DIVA
DIVA
جزء 8 من 11
وضع القراءة:

أسرار النار

﹝ روايتي ليست مجانية ﹞
الـثـمـن الذي عليك دفعه لقرائتها
هو: التعليق على الفقرات ✍🏻
والضغط على القلب أسفل البارت ♥️
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
" کان موقفا صغيراً و قد حدث بالصدفة، لکنه کان إشارة لحسم حيرة ما ! و لإيجاد الأجوبة للكثير من الافکار! "
**
منذ البداية، وربما من أول اقتباس قرأته، خُيّل إليك أن ما ستقرأه الآن يحمل التشاؤم، أليس كذلك؟
في الحقيقة، لا داعي للتشاؤم....
بل، أنصحك أن تُحضر بعض الفشار وتبدأ بالأكل وأنت تقرأ، لأنك على وشك أن تكتشف بعض الحقائق التي ستظهر مع بطلتنا روز اليوم...
في النهاية، لا شيء يحدث صدفة، كل شيء مقدّر... وكل ما تظنه شراً، قد يكون هو الخير الذي أنقذك من شرٍّ أكبر...
فتحت روز عينيها ببطء، لتقع نظراتها مباشرة على مجموعة من الرجال يقفون أمامها، في مكان يكسوه السواد، لا يُنيره سوى بعض الأضواء الخافتة التي بالكاد تكشف تفاصيله...
أدارت وجهها ناحية اليسار، لتقابل نظرة آيلا، التي كانت مربوطة إلى كرسي بسيط، تُقيّدها سلاسل حديدية، وقد كُمم فمها بقطعة قماش... تمامًا مثل روز...
بدأت روز تستوعب الوضع، لتتجه بنظراتها نحو الرجال مباشرة دون خوف، محاولة أن تميز ملامحهم أو تعرف من يكونون...
ما إن لاحظ أحدهم استيقاظهما، حتى اقترب رجل وهو يحمل كرسيًا، وضعه بين كرسيي روز وآيلا، وجلس عليه بثبات...
ضم يديه إلى صدره وأومأ برأسه، فأسرع اثنان من رجاله نحو الفتاتين، ليفكا القماش عن فميهما دون أن يتفوه أحد بكلمة...
عمّ الصمت لبضع ثوانٍ، حتى قطعه صوت قائدهم الجالس أمامهما بنبرة قوية هادئة:
"روز جِنكيز... هناك شيء يخصّنا لديك"
رفعت روز حاجبيها بسخرية، وقالت دون تردد:
"هل تبقّى أحد لم يعرف هويتي بعد؟ لماذا لا تنشرها في الصحف أيها العبقري؟"
ابتسمت آيلا ابتسامة جانبية، وقالت بمزاح ثقيل:
"غوفين كورهان، لو كنت زرتنا في بيتنا وطلبت القهوة بلطف بدلاً من اختطافنا، لأعطيناك ما تريد بكل سهولة "
نظر إليها غوفين نظرة جانبية باردة، ثم أشار بيده،
تقدّم أحد الرجال من الخلف، موجّهًا فوهة سلاحه إلى رأس آيلا مباشرة، ليقول غوفين بنبرة حادة:
"نحن لا نتشرّف بضيافة من نسل ديريك... ولا تتفوّهي بكلمة قبل أن يُطلب منك ذلك، أيتها المدلّلة"
روز باستغراب خافت، تمتمت:
"ديريك؟ من ديريك هذا؟"
نظرت آيلا إلى روز دون أن تنطق، لتبادلها روز النظرة ذاتها، بنظرة صامتة لا تحمل تفسيرًا...
ضحك غوفين فجأة، ضحكة صاخبة شقت ذلك الهدوء المشحون:
"أوه، أيتها الساذجة... هل ظننتِ أنهما يقتربان منك بدافع الحب؟ لا، لا يا عزيزتي، إنهما يسعيان خلف الفلاش الذي خبّأه أخوكِ لديكِ... وبعد أن يحصلا عليه؟ سيرمونكِ للكلاب دون تردد...
حتى اسمه الحقيقي لم يخبركِ به!"
ورغم كلماته الحادة، لم تُظهر روز أيّ ردّ فعل، حتى عيناها ظلّتا جامدتين لا تحملان أي انفعال، وهو ما أرعب آيلا، فهرعت تقول بلهجة سريعة:
"الفلاش... بحوزتي أنا، وتحلمون أن تقتربوا منه!"
