الولاء للعائلة
﹝ روايتي ليست مجانية ﹞
الـثـمـن الذي عليك دفعه لقرائتها
هو: التعليق على الفقرات ✍🏻
والضغط على القلب أسفل البارت ♥️
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
في زمنٍ تصرخ فيه المدافع، يبقى الحب هو الهمسة الوحيدة التي تُجيد الإصغاء...
في قلب كل حرب، هناك عيون تبحث عن سلام... وفي حضن كل سلام، هناك قلبٌ ينبض عشقاً
**
أحيانًا يؤمن الإنسان بشيء... لكن في لحظة واحدة فقط، تنهار كل خيالاته...
يجد نفسه أخيرًا يكسر تلك القوقعة التي لطالما أحاط بها نفسه... تمامًا كما الآن...
الساعة تقترب من الرابعة فجرًا، والغرفة يغمرها ضوء خافت...
راكان يغطّ في نومٍ عميق، ملامحه ساكنة، أنفاسه منتظمة....
أما روز، فكانت تحدّق فيه بصمت، وكأن الوقت قد توقف من حولها....
عيناها ثابتتان عليه، لا ترمش، لا تتحرك فقط تنظر...
ولا أحد يعلم ما الذي يدور في رأسها...
كانت تتأمّله بصمت... رموشه الطويلة، فكه الحاد، لحيته الخفيفة التي تضيف لملامحه بعض القسوة
كان رجلًا وسيمًا بلا شك، من النوع الذي يلفت أنظار النساء بسهولة....
لكن روز؟
بالطبع لا، إن كنتم تظنون أنها كانت تحدّق به إعجابًا، فأنتم لا تعرفون روز بعد....
نظراتها لم تكن مشدوهة بوسامته، بل مركّزة... على صدره العاري...
كان هناك، واضحًا تمامًا
ذلك الوشم...
الوشم اللعين الذي تعرفه جيدًا الرمز الذي لا يُخطئه من عاش في الظلال... وشم مافيا عائلة جنكيز....
"فيما تحدّقين؟"
قالها راكان وهو يرمقها وقد لاحظ نظراتها المركّزة على صدره، وتحديدًا على ذلك الوشم الداكن فوق قلبه.
تابع بنبرة مستفزة وهو يبتسم بمكر:
"لم أكن أعلم أن أخت ديريك واقعة لي"
لكن روز لم تردّ عليه بطريقتها المعتادة، بل قالت بهدوء مفاجئ:
"لماذا أخفيت عني الأمر؟ ما قصتك؟"
تردّد لثوانٍ، ثم زفر بعمق وقال:
"أنا لست في الاستخبارات كما قال ديريك... أنا فقط... ضيف هنا، في مقره"
قالت روز ببرود مشوب بالسخرية:
"يعني هذا أنك مجرد دمية في مقر ديريك؟"
قطّب راكان حاجبيه، وضاقت عيناه حين قال بنفاذ صبر:
"روز جنكيز! انتقي كلماتك!"
ارتفع حاجبا روز وردّت بنبرة حانقة:
"روز ريفا! روز جنكيز ماتت اليوم الذي مات فيه زاك... أخي"
اتّسعت عينا راكان، ثم ضحك ضحكة قصيرة تخلو من المرح وفي لحظة، وبشكل خاطف، كان قد اعتلاها....
ثبّت ذراعيها فوق رأسها بيد واحدة، وفي الأخرى ضغط على عنقها بخفة تكفي لتسلبها بعض الهواء وتحبس الكلمات في صدرها....
همس قرب أذنها، بعيون تشتعل حقداً:
"كاذبة! زاك حي! الزعيم مرتضى أخبرني بنفسه!"
اختنقت روز من الضغط، لكنها تمتمت بصوتٍ متهدّج:
"أنـ...ا لا... أكـ...ذب..."
وفي تلك اللحظة، اقتُحم الباب، ودخلت آيلا....
شهقت بقوة عندما رأت الموقف، وهرعت بسرعة نحو السرير، دفعت راكان بعيدًا عن روز بحدة، وقالت بعصبية:
"ما كان عليك فعل ذلك يا راكان! ما ذنب روز إذا كان مرتضى قد خدعك؟!"
