حب من اول طعنة
﹝ روايتي ليست مجانية ﹞
الـثـمـن الذي عليك دفعه لقرائتها
هو: التعليق على الفقرات ✍🏻
والضغط على القلب أسفل البارت ♥️
"انت تثق و انا مئق فكیف نتفق ؟ نتفق على ان لا نتفق"
......................................
مستلقية على سريرها، كما تفعل دائمًا، داخل شقتها الصغيرة.
لكن هذه المرة... كان هناك اختلاف.
شعور الأمان الذي اعتادت عليه غادر بصمت، ليحل مكانه الخوف.
حاولت أن تحرك أي جزء من جسدها، لكن دون جدوى.
جسدها كان ثقيلاً، كأنه خذلها في أكثر اللحظات حاجةً للحركة.
أغمضت عينيها بقوة، حينما سمعت صوت خطوات تقترب منها.
خطوات هادئة... لكنها ثقيلة، تعرفها جيدًا.
هي تعرف من القادم، لا شك لديها.
لكنها ترفض الاعتراف.
تخشى مواجهته... أو سماع صوته.
رغم أنها تحبه بشدة، أكثر مما يجب.
تعلم جيدًا أن ما تمرّ به الآن مجرد حلم.
جزء منها يتوسل أن تستيقظ فورًا.
وجزء آخر... يتمنى ألا تستيقظ أبدًا.
تريد البقاء معه.
حتى لو تأذت، حتى لو احترق قلبها...
يمكنها أن تموت لأجله،
لكن لا يمكنها أن تواجه كلماته.
شعرت بانخفاض طفيف في الفراش من جهتها اليمنى،
إشارة واضحة إلى أن شخصًا ما جلس بجانبها.
ثم جاء صوته... هادئًا، باردًا، كالمعتاد:
"ألا تودين رؤيتي؟
أتكرهينني لهذه الدرجة؟"
فتحت روز عينيها ببطء.
لكن لم يكن هناك فرق كبير...
فالدموع التي تغرق عينيها،
كانت تمنعها من الرؤية أصلًا...
قال زاكروس بهدوء قاتل:
"أتمنى لو أنني لم أضحِّ بحياتي لأجل واحدة منهم."
ثم ارتفعت نبرته فجأة، وانفجر صارخًا:
"كيف تنضمّين إليهم بعد كل ما فعلته لأجلك؟!
لقد متُّ لأبعدك عنهم!"
كانت دموع روز تتساقط بغزارة،
عيناها تحكيان أشياء كثيرة... ندم، صدمة، ألم...
لكن زاكروس لم يرَ فيها سوى خيانة،
فنظر إليها بعينين تملؤهما الكراهية والاحتقار....
دون أن ينتظر ردها، وقف فجأة،
وضرب الحائط بقبضة قوية جعلت الجدار يتهشم،
ثم بدأ يشتمها، بكلمات جارحة، واحدة تلو الأخرى،
بينما روز تكتفي بالبكاء بصمت،
عاجزة عن الدفاع عن نفسها... أو حتى التحرك....
ثم توقف،
واستدار نحوها بخطوات ثقيلة ونظرة مظلمة مخيفة.....
اقترب من وجهها، حتى شعرت بأنفاسه الحادة على وجنتيها....
قال بصوتٍ منخفضٍ، لكن كل حرف فيه كان يطعن قلبها كالسكين:
"إياك أن تعتبريني أخاك...
وإياك ثم إياك أن تزوري قبري مجددًا!"
سكت للحظة، قبل أن يمد يديه نحو عنقها،
يضغط عليها بأصابعه....
قال بصوت أقرب للهمس، لكنه محمّل بالتهديد:
"اعترفي فقط... اعترفي أنك واحدة منهم!"
حاولت روز أن تتحدث، أن تدافع،
لكنها شعرت وكأن فمها مخيط،
كأن الصوت نفسه خانها....
ثم بدأ زاكروس يشد على عنقها شيئًا فشيئًا...
وعيناه، رغم كل هذا الغضب،
ثابتتان في عينيها، دون أن يرمش.
وكأنه يريد أن يرغمها على رؤية الكره الصافي فيهما،
أن تفهم أن ما بينهما... قد مات....
كان يحاول بفعله هذا أن يُريها الكُره في عينيه،
أما هي... فكانت تبحث عن ذاك الحب القديم،
تُفتّش عنه وسط عتمة نظراته...
كانت تحدّق فيه، تُنقّب عن ملامح أخيها الذي تعرفه،
ذاك الذي مات وهو يحتضنها... لا الذي يقسو عليها الآن...
لكنها لم تجد سوى الغضب،
غضب نَبَت في عينيه....
ثم... استيقظت....
استيقظت روز بفزع، شهقت وكأنها تُنتَشَل من تحت الماء...
وأنفاسها المذعورة كأن الهواء يُسحب منها عنوة...
دخلت في حالة أشبه بالصرع؛
جسدها يرتجف،
وعيناها لا تبصران إلا سوادًا يلتهم المكان.
أنفاسها مقطوعة، كأن الأوكسجين ذاته يخنقها...
ومع ذلك،
كانت تهمس وسط نحيبها المتقطع:
"أنا لست منهم... أنا لست منهم..."
وضعت يديها المرتجفتين حول عنقها،
تحاول أن تبعد شيئًا غير موجود ...
شيئًا يضغط عليها... جحيمها... نعم واللعنة انه اشبه بالجحيم الذي يسرق أنفاسها... يشوه ذكرياتها... يقضي عليها ببطئ...
رغم أنه غير موجود... لكنه يقتل...
وبعد دقائق بدت وكأنها دهر،
تمكنت من التنفس أخيرًا... ولو بشقّ الأنفاس...
ساد صمت ثقيل،
ثم انفجرت بالبكاء من جديد،
هذه المرة دون صوت،
لكن الدموع كانت تحمل كلمات... كلمات لم تكن قادرة على البوح بها... هي فقط بكت... ذرفت دموعها....
وكأن دموعها يمكن أن تغسل قلبًا أنهكته الدنيا....
احتضنت نفسها كأنها تلمّ ما تبقّى منها،
بقيت على حالها، تائهة...
لا تدري ما الذي يؤلمها أكثر،
ذكرى أخيها؟ أم قسوته؟ أم قلبها الذي لا يكفّ عن الحنين؟
ثم...
كسر رنين الهاتف الصمت....
نظرت إلى الشاشة ببطء.
رقم غريب...
حدّقت به طويلاً...
لكنها لم تجب.
تركت الهاتف يرنّ،
بينما عادت بصمت إلى عالمها الداخلي...
ذاك العالم المشوه المليئ بالخراب...
لكن إصرار المتصل جعلها تستسلم في النهاية....
فتحت الخط دون أن تنطق بكلمة.
وصمتت... حتى جاءها صوت لم يكن غريبًا عليها:
"روز... هل يمكنني أن ألتقي بك مساءً؟"
رفعت حاجبيها بقلق واستغراب:
"ديفيد؟ ولماذا نلتقي؟ هل آيلا بخير؟"
رد بنبرة جادة:
"أريد أن نتحدث عن شيء يخص أخاكِ... ولا أريد لآيلا أن تعرف،
ثم ما بها نبرة صوتك؟"
ترددت، ثم حاولت تبرير الأمر بصوت متماسك:
"كنت نائمة فقط..."
لكن ديفيد لم يقتنع:
"من يستيقظ من النوم لا ترتجف نبرته كمن كان يبكي... روز، ما الذي يحدث معك؟"
أدارت وجهها بعيدًا عن الهاتف، محاولة تغيير الموضوع:
"هل اتصلت بي في السادسة صباحًا فقط لتخبرني بهذا الآن؟"
فهم ديفيد أنها لا تنوي الإجابة، فاختار مجاراتها:
"حسنًا... في الواقع نعم...
سأرسل لك الموقع بعد منتصف الليل "
همهمت همهمة خفيفة، ثم أغلقت الخط دون رد.
عادت إلى وضعيتها كما كانت...
حدقت في الفراغ، نفس الوضع، نفس الصمت،
مرّ الوقت ببطء...
وأصبحت الساعة التاسعة صباحًا...