التفت غوفين نحوها، وعيناه تتقلّب بين العبث والهدوء:
"يبدو أنكما تملكان أهدافًا تتجاوز مجرد الفلاش... لكن هذا لا يعنينا...
السؤال الحقيقي الآن... حياتك أم الفلاش؟"
ابتسمت آيلا بسخرية، وردّت بنبرة واثقة:
"أنتم لا تقتلون النساء يا غوفين... أليس كذلك؟"
هزّ غوفين رأسه ببطء وقال بنبرة خطيرة:
"لو مخالفة مبادئي ستمنحني فرصة لانتقامي من ديريك... سأكسرها بكل سرور"
ضحكت آيلا بسخرية مرّة، ثم قالت بنبرة هادئة:
"أختار حياتي... الفلاش موجود في البيت"
أشار غوفين بإصبعه نحو أحد رجاله، الذي كان يوجه السلاح لآيلا، وقال بنبرة حادة:
"تحقق من مكان ديريك، أريد أن أعرف هل هو في المنزل أم لا"
أومأ الرجل بسرعة، أنزل سلاحه، ثم اتجه نحو بقية الرجال الذين بدؤوا مباشرةً في تشغيل أجهزتهم والتواصل لجمع المعلومات...
في تلك اللحظات، لم تزل آيلا تحدّق في روز بقلق، روز لم تتحرّك، لم تتحدث، لم تتفاعل...
كانت جالسة بهدوء عجيب، تنظر للفراغ، تهزّ قدمها اليمنى بهدوء رتيب...
أما غوفين، فكان يفعل ما تفعله آيلا، يراقب روز... لكنه كان يفعلها بدافع مختلف...
هو يعرفها، أو يظن ذلك...
يعرف أنها أخطر من أن تُهمل، ليست مجرد فتاة من المافيا... لا، ما يعرفه عن روز يتجاوز تلك الصورة بكثير...
ما يعرفه عنها... أن في داخلها شيء لا يجب أن يُستفز...
تقدّم نفس الرجل بعد دقائق، وهمس في أذن غوفين:
"سيدي... إنه ليس في المنزل، لقد اكتشف موقعنا، وهو الآن في الطريق... ومعه القوات الخاصة"
لم يتغيّر شيء في ملامح روز، ظلّت كما هي، جسدها في المكان... وروحها في مكان آخر...
أما آيلا، فابتسمت فجأة، ثم قالت بنبرة ثابتة:
"لا تقلق، سأساعدك... فقط لا تؤذِ روز"
رفع غوفين كتفيه وقال بلا اكتراث:
"لا أنوي إيذاءها... لكنني أحتاج إلى ضمان"
اعتدل غوفين في جلسته، ثم نطق بنبرة باردة أقرب للتهديد:
"سأضعها في مزاد للدعارة، وإن لم يكن الفلاش في يدي خلال ساعة... فستُعرض روز للبيع"
تسللت ضحكة هادئة من شفتي روز، استوقفت كلا من غوفين وآيلا، قبل أن تنطق الأخيرة بثقة هادئة:
"موافقة... اتصل بـ ديريك، سأقوم بتأخيره"
أومأ لها غوفين، فاقترب رجل آخر يحمل هاتفًا، وقدّمه له، ضغط غوفين على زر الاتصال، ثم فعّل مكبر الصوت ووضع الهاتف أمام آيلا...
وما إن فُتح الخط، حتى انطلقت آيلا بسرعة خاطفة قائلة:
"اتركني أنا، فقط أنقذ روز! سيأخذونها إلى مزاد دعارة، وسيتم عرضها خلال ساعة!"
ثم، دون أن يمنح ديريك فرصة للرد، أغلق غوفين الخط...
تقدّم رجلان من الحراس ليفكّا قيد قدمي روز، ثم اقتاداها خارج الغرفة تحت أنظار آيلا التي لم تُزِح عينيها عنها حتى اختفت...
وما إن خرجت روز، حتى تقدّم غوفين من آيلا، وفكّ وثاقها بنفسه...
وقفت آيلا ببطء، لتجده يضع يده على كتفها، ويغلق عينيه...