جلس راكان على السرير، يده ترتجف، تنفّسه متسارع، نظراته مضطربة، أما روز، فاعتدلت وهي تعدّل قميصها، ثم قالت ببرود لاذع:
"هل انت حزين يا سيد راكان؟ فرد من آل جنكيز لا يُفترض أن يحزن، لا تنسَ أنك شريك في مقتل أخي، احتفظ بدموع التماسيح لنفسك"
صرخ راكان وانقضّ عليها مجددًا، لكن آيلا أمسكت به من الخلف، هتف غاضبًا:
"اخرسي! آل جنكيز لا يأكلون بعضهم بعضًا!"
لكن روز لكمته بقوة في موضع إصابته، فصرخ متألّمًا، صاحت آيلا بتوتر:
"كفى! رفاق، اهدأوا!"
وفي اللحظة التالية، اندفع إيدن إلى الغرفة بعد أن سمع الضوضاء، نظر مباشرة إلى روز وصرخ وهو يمسك بتلابيبها:
"أيتها... السافلة! كيف تجرئين على إيذاء راكان؟!"
لم تتردد آيلا، دفعت إيدن بقوة جعلته يسقط أرضًا، وما إن حاول ركلها حتى سقطت فوقه هي الأخرى...
راكان، الذي كان يهمّ بالتدخل، تلقى ركلة مفاجئة من روز أسقطته أرضًا ثم اعتلت صدره، وبدأت تضربه،
تزامنًا مع آيلا التي جلست فوق إيدن وبدأت ترد له الضربات....
وهنا...
دخل ديريك....
وقف لثوانٍ مذهولًا، نظر إليهم، ورفع حاجبيه ثم قال:
"بحق خالق الخنافس... ما الذي يجري هنا؟! حلبة مصارعة ؟!"
استغل ايدن شرود ايلا فلكمها بقوة واسقطها على الارض،
هسهست الاخرى:
"وغد! "
صرخت روز بقلق:
"ايلا! "
استغل راكان الامر وابعدها برفق بينما ديريك رمى ايدن على الحائط وضربه بعنف، صاح، راكان:
"اللعنة اهدوا مالذي جرى لكم !! "
هسهس ديريك بحقد وهو يوجه لكمة لايدن:
" كيف تضرب زوجتي ايها الداعر! "
ركله ايدن بوهن وهو يتراجع ويمسح الدماء من على شفتيه
اقترب ديريك ليشن هجمة اخرى الا ان راكان كان قد ارتدى قناعا بالفعل وضغط على زر متصل بالحائط ليهمس قبل ان تغشى المادة الضبابية الغرفة:
"اسف حقا لكنكم اضطررتموني لذلك....ياحفنة الاوغاد"
" مالذي.... " همس ديريك وفقد وعيه ليتبعه كل من في تلك الغرفة...
مرّت ساعات ثقيلة منذ أن غشّى الضبابُ الغريب الغرفة، وانقلب كل شيء رأسًا على عقب.....
ومع أولى خيوط الفجر المتسللة عبر النوافذ، بدأ الهدوء يُخلي مكانه لحفيف الحركة والتأوّه...
أول من فتح عينيه كان ديريك، يئن بينما يمسح جبهته كمن خرج من كابوس، لحقت به روز، التي جلست بتثاقل وراحت تتلفت حولها بذهول....
ثم آيلا التي اعتدلت جالسةً، وملامح الصدمة لا تزال عالقة في عينيها....
لكن الغريب في الأمر لم يكن استيقاظهم... بل من لم ينام أصلًا....
راكان، الذي كان يجلس بهدوء على طرف السرير، يُقلّب بين يديه كوبًا من الماء ببرود متعمد، نظر إليهم جميعًا بنظرة مستفزة، ثم قال بنبرةٍ متهكمة:
"أهلاً بكم مجددًا في الواقع...أخبروني، ما الذي أصابكم جميعًا؟ هل التهمكم فيروس جنونٍ جماعي جعلكم تتصرفون كالكلاب المسعورة؟"
حدّق في وجوههم واحدًا تلو الآخر، متعمّدًا إطالة النظر في عيني ديريك ثم انتقل بنظره إلى يد روز التي لا تزال ترتعش، ومن ثم إلى خد آيلا الذي لم يجف عليه أثر اللكمة بعد....