لا تنكر روز أنه، وخلال الساعات التي مضت...
كانت تتمنى لو أنها تنام مجددًا...
تهرب، فقط للحظات، من هذا العالم البشع....
لكن الخوف كان لها بالمرصاد....
ذلك الكابوس الذي يراودها كل ليلا ملتصقا بها كالغراء،
منعها من إغماض عينيها مرة أخرى...
خافت أن تراه مجددًا...
خافت أن تواجه أخاها في الحلم....
لذلك...
اختارت أن تبقى مستيقظة.
أن تُغرق نفسها بالتفكير،
أن تُرهق عقلها بكل الذكريات والأسئلة...
أفضل لها من أن تعود إلى كوابيسها....
عند الساعة الحادية عشرة صباحًا،
وبينما كانت روز تنظّف الطاولات في المقهى بهدوء...
اقتحمت، أو لنقل دخلت، آيلا المكان وهي تصرخ بصوتٍ عالٍ:
"روزييي!"
ركضت نحوها بسرعة، واحتضنتها بقوة.
لكن روز لم تتفاجأ هذه المرة...
فقد اعتادت على طاقة آيلا المفاجئة.
قالت آيلا وهي تبتسم ابتسامة عريضة:
"ألَم تشتاقي لي؟ أنا اشتقت لك كثيرًا!"
ضحكت روز وهي تبادلها العناق بحنان، وأجابت:
"بالطبع اشتقت إليك...
لكن، أليس من المفترض أن تكوني في المدرسة الآن؟"
ابتعدت آيلا قليلًا، ثم ظهرت على وجهها تلك الابتسامة البلهاء التي تعرف روز أنها تخفي خلفها مصيبة، وقالت بمرح:
"في الحقيقة... فضّلت النوم على حضور حصص الرياضيات المملة."
روز بصدمة مصطنعة وهي تضع يدها على صدرها:
"رياضيات؟ مملّة؟! إنها أروع مادة أساسًا... وأقرب شيء إلى قلبي!"
عبست آيلا بضيق، وقالت:
"أفف... كيف لشخص ما أن يحب الرياضيات أصلًا؟"
ضمت روز ذراعيها، وأجابت بثقة:
"لا يحب الرياضيات إلا من يفهمها."
ابتسمت آيلا بمكر، واقتربت منها وهمست:
"تحبينها لأنها تشبهك...
لا يستطيع أحد أن يتعامل معك أو يحبك...
إلا إذا فهمك."
سكتت روز فجأة....
كلمات آيلا اخترقت عقلها، وظلّت تتردد في داخلها....
نعم... كانت محقة....
الكثير من تصرفاتها تُفهم خطأ، الكثير من مشاعرها لا تُقال بوضوح...
لكنّ من يفهمها حقًا، يرى كل شيء خلف صمتها....
بينما كانت روز شاردة في هذه الأفكار،
كانت آيلا تتأمل عينيها بصمت، ثم سألت بقلق:
"لِمَ تبدو عينيكِ متعبتين؟
ألَم تنامي البارحة؟"
ابتسمت روز بهدوء، محاولة إخفاء تعبها:
"بلى... لقد نمت جيدًا."
آيلا بشك وهي ترفع حاجبها:
"إذًا... لم تتناولي الفطور؟"
ضحكت روز مجددًا، وأجابت:
"سأتناوله بعد قليل."
اتسعت ابتسامة آيلا وقالت بحماس:
"كعك الفراولة؟"
ابتسمت روز بسعادة، وأومأت برأسها،
وهذا وحده... كان كافيًا ليُسعد آيلا....
خلعت آيلا حقيبتها البيضاء، وعلّقتها على أحد الكراسي القريبة،
ثم بدأت بربط شعرها، استعدادًا لمساعدة روز في تنظيف المقهى...
وبعد وقت قصير، أنهتا العمل أخيرًا.
اتجهت روز إلى المطبخ لتبدأ بتحضير كعك الفراولة،
بينما جلست آيلا على الأريكة تداعب بيري النائم في حضنها....
قالت بنبرة طفولية وهي تستنشق بعمق:
"متى سأحصل على الكعك؟ رائحته تحوم حولي منذ ساعة... كأنك تعذبينني!"
ضحكت روز وهي ترتب المكونات:
"همم، وماذا ستعطيني مقابل الكعك؟"
رفعت آيلا رأسها وهي تضحك:
"أوه، أعلم جيدًا أنك لا تريدين المال...
فماذا تريدين إذًا، يا روز؟"
أخرجت روز الكعكة الأولى من الفرن، وضعتها لتبرد، ثم سكبت خليط الكعكة الثانية مكانها.
قالت وهي تمثل أنها تفكر بعمق:
"هممم... ماذا أريد يا ترى؟"
ثم نظرت نحو آيلا وابتسمت بمكر:
"احكي لي قصتك مع ديفيد... وسأعطيك قطعتين."
رفعت آيلا حاجبها بدهشة، لكنها وافقت بسرعة:
"اتفقنا! هذا عرض مغرٍ جدًا لشخص جائع،
خاصة عندما يكون المقابل أحد أطباقه المفضلة."
بدأت روز بتحضير الفراولة والكريمة استعدادًا لتزيين الكعكة،
بينما عدّلت آيلا جلستها واستمرت في مداعبة بيري النائم في حضنها، ثم بدأت بالسرد:
"كان يا مكان، في قديم الزمان، حيث كنت أجلس كالملاك في سيارة والدي، بينما هو يقود، وكانت أمي تجلس بجانبه،
كنت أملك ملامح طفولية بريئة تشكل بطاقة قبول لدخول قلب أي شخص... دون استثناء."
استدارت روز لتنظر لها وهي ترفع أحد حاجبيها، مما جعل آيلا تنفجر ضاحكة على ردّة فعلها...
قالت وهي تضحك:
"أحب هذه الملامح!"
قلبت روز عينيها بمرح، بينما أكملت آيلا:
"كنت سعيدة جدًا بحياتي. لم يكن والداي ثريَّين، ولم يكن هناك خدم يحضرون ملابسي،
لكن كانت لدي عائلة تكرّس حياتها كاملة لأجل ابتسامتي."
صمتت آيلا لوهلة، وبدت على ملامحها لمحة حزن خافتة،
فحتى الذكريات السعيدة قد تكون مؤلمة...
ثم أكملت بصوت أخفض:
"كنا في طريقنا لشراء لعبة... دب أبيض كنت أشاهده دائمًا في أحد برامج الرسوم المتحركة...
وفي الطريق، اصطدمت شاحنة بسيارتنا، مما جعلها تنقلب...
آخر ما سمعته من والدي هو أنهما يحبانني... ثم فارقا الحياة.
لا أذكر شيئًا سوى منظر الدماء، الزجاج المحطّم، وضيق المكان...
كنت أشمّ رائحة البنزين بكل مكان... ثم غبت عن الوعي "
تحولت نظرات آيلا من بيري إلى روز،
التي تقدمت نحوها بصحنين من الكعك وجلست إلى جانبها....
وضعت آيلا بيري في حضنها النائم أصلًا،
وأخذت الطبق الذي يحتوي على قطعتين، وبدأت بالأكل بلهفة....
قالت روز باندهاش:
"الشخص الطبيعي... تنقطع شهيته عند تذكّر حادث مثل هذا!"
أجابت آيلا وفمها ممتلئ بالكعك:
"أنت قلتِها... الشخص الطبيعي "
ابتسمت روز، ثم بدأت هي الأخرى بتناول الكعك، بينما واصلت آيلا حديثها:
"استيقظت في اليوم التالي في غرفة ضخمة...
كنت مستلقية على سرير، وقد تمّت معالجة جروحي. أصبت في رأسي، وكتفي، وبطني... وفي كثير من الأماكن... "
قالت روز مازحة:
"كنتِ كالمومياء إذن!"
ضحكت آيلا:
"بل أسوأ! المهم... حين فتحت عيني، رأيت شخصًا نائمًا على الكرسي بجانب السرير."
قالت روز بحماس:
"دعيني أحزر! ديفيد؟!"
