طريق النسيان وذنوب الملاك
﹝ روايتي ليست مجانية ﹞
الـثـمـن الذي عليك دفعه لقرائتها
هو: التعليق على الفقرات ✍🏻
والضغط على القلب أسفل البارت ♥️
.
.
.
.
.
.
.
.
.
قيل... " إن المشاعر غير المعبر عنها لا تموت أبداً ، انما دفنت حية ، و ستظهر لاحقاً، بطرق أبشع !" وقيل أيضا... " جد ما تحب و دعه يقتلك"
فما هو الحب وماهي المشاعر..؟
**
وفي مكانٍ ما في شوارع تركيا، استمر زاكروس في قيادة السيارة، فرحًا بما أهدته له الحياة من فرصة جديدة ليعيشها مع شقيقته، دون أن يُعير أي اهتمام لما تركه خلفه.
فليس من طبع الحياة إتمام الحظوظ، فلا كمال مطلق، ولا نقص مطلق، هناك نِعَم كُتبت لك، وهناك حرمان فُرض عليك....
وهنا تمامًا، تبدأ حياتك… أو تنتهي...
فإما أن تعظّم ما بيمينك من نِعم، فتعِش راضيًا مرضيًّا،
وإما أن تقلب كفيك على ما حُرمت منه، فتمر الحياة بك دون أن تعيشها...
جذب انتباهه أن شقيقته كانت تنظر إليه، لا إلى الطريق من خلال النافذة كما اعتادت...
ابتسم، لأنه يعرفها جيدًا ويُدرك أنها حتمًا تُفكر في أمر سيّئ،
فهما يمتلكان طبعًا متطابقًا… وإن أراد معرفة ما يدور في بالها،
فما عليه سوى أن يضع نفسه مكانها، وسيعرف فورًا...
ليسألهـا دون أن ينظر إليها، إذ كان يُركّز كامل انتباهه على الطريق بسبب سرعته العالية في القيادة:
"ما الذي تفكّرين فيه، أيتها الطفلة؟"
فأجابته بهدوء، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال بالفعل:
"زاكي... ألستَ غاضبًا مني؟"
ردّ عليها باستغراب:
"ولِمَ تعتقدين أنني سأغضب منك؟"
فأجابته وهي توجّه نظرها نحو يديها، تعبث بهما كما اعتادت دائمًا:
"أنت لم تصدّق ما قيل عني، صحيح؟"
ضحك زاكروس، وردّ بتزامن مع ضحكته:
"كنتُ لأصدق، لو لم تكوني روز، ثم من سيواعد شخصًا بعمرك؟ لستُ غبيًا لأُصدّق ترّهات ذلك العجوز."
ابتسمت روز وأعادت نظرها إليه، ليُكمل كلامه بنبرة أكثر دفئًا:
"لا تكتمي شيئًا في داخلك، ولا تحاولي أن تكوني باردة هادئة بينما في داخلك عواصف. لا تخافي من إظهار مشاعرك مع الأشخاص الدافئين. وتذكّري… من هذه اللحظة، لن تكوني أسيرة لاسمك."
ابتسمت روز باتساع أكبر، وردّت وهي تُصفّح الأوراق بين يديها:
فجأة، أوقف زاكروس السيارة، ليبدأ بتأمّل بيتٍ صغير في حيٍّ بسيط، بنظراتٍ تملأها الحسرة...
قالت روز بنبرة حزينة، وهي تلاحظ تغيّر ملامحه:
"أخي… هل ستتخلى عنها؟"
تحوّلت أنظاره إليها، وردّ بصوت منخفض:
"وهل بإمكاني ذلك؟"
اتّسعت عينا روز بابتسامة مفعمة بالحماس:
"هل تعرّفت عليك؟ هل… سنأخذها معنا؟!"
أجابها زاكروس بحسرة، وهو يعيد نظره نحو ذلك البيت الصامت، قبل أن يُردف:
"لا… لكنني سأظلّ أنتظر اليوم الذي يجمعني بها القدر."
ثم أعاد تشغيل السيارة، مستأنفًا طريقه نحو الميناء.
لكن…
من تلك التي استحوذت على قلب زاكروس جنكيز؟
إنها أيلين دوغان...
أو كما يلقّبها زاكروس: "الفراشة".
ذات عينين بلون البحر،
والشعر الأسود كلَيلٍ يلمع كالنجوم.
وما أحبّه فيها أكثر من مظهرها، كانت براءتها…
تلك الروح الطيبة التي تجهل الحقد، وتغفر دون أن تطلب شيئًا في المقابل...
والإضافة إلى كلّ ذلك، كان حبّها الكبير للورد الأبيض…
كجوهرة نقيّة، يخاف أن تتحطّم بعالمه المليء بالخطر والدم...
لا أحد يعلم بأمرها، حتى أقرب الناس إليه… باستثناء شقيقته روز،
وهي… لم تلتقِ به يومًا وجهًا لوجه....
فقط صادفها ذات يوم في طريقه،
فلحقها بنظره، ومنذ تلك اللحظة… بدأ بحبّها من بعيد...
ولمدّة سبعة شهور، ظلّ على هذا الحال، دون ملل…
يراقبها من بعيد، يحفظ تفاصيل خطواتها، ابتسامتها، والشارع الذي تسير فيه....
كان حبًّا يشبه أن تغرق في منتصف البحر، وتلوّح لشخص بعيد لا يراك أصلًا…
صحيحٌ أن الحياة ليست عادلة،
فهي لا تعطي كل شيء لأحد،
لكن بالنسبة له… لم تعطه شيئًا سوى روز....
كانت هي العوض الوحيد، الوحيدة التي يمكنه أن يحبّها علنًا، ويعانقها، ويضحك معها، دون خوف أو اختباء....
والآن، تقف السيارة قرب المرسى،
فقد خططا أن يقطعا نصف الطريق في البحر، ثم النصف الآخر في البرّ، وصولًا إلى إيطاليا....
أخذ زاكروس الأوراق من يد روز، ونزلا معًا من السيارة،
تقدّم نحو صندوق السيارة، بينما بقيت هي واقفة بجانبها، تلاحقه بعينيها فقط....
فتح الصندوق، وأخرج منه حقيبة رياضية سوداء اللون،
ثم وضع الأوراق بداخلها بهدوء....
ثم حملها على كتفه الأيمن، وأخذ سترة واسعة وحذاء، ثم أغلق الصندوق واتجه صوب شقيقته، ناولها السترة والحذاء لترتديهما، فهي لا تزال بملابس النوم وقدمها حافية بالفعل.
أمسك بيدها وسارا معًا بخطوات سريعة نحو رجل يقف وحيدًا يراقبهما عن كثب.
كان في الخمسين من عمره تقريبًا، بجسد متماسك يَشي بلياقة عالية، عيناه سوداوان، ولحيته تتخللها خصلات من الشيب.
ما إن اقتربا حتى قال الرجل بنبرة سريعة:
"اركبا بسرعة."
استغرب كلاهما، لكن زاكروس لم يعلّق، فقط نفذ ما قيل له، فهو يريد إنهاء الأمر بسرعة، وسحب روز معه نحو القارب...
صعد ثلاثتهم على قارب صغير، وبدأ الرجل بقيادته في مياه البحر المتوسط.
بعد لحظات من الصمت، قال الرجل وهو يحدّق في الأفق:
"لقد تأخرتم كثيرًا… أخبرني السيد ديريك بأنهم يبحثون عنكما."
ردّ زاكروس، دون أن يترك يد روز التي كانت تحدّق بهدوء في البحر:
"أعلم، أخي… لكنني قدت بأسرع ما يمكن."
ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:
"لم نتفق بعد… كم المقابل، أخي؟"
ردّ الرجل بابتسامة هادئة:
"لا مقابل لي عندك، فأنا أعمل لدى السيد ديريك."
ابتسم زاكروس، ثم وجه نظره نحو روز التي كانت تجرّه من كمّ قميصه لتسأله بصوت منخفض:
"زاكي... من هو ديريك؟"
قلب زاكروس عينيه وهو يجيبها بنبرة تحمل المزاح:
"ما في جعبتك من معلومات كفيل بأن يجعلك تشيبين قبل البلوغ، لذا لا حاجة للمزيد."
ضيّقت روز عينيها بضيق، محاولة سحب يدها من يده، لكن زاكروس شدّ قبضته عليها بقوة خفيفة، مانعًا إياها من الإفلات.
ابتسم بخبث وهو يراقب محاولاتها الفاشلة وملامحها المنزعجة، ثم رفع يده وضرب جبهتها بإصبعه...
الحركة لم تكن مؤلمة، لكنها مزعجة بما يكفي، ولهذا كان يفعلها دائمًا معها....
توقفت روز على الفور، ونظرت إليه بملامح غاضبة وعينين واسعتين.