وأضاف بنفس الهدوء المزعج:
"أنا فقط من فكّر بشكل منطقي... أما أنتم؟ أعدتم تمثيل فيلم أكشن رديء بميزانية مشاعر مراهقين"
صمت للحظة، ثم هزّ رأسه بخفة:
"كان يمكنني أن أوقفكم جميعًا بكلمة واحدة... لكنني فضّلت الاستمتاع بالمشهد"
لم يجب أحد في البداية، كان كل منهم يحاول أن يستوعب كيف انتهت الأمور بهذا الشكل، وكيف أن راكان كعادته ظل خارج الفوضى، يراقب الجميع من موقع المتفرّج... بل ويعلّق أيضًا
صمتٌ ثقيل أعقب كلمات راكان المستفزة، الكل كان يستعيد أنفاسه، متناثرًا ما بين الذهول والإنهاك، حين صدح صوت آيلا بنبرة تحمل خليطًا من الاستنكار والدهشة:
"أنت من بدأ! أنت من هاجم روز أولاً!"
قالتها وهي تنظر إليه نظرة من لم ينسَ بعد ما حدث، كانت عيناها تقولان أكثر مما نطقت به شفتيها، فاض بها الإحباط من تبريراتها المعتادة، من هدوئها المصطنع بعد كل فوضى تتسبب بها....
لكن راكان، وكعادته، لم يتأثر، بل ابتسم، بتلك الابتسامة الصغيرة التي لا تنبئ إلا بالمزيد من استفزازه، وقال بنبرة ساخرة وكأنّ ما تقوله لا يحمل وزنًا:
"كنت غاضبًا... ثم هدأت"
توقف للحظة، وكأنّه يعطي لضحكته فرصة أن تسبق كلماته، ثم أضاف وهو ينظر نحو روز التي كانت لا تزال تمسح بقايا الألم عن معصمها:
"ثم إنها لم تقصّر في ردّ الضربات، صدقيني، يدها أثقل مما تبدو"
ثم التفت إليهم جميعًا، عيناه تدور ببطء وكأنه يختبر كلّ وجه، كلّ ردة فعل، كلّ ارتجافة لا زالت في أطرافهم، وتابع بنبرة أكثر حدة:
"أما أنتم... فلا عذر لديكم، لم يكن هناك ما يبرر ما فعلتموه "
ثم سكت مجددًا، وكأنه ألقى حجارة في بركة ماء ساكنة، يتلذذ برؤية التموجات...
تركهم في حيرتهم، بينما جلس بثقةٍ لا تليق بمن بدأ كل هذا، لكنه كعادته خرج منه بأقل الخسائر....
ساد الصمت للحظات، ثم قطعه صوت آيلا وهي تتحدّث بنبرة هادئة:
"راكان، استمع إلي جيدًا، مرتضى جنكيز لم يكن صادقًا معك، لقد كذب، هو من أرسل ابنه ألكسندر ليقتل حفيده زاك....
لقد استغل ثقتك به، واستخدمك في مخططاته البشعة وإن شعر يومًا أنك تشكل تهديدًا له، سيتخلّى عنك دون تردد"
ظل راكان صامتًا، كأنه لم يسمعها، لكن ملامحه بدأت تتغير تدريجيًا، وكأن شيئًا ما بداخله يتحرك....
وبعد لحظات، نطق بصوت منخفض:
"زاك لم يكن مجرد شخص أعرفه... لقد كان أقرب من أخ"
تنفّس ببطء، وأكمل بصوت أكثر وضوحًا:
"بعد أن أُصبت وجدني ديريك وأسعفني، لكنه لم يسمح لي بالمغادرة......
أبقاني هنا، لأسباب تخصه...ربما ليربطني مجددًا بابنة عمّي روز، لا أعلم....