أومأت آيلا برأسها، لتتابع روز:
"إذًا هو من أنقذكِ! وظللتِ تتأملين ملامحه حتى استيقظ... ووقعتِ في حبه، وشكرتيه، وبدأت قصتكم الرومانسية!"
ابتسمت آيلا تلك الابتسامة البلهاء:
"لمحتُ سكينًا على الطاولة... فسحبتها وطعنته في كتفه."
صمتت روز للحظة، وقد تجمّدت اللقمة في فمها من شدّة الصدمة، بينما تابعت آيلا الأكل بنظرة وابتسامة بريئتين.
ثم انفجرت روز بالضحك:
"حب من أول... طعنة؟!"
ضحكت آيلا أيضًا، وأومأت برأسها في انسجام مع عبارتها، لتردف روز ضاحكة:
"كنتُ سأُصدم أكثر لو كانت بداية علاقتكما طبيعية أصلاً!"
وبعد لحظات من الضحك، هدأتا، ثم سألت روز بلطف:
"وماذا حلّ بوالديكِ؟"
أجابت آيلا، بصوت خافت:
"توفيَا في ذلك الحادث.
وديفيد... اعتنى بي، وبعد مدة اعترف لي بحبّه،
وتزوجنا عندما بلغت السادسة
عشرة... أي منذ عام تقريبًا "
روز وهي تضحك: "وفي أثناء كل تلك المدة... هل طعنتِه مجددًا؟"
آيلا بنفس نبرة روز الساخرة: "طعنته فقط؟ أنا أطلقت عليه الرصاص أيضًا... وسَممته عدّة مرات!"
انفجرت روز ضاحكة بشدة، تمسك بطنها وهي تسأل:
"ولماذا؟!"
آيلا بنبرة طفولية وهي تمضغ آخر لقمة من الكعك:
" يجعلني أغار أحيانًا "
زاد ضحك روز، حتى كادت تدمع عيناها، ثم قالت بعد لحظات:
"أتمنى ألّا أُصاب بما أصابك."
آيلا وهي ترفع حاجبها بخفة: "إن كنتِ تقصدين الحب... فأنا أتمنى أن تُصابين به سريعًا، أريد رؤية أطفالك!"
ابتسمت روز بنعومة، ثم نهضت متجهة نحو الفرن لإخراج الكعكة الأخيرة، وأكملت تزيينها...
اقتربت آيلا منها بعد قليل، تضع بيري على رأسها ممازحة، وقالت ضاحكة:
"هل تعلمين؟ والدته أرادت أن تعطيني مبلغًا من المال كي أنفصل عنه..."
روز بدهشة ساخرة: "هل أنتم تعيشون في مسلسل درامي؟! وبالطبع، رفضتِ وقلتي: لن أستبدل حبه بمال العالم أجمع؟"
آيلا مقتربة أكثر: "ليس تمامًا... عندما ناولتني الظرف، كان بداخله شيك بمليون دولار فقط، أردت أن أقول لها إن المبلغ قليل جدًا مقارنة بما يمكنني الحصول عليه لو بقيتُ معه، لكنه دخل علينا فجأة وقطع الحديث..."
روز توسّع عينيها مصدومة: "أتى في الدقيقة تسعين!"
انفجرت آيلا من الضحك، لكنها ما لبثت أن أطلقت صرخة متألمة، التفتت روز بسرعة لتجد بيري يعضّ شعر آيلا كي لا يسقط من فوق رأسها....
ابتسمت روز ووضعت الكريمة من يدها، ثم حملت طائرها الصغير بلطف، بينما تحوّلت ملامح آيلا فجأة إلى تلك الطفولية البريئة التي تحبها روز....
بيري لم يكتفِ، فقد بدأ يعض يد روز بدوره، لكنها لم تُظهر أي انزعاج، بل أخذت بعض الكريمة وقربتها له، فابتلعها فورًا...
روز بابتسامة: "لا تقلقي، لن يتحوّل إلى نسر... هو فقط جائع "
آيلا بابتسامة حالمة: "آه... كم أعشق النسور! أريد تربية أحدها في المستقبل، أساسًا "
روز ترفع حاجبها متفاجئة: "حقًا؟ ألن تخافي منه؟"
آيلا بسخرية واثقة: "أنا؟ مستحيل! لا يمكنني الخوف من حيوان"
روز بنبرة تحدي: "إذن لنتفق... ذات يوم ستستيقظين لتجدي نسرًا نائمًا على صدرك، يحدق مباشرة في وجهك!"
آيلا بثقة عالية دون تردد: "اتفقنا."
انفجرتا بالضحك، ولم تمضِ سوى لحظات حتى بدأ كل شيء يتغيّر...
تلوّنت ملامح آيلا بالسواد في عيني روز، ثم سرعان ما غمر الظلام كل ما حولها، قبل أن تسقط مغشيًا عليها، في اللحظة نفسها التي دوّى فيها صراخ آيلا وصرير بيري في الأرجاء....
ركضت آيلا لتتلقفها، لكن جسد روز انزلق من بين يديها، لتسقط معها أرضًا. بدأت آيلا تُربّت على خدّها بخفّة وهي تهمس اسمها بخوف:
"روز؟ روز! أجيبي... أرجوكِ!"
لكن لا جدوى. لم تتحرك. لم تفتح عينيها، لم ترد....
أخرجت آيلا هاتفها بسرعة، قلبها يضرب بعنف، والقلق يأكلها من الداخل ضغطت على اسم ديفيد واتصلت، وما إن أجاب حتى صاحت بنبرة مرتجفة:
"ديفيد! روز! تعال بسرعة، لقد أُغمي عليها فجأة! وجهها... بدأ يميل للزرقة، اسمع صوت تنفّسها! إنه... لا أعلم، لكنها تتنفس بصعوبة!"
......................................................................................
فتحت مقلتيها البنيتين ببطء، تحدق بالسقف لبعض الوقت، وكأن عقلها يحاول اللحاق بجسدها....
ثم انتفضت فجأة من مكانها عندما أدركت أنها لا ترتدي نظّاراتها، لتبدأ في البحث حولها بعجلة....
لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى وجدتها قريبة منها، ارتدتها بسرعة، ونهضت واقفة، تنظر في أرجاء المطبخ بهدوء مشوش...
وبينما كانت تستعيد وعيها بما حدث، أخرجت هاتفها تتحقق من الوقت:
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.
وهي وحدها... في المطبخ....
خرجت مسرعة إلى الصالة، وعيناها تتجهان مباشرة نحو الطاولة الصغيرة، حيث كانت آيلا تجلس برفقة ديفيد، وبينهما بيري...
وما إن رأى بيري روز حتى طار نحوها بسرعة، وأعين آيلا وديفيد لحقته فورًا والتقت بها....
وقف ديفيد فورًا، بينما ركضت آيلا نحوها واحتضنتها بقوة، وسط ارتباك روز واستغرابها الشديد...
روز، بصوت خافت وهي تتوسط ذراعي آيلا:
"ما الذي حدث؟"
ابتعدت آيلا عنها قليلًا، بينما بقي بيري متشبثًا بشعر روز
أجابت آيلا بابتسامة ناعمة:
"لقد أُغمي عليك بسبب التعب...لا تقلقي، أنهيتِ كل عملك، ووضعتُ النقود في جيب سترتك.."
ثم التفتت نحو ديفيد وأكملت:
"وديفيد ساعدني كثيرًا "
نقلت روز نظراتها نحوه، وابتسمت بخفة، ليبادلها ديفيد إيماءة سريعة كمن يقول: لا داعي للشكر.
سحبتها آيلا برفق وهي تقول:
"تعالي اجلسي، لا تبقي واقفة "
جلست روز بجانبها، مقابل ديفيد الذي عاد بدوره للجلوس، بينما بيري صنع لنفسه مكانًا في حضن روز، وكأنه أخيرًا وجد راحته....
قال ديفيد وهو ينظر إلى ساعته:
"كشخص لم ينم منذ يومين، من المفترض أن تنامي أكثر من هذا الوقت "
نظرت إليه روز بدهشة:
" ومن قال انني لم أنم ليومين؟"
ابتسم ديفيد ابتسامة جانبية وهو يجيب:
"أنا قلت ذلك."