ضحك زاكروس على تعابير وجهها؛ فقد كان يحب تلك النظرة تحديدًا.
وكل ذلك جرى تحت أنظار الرجل الذي يُدعى جمال...
ورغم انشغاله بقيادة القارب، فإن تصرفاتهما جذبته، ولم يستطع أن يمنع نفسه من التفكير:
"هل هما حقًا من المافيا؟"
من الطبيعي أن يدور هذا السؤال في ذهن أي شخص:
أيمكن لتلك البراءة، ولتلك التعابير التي تملأ وجهه، أن تنتمي لشخص قد يحمل سلاحًا؟ أو يمكنه أن يقتل أصلًا؟
صحيح أن زاكروس حمل الوشم، ورافقه سوادٌ كفيل بأن يعمي قلبه كليًّا، لكن رغم كل شيء… احتفظ بقلبه لأجل أخته...
لقد انتصر في أعظم معاركه...
ففي هذه الحياة، تواجهنا معارك كثيرة بشكل يومي،
لكن المعركة الأهم هي التي نخوضها مع أنفسنا،
أن نحافظ على قلوبنا سليمة وسط كل الدمار الذي يدور من حولنا....
يُقال: من يقتل، يفقد جزءًا من قلبه مع كل ضحية...
حتى يُصبح بلا قلب… أو على الأقل، بقلب بارد يخلو من الإنسانية، ومن الضمير… يخلو من الحب، ومن الدفئ....
لكن ليست كل الأقوال تنطبق على الجميع،
زاكروس كان الدليل الحي على ذلك...
فقد تلوث جزء من قلبه، نعم، لكنه ظل قادرًا على العودة نقيًّا، رقيقًا، حين يكون مع من يحب...
وهذا… هو الأهم....
أما روز،
فهي تملك قلب أخيها البريء،
ذلك القلب الذي، ومنذ طفولتها، لم تتخلَّ عنه… ولن تسمح أبدًا بتلويثه....
وفي هذه اللحظة توقفت روز عن مشاجرة اخیها بطفولية لتغير ملامحها کانها قد استوعبت شثيء ليردف الاخر باستغراب :" زاكي الى این نذهب نحن ؟"
ليضحك زاکروس بینما الاخر اکتفى بالابتسامة ليردف زاکروس بینما يمسك وجهها بکلا کفيه "نحن في طريق النسیان ایتها الطفلة، هنا وفي هذا البحر تحديدا سنرمي کل ذکریاتنا و نبدأ حياة جديدة في إيطاليا"
لتجيبه روز : "و هل سأعود للدراسة مجدداً؟
ليجيبها : " سأفکر في الامر عندما نصل ، الان ما رأيك بالنوم في حضني ؟"
ابتسمت الاخرى کإجابة لتنام ألأخرى واضعه رأسها على قدم اخیها بینما الاخر قام بنزع سترته و تغطيتها بها فقد استوعب برودة المكان بالنسبة لأخته
ليقطع الصمت جمال الذي اردف بهدوء " في عالم المافيا تنقطع الثقه حتى بأمك ، فما بال هذه
الطفلة؟"
لیرد علیه زاکروس و هو يوجهه انظاره لروز النائمة في حضنه و اثناء وضع يده على عينيها لحمایتها من أشعة الشمس :" صحیح لکن هي لم تنتمي له
يوما"
وجّه زاكروس أنظاره نحوه، ثم قال بعد صمت قصير:
"صحيح أني لا أعرفك… ولا حتى اسمك،
لكن ما أعرفه يكفي: أنت وديـريك، أنتما طريق الخلاص الوحيد لنا الآن،
وهذا وحده… يجعلني أضع ثقتي بكما، ولو مؤقتًا."
ضحك الرجل، وقد فهم جيدًا ما وراء الكلمات…
زاكروس لا يثق، لكنه مضطر، ولا يملك خيارًا آخر.
قال مبتسمًا:
"اسمي جمال، ولا تقلق… ستصلان سالمَين،
طالما أن السيد ديريك لم يُصدر أمرًا بقتلكما."
ردّ زاكروس بنبرة هادئة، وهو يضيق عينيه قليلاً:
"هذا ما ينقص… أن ترفضه فتاة الآن،
ويبدأ بإخراج هرموناته المتقلبة علينا."
رغم نبرة الهدوء، إلا أن جمال التقط كلماته بوضوح، ليعلق ساخرًا:
"لا أعتقد أن فتاة ذكية سترفضه."
هنا التفت له زاكروس بحدّة وقال:
"ولا أعتقد أن الفتاة الذكية تفكر برجل أصلًا،
من يقع في الحب، يصبح أغبى مخلوق حي...
وبالمناسبة… سمعك ممتاز، كالبومة."
ضحك جمال مجددًا وقال:
"طبعًا، أيها الفأر… ولمَ لا أسمع جيدًا؟"
ظل زاكروس ينظر إلى جمال بصدمة، فقد أدرك على الفور أن ديريك هو من أخبره بمناداته بـ"الفأرة"..
يعرف جيدًا كم يغيظه هذا اللقب... وكم يحب ديريك أن يثير أعصاب الآخرين.
حتى لو كان الأمر بلا مقابل… أو مقابل مليار دولار، لن يتردد، رغم أنه لا يحتاج حتى فلسًا واحدًا. فالرجل يمتلك الكوانتليون دولار...
ومع امتداد الرحلة الطويلة فوق البحر، بدأت الهواجس تتزاحم في رأس زاكروس، تتسابق أفكاره بصمت،
وكأنّ البحر بصوته الهادئ قد فتح أمامه ساحةً واسعة للتفكير....
هل سأستطيع حقًا تحمل مسؤولية أختي؟
هذا هو السؤال الذي ظل يطرق رأسه...
تخيل ردة فعل والده الآن…
بالتأكيد قد فقد صوابه، وربما اجتمعت الشياطين كلها في رأسه، كل واحد منها يقترح خطة أكثر جنونًا من الأخرى،
وكلهم يصرخون: "خطتي الأفضل!"
نزلت عيناه إلى يده اليمنى… وتحديدًا إلى الوريد حيث يقع الوشم...
شعر كأنه يحدث نفسه:
"مهما حاولت الهرب… سيبقون يلاحقونني.
حتى أقرر، في لحظة ما… أن أستدير وأواجههم.
وحينها… قد أموت."
لكن تدفق الأفكار انقطع فجأة حين قال جمال بهدوء:
"سيدي اعطاني بعض المعلومات… وطلب مني أن أوصلها لك."
نظر زاكروس إلى جمال بحاجب مرفوع، في إشارة صامتة إلى أنه ينتظر التوضيح.
فأكمل جمال حديثه بنبرة جادة:
"من اختطف أختك… هو أحد رجال والدك.
وهو من خطّط لقتلها منذ البداية، لذا… استخدم هذه الطريقة."
ردّ زاكروس بخيبة أمل واضحة، بنبرة فاترة وهو يشيح بوجهه:
"أهذه هي المعلومات؟ أهذا يستدعي التفكير أساسًا؟"
صمت جمال للحظات، ثم أشار بإصبعه نحو صندوق أبيض صغير أسفل المقعد، وقال بهدوء:
"هناك صندوق إسعافات… عالج قدمها حين تستيقظ."
أومأ زاكروس له بصمت، دون أن ينبس بكلمة...
بعد مرور ما يقارب الست ساعات، وصلوا أخيرًا إلى إيطاليا، وتحديدًا مدينة روما...
استقلوا سيارة من الحدود الإيطالية أوصلتهم حتى قلب العاصمة،
ورغم تأخر الوقت، كانت روما لا تزال نابضة بالحياة، فكونها مدينة سياحية، تعج دومًا بالناس والزوار....
ظل زاكروس يحدّق في شاشة هاتفه، يبحث عن عنوان الشقة بدقة، بينما كان ممسكًا بيد روز التي استحوذت تمامًا على سترته، فقد كانت تشعر بالبرد الشديد...
بدأت آثار التعب تظهر بوضوح على ملامح روز، فقد قطعا مسافة طويلة سيرًا على الأقدام حتى وصلا أخيرًا إلى شقة صغيرة تبدو قديمة، لكنها كانت بمثابة قصر بالنسبة لهما في تلك اللحظة....
وما إن دخلا حتى بدأ كل منهما يتفحص المكان بعينيه، يتفقدان تفاصيله الصامتة بحثًا عن مأوى يضمن لهما لحظة راحة....
وقعت عينا روز على سرير صغير في أحد الزوايا، فما كان منها إلا أن أفلتت يد أخيها فورًا، ثم ألقت بنفسها عليه دون تردد....
