هنا عقله
هنا عقله
جزء 10 من 13
وضع القراءة:

الأحلام مخدّر مؤقت وسمٌّ قاتل

في اليوم الموالي أتت مارين بفكرة قتلهما بتلك الطريقة لأن الجدال معهما سيكون بمثابة انتحار مستبق. رفض اقتراحهما يعني خلاصنا المحتوم. ورغم سماعنا لنواياهم، أعترف أننا شعرنا بالذنب في كل مرة خططنا لإنهائهما فيها.. لكن هذا ما قد يحدث عندما تتعايش في منزل بقوانين الغاب.. ربما هي الطبيعة البشرية فحسب. ألا تعتقدين ذلك؟ أعترف أنني أفكر الآن في كون البراءة والإنسان شيئان لا يرتبطان ببعضهما بعضًا، ربما أنا مخطئ، لكن من قابلتهم يجعلونني أستمر في فقدان صوابي شيئًا فشيئًا. واحزري ماذا؟ أصبحت مثلهم الآن.. لا تلقي بلومك عليّ من فضلك يا رونا، شخص لم يلمح من البشر غير مساوئهم لن يستطيع التخلص من الندوب المغروسة داخلهم.. أخبرتك ذلك مسبقًا، نحن في دوامة، لذلك لن يتخلص هذا العالم من المجرمين، لأنّهم يخلَقون باستمرار، يتكاثرون باستمرار.. من يدري؟ ربّما تصبحين كذلك بدورك، ربما أنت كذلك من الأساس، لديك ذكرى حزينة، مأساوية، تفكرين بها الآن، لعل شخصا مقربا منك سببها لك، لعلك سببتها لنفسك.. نحن نخطئ بحق الغير، وبحقنا في الآن نفسه! نذنِب ونقود الآخرين للذنب معنا، لا أحد نقي، لا احدٌ طيّبٌ تماما، ولا أحد شرير أيضا، جميعنا أبطال في قصة كتبت بذاكرة أحد العابرين، ربما لا تتذكرينها.. لكنك جعلتِ أحدهم سعيدا في إحدى الأيام بالتأكيد، ولا بدّ أنك لطّخت صفحة ما في قصة أحدهم أيضًا، لربما لوثتِ الكتاب بأكمله! كتاب حياتهم! لا تتذكرين؟ هم يفعلون على أية حال. نحن لا نولد أشرارًا، ولا سعداء حتى.. إننا نكتسب طباعنا ممن هم حولنا ببساطة، نحن نرتدي رداء من عبروا بدروبنا، وهكذا نغادرهم لكنهم لا يغادروننا، ويغادروننا لكننا لا نغادرهم، نحن عالقون في دوامة! دوامة سببّها هذا!!
أشار بسبابته نحو عقله ثم وجه الإشارة لقلبه قائلا:
ـ وهذا أيضًا..
ابتسم وأردف:
ـ لنكون نحن، علينا قتل أحدهما، وهكذا نصبح ذواتنا! بعضنا يطعن قلبه فيقتل عاطفته في سبيل ما تسمّونه اختلالا عقليا، والبعض يهشّم عقله في سبيل أن يثني عليه كل من عبر دربه بصفة الطيب! هؤلاء هم البشر، والبشر هم نحن!! لكن.. من يهتم لو استمرت حياتي أو حياتهم، ما الفائدة من لعبة التنفس هاته إن كان العيش نفسه بلا قيمة؟
ـ كلامك..
قالت رونا هذه الكلمة ووضعت برأسها على كفّيها ففهم هو مقصدها:
ـ يجعل رأسك يؤلمك؟
لم تجبه فطرح القلم على المكتب واضعا رجله اليمنى فوق اليسرى ليتخذ جلسة أكثر راحة مردفًا:
ـ كنت أتألم مرارا محاولا تفادي هواجسي هاته. لكن.. ها أنا ذا، سعيد لا ينقصني شيء! بعد أن قررت التخلي عن اليأس وتحررت من قيود المحيط!
ـ أنت سجنت نفسك بدل تحريرها بتفكيرك هذا!!
صرخت رونا به باكية، كيف لا تبكي وهي خائفة من هذا الذي هو أمامها، هذا الذي يرى نفسه محقًّا فقط لأنه قاسى القليل!