سألتها آيلا بصوت منخفض متوتر:
"روز... هل هناك ما يمنعك من النوم؟"
وجهت روز أنظارها نحو آيلا، تحاول التركيز معها، بينما عقلها كان قد شرد تمامًا مع ديفيد.
تنهدت بخفوت وقالت:
"لا، فقط أشعر بالتعب قليلًا اليوم... لا علاقة له بالنوم."
لكن ديفيد علّق بنبرة ماكرة، وابتسامة جانبية ترتسم على شفتيه:
"حقًا؟ سأصدقك إذًا... فمن المؤكد أنك لا ترين كوابيس بأخيك، أليس كذلك؟"
تجمّدت روز لوهلة، لكن داخلها تمسّك بإنكارها، رفعت رأسها نحوه...بعينين تلمعان بالتحدي، وأجابت بثبات:
"لا، لا يوجد شيء كهذا "
ضحك ديفيد بخفة، وردّ مبتسمًا:
"تمامًا مثله... نفس العناد."
ربّتت آيلا برفق على رأس روز، وقالت بنبرة حنونة:
"لا تدرسي اليوم، خذي استراحة ونامي جيدًا، غدًا يوم طويل"
نظرت روز إليها، وأومأت بابتسامة صغيرة. ابتسمت آيلا بدورها، وأضافت:
"ما رأيك أن نوصلك للبيت في طريقنا؟"
هزّت روز رأسها بلطف:
"لا داعي، أفضل أن أمشي قليلًا... الجو هادئ"
لم تُرِد آيلا الضغط عليها، فاكتفت بالإيماءة، ثم نهضت لتُحضر سترة روز من المطبخ...
خلال ذلك، ظل ديفيد يراقب روز بصمت، وابتسامته المستفزة لا تفارق ملامحه، فيما روز تجاهلت نظراته تمامًا..
عادت آيلا، ناولتها السترة، ثم طبعت قبلة خفيفة على جبينها،
ابتسمت روز بخجل، ونهض الجميع استعدادًا للمغادرة...
كان من المفترض أن تتجه روز إلى المنزل...
لكن قدميها قادتاها إلى جهة أخرى....
توجهت نحو إحدى الحدائق القريبة، لم تكن مستعدة للعودة إلى البيت... ليس بعد.
جلست على أحد المقاعد الحجرية، والنسيم البارد يلفّ كتفيها.
راحت تفكر في ديفيد...
في كلماته، وفي نبرته الواثقة....
كيف علم بأمر كوابيسها؟ ولماذا بدا وكأنه يعرف أكثر مما يفترض؟
أسلوبه المستفز، وثقته الزائدة...
كانا يدفعانها للرغبة في صفعه....
ظلّت جالسة هناك، غارقة في أفكارها، حتى تجاوز الوقت الثالثة فجرًا وثلاث عشرة دقيقة.
رنّ هاتفها فجأة.
على الشاشة، ديفيد...
ردّت بصمت، دون أن تنطق بكلمة.
وصوته جاء واضحًا، هادئًا، ومزعجًا كعادته:
"هل بدأت تخافين دخول البيت بسبب أحلامك؟"
انتفضت من مكانها فورًا، التفتت حولها، لكن لم يكن أحد هناك....
ثم سمعته يضحك بخفوت، وقال:
"لا أحتاج لأن أراقبك، روز... أنا عرفت أخاك عن قرب. وبالنسبة لي... أنتِ شفافة... "
شدّت قبضتها على الهاتف، وردّت بنبرة حادّة:
"ماذا تريد؟"
قال ديفيد بصوتٍ منخفضٍ يكسوه الحزن:
"هل نسيتي؟ كيف يمكنك نسيان موعدنا؟"
رفعت روز حاجبيها، ثم قالت وهي تقلب عينيها ببرود:
"لا أريد أن آتي... دعني وشأني، ديفيد."
كانت على وشك أن تُنهي المكالمة، لكن صوته أوقفها فجأة، ونبرته هذه المرة كانت أهدأ... أعمق:
"ألا ترغبين بمساعدتي في تنفيذ وصية أخيك؟"
توقّفت يدها عند زر إنهاء المكالمة، وعادت ترفع الهاتف لأذنها، تسأل بصوتٍ هادئ متحفظ:
"أي وصية؟"
ابتسم ديفيد، لكنها لم تكن ابتسامة مريحة، بل غامضة كعادته:
"تعالي إلى الموقع... وستفهمين.
لكن قبل أن تأتي، أعيدي ذلك الصغير إلى البيت."
صمتت روز لثوانٍ.
ثم، ودون كلمة أخرى، أغلقت المكالمة...
خفضت الهاتف ببطء، وحدّقت في النباتات أمامها...
ثم نهضت بهدوء....
هي لا تثق به،
تعرف كم هو مراوغ،
لكن... لأجل أخيها فقط، ستفعل أي شيء....
راودها شعور غريب...
ربما كان غاضبًا منها... لأنها لم تنفذ وصيته...
وصية لا تعرف عنها شيئًا حتى الآن....
كانت الساعة الرابعة فجرًا...
وقفت روز أمام بوابة ضخمة لقصر يشبه الأحلام، في شارع يفيض بالأناقة والسكينة....
حدّقت في الباب للحظات، ثم عادت لتطالع الموقع على هاتفها، تتأكد من العنوان مرارًا...
وأخيرًا، قررت أن تتصل...
ردّ ديفيد بسرعة وكأنه كان ينتظر:
"نعم؟"
قالت روز بتردد:
"أنا... أنا واقفة أمام الباب "
ضحك ديفيد بسخرية واضحة:
"وهل تنتظرين مني أن أفرش لك سجادة حمراء لتدخلي؟"
توسّعت عيناها بدهشة، ونظرت إلى الهاتف بامتعاض قبل أن تغلق الخط في وجهه وتستدير لتغادر.
لكن صوته أتاها من الخلف مباشرة:
"ألا تتحملين المزاح؟"
توقفت روز فجأة، والتفتت نحوه....
لقد خرج من الباب بهدوء، وكأنه كان يقف خلفه طوال الوقت....
نظرت إليه بشك وقالت بحدّة:
"ومن تكون أنت لتمازحني أصلًا؟"
رفع حاجبيه بمكر ورد بنبرة بريئة مصطنعة:
"زوج صديقتك... وصديقك، نوعًا ما؟"
زفرت روز بعمق، ثم استدارت عائدة نحوه...
دخلت دون كلمة، وبمجرد أن أغلق الباب، سألها بنبرة عتاب:
"لماذا تأخرتِ كل هذا الوقت؟"
أجابته ببرود وهي تتفادى النظر إليه:
"جئت سيرًا على الأقدام."
رفع حاجبًا بدهشة:
"لماذا؟"
نظرت إليه أخيرًا وقالت بنفاد صبر:
"وما شأنك؟ ألن ننتهي من هذا بسرعة؟"
سكن صوته قليلًا، ثم قال بنبرة خافتة فيها شيء من الحزن:
"لماذا تعاملينني هكذا...؟"
توقف الزمن لحظة...
كانت نبرته صادقة...
وروز، رغم كل شيء، شعرت بشيء يتحرك في داخلها...
لا تعرف تمامًا لماذا تتصرف معه بهذه القسوة...
هل لأنه يعيدها إلى ماضٍ تحاول جاهدًة دفنه؟
أم لأنها ببساطة لا تثق به بعد؟
لم تجب....
لكن تعابير وجهها هدأت قليلًا...
أخذت نفسًا، كأنها تستجمع قوتها...
وقررت أن تعطيه فرصة، فقط... لأجل أخيها...
أشار ديفيد لها بأن تتبعه، فمشت خلفه بصمت...
قادها إلى غرفة صغيرة في الطابق السفلي، مليئة بالأجهزة الإلكترونية، شاشات مراقبة، وأدوات غريبة أقرب ما تكون إلى أدوات تعذيب...
تجمّدت روز في مكانها، واتسعت عيناها:
"ما هذا؟! هل... أنت من المافيا؟!"