ضحك زاكروس بخفوت وهو يراقبها، ثم لم يلبث أن تحرك هو الآخر، وضع حقيبته جانبًا، وتمدّد على الأريكة الصغيرة محاولًا نيل قسط من الراحة...
وهكذا انتهى هذا اليوم، اليوم الذي غيّر مجرى الأحداث القادمة بشكل جذري، ولا تزال بصماته مطبوعة في ذهن كلٍّ منهما…
وخاصة زاكروس، الذي، رغم فرحته بنجاح الخطة، لم يكن يجهل العواقب القادمة التي تنتظرهما في النهاية....
في صباح اليوم التالي، كانت الساعة تشير إلى الثامنة وسبع عشرة دقيقة حين فتحت روز عينيها العسليتين بخمول، تتضايق من أشعة الشمس التي غمرت الغرفة تمامًا،
كانت عيناها حساسَتين للضوء، لذا حاولت تغطيتهما بيدها لتعود إلى النوم، لكن المحاولة فشلت كليًا، ولم يكن أمامها خيار سوى الاستيقاظ...
أبقت نظرها منخفضًا، تتجنب مواجهة الضوء المباشر كعادتها، ثم توجهت نحو الأريكة تقصد أخاها، لكنها فوجئت بعدم وجوده، ورغم استغرابها، لم تُعر الأمر اهتمامًا كبيرًا...
أمسكت بملاءة السرير وثبّتتها على النافذة لتغطيها كستارة مؤقتة تمنع دخول الشمس، ثم التفتت بارتياح تتفقد الشقة بهدوء، محاولة تحديد من أين تبدأ....
فما لا يعرفه الكثيرون عن روز... أنها فتاة ذات هوس حقيقي بالتنظيم والترتيب، ومن النظرة الأولى، أدركت حجم الجهد الذي ستضطر لبذله لترتيب هذا المكان، خاصةً وأنه يحتوي حتى على شباك عنكبوت!
و لعدم وجود المنظفات اللازمة للقيام بالعمل کان عليها القيام بكل شيء بالماء فقط كحل مؤقت....
......................................................................
في تمام الساعة السابعة مساءً، دخل زاكروس إلى الشقة وهو يخطو بثقل واضح، أشبه بمن يحمل العالم على كتفيه. الأكياس التي كان يحملها كانت كثيرة لدرجة جعلت حركته أشبه بذوي الاحتياجات الخاصة، وكل خطوة كانت أقرب إلى إنجاز صغير...
وما إن عبر عتبة الباب حتى أسقط كل ما في يديه دفعة واحدة، وأطلق زفرة طويلة وكأن صدره لم يتذوق الهواء منذ زمن، أخيرًا تنفّس بارتياح.....
نظر أمامه فرأى روز، مستلقية على السرير تحتضن سترته كما لو كانت كنزها الثمين، كان المنزل مختلفًا تمامًا عمّا تركه صباحًا… نظيف، مرتب، وكأن من دخله ملاك لا فتاة متعبة....
ابتسم زاكروس بخفوت، ثم أغلق الباب جيدًا بالمفتاح، وتوجه نحو أميرته النائمة، جلس بجانبها بهدوء، حمل رأسها بلطف ووضعه على ساقه، نظر إليها للحظة طويلة قبل أن يبدأ باللعب بشعرها القصير بلونه الترابي…
تدفقت في ذهنه تلك الذكريات القديمة، الأيام التي كانت تبكي فيها بصمت كلما أُجبرت على قص شعرها...
مدّ يده نحو وجهها، يلامس خدّيها بلطف ويعبث بهما، يعلم جيدًا أنها تحب هذا التصرف… وربما، فقط ربما، تستيقظ بمزاج جميل إن كانت أول لمسة في يومها من يد أخيها....
وبالفعل، استيقظت روز وابتسامة دافئة ترتسم على وجهها النعس، وبدت وكأنها استيقظت على حلم جميل، ليهمس زاكروس مبتسمًا وهو يراقب ملامحها الطفولية:
"لقد قمتِ بعمل رائع، أيتها الطفلة... لكن ألم يكن يجدر بك أن تنتظريني؟ كنت سأشاركك التنظيف!"
ردّت روز بصوت مبحوح وهي لا تزال نائمة فوق ساقه:
"لو أتيت بوقت أبكر، لكنت شاركتني بالفعل!"
ضحك زاكروس، نبرة الانتصار تملأ صوته وهو يقول:
"لكن لو أتيت أبكر، من كان سيجلب لكِ الهدايا؟"
في لحظة، انتفضت روز من مكانها بفرح، احتضنته بقوة جعلته يقع من على السرير وهي فوقه، ليضحك من أعماقه، ضحكة صادقة نادرة خرجت منه منذ زمن طويل، ضحكة لا يُصدرها إلا من يُفاجَأ بردة فعل شخص يحبه كثيرًا...
صرخت روز بفرحها الطفولي:
"أحبك، أخي!"
ثم تابعت وهي ترفع رأسها بحماس لا يُخفى:
"ما الذي جلبته لي؟"
أحاط وجهها الصغير بيديه، وكأنه يحاول حبس لحظة السعادة تلك في قلبه، ثم أجاب:
"جلبت لك الكثير… ملابس جديدة، أغراضك الخاصة، هاتف أيضًا… لكن هناك مفاجأة، وأعتقد أنها ستعجبك كثيرًا."
اتسعت عينا روز، تلمعان بفضول طفولي نقي، لتقول بحماس:
"ما هي؟!!"
ابتسم زاكروس، وأبعدها برفق عنه، ثم توجه نحو أحد الأكياس الكبيرة على الأرض، جثا بجانبها وأخرج منها قفصًا خشبيًا صغيرًا مغطى بقماش أبيض رقيق....
وضعه على الأرض، ثم فتح الباب ببطء… وتراجع خطوة إلى الوراء، تاركًا المجال لرؤية المفاجأة....
خرج من القفص مخلوق صغير، مليئ بالريش، بلون ازرق فاتح، يرمش بعينيه بتوتر خفيف وهو ينظر إلى روز… كان فرخ ببغاءً صغيرًا....
شهقت روز، وضعت يديها على فمها، ثم صرخت بفرح وهي تقفز:
" ببغاء!!!"
فور وقوفه، خرج من القفص فرخ ببغاء صغير، يبدو أنه لم يُكمل شهرين من عمره بعد. كان ذو رأس مكسو بريش أزرق هادئ، وجسد مغطى بريش رمادي رقيق. خطواته كانت خجولة، يترنح قليلاً وهو يمشي على الأرض، وكأنه لا يزال يكتشف العالم لأول مرة...
وما إن رآه روز، حتى اتسعت عيناها إلى الحد الذي بدا فيه وكأن فمها سيلامس الأرض من شدة الذهول، لحظة صامتة، تحولت إلى انفجار من الفرحة...
ركضت نحوه بسرعة، بحذر طفولي، ثم حملته بكل لطف بين يديها وكأنها تمسك حلمًا كانت تنتظره لسنوات....وبدأت تقفز في وسط الصالة بسعادة غامرة، والببغاء الصغير قد استرخى تمامًا في راحتها، كأنه في حضن أمه....
ركضت روز مجددًا نحو أخيها، وطبعت قبلة عفوية على خده، وهمست بسعادة:
"شكرًا! شكرًا! أنت الأفضل!"
ابتسم زاكروس ابتسامة هادئة، لكنها كانت تختصر الكثير… ثم قال بصوت ناعم:
"منذ الآن، سأوفّر كل الألوان التي ترسم ابتسامتك."
لكنه أكمل بصمت داخلي، بكلمات لم يجرؤ أن يهمس بها بصوت عالٍ:
"حتى وإن لم أجد الأحمر… سأستخدم دمي."
ظل ينظر إلى عينيها مطولاً، يبتسم لها ويتحدث بأشياء لم تفقهها هي، لكنه كان يعلم أن نظراته وحدها كانت تقول ما لا يُقال.
كأنه شخصٌ يسرد أسراره لأطرش…
هكذا كان تمامًا...
علم القلب لا يحتاج كلمات،
بل يُختصر بنبضات… مشاعر… وعاطفة لا ترى الدم لكنها تنزف بهدوء...
لهذا لم يعلمه قلبه الا ان يحبها....
ابتسم زاكروس وهو يراقب أخته تضحك من قلبها، وكأن ضحكتها كانت كل ما يكفيه ليشعر بالراحة… كأنها تعني أن كل شيء سيكون على ما يرام...
كان يؤمن بشيء…
شيء يُردده بداخله كلما واجه قراراته مع الحياة:
أن الحياة قصيرة… قصيرة جدًا.
أقصر بكثير من أن تبخل على أحدهم بلحظة دفء،
أن تظن أن بإمكانك تأجيل الطيبة أو الحب أو الاعتذار لوقت لاحق،
لأنك تظن أنك ستعيش أكثر…
لكن ماذا لو لم تفعل؟
لذا، لم يشأ أن ينتظر ليعوض روز لاحقًا… أراد أن يُهديها "الآن".