وفي لحظة خاطفة، تغيّر المشهد من الغرفة المظلمة إلى باب منزلها.... فتحت آيلا عينيها ببطئ ثم ابتسمت وهي تنظر إليه...
نطق غوفين بنبرة عارفة:
"أعلم أنكِ زوهرية، وأعلم أن زوجك هو ديريك سيلفادور، وليس ريفا"
ابتسمت آيلا بهدوء، وقالت بنفس النبرة:
"وأنا أيضًا أعلم حقيقتك... ولأكن صريحة، أنت وسيم"
ضحك غوفين بخفة على تعليقها، فقد تأكّد لتوّه من إحدى الشائعات القديمة: زوجة الملك الزوهريّة تملك عينيْن زائغتين...
رفعت آيلا حاجبها بمرح وقالت:
"لكن لا تفرح كثيرًا... زوجي أوسم منك بكثير، وسيم ويغيظكم جميعا، كم هو رائع، أليس كذلك؟"
تنهّد غوفين بنفاد صبر، وقال:
"هل سنتشاجر الآن؟ أحضري الفلاش فقط"
ابتسمت آيلا وقالت:
"ابقَ هنا... سأحضره لك أيها الوسيم"
ردّ عليها وهو يشير بيده:
"لا تحاولي الهرب"
نظرت له آيلا وابتسمت بعبث ثم قالت:
"الملكة لا تهرب يا غوفين"
ثم دخلت منزلها، لم يكن ذات المنزل الذي التقت فيه روز بـ ديريك سابقا...
ودعوني أوضح شيئًا بسيطًا...
ديريك سيلفادور لا يملك مجرد بيت أو اثنين...
بل يملك من الأملاك ما لا يمكن عدّه، وشكرًا...
اتجهت آيلا إلى مكتب زوجها، وبدأت تفتش بين أغراضه بعجلة...
في الحقيقة، لم يكن بحوزتها الفلاش المطلوب، لكنها اختلقت كل ذلك لحماية روز...
أخرجت فلاشًا كانت تخفيه بنفسها منذ سنوات، ثم فتحت أحد أدراج المكتب لتُخرج منه سلاحًا غريب الشكل...
غادرت إلى البوابة، حيث كان غوفين يتكئ بانتظارها...
وما إن شعر بقدومها، حتى اعتدل واقفًا عند عتبة الباب، بينما بقيت هي في الداخل، ترفع فوهة السلاح في وجهه مباشرة...
ضحك غوفين بسخرية وهو يقول: "اعتقدت أنكِ ذكية يا صاحبة الجلالة... هل تظنين أن سلاحًا كهذا سيقتلنا؟"
ردّت آيلا بابتسامة جانبية، ونبرة غامضة: "ومن قال لك إنه سلاح بشريّ الصنع؟"
وما إن أنهت جملتها حتى أطلقت طلقة واحدة...
لكنها لم تكن طلقة عادية، بل خرج معها صوت انفجارٍ هائل، وبمجرد أن لامست جسد غوفين، بدأت ألسنة النار تلتهم جسده شيئًا فشيئًا!
سقط راكعًا على الأرض وهو يصرخ، بينما اقتربت منه آيلا بهدوء، وضعت الفلاش في كفّه، وظلّت تراقب احتراقه البطيء دون أن يرفّ لها جفن....
وقبل أن تصل النيران إلى الفلاش، سحبته من قبضته المحترقة، ووقفت شامخةً فوقه، ثم قالت ببرود:
"كنتَ تريد الفلاش لتدمّر به أعمال ديريك... لكنك لم تكن تعلم أن ما وضعته في يدك قبل قليل كان كفيلاً بتدميره تمامًا"
بدأت ألسنة اللهب تتسلل إلى المدخل وتلتهمه تدريجيًا، فتوجهت آيلا إلى إحدى النوافذ، فتحتها وقفزت منها بهدوء، كما لو انها لم تقتل شخصاً للتو...
في هذه الأثناء، كان ديريك قد وصل إلى مكان المزاد...
كان المكان مكتظًا بالرجال القذرين الذين كانوا ينتظرون العرض بفارغ الصبر...
لم تكن تهمّهم الأموال التي سينفقونها، بل ما يهمّهم هو إشباع شهواتهم الحقيرة...
توجّه ديريك إلى خلف المنصّة، بدأ يبحث بين الغرف عن روز...