انفجر ديفيد ضاحكًا:
"بالطبع لا! معك رئيس الاستخبارات الأمريكية، آنسة روز "
نظرت إليه بنظرة مشمئزة وقالت وهي تمرر يدها على جبينها:
"هذا أسوأ !"
ضحك ديفيد بصخب، ثم أشار لها بيده لتجلس على أحد الكراسي في الغرفة، قبل أن يغادر قائلاً:
"سأحضر لنا شيئًا لنشربه "
جلست روز ببطء، تتأمل أجهزة الكمبيوتر المتقدمة من حولها، كانت الغرفة مزيجًا بين مختبر استخبارات ومخبأ سري... كل شيء فيها يوحي بالسرية والخطر...
بعد دقائق، عاد ديفيد يحمل كوبين...
وضع أمامها كوب شوكولاتة ساخنة، بينما احتفظ لنفسه بفنجان قهوة....
قال وهو يبتسم:
"حسب ما أتذكر... تحبين الشوكولاتة الساخنة "
نظرت إليه روز بابتسامة خفيفة وقالت:
"تتكلم وكأنك كنت تهزّ سريري وأنا رضيعة "
ضحك ديفيد، ثم مال للأمام وقال:
"لكن اعترفي، كل ما قلته عنك حتى الآن صحيح "
رفعت حاجبها وقالت بنبرة مشككة:
"وكل هذا يجعلني أقل رغبة في شرب أي شيء من يدك"
ضحك مجددًا، ثم قال بهدوء:
"لا أحب القتل بالسم... ليس أسلوبي المفضل "
تنهّدت روز بنفاد صبر، وأبعدت الكوب قليلًا:
"دعنا نبدأ فليس لدي وقت "
نهض ديفيد دون أن يرد، واتجه نحو أحد الأجهزة..
جرّ عربة صغيرة عليها جهاز كمبيوتر محمول متطور، ووضعه أمامها..
نظرت روز للجهاز باستغراب وقالت:
"ما هذا؟"
ابتسم ديفيد وهو يُشغّل الجهاز:
"الخطوة الأولى... لتنفيذ وصية أخيك "
عاد ديفيد إلى مقعده، ووضع الحاسوب المحمول بينهما قبل أن يقول بنبرة منخفضة:
"أول خطوة لتنفيذ وصية أخيك... هي اختراق حساب واحد من أخطر المخترقين المطلوبين"
رمقته روز بنظرة متحفّظة، الحذر بادٍ في صوتها:
"وما علاقة شخص كهذا بأخي؟"
رفع ديفيد الكوب إلى شفتيه، وأجاب بعد رشفة هادئة من قهوته:
"ستفهمين كل شيء في وقته... عندما تصلين إلى حسابه "
ثم مال للأمام قليلًا، سحب كوب الشوكولاتة من أمامها، شرب منه رشفة خفيفة، وأعاده بلطف إلى مكانه...
"لكن قبل أن تفعلي ذلك... عليك أن تثقي بي، روز. أنا لست عدوك "
ترددت للحظة، ثم حملت الكوب ببطء، وشربت منه دون أن تحوّل نظرها عنه، لم تكن مقتنعة... لكنها قررت أن تُعطيه تلك الفرصة المؤقتة...
فجأة، غلّف بخار الكوب عدسات نظاراتها بطبقة ضبابية، أزعجتها الرؤية، فأنزلتها قليلًا...
ديفيد، وقد لمح ذلك، مدّ يده إلى المنديل الورقي وقال بهدوء:
"أعطني، سأنظفها لك"
فتحت روز فمها لترد، لكن لم تُكمل، كان قد وقف وسحب النظارات منها بالفعل، بحركة مباغتة...
انزعجت، لم تكن تحب من يقترب بهذا الشكل... لكن غضبها لم يطفُ على السطح، كبته، كما اعتادت أن تفعل مع أشياء كثيرة....
"والآن يمكنك الشرب براحة " قالها ديفيد بعد أن أنهى تنظيف العدسات وأعادها إليها
أخذت النظارات منه بهدوء، لكنها لم ترتدِها مباشرة. بقيت تمسك بالكوب، تنظر إليه من فوق الحافة، نظرة لا تخلو من الشك....
كان يدرك تمامًا أنها لم تثق به بعد.
وما إن ارتدت روز نظاراتها، اردف بسخرية خفيفة:
"ما فائدتها إن كانت بدون أي درجة؟ هل تستخدمينها لإخفاء هويتك؟"
لم ترد روز، فقط اكتفت بالنظر إليه بوجه خالٍ من التعابير،
أما ديفيد، فعاد إلى مكانه وجلس، ثم التقط النظارات التي كانت على الطاولة وبدأ يتفحصها بفضول....
لكن انتباهه انتقل سريعًا حين لاحظ أن روز قللت إضاءة شاشة الحاسوب إلى أدنى درجة....
ابتسم، ثم مد لها هاتفه وهو يقول:
"هذه المعلومات التي تحتاجينها"
أخذت روز الهاتف منه، لكن لم تمضِ ثانيتان حتى أعادته له قائلة ببرود:
"لا أحتاج سوى اسمه "
رفع ديفيد حاجبه بدهشة، ثم نظر إلى الساعة، قبل أن يعيد عينيه إلى روز ويراقب بصمت ما تفعل....
لم تمر سوى دقيقتين...
حتى وضعت روز الحاسوب بهدوء على الطاولة، وأدارته في اتجاهه، ثم التقطت كوب الشوكولاتة الساخنة وبدأت ترشف منه بصمت، دون أن ترفع عينيها...
رمق ديفيد الشاشة ليلحظ تغيرات غريبة: الخلفية مختلفة، البرامج التي فُتحت ليست التي كانت عليه، وظهرت ملفات جديدة تمامًا...
قال بدهشة:
"ما هذا؟"
أجابته روز ببرود، وكأنها تخبره بشيء تافه:
"ربطت الأجهزة، جهازه الآن مفتوح لديك... يمكنك تصفّح ما تشاء "
نظر ديفيد إليها بصدمة واضحة، ثم أعاد عينيه إلى الساعة على الحائط، والصدمة تبدو أكبر على وجهه.
قاطعتها روز بنبرة حازمة، محاولة كسر هذا التوتر:
"والآن، هل يمكنك أن تخبرني ما علاقته بوصية أخي؟"
ابتسم ديفيد ابتسامة خفيفة...بل مرعبة.. ثم همس بتهكم:
"أنتِ من يجب أن تشرح لي كيف اخترقتِ حساب أخطر هاكر مطلوب دولياً... خلال دقيقتين فقط "
أنهت روز رشفة من كوب الشوكولاتة، ثم وضعت الكأس على الطاولة بحزم، وقالت بصوت ثابت:
"ديفيد، نحن هنا من أجل أخي، وليس لشرح مهاراتي لك "
تغيّرت ملامح ديفيد فجأة، خلع نظاراته واحتفظ بها في يده، بينما كانت يده الأخرى لا تزال ممسكة بهاتفه...
نظر إليها بجدية شديدة وقال:
" انظري إليّ، روز "
ما أن التقت عينيه بعينيها، حتى فجأة قام بتشغيل فلاش الهاتف ووجّهه نحو وجهها....
استوعبت روز الأمر بسرعة، وشعرت وكأن آلاف السكاكين تغرز في عينيها، بدأت دموعها تتساقط بلا رحمة....
نظر ديفيد إليها بصدمة واضحة، ثم أعاد عينيه إلى الساعة على الحائط، والصدمة تبدو أكبر على وجهه.
قاطعتها روز بنبرة حازمة، محاولة كسر هذا التوتر:
"والآن، هل يمكنك أن تخبرني ما علاقته بوصية أخي؟"
ابتسم ديفيد ابتسامة خفيفة، لكنه رد عليها بتحدي:
"أنتِ من يجب أن تشرح لي كيف اخترقتِ حساب أخطر هاكر مطلوب دولياً... خلال دقيقتين فقط"
أنهت روز رشفة من كوب الشوكولاتة، ثم وضعت الكأس على الطاولة بحزم، وقالت بصوت ثابت:
"ديفيد، نحن هنا من أجل أخي، وليس لشرح مهاراتي لك "
تغيّرت ملامح ديفيد فجأة، خلع نظاراته واحتفظ بها في يده، بينما كانت يده الأخرى لا تزال ممسكة بهاتفه.