جلست روز على الأرض، وعيناها لا تزال تلمعان ببريق الطفلة الصغيرة التي حصلت أخيرًا على ما تمنّته، جلس زاكروس أمامها بهدوء ثم قال:
"لقد سجلتك في إحدى منصات التعليم الإلكتروني، ستكملين تعليمك من هنا، ولن تذهبي للمدرسة إلا وقت الامتحانات النهائية."
رفعت روز نظرها نحوه، وابتسمت قبل أن تميل وتطبع قبلة سريعة على خده مجددًا، ثم أعادت عينيها نحو المخلوق الصغير المستقر في يدها… الذي، فجأة، أطلق صرخة حادة وغير متوقعة، مما جعل زاكروس ينتفض في مكانه من الفزع!
حدقت فيه روز لحظة… ثم انفجرت ضاحكة من رد فعله، وهي تقول بمرح:
"من يراك لن يصدق أنك تتحدى الموت في مهماتك!"
ثم نظرت مجددًا إلى الفرخ وقالت بحنان:
"بيري... سيكون اسمه بيري."
أومأ زاكروس موافقًا، مبتسمًا بصمت، بينما بدأ بيري يرفرف بجناحيه الصغيرين بعشوائية، وكأن الفرح قد ملأ كيانه الصغير...
وبينما كانت روز ما تزال تنظر إلى طائرها الجديد، سألها زاكروس فجأة بابتسامة خفيفة:
"هل تجيدين صنع الكعك؟"
اجابته باستغراب :" ليس تماما لكن يمكنني أن اتعلم منك فأنت خبير في صنع الكعك.."
قال زاكروس بهدوء ينذر بالسوء " هل تعرفين كلمة مرور حاسوبي؟"
اجابته روز بهمهمة "عيد ميلادي... اليس كذلك؟"
اومئ زاكروس ونبس بحزم "بالضبط..."
أومأت روز بصمت، وملامحها باتت تعكس مزيجًا من الجدية والقلق، لم تعتد أن ترى زاكروس يتحدث بهذه النبرة الحازمة من قبل، كان دائمًا ملجأها المشرق، لكنه الآن يُحدّثها كوصيٍّ يجهّزها لمواجهة العالم...
أكمل زاكروس وهو ينظر مباشرة في عينيها:
"لا أريدك أن تفكري في المال الآن، فقط في عملنا... في الحلم اللي سنبنيه سويًا، لكن في حال حصل لي شيء…"
قاطعته روز فورًا، وهي تهز رأسها بقوة:
"لا، لا تقل هذا، أنت بخير! ولن يحصل لك شيء، أعدك!"
ابتسم زاكروس ابتسامة حزينة، تلك التي لم تُشاهدها روز من قبل، وقال بلطف:
"أنا لا أتحدث بدافع الخوف، بل من باب الاحتياط، من يحب أحدًا بحق، يهيئه لكل شيء، حتى لو كان أسوأ الاحتمالات."
سكت للحظة ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة مطوية، ومدّها لها:
"في هذه الورقة رقم حسابي، وكلمة السر، ورقم رجل يمكن أن تثقي به تمامًا، صديق قديم… لا تتواصلي معه إلا إذا حدث شيء لي، مفهوم؟"
لترد روز:
"لكن من هذا الشخص، أخي؟ أهو من عائلتنا؟"
أجابها زاكروس وهو يعدّل جلسته قليلًا:
"لا أبدًا، إنه ديريك سلفادور… الشخص الذي سألتِ عنه صباحًا. نحن لم يعد لدينا عائلة، روز، لم يبقَ لنا سوى بعضنا."
أومأت روز له بتفهم، وصمتت للحظات بينما كانت أناملها تمرّرها برفق على ريش بيري، الذي بدا مركّزًا أكثر منهم وكأنه يستمع بدقة لما يقال، فما كان منها إلا أن قبلته قبلة سريعة على رأسه الصغير.
ليعقّب زاكروس بنبرة ممتعضة، وقد عقد حاجبيه بخفة:
"كان من المفترض أن أحصل أنا على تلك القبلة..."
ابتسمت روز بمرح، ثم نهضت من مكانها وهي لا تزال تحتضن بيري بين أصابعها الصغيرة، وتقدّمت نحوه لتتوسط أحضانه دون أن تقول كلمة، زاكروس، وكأن شيئًا بداخله انتظر تلك الحركة، بادَرها بالعناق فورًا....
سمع همستها من بين ذراعيه، همسة خافتة لكن ثقيلة المعنى:
"أخي... أنت لن تتركني، صحيح؟"
أجابها وهو يضمها أكثر إليه، صوته هادئ لكنه يحمل كل ما لم يُقال:
"أنا بجانبك دائمًا "
......................................................................
تمر الأيام كأنها ثوانٍ في حياة أبطالنا، فكما نعلم جميعًا، لا يمر الوقت أسرع من مروره حين نقضيه في فعل ما نحب، أو برفقة من نحب... فكيف لو اجتمع الاثنان معًا؟
لقد مضى شهر منذ أن سلكا طريق النسيان، وفعلاً، نسيا كل ما يمكن أن يربطهما بالماضي.
حتى لغتهما تغيّرت؛ باتا لا يتحدثان إلا الإيطالية أو الإنجليزية، وكأن التركية لم تكن يومًا لغتهما الأم....
وقد يتساءل البعض: كيف أتقنا الإيطالية خلال يومين فقط؟
والإجابة ببساطة: لأنهما تعلّماها منذ الطفولة،
فرجاءً، لا تستهينوا بأساليب التدريب في عائلة جنكيز....
لكن يبقى السؤال الأهم...
هل يُنسى الماضي حقًا؟
كيف ننساه وهو جزءٌ منّا؟ جزء من ذكرياتنا؟
إنه لا يرحل، بل يلاحقنا مهما حاولنا الهرب...
يعود ككابوس في الليل، أو كصدفة عابرة، وربما كخطٍ مرسومٍ على وجوهنا...
بينما كان زاكروس يستند إلى إحدى الطاولات في مقهًى بسيط، بتصميم هادئ يغلب عليه اللون الرمادي والزهري والأبيض،
اقتربت منه روز بخطوات ثابتة، ترتدي صدريتها الزهرية، وتحمل بين يديها طبقًا يتوسطه قطعة كعك بالفراولة....
ولا ننسى بيري، الببغاء الذي لم يعد يفارق كتفها، كأنه جزء من مظهرها اليومي.
ابتسم زاكروس عندما أخذ منها الطبق، وبدأ يتذوق الكعكة، وما إن تذوّقها حتى اتّسعت ابتسامته أكثر، في دلالة صادقة على إعجابه بطعمها....
فرحت روز كثيرًا، لدرجة أنها قفزت من مكانها، مما أخاف بيري فطار بسرعة ليستقر فوق رأس زاكروس، وكأنه وجد عشًا له هناك....
قال زاكروس وهو يملأ فمه بالمزيد من الكعك:
"لقد تفوقتِ عليّ أيتها الطفلة."
لترد روز بثقة وشيء من الغرور الطفولي:
"بالطبع سأتفوق عليك! أنا أجيد كل شيء من أول مرة."
يقطع حديثهما صوت صفيرٍ عالٍ يشبه إنذارًا ما،
لتنظر روز بسرعة إلى رأس أخيها، حيث كان بيري يرفرف بجناحيه ويغرّد بطريقة غريبة وغير معتادة.....
لم يحتج الأمر وقتًا طويلًا ليفهموا السبب،
فما إن استقر بيري فوق صحن الطعام، حتى بدأ يلتهم قطعة الكعك الخاصة بزاكروس، وكأنه أعلن الحرب عليها دون رحمة....
قال زاكروس بخيبة أمل واضحة:
"كعكتي..."
ضحكت روز وهي تجيبه بخفة:
"لا بأس، سأجلب لك غيرها، زاكي."
لكن زاكروس وضع الصحن جانبًا، ورفع يده ليوقفها، وقال بنبرة حازمة ولطيفة:
"لا، لديكِ دراسة الآن، لا تنسي أن امتحاناتك بعد ثلاثة أشهر، لا تضيّعي وقتك."
نظرت إليه روز بحزن وهمست:
"حتى الآن لم أفهم لماذا جعلتني أدرس إلكترونيًا... ولا أذهب إلى المدرسة إلا في الامتحانات."
وضع زاكروس يده على كتفها بلطف، وأجابها بصوت خافت مليء بالقلق:
"صحيح أننا نسينا ماضينا... لكنه لم ينسنا،
أريدك أن تكوني بأمان... أمام عيني دائمًا."