لكن فجأة، سمع صوت ارتطام قوي، فابتسم بسخرية... واتجه بسرعة إلى مصدر الصوت...
وما إن فتح باب الغرفة حتى سقط على صدره أحد الحراس، ضحية جديدة من ضحايا روز....
ظنّ لوهلة أن رجلًا سقط عليه من السماء، لولا أن سمع صوت روز تحذّره بحدّة:
"إياك والنظر!!"
فهم ديريك الرسالة فورًا، وأشاح بنظره عنها مباشرة...
لقد كانت ترتدي ملابس داخلية سوداء، وجسدها مغطى برداء طويل شفاف يُظهر أكثر مما يستر
أي انها تبدو كأنها ترتدي ملابس داخلية فقط...
مدّد ديريك جسد الرجل على الأرض بهدوء، دون أن ينظر إلى روز، ثم تقدم نحوها وسحب سترته وناولها لها بصمت...
كانت سترته طويلة بما يكفي لتغطي جسد روز بالكامل، بل وتبدو أطول عليها، ففارق الطول بينهما كان واضحًا....
وما إن ارتدتها، حتى سحبها ديريك بقوة نحو المنصّة، أخرج سلاحه، صعد بها إلى منتصف المنصّة، ووقف بجانبها...
ثم، دون مقدمات، أطلق رصاصة في الهواء....
صوت الطلقة دوّى بقوة، وأرعب الحضور...
قد تتساءلون الآن، أين الحراس؟
لنقل إن بعضهم صعد إلى السماء، والبعض الآخر قرر المحافظة على حياته...
المهم الآن، أن ديريك رفع سلاحه نحو الحضور، وقال بنبرة ثابتة وهادئة:
"سأدفع عشرين مليار دولار ثمنًا لهذه الفتاة...
هل من مزايد؟"
لم يجرؤ أحد على التفوّه بكلمة...
وبالفعل، كما توقع ديريك، شلّ الرعب ألسنة الجميع...
وفجأة، اندفع صاحب المزاد إلى المنصّة، لكن ديريك وجّه السلاح إليه مباشرة، وقال بصرامة:
"اياك... المبلغ سيتم تحويله حالًا، وقد تم بيعها"
اكتفت روز بقلب عينيها ببرود، بينما سحبها ديريك من يدها خارج المنصة، وخرجا من المكان بسرعة، ثم ركبا السيارة....
جلس ديريك خلف المقود، بينما جلست روز إلى جانبه، وأسندت رأسها إلى النافذة، أغلقت عينيها بإرهاق واضح...
أخرج ديريك هاتفه، وأتم تحويل المبلغ المطلوب، ثم تلقّى فورًا اتصالًا من آيلا....
ابتسم حين قرأ اسمها على الشاشة، وردّ بنفس الابتسامة التي لا تفارقه حين يتعلق الأمر بها....
آيلا، بتساؤل قلق:
"هل أنقذت روز؟"
ردّ ديريك بثقة:
"فعلت، وهي بجانبي الآن"
قالت آيلا بنبرة طفولية:
"أعتذر... لقد كلّفني الأمر حرق بيتنا"
رفع ديريك حاجبه بدهشة مصطنعة:
"لا تتحامقي عليّ! ألم تكوني تنوين تغيير الأثاث منذ مدة؟ أتاكِ العذر على طبق من ذهب"
ردّت آيلا بضحكة خافتة:
"ربما..."
ضحك ديريك بدوره:
" وانا كلفني الأمر عشرين مليار دولار"
قالت آيلا مازحة:
"إذًا... لقد أفلَسْنا!"
ردّ عليها ديريك وهو يبتسم بحنان:
"شيئان لا ينفدان... حبي لك، وبطاقتي الائتمانية"
ضحكت آيلا بصخب من عبارته الأخيرة، فتابع ديريك وهو يعدّل وضع القيادة بنبرة دافئة:
"بالنسبة للمقهى... تولّيت الأمر، لكن هل يمكنك إيصال بيري وسترة روز إلى بيتها ريثما نصل؟"
أومأت آيلا وهي تبتسم:
"سأفعل، ثم سأذهب لأحد المتاجر الأخرى وأبدأ البحث عن أثاث جديد"
ابتسم ديريك وقال بنبرة مشجعة:
"اختاري ما يعجبك، حبيبتي... واذهبي للبيت القريب من المقهى، حتى تبقي قريبة من مدرستك ومن روز"
ردّت آيلا بفرح واضح:
"سأفعل"
ثم أغلقت الخط....