نظر إليها بجدية شديدة وقال:
"انظري إليّ، روز."
ما أن التقتها بعينيها، حتى فجأة قام بتشغيل فلاش الهاتف ووجّهه نحو وجهها...
استوعبت روز الأمر بسرعة، وشعرت وكأن آلاف السكاكين تغرز في عينيها، بدأت دموعها تتساقط بغزارة....
تقلصت ملامحها من الألم، وأسرعت يداها لتغطي عينيها، لكنها لم تستطع وقف الارتجاف الذي أصاب جسدها...
لم يفوت ديفيد الفرصة، فقد ترك كل ما بيده وحملها بهدوء، متوجهاً بها إلى كرسي ضخم قريب....
لم تكن قادرة على المقاومة، فالألم كان قد شلّها تمامًا...
كانت تحاول فقط أن تبقي يديها على عينيها لتمسح دموعها، لكنها كانت تعلم أن ذلك لا يخفف من حدّة الألم، بل يزيده سوءًا...
تقلصت ملامحها من الألم، وأسرعت يداها لتغطي عينيها، لكنها لم تستطع وقف الارتجاف الذي أصاب جسدها...
بينما كانت روز تئن بألم، كان ديفيد يحاول انتزاع يديها من على عينيها رغم مقاومتها، حتى نجح أخيرًا في تقييدهما إلى ذراعي الكرسي بقيود حديدية محكمة....
أما هي، فبقيت تغلق عينيها بقوة، تتنفس بصعوبة، وكأنها تقاوم عاصفة تعصف بها من الداخل...
سحب ديفيد كرسيه وجلب منديلاً، جلس أمامها، رفع وجهها بلطف وبدأ يمسح دموعها المتواصلة، ثم بدأ ينفخ في عينيها برفق ليهدّئ الألم...
كان يراقب ملامحها وهي تتقلص من الانزعاج، ثم شيئًا فشيئًا بدأت تسترخي...
أتعرفون المثل القائل "أراد أن يُكحّلها فعماها"؟
هو فعل العكس تمامًا: عماها، والآن يحاول أن يُكحّلها...
توقّف عن لمسها عندما لاحظ ارتخاء يديها المقيدتين وملامحها الهادئة، ثم بدأت تفتح عينيها ببطء....
ابتعد عنها خطوة، يراقب بصمت....
نظرت روز إلى يديها المقيدتين على الكرسي، ثم رفعت عينيها إليه ببرود، دون أي محاولة لفكها، دون حتى سؤال... فقط الصمت....
قالت أخيرًا، بصوت خافت لكنه قاطع:
"أنت... صاحب ذلك المقطع، أليس كذلك؟"
ديفيد، بهدوء واضح:
"أعلم بشأنه، لكن... لستُ أنا من صوّره، ولا من ارسله لك وليس لي علاقة به "
صمت لحظة ثم أضاف بنبرة جادة:
"أنا لست عدوًا لك يا روز، أنتِ وصية صديقي... وكان عليّ أن أحميك منهم..."
حدّقت به روز باستغراب:
"وصية صديقك؟... وصية صديقك وتؤذيني؟ اتسائل ماذا كنت لتفعل لو كنت تكرهني "
ثم زادت نبرتها ريبة:
"ومَن هم... الذين تتحدث عنهم؟"
جلس ديفيد أمامها، يحدّق في عينيها نصف المفتوحتين، ثم قال بنبرة محسومة:
"ستشكرينني لاحقًا، روز... ولا تتظاهري بالغباء، أعلم جيدًا أنك من المافيا..."
ابتسمت روز جانبًا، تلك الابتسامة الصغيرة التي تخفي أكثر مما تقول:
"ألا زلت على التحديث القديم؟ أنا... هاربة منهم "
ضحك ديفيد بسخرية، ثم قال وهو يشبك أصابعه:
"وهل تحاولين إقناعي بأن فتاة هربت من المافيا، وخضعت لتدريبات أطفال لا تُذكر، استطاعت أن تخترق أكبر هاكر مطلوب دوليًا... في دقيقتين؟!"
صمتت روز...
لم تكن الكلمات نافعة معه الآن. نظراته تشي بأنه اتخذ قراره، وعقله لا يبحث عن إجابات، بل عن إثباتات...
همست أخيرًا، بصوت أقرب للانهزام:
"وماذا ستفعل بي؟"
أجابها بهدوء يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة:
"أنا لا أريد إيذاءك، روز. فقط... اعترفي أنك منهم، وسأساعدك. صدقيني "
رفعت رأسها، نظرت إليه بثبات وقالت ببرود:
" لست منهم "
ابتسم ديفيد، لكن ابتسامته هذه المرة كانت باردة، كمن سمع ما كان يتوقعه تمامًا:
"أنتِ من أجبرتني على هذا..."
ثم مال إلى الطاولة الجانبية، وسحب منها مجموعة من الأسلاك الرفيعة المصممة بدقة، بدأ بإدخالها واحدًا تلو الآخر داخل أطراف أظافرها، ببطء، وبصمتٍ مروّع....
عرفت روز تمامًا ما ينوي فعله. عرفت هذا النوع من 'التحقيق'....لكنها لم تقاوم...لم تحاول حتى إغلاق يدها أو الابتعاد...
كانت فقط تحدّق في الفراغ...
تفكر بأخيها...
- ألهذه الدرجة... لا يثق بي؟
ألهذه الدرجة كان يظن أنني قد أرمي تضحيته في الهواء؟
أن أبيع دمه، وأعود إليهم؟ -
فالألم لم يكن في اصابعها، بل في صدرها....
رأت روز السلكين المتبقيين على الطاولة، من المفترض أن يُوصلا إلى رأسها، لكن ديفيد لم يتحرك نحوهما،
بل عاد إلى مقعده، وفي يده جهاز التحكم....
قالت روز بابتسامة هادئة، كأن الأمر لا يعنيها:
"بقي سلكان... لا تنساهما "
توقّف ديفيد، نظر إليها باستغراب، كأن برودها أربكه...
"هل تودين الموت؟" سألها بنبرة مشوشة.
ردّت روز، والابتسامة الساخرة على وجهها :
"أتمنّى ذلك."
أسند ديفيد جسده إلى الوراء، مطرقًا للحظة قبل أن يتمتم بصوت منخفض:
"وأنا... لا أريد قتلك "
ساد الصمت بينهما، صمت ثقيل....
ثم همست، بنبرة اختلط فيها الفضول بشيء من الخذلان:
"هل أخبرت آيلا بما تنوي فعله؟"
بدأ ديفيد يحرّك جهاز التحكم بين أصابعه، بعصبية صامتة، قبل أن يجيبها:
"لو أخبرتها، لما كنتِ هنا أصلاً..."
آيلا تحبك، ولن تسمح لي حتى لو كان الأمر من أجل مصلحتك."
ثم عدّل جلسته، ونظر إليها بعينين جامدتين، وصوت لا يخلو من إصرار:
"أما أنا... فأهتم بمصلحتك فقط. اعترفي، أنك واحدة منهم... ابنة جنكيز.. "
ارتجف فك روز، وصَرّت على أسنانها..
"ريفا... رو... آآآآآه!!"
لكنها لم تكمل،
صعقة قطعت جملتها، قطعت الهواء من رئتيها، قطعت حتى أفكارها.
كان ديفيد قد ضغط الزر...
وانتفض جسد روز، يصرخ، يرتعش، كانت روحها نفسها تتمزق تحت وطأة الكهرباء....
وبعد ثوانٍ فقط من العذاب، أطفأ ديفيد الجهاز....
ارتخى جسد روز تمامًا على الكرسي، كل خلية فيها فقدت قدرتها على المقاومة...
كانت عيناها مغمضتين، لا دموع فيها، فقط فكرها يسبح بعيدًا... نحو زاكروس...
لكن صوت ديفيد جاء ليخترق هذا الشرود، بنفس الجملة، بنفس الإلحاح القاسي:
"اعترفي... أنك منهم!"
لكن عقل روز لم يسمعه....