ابتسمت روز، ثم اندفعت لتعانق أخاها، كأنها تجيبه من دون كلمات،
ليبادلها هو العناق بنفس الحنان....
شعر زاكروس باضطراب أنفاسها،
فأبعد رأسها قليلًا عن صدره، ليرى تلك الدموع التي ملأت عينيها وتتسابق بالنزول بصمت موجع.
مسح دموعها بإبهامه برفق، وسألها بدهشة وقلق:
"هل تؤلمك عينك من جديد؟ لِمَ تبكين؟"
هزّت روز رأسها نفيًا، وهي تومئ يمينًا ويسارًا دون أن تنطق، ثم أعادت رأسها إلى صدره، تشدّ عناقها وكأنها تحتمي به من العالم كله....
نظر إليها زاكروس بقلقٍ يعصف بقلبه... ذلك الألم المرتسم على وجه شقيقته، وذلك الحزن الصامت، جعله عاجزًا تمامًا.
لم يجد خيارًا سوى أن يبادلها العناق، بنفس القوة، بنفس الصدق، وكأنه يريد أن يقول لها: أنا معك... لا تخافي...
بدا زاكروس ثابتًا، كجبلٍ صامت لا يهتز،
لكنه في داخله... كان العجز يأكل قلبه،
ذاك العجز الذي يجعله يشعر بأنه لا يملك من القوة ما يكفي حتى لإنقاذ دمعة منها....
ثم شعر بيدها الصغيرة تدخل بين وجهها وصدره، تمسح دموعها بإحدى يديها، بينما الأخرى لا تزال تحتضنه.
ركع أمامها بهدوء، حتى صار في مستواها،
وأبعد يدها برفق عن وجهها المغلق العينين، الذي يأبى أن يفتحها للضوء،
فهمس لها بعتابٍ رقيق:
"تبتليني بما أحب؟... هل تعلمين كم أحب عينيكِ وتأذيهما؟"
أخفضت روز رأسها، كأنها تحاول أن تحمي عينيها من الضوء،
ثم، ببطء، بدأت تفتح عينيها وهي تقول بصوت خافت:
"وهل يُبتلى الإنسان إلا فيما يحب؟"
ابتسم زاكروس بهدوء، حتى شعر بشيء يلامس قدمه،
نظر للأسفل... فإذا ببيري، ذلك الببغاء الصغير، ينظر إلى روز بنظرة مختلفة، نظرة فيها من الحنان ما يُدهش، وكأنه يواسيها دون أن يفهم سبب حزنها....
أجل... أنقى أنواع الحب هو ذاك الصامت،
الذي لا يحتاج إلى كلمات،
يكفي فيه أن تتلاقى العيون،
لتُخبر من نحب بكل شيء... بكل ما نكتمه في أعماقنا،
بكل ما لا نجرؤ على البوح به....
اندفع بيري فجأة نحو قدم روز، يعانقها بجناحيه الصغيرين وكأنه يقول: أنا هنا، لا تبكي.
اقترب زاكروس منها أكثر، ثم انحنى ليحملها بين ذراعيه،
صرخت روز فجأة من المفاجأة، وتبعها صراخ بيري الذي تشبث بقدمها بجنون،
فأغمضت روز عينيها بقوة، ولفّت ذراعيها حول عنق شقيقها تتشبث به دون وعي.
سار بها نحو المطبخ،
ذاك المكان البسيط الذي لا يحتوي سوى نافذة صغيرة بالكاد تُدخل الضوء،
أطفأ النور أثناء حمله لها، ثم جلس على إحدى الأرائك، ووضعها بجانبه برفق.
بيري، الذي كان لا يزال خائفًا من الظلام، قفز إلى حضنها، كأنما يطلب الحماية منها، وهو الذي كان يحاول حمايتها قبل قليل.
ثم مدّ زاكروس يديه نحو وجه روز، محاولًا فتح عينيها المغلقتين بلطف، رغم مقاومتها.
قال بصوت يحمل شيئًا من نفاد الصبر، لكنه كان حنونًا:
"ثقي بي فقط... لا يوجد ضوء هنا، لن يؤذيك شيء."
توقفت روز عن المقاومة، وأرخت جسدها باستسلام،
أنزلت يديها ببطء، واحتضنت بيري الذي ارتجف في حضنها من رهبة الظلام،
وكأنهما الآن معًا... يحتميان ببعضهما البعض، دون كلمات....
أرخت روز جسدها دون أن تجيبه،
أنزلت يديها ببطء، ثم أحاطت بذراعيها بيري الذي كان لا يزال يرتجف في حضنها خوفًا من الظلام....
اقترب زاكروس أكثر، فتح عينيها برفق، ثم مسح دموعها بإبهامه بحنان.
طبع قبلة خفيفة على كل عين، كأنه يعتذر لها عن كل ألم شعرت به، دون أن يقول كلمة.
ثم توجه إلى مفتاح الإنارة، وبدأ بتشغيل الضوء تدريجيًا،
حتى أضاء المطبخ كاملًا بنور هادئ خافت لا يؤذي العين.
عاد ليجلس أمامها، بينما روز كانت تتابع بيري بنظرات هادئة،
تداعبه بأطراف أصابعها وكأنها تحاول استعادة هدوئها من خلاله.
قال زاكروس بنبرة صادقة ومواسية:
"سأجد حلًا... أعدك بذلك."
ابتسمت روز، وعلّقت بنبرة فيها شيء من المزاح:
"كيف؟ هل ستُطفئ كل أنوار العالم لأجلي؟"
ابتسم بدوره، ووضع يديه على كتفيها بحنان:
"ربما... من يدري؟ قد أتمكن من فعل أي شيء لأجلك."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، ثم نظرت مباشرة إلى عينيه،
فقبل جبينها بهدوء، ونهض مغادرًا المطبخ.
نادته بتساؤل وهي تتابعه بعينيها:
"إلى أين، أخي؟"
أجابها وهو يواصل السير دون أن يلتفت:
"سأعود بعد قليل... ادرسي إلى أن أرجع، وكوني حذرة من إضاءة الحاسوب."
حملت بيري بهدوء بين يديها وتوجهت نحو حقيبتها، أخرجت منها وشاحًا صغيرًا من الصوف،
ثم خرجت من المطبخ بخطوات ناعمة....
جلست على إحدى الطاولات التي وُضع فوقها حاسوب شقيقها،
فردّت الوشاح في حجرها بلطف، ثم وضعت بيري على أحد جانبيه،
غطّته بالجانب الآخر كأنها تغمره بأمان العالم كله.
كانت تعلم جيدًا أن الطيور تدفئ نفسها بريشها،
لكنها ولسبب لا يمكن شرحه بسهولة تحب أن تفعل له هذا...
ربما لتشعره أنه ليس مجرد طائر، بل أحد أفراد العائلة،
بل وكأنه بشر مثلهم تمامًا....
تأكدت من أن بيري ما زال يغطّ في نوم عميق،
فسحبت الحاسوب بهدوء واقتربت به منها أكثر،
فتحته وكتبت كلمة المرور:
"826"
عيد ميلادها...
بدأت تذاكر واجباتها المتراكمة،
هي لم تكن تدرس منذ بداية العام،
وقد عادت فقط في منتصفه،
لذلك عليها الآن أن تعيد دراسة كل ما مضى وكأنها تبدأ من الصفر.
لكنها لم تعارض هذا أبدًا،
فهي تؤمن تمامًا بالمقولة:
"أنت مسؤول عن السعي، لا عن النتيجة."
ما زالت لا تستوعب أنها فعلًا تمضي على طريقٍ يقودها إلى حلمها...
الحلم بأن تصبح طبيبة....
من الغريب ربما أن يولد حلم كهذا وسط عائلةٍ اعتادت أن تقتل البشر،
لكن بالنسبة لها... لم يكن ذلك غريبًا على الإطلاق....
في الحقيقة لا اصدق أساساً بأن عائلة ما تسیر کلها بذات الطريق فلا بد من وجود فرد منها يسیر اما عكس الطريق هذا تماماً او ينحدر عنه بعض الشيء....
في مكانٍ آخر، داخل غرفة تغمرها أضواء الشاشات المتوهجة،
وأجهزة إلكترونية تصدر طنينًا خافتًا في الخلفية،
كان ديريك سيلفادور يجلس وسط هذا الضجيج المنظّم،
مقابل شاشة ضخمة تخترق الظلام بلونها الأزرق البارد،
مركزًا نظره على حسابات عائلة جينكيز التي كان يخترقها بكل أريحية....
ردف بملل وهو يضغط على لوحة المفاتيح:
"حقًا؟ ما هذه العائلة؟ كلمات مرورهم... سخيفة!"