ثم عرض عليّ اتفاقًا، أن اشاركه المعلومات، وأن يخبرني الحقيقة كاملة عن ما حدث لزاك ،كدليل على صدقه قال لي جزءًا من القصة... لكنني لم أصدق، أنكرت "
توقف لوهلة، ثم أردف:
"لكن عندما سمعت روز تقول الشيء نفسه... لم أتمكن من تجاهل الأمر، شعرت أنني كنت أداة، وُضعت في المكان والزمان الخطأ، واستُخدمت دون أن أدري....والأصعب من ذلك... أنني كنت جزءًا من شيء أودى بحياة شخص كنت أعتبره عائلتي"
تقدّم ديريك خطوة إلى الأمام، نبرة صوته كانت منخفضة لكنها محمّلة بثقل السنين:
"لم أكن أريدك أن تموت، يا راكان... لم أسمح لنفسي بذلك، زاك سلّمني جزءًا من المعلومات قبل سنوات، روز أيضًا أعطتني ما بحوزتها، كل الوثائق التي وصلت إليها. لكن... لا أحد منهما كان يملك المفتاح الحقيقي.....
لا أحد امتلك المعلومات التي يمكنها إسقاط مرتضى جنكيز بالكامل "
ارتفع بصر راكان ببطء، لم ينظر إلى ديريك بل إلى الفراغ، ثم قال بصوت خافت:
"المعلومات التي أملكها... كفيلة بإسقاطه، ليس فقط إسقاطه، بل بإحراق كل من يواليه، كل من يختبئ خلف اسمه"
تبادل الحاضرون النظرات، الصمت الذي أعقب كلماته لم يكن فارغًا، بل كان ممتلئًا بإدراك عميق، اللعبة بدأت تتغير....
قال ديريك بذهول، وقد جمدت ملامحه بين الغضب والدهشة:
"وماذا تنتظر أيها اللقيط؟!"
رفع راكان عينيه ببطء، وثبّت نظراته في وجه ديريك، نبرته هادئة:
"لن أقدّم أي شيء... قبل أن ألتقي بمرتضى جنكيز شخصياً"
ارتفع صوت ديريك، لم يستطع إخفاء الصدمة التي اجتاحت نبرته:
"هل جننت؟ هل ترغب بالموت يا أحمق؟!"
رد راكان ببرود، وكأن ما يقوله منطقي تمامًا في رأسه:
"جدي لن يقتلني، لقد ربّاني بنفسه....أنا حفيده المميز، كنت دوماً الأقرب إلى قلبه"
ضحك ديريك بمرارة، وقال بلهجة مشبعة بالاشمئزاز:
"أنت تقصد البيدق المميز... قطعة الشطرنج التي حرّكها كيفما شاء"
وهنا، قاطعهم إيدن، غير قادر على كتم انفعاله:
"لا يمكنك أن تكون بهذه السذاجة، راكان! لا تلقي بنفسك إلى التهلكة، افتح عينيك!"
لكن راكان لم يرد، لم ينظر إليه حتى....
نهض بصعوبة، واضعًا يده على جانبه المصاب، متجاهلاً الألم الذي ضاعفته ضربات روز سابقاً....أدار رأسه نحوها وأشار لها أن تتبعه....
سارت خلفه بصمت، تعلو وجهها علامات الحذر والقلق، استقلا المصعد، ثم خرجا معًا إلى الحديقة التي لفّها هدوء ثقيل، كأن الطبيعة ذاتها تراقب حوارهما المنتظر...
توقف راكان أمامها، استدار ببطء وقال بصوت بدا فيه شيء من الحنين:
"زاك أخبرني ذات يوم، قبل أن يهرب معك... قال إنه يحمد الرب ألف مرة لأنكِ أخته، قال إنكِ النور الوحيد في عالمه الموحش"
أخرج من جيبه فلاش، ومده نحوها بصمت، فهمت روز ما يعنيه، أمسكت به بيد مترددة وهمست:
"لكن...لِمَ؟"
قال راكان، ونظرته لا تزال معلقة بعينيها:
"لا تسلّميه لديريك... أرجوك يا روز، لا تنكري أصلكِ"
اصطكت أسنانها، وحاولت كتم ارتجاف صوتها حين ردّت:
"لقد قتلوا أخي..."
اقترب منها راكان، وسحبها إلى حضنه في عناق أخوي صادق، وقال بصوت متهدج:
"وقتلوا أخي أيضًا... لكن، على عكسك، أنا... أنا أحب جدي، بقدر ما أحب زاك... أحب مرتضى....إنه عائلتي الوحيدة يا روز"
توقف لثوانٍ، وكأنه يحاول إقناع نفسه قبلها، ثم تابع:
"ربما يبدو لكم وحشًا، زعيمًا بلا قلب، لكن بالنسبة لي... كان أبي، وأمي، ومعلمي... هو من اعتنى بي حين لم يفعل أحد، أعلم أنه ربما سيقتلني إن علم بما فعلت، لكن..."
