبت روز اعینها لتجيب " اتمنی ان اموت حینها"
ضحکت آیلا لتقول و هي لا تزال معانقة اياها "سیاتي بعد قلیل زوجي ، کم انا متحمسه حتی اجمعکما معاً اشعر انکما ستصبحان صدیقین
مقربین..."
قالت روز وهي تشكك بنبرة مترددة:
"هذا يعني أننا سنـصبح عدوين.."
قاطعتها آيلا بنبرة طفولية حماسية:
"لا! اقسم لك انه لطيف وبشوش، سترين ذلك بنفسك"
ضحكت روز بخفة، ثم نزعت قفازاتها أخيرًا، معلنة انتهاءها من غسل الصحون، استدارت نحو آيلا لتبادلها العناق، فبادرتها آيلا بقولها:
"أتعدينني أن تحبيه لأجلي؟"
ردّت روز بنبرة متعبة وكأنها تستسلم:
"أعدك... لكن لا أعدك أن أُظهر له هذا."
ضحكت آيلا وقالت برضا:
"لا بأس، المهم مشاعرك."
ابتسمت روز وأشارت إليها ممازحة:
"اذهبي وعدّلي شعرك قبل أن يأتي."
أومأت آيلا بحماسة، ثم التقطت حقيبتها واتجهت نحو الحمام، أما روز، فاتجهت نحو بيري، حملته معها، وخرجت إلى صالة المقهى....
جلست على كرسي البيانو، وضعت بيري بلطف فوقه، وبدأت تتأمل المفاتيح بهدوء، تمرّ بأناملها عليها بخفة، وكأنها تستعيد ذكرى قديمة....
عادت آيلا لتقف بقربها، وابتسامة رقيقة على وجهها، ثم قالت:
"لِمَ لا تُسمعينني عزفك؟"
قالت روز بابتسامة خفيفة:
"ما رأيك أن أغني لكِ أيضًا؟"
ردّت آيلا بحماس صادق:
"سأسعد بذلك."
عادت روز بنظرها نحو مفاتيح البيانو، تأملتها بصمت، وكأنها تحاول استرجاع كل كلمة من تلك الأغنية القديمة... الأغنية ذاتها التي كان زاكروس يرددها كثيرًا، والأغنية التي عزفت آيلا لحنها من قبل....
بدأت روز بالعزف بلطف، نغمة تلو الأخرى، لتغرق تدريجيًا في ذكرياتها، وبعد ثوانٍ، أغلقت عينيها وبدأت تغني بصوت خافت:
> "لو تعانقني...سيمر
طريقي مليئًا بالشوك والحجر
في يدي صورتك
وتوجد على وجهك نفس الابتسامة
لم أسأل لماذا انتهى بنا الأمر هكذا
يا للأسف...
لم أكن خائفة من مواجهة ظلامك
لقد لمعت..."
بينما كانت تكمل، بدأت بعض الدموع تتجمع في عيني روز، مما غيّر نبرة صوتها في السطور الأخيرة، أرادت أن تستمر، لكنها توقفت فجأة حين دخل أحدهم إلى المقهى....
مسحت دموعها بسرعة وابتعدت عن البيانو، محاولة إخفاء ما شعرت به....
التفتت كلٌّ من روز وآيلا نحو الباب، ولم تكد آيلا تراه حتى ركضت نحوه فورًا بعفوية، لترتمي في أحضانه، حينها، أدركت روز أنه زوجها... وقد بادلها العناق بحب....
كان رجلاً طويلاً... جدًا، ذو جسد رياضي وكتفين عريضين، يحيط به هالة من الغموض، زادتها هيبته السوداء؛ ملابس داكنة، وقبعة سوداء يخفي بها خصلات شعره الطويلة قليلًا...
بشرته سمراء بعض الشيء، ملامحه أقرب للامريكية، وعيناه تحملان نظرة حادة... لا يشبه آيلا في شيء!
حسنًا، يبدو أن آيلا كانت محقّة عندما قالت إن الحب يجمع المختلفين، وأن الشحنات المتضادة هي التي تتجاذب فعلًا....
وقفت روز لتومئ له كتحية صامتة، فما كان منه إلا أن رد الإيماءة فورًا بمجرد أن أنهى العناق، وكأنه فهم تمامًا أنها لا تفضل المصافحة.
سحبته آيلا برقة، مقرّبة إياه من روز أكثر، وقالت بابتسامة مشاكسة:
"ديفيد، أقدّم لك روز... وكل ما هو غريب، ستجده في روز!"
ابتسم ديفيد بهدوء وقال:
"آيلا حدّثتني عنكِ كثيرًا، سعيد بلقائك، روز."
بادَلَته روز ابتسامة خفيفة، فيما تابعت آيلا كلامها وهي تمسك بذراعه بفخر:
"وهذا هو زوجي، ديفيد كاسانو."