ثم عدّل جلسته وتنهّد بملل أكبر:
"اسمه مرتين؟ هل هذا حقيقي؟! لم أكن بحاجة أصلًا لهذه المعلومات...
لم أستفد سوى من توقيت عملياتهم القادمة!"
قاطع سخريته صوت مفاجئ…
مكالمة واردة من أحد أفراد جينكيز، اخترقها النظام تلقائيًا....
توهّجت الشاشة أمام ديريك، فمال إلى الخلف وارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة....
تمتم ساخرًا:
"الشخص المؤدب سيحترم الخصوصية…
لكن من قال إنني مؤدب؟"
ثم ضغط زرًا واحدًا، ليصبح طرفًا ثالثًا في المكالمة… دون أن يترك أثرًا....
صوتٌ رجولي خافت، متوتر:
"لقد عثرنا عليه… لكن كيف سنخبر السيد ألكساندر بالأمر؟
الجميع يعلم أنه سيأمر بقتله، حتى لو كان ابنه.
هو لن يعارض السيد مرتضى في النهاية."
ردّ صوتٌ آخر بنبرة مُثقلة:
"لا أعلم… لكن حتى إن لم نخبرهم نحن، فغيرنا سيفعل.
ثم إنه هو من باع حياته لأجل أخته."
"لا تتحدث وكأنه أخطأ! جميعنا كنّا سنفعل الشيء ذاته لو كنا مكانه."
"أنا ما كنت لأقف بوجه مرتضى الوحش، ليس وبيدي ذلك الوشم…"
"اسمع… أخبره أنت، وأنا سأرسل لك العنوان الآن."
صمت لحظة، ثم أضاف:
"حسنًا… لكن… أتمنى فقط أن ينجو.
فقد كان… أخًا لنا جميعًا."
همس الآخر وهو يغلق الخط، وديريك بقي صامتًا للحظة قبل أن يرد بذهول:
"واه… صحيح أن كلمات مرورهم غبية،
لكن لا أنكر أنهم سريعون.
كيف عثروا عليهم رغم أني متأكد من عدم تركي أي دليل؟!"
غيّر جلسته ببطء، وبدأ يدور على كرسيه وهو يكمل كلامه:
"يبدو أن عليّ تغيير طريقتي في التهريب…
همم… لا بأس، الآن سأفكر بطريقة أخرى في المرة القادمة."
نهض حاملاً سترته، ثم أضاف وهو يتجه نحو الباب:
"الأمر أصبح أكثر تعقيدًا مما توقعت."
......................................................................
بظهور القمر بدأت الغيوم تطغي على سماء ايطاليا لتطهر کل من فيها من الحزن و الذنوب بدموعها
ليقف زاکروس امام المقهی و یتامله بعض الوقت مقهی " تولیب "
لما هذا الاسم تحديداً ؟ بساطة لانها زهرة روز المفضلة
اترون کمية الاهتمام بالتفاصيل؟
انا لا اثق بمن لا يهتم بالتفاصيل ! فمن لا يهتم بها او يتجاوزها بسهولة سيتجاوز مشاعري مثلها تماماً
وجّه زاكروس أنظاره نحو شقيقته من خلف الزجاج، فابتسم فور رؤيتها نائمة أمام حاسوبه، وجلس فوق رأسها بيري مستمرًا في نفش ريشه وتنظيفه فوقها....
قرر أخيرًا الدخول بهدوء تام حتى لا تستيقظ، لكن خطته باءت بالفشل حين انطلق زمور الإنذار ومن كان غير بيري؟
نهضت روز بفزع، حاولت سحب سلاحها غير الموجود، ثم أطلقت نظرة صوب زاكروس حتى استوعبت الأمر....
تقدم زاكروس نحوها قائلاً بعتاب مزيف:
"ترفعين السلاح بوجه أخيك؟ يا للأسف…"
مسحت وجهها بيديها وأنزلت بيري من فوق رأسها، والذي سكت فور نهوضها.
أجابت بحيرة:
"لم أستوعب الأمر، لقد نسيت تمامًا."
وقف أمامها، وربّت على كتفها قائلاً:
"علامَ؟ ألم نتفق أن تنسي الأسلحة؟ وهذا الاتفاق يشمل الأسلحة الهوائية أيضًا، أيتها الطفلة"
هل ترونهما طفوليين أكثر من اللازم؟
دعونا نتفق على شيء: كلٌّ منا يحمل طفولته معه، فإن لم يعش أحدنا طفولته كاملة، سيظل داخله طفل صغير، لا يظهر إلا أمام من يمنح روحه شعور الأمان.
لكن، متى ينضج الإنسان؟
بالنسبة لي... أعتقد أن الإنسان لا ينضج حقًا، إلا حين يُهدَم أمام عينيه كل ما كان يؤمن به....
ابتسمت روز، ووجهت نظرها نحو النافذة لتنتبه إلى الطقس المحبب إلى قلبها.
تبدأ مسابقة الزمن، فتمسك بيري فورًا وتدخله في جيبها، ثم تغلق الحاسوب وتضعه في حقيبتها المخصصة لتحملها على كتفها....
تمسك يد أخيها وتسحبه فورًا خارج المقهى
ليلٌ قاتم بسحاب أسود، سماء ترعد، ومطر يهطل بغزارة، وروح مبتلة بمياه الحنين وأمطار الحزن التي تملأ الشوارع الخالية من الناس....
يصدق أبطالنا القصة التي تقول إن المطر هو بكاء السماء، وكل قطرة تلامسهم ما هي إلا غفران لذنوبهم، تعيدهم كالأطفال....
وأثناء جريهم تحت المطر، توقفت روز فجأة، فتحت ذراعيها واحتضنت السماء، ثم بدأت تدور حول نفسها بعد أن تركت يد أخيها زاكروس....
خلع زاكروس سترته بسرعة ليحمي شقيقته من المطر.
حاولت روز أن تبعد السترة عنها، لكن لم تنجح في عناد أخيها.
حتى قالت له بعدما سئمت:
"زاكي! هذا ليس وقت العناد، اترك المطر يخلصني من ذنوبي!"
أجابها زاكروس وهو يحاول مرة أخرى:
"أي ذنوب هذه، أيتها الملاك؟ هل قتلتِ نملة مثلاً؟"
وبمجرد سماعها لجملته، توقفت عن مقاومته، ليغطيها زاكروس بالسترة، لكنه ظل ينظر إليها بغرابة.
كان يعلم جيدًا أن أمرًا ما يشغل تفكيرها، وتأكد من ذلك حينما أرتمت في حضنه، معانقة إياه بشدة.
ربت على شعرها مطمئنًا، همس بصوت خافت:
"ما الأمر، أيتها الطفلة؟"
ظلت صامتة لبعض الوقت، ثم أجابته بتلعثم:
"أنا... قتلت..."
نزل ليواجه وجهها، ولف وجهها بين يديه لينظر في عينيها بعُمق، كأنه يستجوب صحة ما سمعه....
فهمت روز تلك النظرات، فأكملت بصوت مرتجف:
"الشخص الذي خطفني... أنا قتلتُه، لكن أقسم لك لم أقصد، كنت فقط أشعر بالخوف."
قاطعها زاكروس محتضنًا إياها بقوة، ودفن وجهها في صدره قائلاً:
"ششش، لا بأس، أنا معك الآن، لا بأس."
اكتفت بشد العناق أكثر كإجابة له، ثم ابتعدت وخلعت سترته، وأعطتها له، وهو بدوره لم يعرضها....
أمسكت بيده، وظلت تسحبه نحو بيتهم الصغير....
اشتد المطر أكثر فأكثر، وكلما زادت حدته، زاد خوف زاكروس على شقيقته من المرض. كان يعلم جيدًا كيف تمرض بسرعة، لكنه بنفس الوقت يعلم أن قلبها إذا لم يهدأ، سيزداد مرضها سوءًا....
كان كمن يُخَيّر بين أمرين لا مفر منهما، بين أن تمرض أو تمرض، لكنه اختار أن يواكب رغبتها بصمت، مدركًا أن أي نقاش حول الأمر سيكون كالصراخ في وجه الحائط....
انتهى نزاعه الداخلي حين فتحت روز قفل باب المنزل، دخلت بسلاسة وسحبت زاكروس خلفها،
دفعت زاكروس المبلل بماء المطر ليستلقي على الأريكة، بينما وضعت حقيبتها جانبًا. أخرجت بيري، الذي كان أيضًا مبللاً من جيبها، ووضعت الطائر في قفصه ثم غطته بغطاء لتدفئته....
بعدها، دفنت نفسها بجسد أخيها، ملتصقة به، كأنها تحتمي من العالم الخارجي....
فتح زاكروس رباط شعرها، الذي كان على شكل ضفيرة صغيرة تناسب قصر شعرها، وبدأ يمرر أصابعه كالمشط بين خصلاته....