نظرت إليه روز بصمت، عيناها تعكسان صراعًا مريرًا، وارتعاشة خفيفة في يدها التي تحمل الفلاش....
قال راكان بنبرة متوسلة:
"عديني فقط... ألا تقتلوه"
ابتعد راكان عنها ببطء، وصوته يخرج بنبرة خافتة، مزيج من صدق موجع واستسلام لا مفر منه:
"أنا لا أخجل من أصلي... أحبه، بكل ما فيه من ظلمة أحب الظلام لأنه وحده من احتواني يا روز، كنت أبحث عن النور... لكن النور لم يردني"
كانت أنفاس روز تضطرب، ويدها لا تزال تقبض على الفلاش بقوة مرتعشة، وهمست بصوت بالكاد سُمِع:
"لِمَ؟"
أجابها راكان:
"لأن الظلام... وجدني أولاً"
ثم مضى، خطوة إثر أخرى، يبتعد عنها دون أن ينظر للخلف....
كانت تعرف، تعرف أن نهايته بدأت مع أول خطوة....لم يكن أحمقًا، لم يكن غافلًا... لقد كان يعلم تمامًا.....إنه ذاهب إلى حتفه.....
المأساة الحقيقية؟ أنه لم يُجبر على الذهاب... بل اختار ذلك....
في عائلة جنكيز، لا أحد بأمان، من يبتسم في وجهك اليوم... قد يغرس السكين في ظهرك غدًا دون أن يرفّ له جفن، وراكان؟ كان يعرف.....
يعرف أن جده لا يمتلك قلبًا، لكنه اختار أن ينسج له قلبًا في مخيلته، أن يصنع له صورة مختلفة... كذب على نفسه، فصدق الكذبة.....
كان يصرخ بأنه الحفيد المميز، وهو يعلم أنه ليس إلا بيدقًا وُضع أمام الملك ليُقتل بدلا عنه....
لكن الإنسان، حين يحب، يفعل ما هو أسوأ من الغباء... يؤمن بما لا يُرى.....
يصدق في من لا يشعر....
يمنح قلباً لمن لا يملكه أصلًا....
يؤمن بعاطفة لايعرفها.....
بشعور لم يشعر به.....
ثم يقول:
"أنا الضحية"
هل تعرفون الجانب السيء من الحب؟
حين يقول لكم:
"دعونا نذهب للموت يا رفاق!"
فتذهبون معه طواعية.... السؤال لك ايها المضحي؟ لما ضحيت...
السؤال لك يامن احببت حتى الموت؟ مالذي دفعك للحب؟
وانت يامن دُفِنتَ تحت التراب... بأي جريمة؟
وانت يامن مت بابتسامة.... هل كان الامر يستحق؟
بعد تسع ساعات من الغياب... وقف راكان أمام قصر الزعيم مرتضى، الأب الروحي لعائلة جنكيز، بتلك الهيبة التي لا تخطئها عين.....
تقدّم نحو البوابة بخطى ثابتة، لا خائف، ولا متردد....
كل شيء فيه كان يدل على ثقة غريبة لا يعرفها سوى من قرر أن يواجه مصيره بنفسه.....
كل من مرّ بهم داخل القصر كانوا يحدقون به بذهول... وكأنهم يرون شبحًا عاد من بين الرماد، لم يكلمهم، ولم يلتفت.....عيناه تتجهان لهدف واحد فقط....
دخل إلى المطبخ دون أن يطرق بابًا، هناك، كان العم كمال يعد طعام الإفطار كعادته، لم يتغير شيء في هذا المكان... سوى الغائب الذي عاد فجأة....
اقترب راكان منه وابتسم، ثم فتح ذراعيه ليعانقه بحرارة:
"مرحبًا عمي... لقد اشتقت إليك حقًا"
أسرع العم كمال إليه، واحتضنه دون أي تردد، غصّ صوته، وارتجفت عيناه بالدموع:
"أين كنت تتسكع، أيها الولد؟ جعلت قلبي يتآكل عليك!"
