هنا عقله
هنا عقله
جزء 3 من 13
وضع القراءة:

كل هذا كان خطئي، أليس كذلك؟

دخل شاب غرفة في عيادة الطب النفسي مبتسما بحماس غير معتاد على زوار هذا المكان مما جعل الطبيبة الجالسة هناك ترمقه مستغربة، شخص سعيد كهذا.. ما قد يقوده لمكانها في منتصف الليل عدى السخرية؟ بقيت صامتة تنتظره أن يفصح عمّا في جعبته، نظراتها المتفحصة استفزّته بما فيه الكفاية ليحوّل ابتسامته إلى نظرة مظلمة متشائمة تغلغل بها البؤس، حملق فيها بغضب وقال بنبرة جادّة عندما رأى لامبالاتها حين أخذت تتصفح هاتفها متجاهلة إياه بعدم اهتمام وضجر واضحين:
ـ مرحبًا!! أو ربما لا يجب عليّ إلقاء التحية صحيح؟؟ سأبدأ حديثي مباشرة بلا مقدّمات، إذ يبدو أن "الآنسة" التي يفترض بها أن تنصت لي مشغولة بتصفح جهاز الكتروني سخيف!
جذبتها طريقته الوقحة المفاجئة.. أو لنقل أنّها ارتبكت من تحوله المخيف ذاك كونه زائرها الأول وعليها إتقان عملها ما لم ترغب بالطرد، لذلك قررت طرح هاتفها جانبا واستقامت مستمعة له بتمعّن:
ـ اعذرني، لم أقصد يا سيّد. هل كل شيء بخير؟ كيف يمكنني مساعدتك؟
شعر باستهزائها له من أسلوبها وسؤالها ذاك فرفع صوته محاولا أن يظهر جانبه الشرير:
"هل كل شيء بخير؟"، أ أنت جادة؟ تراك بكامل وعيك يا هذه؟ من سيأتي إليك غير شخص يمتلك قنبلة تنفجر في رأسه أو حريقا لا يخمد في عقله يا ترى؟
لم تستطع كبح ضحكتها على تعليقه ذاك مما زاد استفزازه، أومأت له أن يستأنف الحديث لتفهم ما به مشيرة بيدها إليه، ثم حملت دفترا وقلما مستعدة لأن ترتدي زيّ الطبيبة النفسية التي عليها أن تكونها وأفسحت المجال له لأن يبوح بما لديه متنهّدًا:
ـ نولد عرايا دون لباس ولا هموم ولا أحزان، بوزن ضئيل وعقل فارغ، كل الإضافات الأخرى تُكتسب مع الوقت، نصبح ثقلاء نحمل الكون بأسره فوق أكتافنا وتحتلّنا الأمراض النفسية والجسدية حتى الهلاك، فلا نحن أنفسنا ولا ننتمي لذواتنا.. نكاد لا ندرك من نكون حتى، نعجز عن التعرف على أرواحنا.. ذات الأرواح التي نمينا معها منذ ولادتنا، تصبح غريبة عنّا كما لو لم نعتدها قبلا.. لأننا لم نعد أنفسنا بعد الآن.. لا يولد أحد مجرما، ولا يفقد أحد عقله لمجرد ولادته، إنه العالم من يجعلنا نخسر السيطرة على أنفسنا، ثم يلقبوننا بالمجانين.. حسنًا، أليس من الأفضل الاعتراف دون عناد فحسب؟ أنا مجرد أبله عاجز عن كل شيء، وقد خسرت بالفعل، خسرت منذ اللحظة التي وطأت فيها قدمي هذه الأرض، منذ شروق شمس يوم ولادتي، ألا يجب عليّ إنهاء حياتي لعلهم يرتاحون عند رؤيتهم جثتي؟ لعلّ ذلك أفضل لي وللجميع.. ربما كان كل ذلك خطئي.. ربّما أنا المذنب الوحيد في قصتي.. لعلي أذنبت في حق كل من التقيته بالفعل.. تماما كما قالوا..
بدأ "دانييل" حديثه هكذا، تفحصته الطبيبة جيدا بينما تفكّر في كلامه، دانييل شاب في منتصف العشرينات، تسرّب السواد لأسفل عينيه كما لو تمّ سكب حبر أسود عليهما فكان ذلك دليلا كافيا على صدق كلامه، ملابسه مرتبة توحي بثرائه، كما يبدو واثقا من نفسه بما فيه الكفاية ليتخلص من كل المزعجين في حياته مما زاد تساؤلها، ما قد يجعل شابًّا كهذا يصبح على هذا الحال؟ لم يضف "دانييل" أي كلمة، فاضطرت هي لسؤاله:
ـ وما الذي يجعلك تقول هذا عن نفسك يا سيّد؟
ـ كلام من حولي، ربّما؟
أجابها مباشرة وكأنه خمّن السؤال مسبقًا، ابتسمت له باستهزاء من جوابه المبتذل:
ـ من حولك؟ تعرف أن الناس يثرثرون دون مرجع، من يهتم بكلام من هم حوله بحقك؟
ـ من الواضح أنني أول زائر لك، صحيح؟
حرّكت رأسها إيجابا بخجل لم تعتده في نفسها، وتمتمت بصوت منخفض متلعثمة:
ـ كيف عرفت؟
ـ ليس صعبا، أي طبيب نفسي سيعامل مرضاه بهذه الطريقة يا ترى؟
ضحك بعد جملته ففعلت هي الشيء ذاته، تجاهل اعتذارها هو وأمسك إحدى بطاقات العمل الموضوعة على المكتب الخاص بها وتمعن النظر في اسمها:
ـ حسنًا يا آنسة "رونا" سأخبرك كل التفاصيل، لكن قصتي لها نهاية صادمة.. ستحتاجين زيارة طبيب نفسي بعد سماعها على الأرجح.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.