أشارت روز إلى إحدى الطاولات القريبة وقالت بلطف:
"تشرفت بلقائك. تفضلا، سأُحضّر شيئًا لتشرباه."
وبالفعل، اتجهت روز نحو المطبخ، وما إن خطت خطواتها الأولى حتى طار خلفها فورًا بيري، والذي بدا عليه الخوف بشكل واضح، على الأرجح، وربما كمجرد احتمال... كان خائفًا من الشخص الذي يبدو لطيفًا جدًا في نظر الجميع، وهو ديفيد....
ضحكت روز بخفة على حاله، فصحيح أن مظهر ديفيد قد يبعث قليلًا من القلق، لكنها لم تشأ أن تفكر بالأمر كثيرًا، ثقتها بآيلا وحدها تكفي....
عادت روز بعد دقائق وهي تحمل صينية صغيرة فيها ثلاث كؤوس من الكوكتيل، وضعتها على الطاولة أمامهم قبل أن تجلس بجوار آيلا، التي كانت تجلس مقابل ديفيد مباشرة....
ابتسم ديفيد وبدأ الحديث قائلًا بنبرة هادئة:
"إذًا روز... أخبريني، أود أن أعرف عنك أكثر."
نظرت إليه روز باستغراب بسيط:
"مثل ماذا؟"
قال وهو يضع يده على الطاولة:
"مثل... من أين أنت؟ ما اسم عائلتك؟"
ابتسمت روز وأجابت بثقة:
"أنا إيطالية الأصل... أما عائلتي فهي ريفا."
هزّ ديفيد رأسه بإعجاب، ثم قال:
"وهل تتقنين التركية؟ سمعتك تغنينها قبل قليل."
أجابته روز بنفس الثقة، وعيناها تنظران إليه بثبات:
"لا، أنا فقط أحفظ هذه الأغنية منذ سنوات طويلة."
لحظة صمت قصيرة... قبل أن يرفع ديفيد حاجبه، ثم قال فجأة بالتركية وبصوت منخفض يشوبه التحدي:
"أنتِ تجيدين إخفاء هويتك جيدًا، روز جنكيز."
أكملت روز كلامها بالإيطالية، متظاهرة بالغباء وهي ترفع حاجبيها بتصنّع:
"بأي لغة تتحدث الآن؟ لا أفهم شيئًا مما تقول."
كل ذلك حدث تحت أنظار آيلا التي كانت ترتشف العصير بهدوء، وكأنها تراقب بصمت...
أما بيري، فكان لا يزال متعلقًا بشعر روز، متشبثًا بها وكأن شيئًا يقلقه هو الآخر....
ابتسم ديفيد بخفة، ثم قال مجددًا بالتركية، ونبرة صوته أكثر جدية:
"يبدو أن زاكروس درّبك جيدًا على التمثيل... ألم يخبرك عني؟"
وفجأة... اختفت تلك الثقة من وجه روز.
تغيّرت ملامحها كليًا بمجرد سماع اسم أخيها، وصوتها خرج صارمًا ومضطربًا:
"من أنت؟ ومن أين تعرف أخي؟"
انفجر ديفيد ضاحكًا، ضحكة صاخبة لم تُجب عن سؤالها، بل زادت من استفزازها....
نظرت روز مباشرة إلى آيلا بنظرة حادة مليئة بالأسئلة، نظرة لم تستطع آيلا تفسيرها، مما جعلها تتوتر فورًا وتشعر بالارتباك.
قالت آيلا بسرعة وهي تنهض فجأة:
"سآخذ بيري لأنيمه... لقد حان وقت نومه."
ثم حملت بيري من على كتف روز، وسارعت بالدخول إلى المطبخ، هربًا من الأجواء المشحونة التي بدأت تتكثف، ومن نظرة روز التي بدت وكأنها تخترقها....
ديفيد بخبث واضح، رفع كوب العصير قليلًا وهو يهمس بتهكم:
"ألستِ تلك التي لا تفهم التركية قبل دقيقة فقط؟"
روز، وقد أصبحت أكثر حدة، نظرت إليه بعينين ضيقتين وقالت بصرامة:
"قلت لك... من أنت؟ ومن أين تعرف أخي؟"
قال ديفيد بهدوء تام، وضحكة خفيفة ترتسم على وجهه:
"اهدئي يا فتاة... إنه صديقي فقط."
لكن روز بقيت على حدّتها، تردّ بعينين تلمعان بالشك:
"وكيف عرفتني؟"
ابتسم ديفيد بنفس الهدوء:
"كل شيء فيكِ يوحي بأنك أخته."
اتسعت عينا روز من وقع العبارة.
لم تستطع إنكار أن قلبها خفق بقوة في تلك اللحظة، ولا أنها شعرت بدفء غريب خفف من توترها، وكأن تلك الجملة الصغيرة كانت البلسم الذي لم تتوقعه....