ضغط ديريك زر تشغيل السيارة، وانطلقت العجلات على الطريق الهادئ بينما كانت روز تغرق في نوم عميق....
لم تكن تستمع إلى حديثهما، لم تكن تهتم لما يحدث خارج حدود اللحظة تلك....
هي ببساطة... نامت...
رغم الطعنة التي تلقتها، رغم القيد، رغم التهديدات... لا تزال تشعر بالأمان بينهم....
لكن كيف؟ كيف لفتاة نشأت في عائلة مافيا أن تنام بهذه الطمأنينة على مقعد سيارة بجانب رجلٍ لا تربطها به رابطة دم أو زواج؟
الإجابة بسيطة جدًا....
حين يستطيع الإنسان أن يغمض عينيه دون خوف، حين يستطيع أن يسلم جسده للنوم الكامل... فهو لا يفعل ذلك إلا عند شخص يمنحه شعورًا واحدًا:
الأمان....
وهناك قاعدة لا يمكن كسرها:
كل شخص تشعر بالنعاس قربه، هو شخصٌ تُحبه وتشعر معه بالأمان الحقيقي....
ولهذا السبب... تشعر بالنعاس الدائم بقرب من تحب...
وبعد فترة ليست بالقصيرة... وصل ديريك برفقة روز، ليوقف السيارة أمام منزلها بهدوء...
استفاقت روز فور أن توقفت السيارة، فتحت عينيها النعستين محاوِلة النزول دون أن تنطق بكلمة، لولا أن أوقفها ديريك بقوله:
"عندما أخطئ معك، تشكرينني... وعندما أنقذك، تصمتين؟"
توقفت، وأفلتت يدها من مقبض الباب، ثم التفتت تنظر إليه بصمت، فتابع ديريك بنبرة أكثر هدوءًا:
"لم تكذب آيلا حين قالت لي إن كل ما هو غريب، سأجده فيك"
قلبت روز عينيها، وأجابت بجملة مقتضبة:
"شكرًا، ديريك! "
اتسعت عينا ديريك بدهشة، لكنه لم يجدها أمامه، إذ كانت قد نزلت بالفعل من السيارة واتجهت نحو باب المنزل،
أراد اللحاق بها، أراد الحديث معها، لكنه لم يحصل على الفرصة، إذ أغلقت الباب في وجهه بلا تردد...
وما إن دخلت إلى المنزل، حتى وجدت آيلا جالسة على الأريكة الصغيرة، تطعم "بيري" برفق...
همست روز، وكأنها تخاطب نفسها:
"لماذا لا ينتهي هذا اليوم فحسب؟"
ابتسمت آيلا وقالت بهدوء:
"لقد تأخرتم كثيرًا... أريد التحدث معك، روز"
اقتربت روز منها بخطوات مثقلة، قائلة بنبرة متعبة:
"آيلا، لا بأس... لكن حقًا، كل ما أريده الآن هو أن أرتاح"
وضعت آيلا بيري جانبًا بلطف، ثم وقفت أمام روز وسألتها بنبرة هادئة:
"ألستِ غاضبة منا؟"
هزّت روز رأسها نفيًا، وكأن لا طاقة لها للكلام، ثم أجابت بخفوت:
"لا... لست غاضبة، أنا فقط... متعبة"
أومأت آيلا بتفهم، ثم اقتربت منها لتعانقها برفق، قبل أن تغادر المنزل بهدوء، تاركة صديقتها ترتاح...
وما إن خرجت، حتى التقت نظراتها بعيني زوجها الهادئتين، العزيزة على قلبها، فتقدمت نحوه بابتسامة صغيرة وعانقته....
بادَرها ديريك فور رؤيتها، وهو يتكئ على السيارة بنظرة ثابتة:
"لقد عرفت"
أومأت آيلا بخفة، مجيبة بصوت منخفض:
"أعلم... ظننت أنها غاضبة منّا، لكن حين أردت تبرير الأمر لها أو حتى الاعتذار... أخبرتني ببساطة أنها ليست كذلك، فقط... مرهقة"
قلب ديريك عينيه بتنهيدة خفيفة، قبل أن يسألها بنبرة لا تخلو من القلق:
"وصدّقتها؟"
ترددت آيلا قليلًا، ثم أجابت بتوتر:
"لا أعلم... ربما، شعرت فقط أنها بحاجة لأن تبقى وحدها قليلاً... لتواجه مشاعرها، تفكر، تهدأ..."