لم تعد تراه ديفيد، بل رأت زاكروس، أخاها، واقفًا أمامها في نفس زاوية الضوء، يقولها لها... يطلب منها الاعتراف....
فهمست بصوت بالكاد خرج من فمها:
"أخي... لستُ منهم... أقسم لك "
زفر ديفيد بقوة، كأنه لم يصدق، أو ربما كأنه لم يتحمل ما شعر به عند سماع اسم 'أخي'
أعاد تشغيل الجهاز دون رحمة....
وما إن وصل التيار حتى بدأ جسد روز ينتفض من جديد....
صراخها تمزق من أعماقها، أقسى وأوجع من المرة السابقة....
ثم فجأة... رفع ديفيد شدة الكهرباء....
صرخت من الألم...
صرخت باسمٍ خرج من أعماق قلبها....
"زاكروس!!!"
توقّف الجهاز...
توقّف كل شيء...
سقطت روز على الكرسي...
هذه المرة لم تكن غائبة عن الوعي تمامًا، لكنها كانت قريبة جدًا من حافة الانهيار....
عيناها مفتوحتان بالكاد، تتنفس بصعوبة، وكأن الألم يُكمل عمل الجهاز في تعذيبها....
اقترب ديفيد منها، شعر أن هناك شيئًا غير مفهوم في تمتماتها....
انحنى نحوها، رفع وجهها بلطف نادر هذه المرة، وقرب أذنه من شفتيها المرتجفتين، يحاول أن يفهم ما كانت تهمس به....
كانت تهمس باسم أخيها مجددًا، بصوت مرتجف، مليء بالخذلان والخوف:
"... زاك... لا تتركني..."
حين رفع رأسها، رأى ملامحها...
وجهها مرهق كأنها عبرت جهنم، شفتيها بيضاء باهتة، وعيناها لا تزال مغلقتين رغم توقف الجهاز.
"لهذه الدرجة...؟ لا تقوى حتى على الصراخ؟"
تساءل في داخله، وشعر بشيء غريب يشدّ صدره.
ثم سمعها تهمس... بصوت مكسور، ممزق بين الألم والرجاء:
"زاكروس... لم أُهدر... تضحيتك... أقسم... أنا لست منهم...ألا... تثق بأختك؟ أ...لست..."
لكنها سقطت في الصمت مجددًا، كأن الكلمات نفذت منها كما نفذت طاقتها...
ابتعد ديفيد فجأة، كأنه لا يتحمل ما يسمعه، وغادر الغرفة متوجهًا نحو المطبخ....
ملأ كأسًا من الماء البارد بيدين مرتجفتين، لا يعلم هل يرتجف من الغضب أم من التردد...
ثم عاد...
وما إن دخل حتى رمى الماء فجأة على وجهها....
شهقت روز بقوة، ارتجف جسدها بالكامل، واتسعت عيناها كما لو أن روحها عادت للتو من حافة الموت....
ترك الكأس جانبًا، وجلس في مكانه، يراقبها بصمت...
كانت تتنفس بسرعة، مزيج من الصدمة والبرد والخوف...
لكنها ما لبثت أن قالت بصوت مستقر، رغم الارتجاف:
"قم بتشغيله، ديفيد... لن تجني شيئًا من الانتظار."
تجمد في مكانه، نظر لها مطولًا، وكأنه يحاول أن يقرأ صدقها بين كل هذا الألم...
ثم، دون كلمة، مد يده وشغل الجهاز على درجة عالية....
هذه المرة...
روز لم تصرخ....
كانت تحبس صراخها، تحني رأسها، تعض على شفتها، تقاوم.
كان الألم يعصر جسدها، وكل شهيق منها يُشبه النحيب، لكن لا صوت خرج منها....
مرت دقائق...
ثم أطفأ ديفيد الجهاز،
لم تتحرك...
لم تتكلم...
كانت فقط ترتجف...
جلس يراقبها بصمت مطبق،
عيناه تتحركان بين يديها المكبّلتين ووجهها المحتقن...
كانت تلهث... كشخص غارق اتيحت له فرصة استنشاق هواء البرية...
لكنه لم يستطع أن يقول شيئًا...
لأول مرة، شعر أن شيئًا في داخله انكسر....
هل كانت تكذب؟
أم أنه... كان جلّادها الظالم؟
ضل صامتاً لبعض الوقت و هي كذلك حتى رفعت رأسها لتنظر لعينيه لمدة ثم اعادت نفسها الى الخلف لتستند بظهرها على الكرسي...
لتردف روز بهدوء " أهكذا تؤدي أمانة صديقك ؟"
دیفید بنفاذ صبر :" للمرة الالف انا افعل هذا حتى
استطيع مساعدتك !"
روز بنفس نبرته :" و للمرة الملیار انا لست منهم ! ان کنت لا تثق بي ببساطة اسحب سلاحك و
اقتلني"
ضحك ديفيد ليرد : " ارأیت ؟ کیف تعلمین اني اخفي سلاحاً في ملابسي ان لم تکوني متدربةً تدریباً فوق الممتاز ؟"
روز بهدوء :" لست حقیره لدرجة ان انظم لهم بعد ان قتلوا اخي"
دیيفید و هو یرفع حاجبه " اذن انت معهم لتنتقمي
منهم ؟י
روز بغضب :" سلمني لهم ! فقط سلمني لهم و ستراهم يتقاتلون عن من سيفصل رأسي عن جسدي اولاً! "
اخرج دیفید علبة السجائر من جیبه لیشعل احداهما و يبدأ باستنشاق سُمِّها ، اما روز فتحاول ان لا
تستنشق هوائها....
ديفيد وهو ينفث دخان السيجارة:
"كيف تفسّرين إذن وجود كل تلك الأموال في خزنة المقهى الخاص بك ؟"
صمتت روز لوهلة،
هي بالفعل قبل يومين كانت قد أحضرت جزءًا من المال الذي تركه لها أخوها، إلى المطعم... أرادت أن تشتري هدية تليق بآيلا في عيد ميلادها، ولم تكن تود إخباره بالأمر....
أجابت بهدوء، وهي تدير وجهها محاولة تجنب استنشاق الدخان:
"لا دخل لك."
سحب جهاز التحكم فجأة وشغّله على الدرجة القصوى دون سابق إنذار....
جسد روز انتفض للحظات، ثم انقطع صراخها تمامًا... لكن جسدها ظل يرتعش بعنف....
لم يتردد ديفيد، فأطفأ الجهاز مباشرة عندما رأى الدماء تسيل من أنفها.
ألقى سيجارته أرضًا وداس عليها، ثم اندفع نحوها....
كانت فاقدة للوعي، بينما هو ظل يربت على وجهها بخفة وينادي باسمها:
"روز! روز، استيقظي!"
لكنها لم تستجب، والدماء لا تزال تنزل ببطء من أنفها....
بقلق متصاعد، فكّ قيدها ثم حملها بحذر إلى الكرسي الذي جلست عليه أول مرة....
خلع سترتها المبللة التي التصقت بجسدها بفعل العرق والصدمة، ثم توجه بسرعة إلى المطبخ ليجلب مزيدًا من الماء....
وفور أن عاد، وجدها على حالها لم تتحرك....
اقترب منها بهدوء وبدأ يمسح الدماء التي سالت من أنفها، ثم غمّس راحة يده بالماء وراح يمررها برفق على وجهها، يحاول أن يعيدها للوعي....
وبعد ثوانٍ، بدأت روز بالبكاء... همساتها خرجت متقطعة، خافتة، بالكاد تُسمع:
"زاكروس... أرجوك لا تتركني... أرجوك صدقني... لا تخذلني... لست منهم..."
كان حديثها وحده كافيًا ليزرع الشك في قلب ديفيد، وربما أكثر من الشك... الإيمان....
رغم كل الأسئلة التي لا تزال تحاصره، شيء ما في كلماتها، في نبرة ألمها، جعله يصدقها....
انتظر بصمت حتى هدأت تمتماتها، ثم بدأ يربّت على وجهها بخفة، مناديًا باسمها:
"روز... روز، افتحي عينيك."
وبالفعل، فتحت عينيها ببطء، تحاول أن تكتم بكاءها بصعوبة.
