هنا عقله
هنا عقله
جزء 6 من 13
وضع القراءة:

لتكون نجما، عليك أن تحترق

أذكر كيف كانت تعبر مرارا عن هوسها الشديد بالبحر قبل نهائيات مسابقة جائزة لوزان بليلة عندما كنا في الصفّ العاشر.
ـ أنا حقا لا أريد مقاطعتك لكن كونك في الصف العاشر يعني أنها ستكون بالصف الثامن، أليست أصغر منك بأكثر من سنة؟
ـ نعم، لكنني التحقت بالمدرسة متأخرا حتى أرافقها برغبة من والدتها "جولييت"
ـ هكذا إذا!
ـ كانت هي في الخامسة عشر آنذاك، وقد أقبلت أنا على السابعة عشر، سرنا على ضفاف بحيرة جنيف، أخذت تتحدث عن الكثير محاولة بذلك تشتيت ذهنها قدر الإمكان:
ـ هذه البحيرة كانت زيارتها حلمًا ذات يوم!
تحدثت إليّ بسعادة غامرة بينما تركض مسرعة، سألتها ضاحكًا:
ـ يبدو أنكِ وجدت شيئًا أفضل من البحر أخيرًا.
التفتت عائدة نحوي:
ـ البحر؟ أحب البحر بقدر حبي للباليه. هل سأحب شيئًا أكثر من الباليه يومًا؟
لففت وجهي يمينا ويسارا نافيا سؤالها:
ـ بالنظر لمشاعرك نحوه الآن، أراهن أن ذلك مستحيل.
رفعت كتفيها وسارت للأمام مجددا:
ـ لن أحب مكانًا بقدر البحر إذا.
عندئذ ضحكت كثيرا بينما أشاهدها، وحدي أعرف كم عانت لتصل إلى النهائيات، ووحدي أعرف مدى صعوبة الباليه، كم بذلت من جهد، وكم عانت. تستحق سعادتها، وتستحق الفوز.. وقفت بانتظاري لأصل لها، ثم شرعت في الحديث:
ـ لم تسألني يوما عن سبب حبي لهما..
ـ دعيني أسألك حالا: مارين، ما سبب حبك للبحر والباليه؟
ضحكنا ببلاهة على جملتي تلك كما لو كنا نشاهد فلمًا كوميديا:
ـ إنهما عميقين بالقدر ذاته، غامضين بالقدر ذاته، يحبّهما الناس بالقدر ذاته، ولا يفهمهما أحد..
صمتت لوهلة واغرورقت عيناها بالدموع:
ـ أتعرف؟ قليلون هم من يحاولون، يبحثون، يغوصون في الأعماق "أحبك إلا أنني لا أفعل شيئًا لأجلك" أهذا حب ٌّ حتى؟ "إنه فن جميل، يا لحظك!"، "لقد فزتِ مجددا، لماذا يعطون الكثير من القيمة لمجرّد رقص ودوران تافهين فوق منصة؟" وددت لو أستطيع الصراخ بهم، أن أخبرهم أن صحتي تتدهور بسبب هذا الرقص السخيف الذي يتحدثون عنه، أرمي بنفسي في النيران لأجله، أضحي بصحتي لأجل حبّي له.. كما البحر، مظلم، يغرقني دون أن أدرك..
ـ لماذا تحبّينه لو كان مضرًّا لك لهذه الدرجة؟
ـ المشكلة هنا!
وضعت يدها على قلبها وأكملت:
ـ مذ طفولتي، قيل أنّني "باليرينا القرن" وأحبّني الجميع لذلك، حظيت على قيمة أعلى دائما، وأصبح الباليه يمثلني وتتجلى فيه قيمتي ببساطة، لذلك، إني بدونه لا شيء.
ـ إنك تهذين بالهراء، يمكنك التوقف إن شئتِ، لن يجبرك أحد على الاستمرار!
ـ الباليه ليس جيدًا لي، لكنني أحبّه.. وأريده..
ـ تريدين الباليه، أم القيمة التي يمنحها لك؟
ـ كلاهما..
صمت كلانا بعد جوابها المتلهف فأردفَت:
ـ لكنّني له محبّة! وهو كالبحر يغرقني، لست أعرف ما الذي وقعت بحبه تحديدًا، الألم أم الباليه؟ الاختناق أم البحر؟ القيمة أم الرقص؟ لا أعرف لكنني أحب جهلي..
أدارت وجهها إلي وأكملت:
ـ وجدت حلمي فيه على أية حال، هل سأتخلى عنه؟ بالطبع لن أفعل.
ـ لكنّها صحتك!
صحت بها غاضبًا، لكنها ابتسمت فجأة ومسحت الدمع الهاطل من عينيها وقالت بهدوء على غير عادتها الحماسية:
لتكون نجمًا عليك أن تحترق.
"مارين كروا"
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.