قاطَعها ديريك، وهو يحدق أمامه بجدية:
"آيلا، منذ أن أخبرتك عنها، قلت لك إنها عكسك تمامًا... بكل شيء، في مثل هذه الأوقات، لو تُركت وحدها... سنخسرها... وأنا لا أمزح"
قالت آيلا بابتسامة مطمئنة وهي تضع يدها على كتف زوجها:
"حبيبي، اهدأ قليلاً...ليس لأنك تعرف أخاها جيدًا، يعني أنك تعرفها هي أيضًا، روز تحتاج لبعض الوقت بمفردها، وأنا واثقة أنها ستذهب إلى المقهى بعد قليل....
وحين تراه وقد أُصلح بالكامل، ستبدأ بالعمل كأن شيئًا لم يكن، سأذهب إليها الليلة، لا تقلق "
أجابها ديريك بنفاذ صبر وهو يشيح بوجهه جانبًا:
"أتمنى أن تكوني محقة"
عندما أقول إنهما يُكملان بعضهما في كل شيء، فأنا أعني ذلك حرفيًا، كلٌّ منهما يعرف جزءًا من روز يجهله الآخر، حتى في هذه اللحظة، كانا يُجسّدان نقيضين متكاملين...
كان ديريك محقًا في أن روز لا يجب أن تُترك وحيدة الآن؛ فأسوأ ما قد يُقدَّم لها في هذه اللحظة هو أن تُترك وحدها مع أفكارها...
لكن آيلا أيضًا كانت محقة حين قالت إن روز ستذهب إلى المقهى، فمهما انهارت، تعود دائمًا إلى وقوفها الصلب، متقبّلة ما حدث، متجاوزة ما لا يمكن تغييره....
ديريك يمثل القوّة والسلطة... التي لا تكتمل دون عقل آيلا المدبر، كلاهما يملكان قلبًا نابضًا، لكن العلاقة بينهما يغلب عليها المنطق أكثر من العاطفة.... وستفهمون ما أعنيه... لاحقًا
وعند الساعة الحادية عشرة وثماني وخمسين دقيقة تمامًا، وقف ديريك وآيلا أمام المقهى، ينظران من خلال الزجاج إلى الداخل... حيث كانت روز تجلس وحيدة....
كان دفتر الدراسة مفتوحًا أمامها، القلم في يدها، لكن حاجبيها المعقودين، ونظراتها المعلقة في الشاشة دون تركيز، دلّت على حقيقة واضحة... روز لم تكن تدرس، بل كانت تغرق في صمتٍ عميقٍ لا يسمعه سواها...
في الواقع، روز لم تكن تعرف كيف تدرس بهدوء... هي من أولئك الذين يدرسون بصوت عالٍ، بإيقاع حماسي، وكأنها تُحاور الكتب وتجادل الفقرات...
كان ذلك طريقتها في الفهم... طريقةٌ صاخبة، لكنها فعّالة...
قال ديريك باستغراب وهو يحدّق من الزجاج:
"ذكريني مجددًا... لماذا لا ندخل؟"
عقدت آيلا حاجبيها وقالت بنبرة جديّة:
"روز، حين تدرس... عادةً ما تستدعي الجن والشياطين بكل كيانها، انظر إليها! أتريد أن نقتحم عليها المشهد وهي بتلك الحالة؟"
ضحك ديريك وهو يهز رأسه:
"وهل سنبقى ننتظر؟"
ضحكت آيلا بدورها، وردّت ممازحة:
"حياة واحدة، أليس كذلك؟"
أومأ ديريك بابتسامة واسعة، وقال:
"حياة واحدة"
وبالفعل، بدأ كلاهما بالتقدم نحو باب المقهى حتى وصلا إليه، هناك، توقفت آيلا فجأة، فتوقف ديريك بجانبها مباشرة....
سألها باستغراب:
"ما الأمر؟"
ابتسمت آيلا ابتسامة طفولية خبيثة وهمست:
"ديريك، حبيبي..."
ضيّق عينيه بشك وردّ بحزم:
"لن أدخل قبلك!"
