هنا عقله
هنا عقله
جزء 9 من 13
وضع القراءة:

البداية الفعلية

ـ استرجاع الذكريات؟ لا حق لك بتسميتها كذلك، إنها آثام، إنها خطايا، خطايا ولدت بها ولا أستطيع التملص منها حتى، ولدت مذنبا، ذنبًا لم أقترفه.. ذنبًا لا دخل لي به.. ذنب عائلة جامحة، ومحيط سام.. إنها شبح يلاحقني، إن الماضي لا يزال حاضرًا، والرعب لا يزال مستمرًّا..
ـ ألا زلت مقيمًا مع كريستوف وجولييت؟
رفع ببصره نحو رونا والتقت أعينهما لوهلة امتزجت فيها دقّات قلب كل منهما بتوتر، أشاح بنظره عنها بسرعة بعدما هدّأ من روعه:
ـ لا.. غادرت..
ـ هل يمكنك إخباري كيف؟
ـ في الحقيقة.. غادر هو، وزوجته.
لم تفهم رونا كلامه لذلك ابتسمت ابتسامة متكلفة تشير بها لعدم استيعابها كلامه فنظر لعينيها مجددا وقال بصوت تملكته نبرة تهديدية:
ـ لن تخبري سرّي لأي شخص صحيح، يا.. عزيزتي رونا؟
لفظ اسمها بخشونة تناقض وصفه لها مما بعث الرعب في فؤادها، لكنها أجابته ببغض غير مبالية بما قاله دانييل:
ـ ربّاه، أصرنا في التهديدات الآن؟؟ كان عليّ موافقة والدتي الرأي عندما قالت أنّ القانون يناسبني أكثر من التعامل مع المجانين، مقاضاة مجرم أفضل بكثير من التكلم مع معتل مثلك، عزيزي دانييل.
ضحك هذا الأخير على جوابها الغريب، وراح يلمس جبهتها بيديه مما أثار توتر رونا فراحت مبتعدة عنه عائدة للكرسي المرافق لمكتبها:
ـ أيها السيد دانييل، ماذا تفعل؟
ـ اتأكد من سلامتك.
أجابها ببساطة بعدما راح يقضم أظافره ويهشمها بين أسنانه، فردّت:
ـ سلامتي؟
هزّ رأسه إيجابًا وأردف مجيبًا:
ـ نعم، وبما أن حرارتك غير مرتفعة فهذا يعني أنّك بحاجة لاستشارة نفسية بدورك.
ـ يبدو أنني اعتبرتك كصديق حتى جعلتك تفقد تقديرك لي كطبيبتك النفسية أيها السيد دانييل.
ـ لا، أبدًا.
تنهدت رونا براحة بعد سماع كلماته التي هدّأت من روعها وساعدتها لتخفي هواجسها كونها فشلت في دورها كطبيبة. سرعان ما عادت الهواجس لعقلها بعدما أردف دانييل:
ـ لم يكن هناك تقدير لك من الأساس حتى أخسره.
نظر لها مبتسمًا وكأنه لم يقل شيئا، فهمهمت هي محاولة ألا تظهر له انكسار فؤادها:
ـ إني متأكدة تماما أن أمي قد كان معها حقّ فعلا..
ـ أقلت شيئًا؟
ـ لا، أبدًا.. أكمل فقط.
ـ سرّي سيبقى هنا، عديني بذلك.
قضمت رونا وجنتها باشمئزاز من عدم وثوقه بها:
ـ أحقًّا لا تثق بي؟
ـ لو استحق البشر الثقة لما جئتك أساسًا.
ـ لا تعتقد أنك فيلسوف لمجرد كلمات غامضة بلا معنى تلقيها على مسامعي بلكنتك الفرنسية تلك!
ـ لو استخدمت هذه العجينة المسماة بالدماغ داخل رأسك بدل التفكير فيما أعتقده لكانت الجلسة قد انتهت منذ مدة بالفعل!
ـ حسنًا، لننهي هذه التفاهة الآن. لن أشي بسرّك أبدًا.
ـ وعد؟
ـ وعد!