سكت راكان للحظة، عيناه لا تبوحان بشيء، وصوته لم يجب على السؤال، بل اختار أن يُنهيه بكلمة هادئة:
"لا يهم... هل انتهيت من تحضير غداء جدي؟"
ارتبك كمال فجأة، وكأن الواقع ضربه فجأة، فاستدار نحو الصينية وبدأ يسكب الشاي:
"كِدت أنسى! يا إلهي، لقد شغلتني بعودتك ونسيت غداء الزعيم..."
تقدّم راكان وابتسم بهدوء:
"دعني أنا أوصله له بنفسي"
ناول العم كمال الصينية، لكن راكان تفحّصها بنظرة غير مقتنعة، ثم رفع عينيه وقال:
"حضّر الغداء لشخصين... أريد أن أتناول الطعام معه"
لم يعارضه كمال، بل استجاب بهدوء.....
أعطاه الصينية الأكبر، المجهزة بطبقين، حملها راكان بثبات، رغم إصابته التي ما زالت تؤلمه لكن جسده الذي اعتاد الألم وتدريباته التي اختبرت حدود التحمل، سمحت له بأن يمشي باستقامة....
لم يكن هذا المشي عاديًا... كان راكان يقترب من الرجل الذي كان له كل شيء... ويريد أن يعرف هل كان يومًا أي شيء؟
توقف راكان في الممر الطويل المؤدي إلى غرفة الزعيم... حمل صينية الطعام بيد، وفي اليد الأخرى أخرج قارورة زجاجية صغيرة من جيبه....
كانت شفافة، بسائل شفاف، اعتاد أن يحتفظ بها قريبًا من قلبه منذ سنوات....
قارورة السم.
شيء لم يكن مجرد أداة موت... بل كان عهدًا قطعه على نفسه في طفولته، أمام جده مرتضى:
ألا يشرب هذا السم إلا إذا ارتكب واحدة من ثلاث خطايا:
أن يخون زاكروس...
أن يُخيب أمل جده...
أو أن يخون عائلة جنكيز...
أدار القارورة بين أصابعه، كمن يعيد وزن مصيره، ثم فتحها بثبات وسكب محتواها في أحد طبقي الحساء... راقب السائل وهو يختلط بسلاسة مع المرق، ثم أغلق القارورة ورماها بإهمال على أرضية الممر....
كأن شيئًا لم يكن....
تابع سيره بخطوات هادئة، كمن يمشي نحو حكم لم يُعلن بعد.....
دلف إلى غرفة الزعيم....
كان جالسًا على سريره، يرتدي نظارات القراءة يتفحص صفحات كتاب لـدوستويفسكي بعين المتأمل ومع أول حرف من صوت راكان، ارتعشت انامله حول الكتاب....
ارتبكت أصابعه على غلاف الكتاب، وارتفع رأسه ببطء وكأنّه يخشى أن يكون خياله فقط من نسج هذا الصوت.....
"راكان؟ أنت... حي؟"
اقترب راكان منه بخطى محسوبة، ابتسم، وغمغم بهدوء:
"سأخبرك بكل شيء أثناء الغداء..."
جلس إلى طاولة الطعام الصغيرة بجانب السرير، وبدأ الاثنان في تناول الطعام....
كان راكان يكتفي بشرب الحساء بهدوء، دون أن يمس اللحم، بينما بدأ مرتضى بتناول شرائح اللحم بشكل طبيعي،
نظر إليه الجد مبتسمًا ونبس بنبرة مزاح:
"ألا يعجبك اللحم يا ولد؟"
رفع راكان نظره إليه، كان يراقبه طوال الوقت، يلاحظ كل تفصيلة في حركته، في وجهه... حتى طريقة مضغه....
نبس أخيرًا، صوته مبحوح بشيء لا يُفهم:
"لا أشتهيه"
ضحك مرتضى ضحكة خفيفة، ثم مازحه بصفعة خفيفة على صدره، تأوه راكان بصوت خافت....