نظرت له بنظرة بريئة مدروسة، وقال بنبرة سخرية:
"أين ذهبت شجاعتك؟ ألم نتفق أنها حياة واحدة؟"
ابتسمت آيلا، وهمست بمرح:
"بما أنها حياة واحدة...أريد عيشها بأكملها"
رفع ديريك حاجبه مستعدًا للرد، لكن صوتًا قاطع لحظتها صوت فتح الباب...
وقفت روز أمامهما مباشرة، تتكئ على إطار الباب وتضم ذراعيها إلى صدرها، كانت نظرتها ثابتة، ونبرتها هادئة على نحو مخيف:
"ما الأمر؟"
قالت آيلا بارتباك واضح:
"... جئنا لرؤيتك!"
رفعت روز حاجبيها دون تعليق، ثم استدارت إلى الداخل، تاركة الباب مفتوحًا لهما....
وهنا، لم يستطيعا تجاهل شعورٍ غريبٍ تسلل إلى قلبيهما... أتسمع بالمقولة التي تقول "ذهب للموت بقدميه"؟ هكذا شعرا بالضبط...
دخلا خلفها وجلسا أمامها روز كانت تبدو عادية، تكتب على حاسوبها بهدوء تام، تؤدي واجبها كما لو أن شيئًا لم يكن...
لكن الحقيقة؟ لم يكن شيئ في تلك الغرفة عاديًا....
ديريك وآيلا كانا يجلسان بترقبٍ، ينتظران منها أي رد فعل... استفسار، عتاب، سؤال، كلمة واحدة حتى... لكن روز لم تمنحهما سوى الصمت...
وصمت روز، لم يكن يومًا بلا معنى....
حتى قطعت روز الصمت بقولها الهادئ:
"ديريك، هل يمكنك أن تتبعني؟"
ارتفع حاجباه بدهشة، وردّ باستغراب:
"ماذا؟"
لكنها لم تُجبه، بل استدارت واتجهت نحو المطبخ...
تبادل ديريك وآيلا نظرات متسائلة، إلى أن تنهد ديريك واستسلم، ثم تبع روز إلى الداخل...
ما إن دخل حتى رآها تقف أمام الطاولة تُحضّر كعكة الفراولة، تجهز كريمة الكتابة بعناية....
سألها ديريك بصوت خافت:
"ما الأمر؟"
أجابت روز دون أن تنظر إليه:
"هل أنت بشري؟"
سكت لحظة وهو يُخفض عينيه نحو الأرض، ثم أجاب بهدوء:
"لا... أنا من الجن"
قد يظن البعض أنه يمزح... لكنه لم يكن كذلك ابدا....
همهمت روز بصوت بالكاد يُسمع، ثم سألت:
"هل جهّزت شيئًا لعيد ميلادها؟"
ابتسم ديريك ابتسامة خفيفة ومرتبكة، وقال:
"ليس بعد"
ردّت روز بنفس الهدوء:
"فهمت... يمكنك المغادرة الآن، سأكمل ما بدأت....آه، صحيح... سترتك على ذلك الكرسي، خذها معك"
لم يُجب ديريك، فقط مدّ يده بهدوء ليأخذ سترته، وخرج من المطبخ متوجهًا إلى آيلا التي أسرعت بسؤاله:
"ماذا حدث؟"
قال ديريك وهو لا يزال مندهشًا بعض الشيء:
"هي... سألتني فقط إن كنتُ بشريًا"
عقدت آيلا حاجبيها بدهشة أكبر:
"ولمَ هذا السؤال؟ وهل أخبرتها بالحقيقة؟"
ردّ ديريك بصوت خافت:
"أخبرتُها... لكن دون تفاصيل، لم أستطع أن أكذب عليها أكثر من ذلك"
أخفضت آيلا نظرها تفكر، ثم قالت:
"لا يُعقل أن تسأل سؤالًا كهذا عبثًا... هل يعقل أن دوري قد حان؟"
لكن قبل أن يُجيبها ديريك، أُطفئت أنوار المقهى فجأة... ليغمر الظلام المكان بأكمله....
ثم دخلت روز مجددًا، تحمل بيديها كعكة الفراولة المزينة بشمعات مضاءة... ومع دخولها، بدأت تغني بصوت خافت أغنية عيد الميلاد...