ـ أفعلت حقًّا؟
قال مبتسما بنبرة مستفزة يعرف أنها تزيد من استفزازها:
ـ غرقت في جحيم يأسك معتقدا أنها السعادة! استيقظ يا هذا ولا تبرّر أخطائك بتبريرات تافهة سخيفة كهذه! أدرك استحالة استفادتك من كلامي لكن البشر يولدون سواسية، بمشاعر متوازنة، ما السعادة والحزن إلا بحرين نختار الغوص في أيهما! فهمتني؟
ـ كلا، تفشلين في دورك كمعلمة أيضًا على ما يبدو!
ـ نفشل في تفسير الأفكار عندما يكون عقل المستقبل مغلقا.
ـ ربما.
كانت أجوبته مستفزة لها بما فيه الكفاية لتحمل حقيبتها وتنوي مغادرة غرفة العيادة، لكنه استوقفها قائلا:
ـ أوه مهلا، لم أكمل القصة، ولم أجبك على سؤالك الأول "أين مارين، وما سبب اعتزالها"
ـ لن أستمر لدقيقة إضافية مع مجرم!
ـ وهل تعتقدين أن زوّار عيادات الطب النفسي هم ذوي عقل سليم؟
ـ بالعادة نستقبل ضحايا المختلين عقليا، لكنك استثناء، فأنت المعتل شخصيا!
أجابته بغضب لكنه ابتسم ببراءة مجيبًا:
ـ كلا كلا يا عزيزتي رونا، لست استثناءً، أنا الضحية والمجرم، أنا كلاهما، أنا السيف ذو الحدين، والعملة ذات الوجهين، أنا الخير والشر.. فيّ جزء منك وسأترك فيك جزءً مني.
ـ لن أمضي دقيقة أخرى بجوارك!!
وصلت للباب الأبيض المغلق تنوي فتحه والخروج، سرعان ما وجدته مغلقًا، استدارت نحوه مصدومة فوجدته يلعب بالمفتاح بين يديه ويحركه بين أصابعه:
ـ أصدمتك؟
ـ كيف؟
ـ وجدته موضوعًا بإهمال.. وأقفلت الباب عندما كنت تعبثين بهاتفك غير مبالية بزوارك، يا سيادة الطبيبة.
ضحك ببساطة بينما يرى دموعها المنهمرة:
ـ ماذا تنوي؟ ماذا لديك في ذلك الدماغ هناك؟
ابتسم وأردف متجاهلا سؤالها:
ـ تم تبني كل مني ومارين من طرف والديها الحقيقيين، اتضح أنهم قد باعوها لكريستوف وجولييت بسبب فقرهم المدقع، وقد أشفقوا علينا بعد سماعهم بما حدث لهما.. لم نخبرهم أننا الجاني! نحن لسنا مجرمين طبعا..
ـ لا أريد أن أعرف ما حدث!
ـ أتخشين أن تكون نهايتك كنهاية كريستوف وجولييت؟ لا تقلقي، أقتل من يخونون ثقتي فحسب.
ازدادت سرعة نبضات قلب رونا أثناء تواجدها رفقته فقالت:
ـ ماذا عليّ أن أفعل لتتركني حية؟؟ أتريد مالا؟
ـ مال؟ أنا وريث عائلتي الوحيد يا صغيرة!
ـ وماذا تريد مني إذا!
ـ أن تسمعيني بهدوء!
ـ هدوء؟ حسنًا، سأفعل، سأفعل.. اتركني على قيد الحياة فقط رجاءً! لدي عائلة تحتاجني وستخاف علي!! أرجوك!
صاحت تبكي خائفة منه فقاطعها غاضبا:
ـ تستفزينني بامتلاكك لعائلة؟ كل ما أردته كان بيتًا، أسرة، وأمانًا! أن يقلق عليّ أحدهم عندما أتواجد خارجًا لوقت متأخر ليلا مستشعرا حبّهم لي!
ـ لم أقصد! آسفة يا سيد!
ـ هل ستعوّضينني باعتذارك؟ ما كسر لا يعاد! ووضع لصق على ورقة ممزقة لن يفيد!
صمت كل منهما وعم هدوء مطول قبل أن تقفز رونا قائلة:
ـ سأسمعك! كلما احتجت لشخص يسمعك! سأكون هنا، لأجلك!
قالت كلماتها بينما تعود لمكتبها تتظاهر بأنها تنوي الاستماع إليه، لكنها عادت باحثة عن هاتفها بنية الاتصال بالشرطة في محاولة أخيرة للنجاة.. تعتقدون أنها استطاعت؟ بالطبع لم تفعل!