سيطر الصمت على المكان، لكنه كان يحمل في طياته ألف كلمة...
كلاهما كان يخشى أن ينطق بها....
تعلم روز جيدًا أنه ليس منزعج منها، لكنها هي التي تغلي في داخلها، منزعجة من نفسها، تحاول جاهدة أن تبرر ما في داخلها، تهمس لتسكين ألمها، رغم علمها العميق أن أخاها لا يحتاج لتبرير، ولا أن الزمن سيعيد ما مضى.
وزاكروس يعلم ذلك أيضًا، يعلم أنها ستغرق في التفكير، وأن حتى إن أسكت كلماتها فلن يصمت قلبها. قلبها فقط هو من تستمع له....
لم يكن مهمًا له ما فعلت، بقدر ما كان همه أن يجد طريقة ليجعلها تبدل ملابسها قبل أن تمرض.
ثم نطق بهدوء، صادقًا، يحاول تخفيف ثقل اللحظة:
"روزي... هل هناك مكان لي في وسط أفكارك؟
لن يغير ما حدث شيئًا، أنتِ ستبقين ملاكًا في عيني، ولن يؤذيك أحد.
الجميع يستحق فرصة ثانية، فلا تسمحي للماضي أن يلوثك، ولا تؤذي من يحبك.
لقد أفنيت حياتي لأجلك، فلا تؤذي نفسك... حتى لو كان ذلك لأجلي فقط... عديني بذلك."
ارتسمت على وجه روز ابتسامة هادئة، لمعت فيها الدموع، وقالت بصوت خافت:
"أخي... أشعر فجأة أني أُثقل عليك، وأنني أبالغ في مشاعري، رغم أنني... لا أعلم."
أنزلت روز رأسها في نهاية حديثها، لكن زاكروس لم يسمح لها بالاختباء أكثر، فرفع ذقنها برفق حتى التقت عيناها بعينيه، وقال بنبرة حازمة مغمورة بالحنان:
"لا توجد أي مبالغة، أنتِ فقط صادقة بمشاعرك... ثم أي حمل تتحدثين عنه؟ أنا أخوكِ، أيتها الطفلة!"
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، لتهمس بصوت شبه مسموع:
"أعدك... أخي."
وما إن سمع وعدها حتى رفع جزئه العلوي قليلًا، وأشار ناحية الحمام قائلاً بابتسامة راضية:
"غيّري ملابسك في الحمام ريثما أبدّل ملابسي أنا أيضاً."
أومأت بالموافقة فورًا، واتجهت لاختيار شيء من ملابسها، ثم دخلت الحمام....
ابتسم زاكروس وهو يراقب خطواتها. يعلم تمامًا أنه لو طلب منها مباشرة تبديل ملابسها، لرفضت بعنادها المعتاد، جاراها قليلًا، حتى استسلمت دون أن تدرك....
كان باستطاعته إجبارها، لكنه يكره أن يفرض عليها أمرًا أو يجعلها تشعر بالضعف....
هو يحفظها... جيدًا.
ويعلم تمامًا كيف يُهدّئ العاصفة التي في داخلها دون أن يطفئها....
بعد أن بدّل كل منهما ملابسه، توجه زاكروس إلى زر الإضاءة، وضغطه لتضاء جميع الأنوار دفعة واحدة.
خرجت روز في اللحظة نفسها، لترمش بعينيها وتتجه بنظراتها مباشرة نحو الأرض من شدة الضوء....
ضحك زاكروس بخفوت وهو يراقبها، فزمّت شفتيها وقالت بحقد مصطنع:
"اضحك، اضحك ..."
ضحك أكثر، واقترب منها وهو يرد:
" يجب أن تاخذي حصتك من المعاناة، اختي."
ثم جلس على الأريكة، وربت على مكانٍ بجانبه،
قال: "تعالي إلى هنا."
تبعته روز واقتربت منه لتعانقه، فبادلها العناق بيد واحدة، بينما كانت يده الأخرى خلف ظهره....
كان يُخفي بها علبة صغيرة، رفعها أمام وجهها، فتراجعت قليلًا وأخذتها منه....
حاولت أن ترفع بصرها إليه، لكنه أنزل رأسها مجددًا بيده وقال بنبرة جادة:
"إياكِ أن تنظري قبل أن ترتديها!"
ابتسمت روز بخفة لتوتره وخوفه الواضح عليها، ثم فتحت العلبة، لتجد فيها نظارات رمادية اللون.
ارتدتها مباشرة، ثم رفعت عينيها نحوه لتتلاقى نظراتهما.
قالت بابتسامة:
"وبلوني المفضل أيضًا؟"
تمتم زاكروس برد غير واضح، فتابعت روز بسؤال:
"لكن لم أفهم، لماذا النظارات؟ أنا لا أعاني من ضعف في النظر أو أي مشكلة."
أجابها زاكروس:
"انظري نحو الإنارة... وستفهمين."
فعلت روز ما طلبه منها دون تردد، لثقتها به.... ظلت تنظر إلى مصدر الضوء طويلاً، ولم تتأذَ، فابتسمت وأعادت نظرها نحو شقيقها، ليهمس قائلاً:
"لو تعلمين كم أحب ابتسامتكِ، يا صغيرتي... لما توقفتِ عن الابتسام أبدًا."
ارتمت روز في حضنه كإجابة على كلماته، وفي ذات اللحظة التي عانقته فيها، صرخ بيري صرخة عالية، أشبه بصافرة إنذار!
تنهّد زاكروس بانزعاج وقال:
"يا مفسد اللحظات الجميلة بين الإخوة... ماذا يريد الآن؟ ألم يكن نائمًا؟"
ضحكت روز على انزعاج شقيقها، ثم قالت:
"يبدو أن الإنارة قد أزعجته، فالغطاء لا يغطي كامل القفص، أخي."
كشّر زاكروس ملامحه، متصنعًا الغضب بطفولية، ثم أطفأ الإضاءة وتوجه نحو السرير، فتبعته روز بعد أن أعادت النظارات إلى العلبة ووضعتها قرب قفص بيري.
فإن سألت روز عن النعيم، فستجيبك: هو العناق،
ولهذا، فهي تعانقه حتى أثناء النوم، وهو لا يعارضها في ذلك....
قالت روز بانفعالٍ مصطنع، بعدما رمت بجسدها عليه:
"ما هذا الذي في ملابسك؟! تبعد عني سلاحي، بينما تخفي سلاحك الحقيقي في ملابسك حتى أثناء النوم!"
مرّ اليوم التالي بهدوءٍ وسلام...
بين الدراسة وتعلّم صنع الكعك،
وبين التحفيز والحب،
وبين الضحك والنكات الصغيرة التي تسكن القلب دون استئذان....
حتى حلّ الليل...
وحلّ معه الهدوء والسكينة،
وفي تلك اللحظات التي يختبئ فيها الضجيج خلف نوافذ مظلمة،
كانت روز تجلس متكئة على الحائط،
تداعب بيري من خلف قضبان القفص،
تبتسم كلما لامست أصابعها مخالبه الصغيرة أو رأت عينيه الواسعتين تتأملها بثقة....
صوت أنفاسها كان منتظمًا،
كأن قلبها تعلّم أخيرًا كيف يهدأ... ولو قليلًا،
وفي الخلفية، كان زاكروس يعدّ شيئًا في المطبخ،
وكلّ شيء في هذا المنزل الصغير ينبض بكلمة واحدة، أمان
خرج زاكروس من الحمّام، ثم توجّه نحو روز، وانحنى ليصبح في مستواها، وطبع قبلة سريعة على جبينها، قبل أن يقول بعجلة:
"اعتني بنفسك، سأعود لاحقًا، إن حدث شيء، فهناك سلاح بين ملابسي، لكن لا تستخدميه إلا في حالات الضرورة القصوى."
سألته روز بنبرة قلقة:
"إلى أين ستذهب؟ الوقت متأخر..."
ابتسم لها بخفوت وأجاب:
"لا بأس، لن أتأخّر."
همهمت دون اعتراض، فخرج وهو يتفحّص هاتفه، كأنّه ينتظر مكالمة من أحد....
ولم تمرّ سوى لحظات حتى سمعت روز صوت شجار عند باب المنزل،
عرفت الأصوات فورًا... رجال جنكيز....
تملّكها الخوف، ليس منهم فحسب، بل على شقيقها أيضًا،
حاولت النهوض للحاق به، لكن فجأة، لم تعد تشعر بأطرافها، كأن جسدها أصبح مقيّدًا تمامًا....
أرادت الصراخ، أرادت الاستغاثة، لكن لا صوت خرج منها.
كل ما استطاعت فعله هو تحريك عينيها فقط، وهي تنظر بدموعٍ تملأ مقلتيها إلى الشخص الذي وقف أمامها....