لكنها رفضت أن تُظهر له تأثير كلماته، فبقيت صامتة....
أمال ديفيد رأسه قليلًا وسألها بنبرة مرحة:
"إذاً، ألم تتعرفي عليَّ أبدًا؟"
ضيّقت روز عينيها، تمثّل التفكير وقالت بمبالغة مفتعلة:
"منذ أن رأيتك... وأنت تذكرني بشخص ما... لكنني نسيت اسمه."
ابتسم ديفيد، ثم خلع طاقيته السوداء وعدّل شعره بيده قائلاً:
"ممثل؟ أم عارض أزياء؟"
ردّت روز بسرعة وبوجه خالٍ من التعابير:
"آه تذكرت... شرشبيل! كم تشبهه فعلًا!"
اختفت ابتسامته من فوره، نظر إليها بنظرة خذلان واضحة، بينما تابعت هي ببرود تام، وكأنها تستمتع بتغيّر ملامحه:
"ما بك؟ لم يعجبك شرشبيل؟ إذًا... ماذا عن الخروف؟ تشبهه أيضًا."
تنهد ديفيد بابتسامة خفيفة، ثم عدل شعره وأعاد ارتداء الطاقية قائلاً:
"وما قصة الخروف؟"
ردّت روز بنبرة طفولية، وكأنها تبرر مجرد فكرة عابرة:
" ماذنبي أن كانت مخيلتي تراك خروفًا."
ضحك ديفيد بخفوت، نظرت عيناه إلى الطاولة للحظة ثم أعاد نظره إلى روز وقال:
"أخوك قال لي نفس الشيء بالضبط."
اختفت ابتسامة روز قليلاً، فسألته بدهشة:
"بماذا أخبرك بالضبط؟"
أجاب ديفيد بابتسامة عريضة:
"كان يناديني أحيانًا بالخروف، وعندما سألته عن السبب قال لي إن مخيلته تراني كذلك."
ضحكت روز، واحتبست دموع في عينيها في نفس الوقت، تحاول جاهدة ألا تسمح لها بالسقوط.
أكمل ديفيد بعد دقيقة من الصمت:
"قبل حوالي ثلاث سنوات، أوصاني بأن أعتني بك إذا وجدتك يومًا."
نظرت إليه طويلاً، تتعمق في عينيه كأنها تبحث عن صدق كلماته، وفي ذات الوقت تحاول أن ترى أخاها داخله.
بحسرة وصوت مهزوز، بعد أن كبت دموعها، سألت:
"هل أنت تركي؟"
أجاب ديفيد بهدوء:
"أنا أمريكي، لكني عشت فترة في تركيا."
أومأت روز مرة أخرى، ثم سألت بصوت خافت:
"هل تعلم آيلا أنني من المافيا؟"
ابتسم ديفيد وقال بثقة:
"تعرف كل شيء."
ترددت روز للحظة ثم سألت:
"لماذا أخبرتها؟"
رفع ديفيد حاجبيه، ووضع يديه على الطاولة، وقال ساخرًا:
"هل تخافين أن تبتعد عنك؟"
ردت روز بغضب:
"لا أحب أسلوبك أيها الخروف، وهذا ليس من شأنك!"
ضحك ديفيد بهدوء، وأضاف:
"إغضابك سهل وجميل، تمامًا مثل أخيك."
كان لتلك الكلمات تأثير غير متوقع، إذ هدأت غضبها وحزنها لأنه يشبهها باخيها.
تنهدت روز ثم توجهت نحو المطبخ، تاركة ديفيد خلفها، وهو لم يعترض.
بمجرد دخولها المطبخ، اقتربت من آيلا وجلست بجانبها.
نظرت إليها روز بعتاب وقالت:
"هل من الصحيح أن تخفي عني أنك تعرفين شيئًا عني؟"
أجابت آيلا بهدوء، دون أن تلتقي بعيني روز:
"أردت فقط أن تتصرفي معي براحة، فليس لي علاقة بماضيك."
ابتسمت روز لترد علیها " اذا هل یمکننا ان نعید نسیانه الان ؟۱
نظرت آیلا لعيني روز ثم أجابت بابتسامة :" طبعاً"
هکذا ينتهي يومها
اترون کم ان الحياة غير عادلة ؟
تفرحها قلیلا ثم تدهس على اعمق جراحها لکن هل مکتوب عليها الجحيم في حياتها كاملة ؟
و هل ستکون آیلا تعويض ام جرح جديد لها ؟
لکن حقا لما وثقت بها بهذه السرعة؟ صحیح ان من احد مبادی روز هو عدم الثقة لكن هذا کان قديماً....
جميع المبادئ مزيفة حتى تقع تحت الاختيار
وهي اختارت ان تترك الماضي كاملا الا اخيها
و ان تسایر الحياة لترى ما نهايتها...
.___يتبع___.
𝕵.𝕸
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.