قطّب الجد حاجبيه فورًا، وتساءل بقلق:
"مصاب؟"
تنفس راكان ببطء، ثم أجاب:
"كنت أسيرًا عند ديريك... أصبت هناك... لكني راوغته، وتمكنت من الهرب"
سأل مرتضى بنبرة خافتة:
"ما مدى سوء إصابتك؟"
أجابه راكان بهدوء لا يشبه الألم الذي كان يعتري صدره:
"أنا بخير... إصابة عادية"
ثم نظر إليه بثبات، وقال بصوت منخفض:
"جدي... أخبرني الحقيقة عن موت زاكروس، أرجوك"
تنهد مرتضى، أطبق على أنفاسه للحظة، ثم قال دون مواربة:
"الكسندر طلب إذني لتصفيته... وأعطيته الإذن"
سكنت الملامح في وجه راكان، ثم ظهرت ابتسامة حزينة شقّت ملامحه المتعبة، وخرج صوته محمّلًا بمرارة:
"فهمت..."
لم يُضف شيئًا، لكن مرتضى قال:
"أتريد أن تعرف... لماذا كذبت عليك؟"
صمت راكان لثوانٍ، حدق في وجه جده، ثم أجاب دون ارتباك:
"هل تريد أنت أن تخبرني؟"
أدار مرتضى وجهه نحو النافذة، وساد بينهما صمت ثقيل، قبل أن ينبس أخيرًا، وكأنه يحسم جدلًا داخليًا:
"لا"
ابتسم راكان وأردف بصوت خافت لكنه جازم:
"إذن... أنا أيضًا لا أريد أن أعرف، أنت هو الشخص الوحيد في حياتي... الذي لن أعاتبه، أبدًا، يا جدي"
بدت الكلمات كأنها أثقلت صدر مرتضى، فحرك نظراته بعيدًا، وسأل، بصوت منخفض جدًا:
"هل... أنت حزين؟"
أجابه راكان بعد تنهيدة عميقة، ونبرة خالية من التظاهر:
"أنا حزين... على زاكروس، كان أخي، لكنني لا ألومك جدي، أنا ألوم نفسي....."
زمّ مرتضى شفتيه بغيظ، وقال:
"وما شأنك أنت؟ لماذا تلوم نفسك بحق خالق الجحيم؟!"
حينها، بدأ راكان ينهار بصمت، لم يُخفِ دموعه، لم يمنعها، بل سمح لها بالهطول كما يشاء الحزن أن يهطل....
أجاب بصوت مبحوح من البكاء:
"منذ طفولتي وأنا أعمل تحت أمرك... أقتل، أهرّب، أبيع السموم، كم من ابن قتلت؟ كم من أب دفنت؟ كم من روح بريئة خنقتها وأنا أنفذ أوامرك؟"
بلع غصّته وتابع:
"كلما أزهقتُ روحًا، شعرت أنني أفقد جزءًا مني،
كنت أرى في وجوههم تلك الليلة... الليلة التي رأيتُ فيها والدي يُذبحان أمامي...
وتغمرهما الدماء...
ومع كل أمر تصدره لي، كنت أُطيع... فقط كي تراني، كي ترضى "
ثم همس، وصوته ينكسر:
"لكنّي فقدت نفسي، الفراغ في داخلي لا يُملأ... وكلما نفذتُ أوامرك، تكبر الهوة في قلبي أكثر.....بالتأكيد....دعاء شخص فقد محبوبه هو الذي دمرني.....لذلك انا السبب.....انت لاذنب لك "
قال مرتضى بهدوء:
"أنا من أمر بقتل والديك يا راكان... هل ستكرهني الآن؟"
لم يكن في ملامح راكان ذرة ارتباك، ألم، كره....بل ابتسامة صغيرة حزينة ارتسمت على شفتيه، قبل أن يهمس:
"وهل تظن أنني لا أعلم؟ كنت أعلم، جدي... ولم أكرهك"
لكن الكلمات الأخيرة خرجت مبللة بدم، سال من فمه فجأة، بلونٍ أحمر داهم، وتعرّق جبينه بشدة، بينما تهدج صوته واهتز جسده:
"أنا... سلّمت كل المعلومات لروز، يا جدي..."
شهق، ثم سعل دمًا من جديد، بدت ملامحه تتآكل مع الألم، بينما شفتيه وأسنانه تلطخت بالدم، تراجع بجسده، مترنحًا، قبل أن يسقط بين ذراعي مرتضى...