كان رجلاً طويل القامة، ذا بنية ضخمة، يطغى على ثيابه اللون الأسود، ويغطي وجهه قناع أسود لا يُظهر سوى عينيه وكفّي يديه.
ظلّت روز تنظر إليه بلا حول ولا قوّة، تستمع فقط إلى الأصوات حولها، وخصوصًا صوت أخيها... حتى فقدت الوعي تمامًا....
في الجهة الأخرى، حيث كان زاكروس يقف أمام باب المنزل، أحاطت به ثلاث سيارات سوداء ضخمة، تحيطها مجموعة من الرجال، كلٌّ منهم يصوّب سلاحه نحو رأسه، بينما هو واقف في وسطهم يحدّق بثبات في عيني والده، الذي وقف أمامه مباشرة....
قال ألكسندر بنبرة مملوءة بالخبث:
"أظننت أنني لن أجدكما؟! بأي شيء قصّرت معك لتضع رأسي تحت التراب، أنت وتلك الزانية؟!"
ردّ زاكروس بانفعال:
"كلانا يعلم أنّك أنت من دبّرت كل شيء، وكلانا يعلم أنها لم تفعل شيئًا."
صرخ ألكسندر بغضب أشد:
"أتدافع عنها أمامي؟! أهذا بدلًا من أن تطلب السماح والمغفرة على ما اقترفت؟!"
ابتسم زاكروس بسخرية وأجاب:
"سماح؟ ومغفرة؟ على جثتي، وإن عاد بي الزمن ألف مرة، سأفعل الشيء نفسه، لا تظنّ أنني أخافك أو أخاف هؤلاء... لقد وصلتُ إلى ما أريد بالفعل."
اعطى ألكسندر اشارة لرجاله ليثبتوا زاكروس في مكانه، ففهم زاكروس غايتهم فبدأ بالصراخ عليهم ومحاولة المقاومة، إلا أن أحدهم طعنه من الخلف مما أضعف قوته وقلل مقاومته،
أمسكه أحد رجاله، فركل باب المنزل بقوة، وسط صراخ زاكروس المستمر، وتبعه رجل آخر، وكل ذلك مع ابتسامة ألكسندر التي تعكس استمتاعه برؤية ضعفه....
خرج الرجلان من البيت، ليردف أحدهما:
"لا وجود لها، سيدي."
وعندما سمع الأب هذه الكلمات، تبادلت الأدوار بينه وبين ابنه؛ فامتلأ وجه ألكسندر بالبؤس، بينما غطّت ابتسامة النصر ثغر زاكروس رغم حالته....
اقترب ألكسندر من ابنه، ورفعه من تلابيب قميصه، قائلاً وهو يصر على أسنانه:
"أين هي؟!"
رد عليه زاكروس، والابتسامة لا تفارق ملامحه:
"في مكان لن تصل إليه أبداً."
صفعه ألكسندر على خده، فتدفقت الدماء من فم زاكروس، وصرخ بينما يشد على قميصه أكثر:
"تكلّم! أين؟!"
ثبت زاكروس عينيه داخل عيني والده متحدياً:
"على جثتي."
ابتعد ألكسندر عنه، أخرج سلاحه بحركة سريعة وأطلق عليه رصاصة استقرت في صدره قرب قلبه، ليسقط جاثياً على الأرض، فتركه الرجال في النهاية....
كان زاكروس يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهو يعلم أنه سيموت ويترك وحيدته بمفردها في هذا العالم القاسي....
لكنه لم يكن خائفاً من الموت، بل سعيداً، فلا يمكن لإنسان أن يتحرر من أشد خيوط القدر قوة في الدنيا إلا بالموت!
كان يعلم أنه سيتحرر من الوشم الذي يزين ذراعه، ذلك الوشم الذي منحَه قوة ولعنة في آنٍ واحد، الذي منحَه مكانة وحطم أحلامه وقلبه....
وفي هذه اللحظات، كان سيتخلص منه ويتحرر من كل شيء....
كان سعيداً لأنه قدم روحه فداءً لغاليته روز، سعيداً لأنه تمكن من قضاء بعض الوقت معها بعيداً عن قسوة عالمهم....
لم يكن نادماً على شيء، خصوصاً تضحياته، فقد مات مبتسماً وفخوراً بما أنجزه في حياته....
......................................................................
في فجر اليوم التالي، فتحت روز عينيها لتقابل سقف الغرفة، فما لبثت أن فزعت بعد ثوانٍ، تذكرت الأحداث الماضية....
ابتسمت ابتسامة واسعة اعتقادًا منها أن كل ما جرى كان حلمًا فقط، إلا أن صوت صفارات الشرطة والإسعاف نفى هذا الوهم عنها.
ركضت بسرعة نحو باب الشقة لتفتحه، فواجهت ما كانت تخشاه.
جسد أخيها ملطخ بالدماء على الأرض، بينما يحاول طبيبان حمله إلى سيارة الإسعاف لنقله إلى المستشفى....
شعرت بثقل يثقل قدميها، وهدأت الأصوات فجأة عن مسامعها، وكأن حواسها كلها توقفت إلا عينيها التي ظلت تراقب جسد أخيها....
استجمعت قوتها كاملة، فدفعت أحد الأطباء، فركعت محتضنة يد أخيها إلى صدرها، تنظر إلى وجهه بنظرات أخيرة، كأن عينيها تحفظ ملامحه لأيام طويلة، وكأنها تعلم أن اللقاء مرة أخرى سيكون مستحيلاً....
حاول الطبيب الذي أبعدته روز أن يجعلها تترك المكان، لكنها صرخت بصوت عالٍ، لم يكن لأحد أن يتوقع قوة صوتها، قائلة:
"ابتعدوا عن أخي!"
تدخل رجال الأمن فورًا لإبعادها، تحت نحيبها وصراخها المتواصل:
"ابتعدوا عن أخي!"
"لا تأخذوه مني، لا أحد لي غيره! هو لم يمت، إنها مجرد مكيدة، صدقوني فقط، اتركوني!"
"أخي، استيقظ... أخي!"
ظلت تردد هذه العبارات، وتدفعهم بقوة حتى استطاعت الإفلات من قبضتهم، فركضت نحو أخيها الذي كان قد غُطّي بالكامل بكفن أبيض، ووُضع جسده في سيارة الإسعاف....
لكن شرطيًا أوقفها قائلاً بنبرة منكسرّة على حالها:
"توقفي، ابنتي، لا جدوى من ما تفعلين!"
ردت عليه بنبرة لا تكاد تُفهم بسبب بكائها:
"أنت لا تفهم شيئًا، هو لم يمت بهذه السهولة، إنه قوي، أنت لا تعرفه!"
كانت تريد أن تستمر في الكلام حتى رأت، بصعوبة بسبب حساسيتها، أن باب سيارة الإسعاف قد أُغلق بالفعل على جسد أخيها، فصرخت بكل قوتها هذه المرة، منادية باسمه:
"زاك!!!"
حتى خفت صوتها تدريجيًا في النهاية...
لم يكن أمام الطبيب سوى أن يعطيها حقنة مهدئة، بينما الشرطي ثبتها حتى لا تتأذى أكثر....
أغلقت عينيها، سامحةً لجسدها بالسقوط، فهي تهاب الوداع، لكن هذا الوداع لم يكن كأي وداع، بل كان كسرًا لها ولقلوبها، كان وجع رحيل أثقل من أن يصفه بكاء!
شيء ما قد فارق جسدها مع أخيها... لا أحد يعلم ما هو، لكنه يترك فراغًا كبيرًا، فالموت لا يؤذي الميت، بل يؤذي الأحياء....
مخطئ من يظن أن الناس تبكي لموت أحبائهم بسبب جهلهم بمصيرهم أو مكانهم أو حالهم....
هم يبكون لأن جزءًا من روحهم انتزع بقوة ورحل، ليبقى مع الأموات، تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا وألمًا فظيعًا وكسرًا لا يمكن جبره....
صحيح أن الأموات يتركون الأحياء خلفهم، لكن الأحياء أموات أكثر من الأموات أنفسهم!
لعل الأموات يشعرون بالحياة أكثر من الأحياء أنفسهم، والأحياء يشعرون بانعدام الحياة....
و كذلك الامر مع زاکروس و روز، زاکروس مات لکنه یشعر بالحرية من كل قیوده في
الدنيا....
و روز حيه لم يصبها خدش! لکنها تشعر بألم عمیق في قلبها تعجز كل الحروف الأبجدية عن وصفه..
هي تعيش الموت و هو یعيش الحياة! اعتادا على التشابه دائماً ... لكن الان قد اختلفا في
هذا....
.___يتبع___.
𝕵.𝕸
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!