هاتفها كان بين يدي دانييل، الخبيث الذي لم تعتقد أنه كذلك.. لم يستطع اكتشاف نيتها في الاتصال بالشرطة، لذلك لم يحرّك ساكنا، أو لعله أدرك ذلك وآثر تجاهله فحسب فقد تعمد إظهار جوالها النقال مبتسما بخبث لم تعتد عليه هي بعد وقد رمقته بنظرات بائسة حينها مدركة بأنها تشاركه السفينة الغارقة وهو سبيلها للنجاة..
ـ أستسمعينني الآن؟
هزّت رأسها إيجابا مستسلمة له تماما الآن:
ـ جيد.
صمت بينما يمرّر أصابعه بين خصلات شعره السّوداء ببطء ثم أردف:
ـ كانت عائلة مارين أسوأ من كل اللذين عايشناهم قبلا، لم يتركوا فرصة إلا واستهانوا بنا وبأحلامنا فيها، كما استغلوا جميع الطرق ليبرحونا ضربا متى ما أتيح لهم ذلك. لازلت أتسائل عن السبب الذي جعلهم يفعلون ذلك، لكنّهم كانوا أملنا الأخير، والنقطة التي أفاضت كؤوسنا.. استمرّت مارين بالذهاب لحصص الباليه من حين لآخر، بينما عزفت البيانو لأجلها من جديد بعد أن أقنعتني مارين بذلك بما أن العائلة التي أقمنا لديهم لم يكن لهم أيّ جهاز الكتروني يساعدها على التدريب:
ـ دانييل، ما رأيك بالعودة للعزف؟
كنا نسقي الأزهار المغروسة في السطح عندما سألتني مارين سؤالها المفاجئ، أجبتها على مضض:
ـ تعلمين أنني لم أحبّ البيان يوما.
ـ لكنّك عزفته بشغف فيمَا مضى!
أشاح بنظره عنها بينما استمرّ في روي النباتات التي تزين المكان:
ـ أخذت الرياح شغفي بعيدًا منذ زمن طويل، فلا الإلهام يقف بجانبي ولا الشغف يساعدني.. لمَ قد أستمر؟
ـ لأجلي!
تصادف جوابها المباشر تساقط قطرات المطر التي تشارك كلانا حبها، اتخذت الغيوم الرمادية مكانها في السماء متحدة:
ـ انزلي للأسفل، ستمرضين.
ـ سأحضر مظلة!
بقيت أفكّر في كلامها بينما نزلت بحماسها الطفولي المعتاد، عادت بينما تضع تلك المظلة على رأسي مبتسمة تقول بابتهاج:
ـ ما قرارك؟
ـ قراري؟
هزّت رأسها ووضعت المظلّة عليها هي:
ـ لن تحصل على المظلة مالم تعد لعزف البيانو!
قلت مازحًا:
ـ مناعتي قوية، لا أمانع.
لكنها بدت غاضبة فأردفت:
ـ ما الذي تريدين تحقيقه من خلف عزفي؟
ـ لطالما كان عزفك مبهرًا، حتى أن الجميع اعترف بموهبتك! سيكون من العار عليك أن تتوقف في أوج ازدهارك يا دانييل.
توقفت عن السّقي ووجهت بنظري إليها:
ـ وكيف أعود للعزف في حين فقداني شغفي؟
ـ دعني أكون بوصلتك عندما تضيع في المحيط!
ـ كيف للمحيط أن يكون بوصلة يا مارين؟
نظرت إليّ بعدم فهم فقلت محاولا أن أشرح لها ما قصدته:
ـ اسمك.. يعني المحيط.. أنسيتِ؟
ضربت رأسها بكفّها كتعبير على استيائها من نفسها ثم عادت لتتحدّث بجدية ترمقني بنظرات حادّة:
ـ تعرف ما أقصده!
أجبت باستهزاء:
ـ كلا.
ـ أريد أن أكون إلهامك كلما فقدت شغفك!
ـ تشاهدين الكثير من الأفلام صحيح؟
ألقت بالمظلة أرضًا وراحت غاضبة بعدما استهزئت بكلامها بما فيه الكفاية حتى ضاقت درعا.. لكنني كنت أكثر خجلا من أن أخبرها بأنها لطالما كانت السبب الذي يجعلني أستمر بالعزف منذ البداية.