ابتسمت آيلا بفرح خالص، بينما اكتفى ديريك بابتسامة هادئة... لم تكن ابتسامة سخرية أو تصنّع، بل ابتسامة صدقٍ وامتنان...
لقد عبرت الساعة الثانية عشر... ما يعني أن آيلا بلغت عامها السابع عشر بالفعل...
وضعت روز الكعكة على الطاولة، فاندفعت آيلا بحماس لإطفاء الشموع، ثم نهضت بسرعة لتعانق روز بحب عميق، هامسة بامتنان:
"شكرًا لكِ، روز..."
قالت روز بابتسامة هادئة:
"لا شكر بيننا"
وما إن أنهت عبارتها حتى أشعلت أنوار المقهى مجددًا، ثم أخرجت من جيب سترتها علبة صغيرة، وناولتها لآيلا...
تناولتها آيلا بحماسة، وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة عذبة، فتحتها بفضول طفولي لتجد داخلها علبة وردية اللون، وفيها أسوارة فضية أنيقة وبطاقة سوداء بداخلها، خُطّت عليها عبارة مذهّبة بخط يد أنيق:
"أنا ناري، أحبّ النار... وخُلقتُ لأناسب نارك فقط!"
تأملت آيلا العبارة باستغراب مفاجئ، ثم رفعت بصرها نحو روز بنظرة تساؤل واضحة، فما كان من روز إلا أن أجابت على ذلك السؤال غير المنطوق، بصوت هادئ:
"ليست مني... هي من ديريك، لقد نسيتُ عيد ميلادك، وعندما ذكّرني به، لم أجد وقتًا إلا لإعداد الكعكة. أما الهدية... فهي فكرته...."
اتسعت ابتسامة آيلا بدفء، وهمست بحنان:
"لا بأس... هذا أكثر من كافٍ"
وما إن أنهت جملتها حتى اقتربت من زوجها لتعانقه فجأة وهي تقول بعفوية:
"شكرًا لك، حبيبي"
أجابها ديريك، متوترًا بعض الشيء من الموقف الذي لم يفهمه تمامًا:
"كل عام وأنتِ بخير، حبيبتي"
كان ديريك في حيرة حقيقية... لم يكن يفهم ما يجري، لكنه لم يشأ إفساد لحظة فرحتها...
كان يرى السعادة في عيني روز، نعم... لكن تلك السعادة كانت تتجه فقط نحو آيلا، تتدفق لها وحدها، كأن روز تحجب عن نفسها كل شيء...
لكن... لماذا؟
كان سؤالًا عالقًا في صدره،
لماذا لم تخبرها روز بالحقيقة؟
لماذا لم تُعاتبه؟
لماذا لم تُشِر إلى ما جرى؟
لماذا لم تُظهر له أي نوع من العتب أو الغضب أو حتى الألم؟
وللمرة الأولى...
لم يستطع فهمها...
ما إن ابتعدت آيلا عن ديريك، حتى نطقت روز وهي تُخرج مفتاحًا صغيرًا من جيب سترتها:
"هذا مفتاح المقهى... دعيه عندك، لديّ أمرٌ عليّ إنجازه، سأذهب سريعًا... ونلتقي لاحقا، استمرا في الاحتفال، على راحتكما... "
نظرت إليها آيلا باستغراب:
"لكن إلى أين تذهبين؟"
أجابت روز بهدوء دون أن تلتفت:
"لن أتأخر"
رفعت آيلا حاجبها بتساؤل غير مُصدق:
"لا، سننتظرك"
اكتفت روز بقولها بنبرة واهنة:
"افعلي ما يريحك، لكن... من الأفضل ألّا تنتظراني"
ثم غادرت بهدوء، تاركةً خلفها كلاً من آيلا وديريك يقفان عند باب المقهى، يراقبانها بصمت وهي تبتعد بخطوات ثابتة... دون أن تأخذ معها حاسوبها، ولا هاتفها، ولا حتى سترتها...
ومذ ابتعدت...
بدأ القلق يأكل قلب آيلا كالحريق...
لا تعلم لِمَ، لكن شيئًا ما في طريقة مغادرتها، في نبرة صوتها، في نظرتها، جعلها تشعر بعدم راحة عميق...
وشعورها لم يخب أبدًا....
.___يتبع___.
𝕵.𝕸
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.