اقترب منها ديفيد أكثر، واحتضنها برفق، ثم قال بنبرة هادئة مليئة بالندم:
"أنا آسف، روز... يمكنك البكاء، لا تؤذي نفسك أكثر."
أخذت روز نفسًا عميقًا، ثم مدّت يدها المرتجفة وسحبت السلاح من جيبه.
فورًا ابتعد عنها، لكن نظراته لم تكن خائفة، بل قلقة....
كانت يداها بالكاد قادرتين على حمل السلاح،
تعلم تمامًا أن الهروب ليس خيارًا الآن... جسدها منهك، بالكاد يبقيها جالسة.
لم يكن أمامها سوى خيار واحد... تأخيره....
وجهت السلاح بصعوبة ناحيته، وكانت يدها ترتجف بشدة.
نظر إليها ديفيد بصدمة، أراد أن يتكلم، أن يمنعها، أن يهدّئها، لكن روز لم تمنحه الفرصة....
ضغطت على الزناد وأطلقت النار نحو حافة كتفه، لم تكن طلقة قاتلة، لكنها اخترقت كتفه بعمق
رغم ارتجاف يدها، لم تخطئ....
لم تكن تنوي قتله، لم ترغب بأذيته... كل ما أرادته هو الهرب، فقط الهرب....
وضعت السلاح على الطاولة، التقطت نظّاراتها، وغادرت المنزل بخطى متعثرة، بجسد بالكاد يسندها....
وما إن ابتعدت قليلًا، حتى بدأت تسير ببطء في الطريق، لا تعرف إلى أين تذهب.
كانت تنظر إلى أصابعها التي تضررت بفعل التقييد والتعذيب، وإلى قدميها المرتعشتين....
لم تكن تعرف هذه المنطقة، ولم تطأها من قبل... ومع ذلك، ظلّت تمشي، تسير بخطى واهنة نحو المجهول، قرابة الأربعين دقيقة.
حتى ارتطمت بكتف أحدهم، فوقعت على الأرض.
انحنى الشاب بسرعة ليساعدها، وقال بنبرة سريعة قلقة:
"أعتذر آنستي، هل أنتِ بخير؟"
مدّ يده نحوها، وكادت أن تمسكها، لكن شيئًا ما أوقفها...
رأت الوشم على يده، وشم جنكيز، ذاك الوشم الذي لا تخطئه....
رفعت رأسها ببطء، نظرت إليه بصدمة:
"جيلاسون؟"
أجابها بنفس النبرة، لكن بنبرة دهشة أكبر:
"أنتِ... روز؟!"
لیسحب یداه و يرجعه للخلف ثم سحب سلاحه من جيبه ليوجهه نحوها بينما هي قد بقیت على حالها على الارض
کانت في اسوء اوقاتها فحتی لو ارادت أن تقاوم الالم الذي يحتل جسدها فلن تستطيع مقاومة ياسها وخذلانها...
لذا اغلقت عینیها و استسلمت لقدرها حتی سمعت صوت الرصاصة الذي دوى في المكان..
لکن و رغم ذلك لم تشعر بشيء لتفتح عينيها بصدمة لترى جسد جیلاسون الذي كان مرمي على الارض و الدماء تسيل من رأسه
لتری ان ید اخری امتدت لها لتنظر لوجهه لترى انه دیفید يمد لها يده السليمة،
ضلت تنظر له حت نهضت بمفردها دون مساعدته لتحاول السير مبتعدة عن المكان الا ان لشدة تعبها اختل توازنها لتسقط مرة اخری لولا ان دیفید قد امسکها و حملها
لم تتکلم بأي شيئ ولم تناقشه او تفعل اي شيء لم تکن مهتمه بمعرفة ما اذا کان سیاخذها لذلك المكان مجدداً او يقتلها او يفعل اي شيء كانت فقط ترید ان ترتاح قلیلا لكن دون نوم.. لم تکن ترید رؤية
المزيد من الكوابيس !
توقف ديفيد برفق ووضع روز على المقعد الأمامي لسيارته، ثم جلس بجانبها في مقعد السائق....
كان جسدها لا يزال يرتجف، وعيناها تحدقان في الفراغ بلا وعي....
قبل أن يشغل السيارة، سحب سترتها التي كان قد وضعها في الخلف ولفّها حولها....
احتضنت السترة بقوة، كما لو كانت تحاول الفرار منها، وبدأت تبكي بصمت.
أما ديفيد، فبدأ القيادة ببطء شديد حتى لا يزعجها، فنامت بعد دقائق قليلة دون أن تشعر....
لكن في منتصف الطريق، بدأت الكوابيس نفسها تطارد نوم روز...
فخفض ديفيد سرعته أكثر، محاولًا أن يسمع ما كانت تقول،
روز، وهي تشد على السترة بقوة:
"لست منهم... أقسم لك بحبك... لي... أن تصدقني... انا... أنا لم أفعلها... انا... لا تحبني... أنت لن تتركني... توقف... عن قول هذا"
وقف ديفيد بسيارته جانبًا، بينما هي ظلت تبكي بحرقة، تشد على السترة وتواصل تبريراتها...
فهم أنها تتحدث إلى أخيها...
مد يده اليمنى بلطف ووضعها على رأسها، ثم أغمض عينيه للحظة،
لم تمر سوى ثوانٍ قليلة حتى هدأت روز، توقفت دموعها، وأرخَت قبضتها على السترة....
فتح ديفيد عينيه ثم أبعد يده عن رأسها بهدوء، وأعاد تشغيل السيارة لينطلق مجددًا بنفس الهدوء....
استغرق الطريق وقتًا أطول من المتوقع، فقد كان يقود ببطء شديد، حرصًا على ألا يزعجها، حتى وصل أخيرًا إلى باب بيتها وتوقف....
أخذ يناديها بصوت خافت:
"روز... روز، استيقظي."
فتحت عينيها بتثاقل، وفي أول لحظة همست باسم شقيقها:
"زاكروس؟"
أجابها ديفيد بصوت منخفض ومطمئن:
"اهدئي... لقد وصلنا."
نظرت إليه بصمت، ثم أدارت وجهها نحو النافذة لتتأكد مما قاله، وحين أدركت أنهم أمام بيتها، تمتمت:
"شكرًا لك."
مدّت يدها لتفتح الباب، لكنه أوقفها بصوته الهادئ:
"ولِمَ تشكرينني؟"
التفتت إليه ببطء، وهي ما تزال تحتضن سترتها وكأنها كانت تتشبث بها من الداخل، ثم قالت:
"لأنك أوصلتني."
ردّ ديفيد بنبرة خافتة مليئة بالندم:
"أنا آسف يا روز..."
أخفضت نظرها نحو الأسفل وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
"لا مشكلة..."
زَيَّن ثغر ديفيد ابتسامة جانبية وهو يردف:
"ألف مشكلة ومشكلة في كلمتك 'لا مشكلة' "
رفعت روز أنظارها نحوه، نظرت إلى عينيه لثوانٍ ثم التفتت مجددًا نحو باب السيارة، فتحته وخرجت بهدوء....
خطت خطوات بطيئة نحو باب بيتها، فتحته ودخلت، وما إن أغلقته خلفها حتى أسرعت نحو سريرها وألقت بنفسها عليه....
لكن... هل تعلمون؟
كان ديفيد محقًا....
الكثير من الحقيقة تختبئ خلف كلمة: "كنت أمزح"
والكثير من الندم خلف: "كنت غاضب"
والكثير من الغيرة خلف: "لابأس، افعل ما يحلو لك"
والكثير من الإرهاق خلف: "أنا بخير"
والكثير من المعرفة خلف: "لا أعلم"
والكثير من المشاعر خلف: "لا أهتم"
والكثير من الألم والخذلان خلف: "لا مشكلة"
غالبًا... هناك كلمات أخرى خلف الكلمات التي نقولها...
أحيانًا، يُقال هذا الكلام لا للكذب على الآخرين او ادِّعاء القوة، بل خوفًا من مواجهة تلك المشاعر... مع شخص نحبه....
.___يتبع___.
𝕵.𝕸
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!