علت ثغره ابتسامة بينما أمسك القلم مجددا وراح يلفّه يمينًا ويسارًا من جديد وهو يردد:
ـ سأحرص على ذلك بنفسي، عزيزتي رونا.
تجاهلت هي كلماته وراحت تدوّن بغموض في ذلك الدفتر الذي رمته قبل دقائق عندما كانت منغمسة في قصّة دانييل مرتدية بذلك رداء الطبيبة النفسية كما لو كان الدفتر هو ما يؤكد كونها كذلك، هكذا فكّر دانييل وهو يتأمّلها تدوّن شيئًا يجعله في ذلك الدفتر، كانت المرّة الأولى التي يمعن النظر فيها، طلاء الأظافر الأحمر اللامع المتناسق مع وشاحها الذي يلتف على عنقها، رداء الأطبّاء الأبيض الذي يخفي فستانًا أسودًا يدل على ذهابها لإحدى الحفلات أو المواعيد بعد جلسته، وأخيرًا شعرها الأسود المفرود بإهمال سبب إزعاجًا واضحًا لها، لكنها لم تتكبد عناء ربطه لسبب عجز عن اكتشافه.. ثمّ لاحظ توقفها عن التدوين ونظراتها المتسائلة دون أن تتحدث حتى، أعينها تصرخ "ما خطب هذا المجنون؟" والتفكير في ذلك قد أثار إزعاجه، تماما مثلما انزعجت رونا لأنها اعتقدت أنه ينظر لها بتلك النظرة متقززا من عدم إتقانها لدورها كطبيبة نفسية: "هذا كان حلمي، لا أسمح لك باعتباري غير متقنة له"، تبادل كل منهما نظرات حاقدة مطولة، لاحظت في أثنائها هي لون عينيه الأسود المتناسق مع هالات تفشي سهر الليالي وبكاء السنين، شعره المجعد المهمل، معطفه الأسود الطويل ذو أكمام قصيرة فشلت في إخفاء قميص أبيض واسع تحول للون رمادي متسخ، نظرات تعيسة تتزين بها ملامحه فيبدو كلوحة فنية بائسة، وبينما تفكر في كونها لم ترتقي لتطلعاته كان هو يفكر في كيفية إخبارها بأن تبادل النظرات في صمت يشعره بالغثيان:
ـ ألا تنوي إكمال قصتك؟ ليس لدي وقت لهذا الهراء.
تمتمت هي بغرور مصطنع حاولت جعل النيران المشتعلة بغضبهما تنطفئ، لكنها فشلت في ذلك فقد شعر هو بأنه مجرد جرذ شارد وجد ملجأه في حجر بغرفة هذه العيادة:
ـ ليس لديك وقت لي؟ تعتقدين أنني بلا أشغال يا ترى؟
ـ أكمل!
قضم شفتيه ثم أظافره محاولا تخفيف التوتر قبل أن يتحدث:
ـ قتلتهما.
تمتمت هي تلقائيا بينما عادت للتدوين:
ـ أها وماذا حدث بعـ؟
سرعان ما استوعبت كبر حجم ما قاله..
ـ قتلت من؟
ـ جولييت و.. كريستوف!
رمشت بسرعة غير مصدقة ما تسمعه، بينما همهمت بعقل شارد:
ـ حقا؟ أول زائر لي اتضح أنه معتل أكثر ممن كانوا حوله؟ يا لحظي التعيس.
ـ لا يا عزيزتي، أبدًا، نحن مزيج ممن هم حولنا، نأخذ القليل من هذا وذاك حتى نصبح نحن ذواتنا الحالية، ما نحن إلا نسخة ممن يحيطون بنا، ممن نعرفهم أو عبروا سبيلنا دون أن نلاحظهم، إننا خليط من تجارب الآخرين، ليس ذنب المختل أن يكون كذلك، المحيط من يكوّن شخصيتك، من هم حولك يحددون أي الأشخاص ستكون، المجتمع يخلق المعلمين والمتعلمين، يخلق الضحايا والمجرمين. وتعرفين؟ كل مجرم قد كان ضحية يومًا ما، ضحية لمن هم حوله، ولأشخاص طلب منهم المساعدة وقالوا عنه كلامًا كالذي قلته أنت قبل قليل.. لا يمكنك لوم الخمر على ما يسببه المخمور صحيح؟ ولا يمكن لوم النار على الاحتراق، إنها تحرق نفسها قبلا.. لا ذنب لها، ولا لي.. كلنا ضحايا، كلنا أداة فقط..