وبالفعل، عدت للبيانو بعد ذلك مباشرة بحجة مساعدتها سرعان ما تم حرماننا من العزف والرقص لأننا نزعجهم على حدّ قولهم.. ثم تم منعي من الذهاب للمدرسة لأن تكاليف دراستي باهظة وهم مجرد أسرة بسيطة الدخل، لينتهي بهم الأمر بإجبار مارين على التوقف عن ارتياد حصص الباليه، ليتمّ تحطيم أحلامنا على أيدي عائلاتنا في النهاية..
كنت متقبلا الأمر بداية الأمر. أليس الفقر هو السبب؟ أتفهم ذلك طبعًا! لكنهم تمادوا كثيرا، إلى الحد الذي يجعلهم يحطّمون وجودنا بقدر تحطيمهم لطموحنا، سعوا للشهرة قائلين أنّهم تبنّونا بهدف خيري، وتظاهروا بأننا نحن من اخترنا التوقف عن السعي نحو أحلامنا، تلقّوا الدعم الخيري ولم يستغلوه لصالحنا، كما حاولوا التفريق بيننا، نجحوا في كل خططهم إلا الأخيرة، لأن صداقتنا كانت أقوى من أن يتم كسرها بكذبة، إذ أن الرابطة التي كانت تجمعنا هي أمتن من أي حبلٍ فوق هذه الأرض، ولأن تضحياتنا لأجل بعضنا البعض كانت كافية لجعلنا نعرف من نحن، كيف نكون، ومتى سننتهي.
كانت مارين معارضة لذلك، فالباليه حدٌّ لا يحق لأحد تجاوزه، قد تخسر الجميع لأجله بما في ذلك نفسها، كانت غاضبة ومتمرّدة كما لم أعهدها يوما، وفي كل مرة حاولوا منعها من الرقص استعانت بإغلاق باب غرفتها والدوران متعمدة إزعاجهم بوقع أقدامها أو العزف الشنيع نظرا لافتقارها أساليب العزف كلما غضبت، كنت أسمع بكائها خلف خطاها، بكاء أستطيع الشعور به من مجرد سماع عزفها الحزين الغاضب المتمرد.. بكاء لم يكن سهلا على مارين إخفاؤه كما لم يكن صعبا عليّ اكتشافه. لم ينته ذلك بطريقة جيدة في كل مرة، فقد عاقبها والدها بشتى الطرق، كالحرق والضرب والتعنيف، حتى أنه تعمد كسر قدمها في إحدى المرّات.. وأوصد باب المنزل علينا حتى لا نهرب ونشتكي! وهكذا كنا سجناء من نوع آخر.. لحوالي السنة وبضع أشهر..
وفي كل مرة تعرضت فيها مارين للتعنيف، كنت أسألها أن تتوقف عن العناد والتخلي عن ذلك بسلام قبل أن يقتلنا والدها، لكنها عارضت الفكرة بشدة:
ـ لن أصل لمبتغاي ما لم أحارب لأجله يا دانييل، سأكافح إلى النهاية.
لن أنسى محادثتنا في ذلك اليوم عندما حاولت جعلها تتخلى عن الفكرة بينما تعاند والدها راقصة داخل إحدى غرف البيت:
ـ لكن تعلقك به يؤذيك!
صرخت بها أن تتوقف قبل أن يكتشف أباها ذلك لكنها استمرت بالرقص غير مبالية:
ـ لن يستمر هذا طويلا يا دانييل، عليّ ألا أرضخ أرضًا، لن أستسلم!
ـ أحلامك ستقتلك!
ـ لكنّها تبقيني على قيد الحياة..
كانت كلماتها تنزف دمًا.. لم أجب، توقفت هي عن الدوران واقتربت نحو الباب الموصد الذي كنت خلفه قائلة بصوت باكي:
ـ كل الأحلام تتحقق باستثناء تلك التي يتخلى عنها أصحابها يا دانييل..
لم تتسنى لي الإجابة عن كلامها بينما أراقب والدها مقتربا من الغرفة بملامح غاضبة.. تمنيت لو تصمت، لكنها صرخت في الوقت الخطأ:
ـ لو كان علي ترك الباليه، فلا أمانع التخلي عن حياتي معه!
"الأحلام مخدّر مؤقّت، وسمٌّ قاتل"
- سيراث
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.