ارتعد قلب الجد للمرة الأولى منذ سنوات، وصرخ صرخة رجل كُسر داخله:
"راكان!! ما الذي فعلته بحق الجحيم؟!!! يارجال، أحضروا الطبيب فورًا!!!"
ضمّه بين ذراعيه، بحرارةٍ لم يعرفها من قبل، وهو يرتجف وكأنّه فقد السيطرة على كل شيء، بكى لأول مرة......
دموعٌ ثقيلة سقطت على وجه حفيده المُنهك....
فتح راكان عينيه نصف فتحة، وحدّق في وجه جده، بنظرة ممزوجة بالخذلان والحنين، ثم همس:
"جدي... ألست تكرهني بعد ما فعلت؟ بعد خيانتي؟"
هزّ مرتضى رأسه، ضغط عليه أكثر في حضنه، وقال بعنفوان الأب الذي يرفض الفقد:
"أنا الشخص الوحيد في هذا العالم الذي لا تملك الحق في معاتبته أو كرهه! وأنت... أنت الحفيد الوحيد الذي لا أتمنى أن أخسره، أيها الأحمق!"
ثم صمت للحظة، قبل أن تنكسر نبرته وتتحول إلى اعتراف هزيل:
"كذبت عليك بشأن زاكروس... ليس لأني لا أثق بك، بل لأنني كنت خائفًا! خائفاً من أن تكرهني لأنني... وافقت على موت صديقك الوحيد!!!"
شهق راكان، وحاول سحب أنفاسه بصعوبة، قبل أن ينبس بصوت واهن، يتلوّى بين الحياة والموت:
"جدي... إن كنتَ ترى أنني أستحق أن أُدفن في مقبرة العائلة... أتمنى فقط أن يكون قبري بجوار والديّ..."
ثم أغمض عينيه لوهلة، فتحها من جديد، وأكمل:
"قبل أن أرحل... أريد منك شيئًا واحدًا...
اغفر لي... لخيانتي لعائلتي... لخيبة أملك فيي...
تذكرني، جدي... لا كخائن... بل كفتى أحبك أكثر مما ينبغي.....كحفيدك الذي ربيته....."
ثم، وبتنهيدة بدت وكأنها الأخيرة، همس:
"هل يمكنك... أن تترك المافيا؟ أن تتوقف عن القتل؟
أن تطهّر ما تبقى من عمرك...؟
هل يمكنك فعل ذلك... من أجلي؟"
وهوت ذراعه على جانبيه واغلق عينيه بسلام مبتسماً كالملاك....
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان مرتضى عقيماً..... لم يحظى بأولاد في حياته.....
كان ذلك ماكسر الزعيم القاسي...... تبنى عدة اولاد وفتيات لا من اجل خلافة المافيا والعمل بس من اجل العائلة......
من ضمنهم والد راكان ووالد روز.....
كان والد راكان خائنا لذا قتله دون ان يرف له جفن....
رغم انه تبنى خمس اولاد وثلاث فتيات وكلهم كانو صغارا...... الا ان الشر كان يستوطن قلوبهم.... لم يحبهم كما كان يحلم لانهم لم يكونو بتلك البراءة منذ نشأتهم....
لكنه عندما وجد راكان.... الطفل ذو الخمس سنوات
جالسا بجانب جثتي والديه..... ينظر له ببراءة
يسأله.... مالذي حل بوالداي ياجدي؟
لا يدرك جده.... ذلك الملاك بالنسبة له....
قد قام بدور حاصد الارواح......
قام مرتضى بتربية راكان بحب.... احبه كرجل لم يستطع الانجاب ووجد طفلا يعتني به لا كرجل المافيا القاسي....القاتل....
احبه نعم..... كما لم يحب من قبله....
لكنه ادرك نقاء الطفولة استمر حتى الكبر
فراكان لا يحب المافيا والقتل تماما كروز حتى انه درس مهنة الطب
لم يكن مرتضى يدرك انه يحمله مالايحتمله وان راكان يعمل ويبتسم بصمت فقط لكي لايخيب امله.....
.___يتبع___.
𝕵.𝕸
لو كنت مكان راكان ماذا كنت ستفعل؟
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!