قال ذلك مبتسمًا بينما يرمقها بنظرات خانقة تثير الرعب متعمدا:
ـ معك حق، لا ذنب لك دانييل.. لا ذنب لك..
ـ شكرًا على تفهمك. سأكمل.
أومأت له بأن يفعل:
ـ مزّقت فرامل السيارة عندما كانوا في طريقهم للمقبرة ينوون زيارة والدي الذي مات منتحرا في إحدى غرف السجن، فوجدت أنه الوقت المثالي لقتلهم..
ـ ولم يكتشف ذلك أي أحد؟
حرك رأسه نافيا:
ـ لم يعلموا من فعل ذلك، نحن عائلة مثالية برأيهم، لذلك لم يشك أحد فينا.. لا أنا ولا مارين.
ـ هل مارين كانت شريكتك في الجريمة؟
ـ شريكة؟ هي من اقترحت الفكرة أساسًا.
صدمت رونا مما سمعته:
ـ لكن علاقتها بهم كانت جيدة! لماذا فعلت ذلك؟
ـ كانوا يخططون لفرض الزواج عليها قبل أن تتم الثامنة عشر حتى..
ـ كيف عرفت؟
ـ كنا عائدين من غرفة التدريب لغرفنا، ومنزلنا عبارة عن طابقين. الطابق الأول حيث غرفة التدريب، والثاني حيث غرف النوم، غرفة مارين، ثم غرفتي، وبينهما غرفة جولييت وكريستوف. سمعناهم يتحدثون.. بأشياء صادمة، بدأت جولييت الحديث قائلة:
ـ كبر الأطفال، لن تدوم استفادتنا منهم.. خاصة أن الباليه سيتحتم على مارين تركه بعد سنوات بما أن صحتها ستبدأ بالتدهور بفعل الدواء.. ودانييل، إنه تافه بحق. منذ أن قرّر التوقف أصبح عاجزا على عزف مقطوعة دون أخطاء، إنه يخسر موهبته تدريجيا، بل وبات على مقربة من خسارة مقدرته على العزف أيضًا.
ـ وماذا علينا أن نفعل بهم؟
ـ ما رأيك ببيع كل منهم لتجار أعضاء؟
صاح بها كريستوف:
ـ أتستخفّين بي؟ تجار ماذا؟ هذه جريمة!! ثم كيف سنقنعهما..
ـ نقنعها؟ هل سيقتنع أحد ببيع نفسه؟
ـ لكنهما أطفالي، وأحبهم..
ـ استيقظ يا كريستوف كروا، أنت لا تملك أي أبناء، أنت عقيم كما أنا، ونحن هنا نتبنى الأطفال كاستثمار فقط، سنتخلص منهم، ونتبنى آخرين. ببساطة!
تلعثم كريستوف وهو يردف جملته التالية:
ـ وكيف ستبيعينهما يا آنسة؟
ـ سنجبر مارين على الزواج بالتاجر!
ـ ودانييل؟
ـ سنجد له حلا فيما بعد.
ـ أتتغابين؟ من الواضح حبّهما لبعضهما البعض، يستحيل أن يوافق أي منهم.
ـ وهل نحتاج موافقتهم؟
ـ جننت حقًّا.
ـ كلا، المال يشتري كل شيء يا عزيزي.
أصدرت مارين شهيقا عاليا لم تستطع كبحه عندما سمعت خطّتهم، جعلهم ذلك يشكّون في تواجدنا بقربهم.. سمعنا خطواتهم القادمة باتجاهنا بينما نعتقد أننا سننتهي.. ورغم صعوبة الاختباء حينها، استطعنا أن ننجو في النهاية.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.