مارين
ذات شتاءٍ بائس في ليلة من ليالي ديسمبر الباردة، كانت أمي قد وضعت رضيعة قبل ما يقلّ عن الشهر مما جعلها تتوقف عن الذهاب للعمل، لو نظرنا للجانب الجيد خلف ولادة أختي "سيلين" فربما كنت سعيدا لأن أمي وجدت الوقت لنا أخيرًا، واعتنت بي بعد حرمان دام دهرا وأذاقني قهرًا لمدة تصل لعدد السنوات التي تنفست الهواء فيها، لكن الجانب السيء هو وقوع المصاريف على عاتق والدي كليا مما سبب له نوبة غضب حالما عرف بتوقّف أمي عن العمل وغرقه بالديون.. نوبة جعلته يغيب عن المنزل لما لا يقل عن الشهر الواحد. حين عودته أتى إلى بيتنا ثملا فجرًا وقد كان عازمًا على قتل الرضيعة قائلا أنّها نذير شؤم مشيرا بإبهامه إلي:
ـ مثلك تمامًا!
بالإضافة إلى كونه غير قادر على تحمل مسؤولية ثلاثتنا.. حاولت والدتي إيقافه واشتدّ الشجار بينهما، لكنها فقدت أعصابها فصفعته بكفٍّ قوي احمرّت وجنة والدي اليمنى إثره، أهان ذلك كرامة هذا الأخير فكسر قنينة الخمر التي كان يرتشف قطرات منها بين الفينة والأخرى، ألقاها أرضًا بغضب ثم التقط من الأرض قطعة زجاج متهالكة وانقضّ يغرسها بحدة في جسدها طاعنًا إياها مرارًا ما يزيد عن العشر طعنات لتفقد حياتها مباشرة إثر نزيف حاد أمام أعيني الباكية ونحيبي الممتزج بصراخ أختي الخائفة من الضّوضاء المفاجئة. الغريب في الأمر أن والدي ذهب للمخفر وهو ثمل، اعترف بكل شيء لوحده وأضاف أنه ينوي قتلي وأختي لو لم يزجوه في السجن حالا، أرسلوا إلينا بعض رجال الشرطة وأطباء نفسيين حتى لا يؤثر ما رأيته عليّ مستقبلا، لكن ذلك كله لم يكن له جدوى، فقد تأثرت كثيرا بوفاة والدتي التي ما صدقت تقربي منها أخيرًا، وكذا وسجن أبي الذي لا أفتخر بتلقيبه هكذا، ثم تم تبنّي أختي من طرف أحد الأقرباء الذين لم أعرفهم قبلا ورفضي من طرف الجميع لأنني أكبر سنا
وهكذا اتجهت نحو الميتم مستعدًّا للعيش بمفردي..
ـ قصتك.. حزينة جدا.. يؤسفني سماع هذا.. أعتذر لك نيابة عن عالم لم يرك من جوانبه إلا القسوة..
قالت رونا محاولة مواساته بعدما صُدِمت بالفعل، اعتقدت أن حكايته قد انتهت هنا فأضافت سؤالا بعدما أرادت أن تعرف المزيد عن حياته:
ـ أفهم منك يا دانييل أنك تربّيت في الميتم صحيح؟ أتعرّضت للتنمّر هناك يا ترى؟
ضحك من فضولها بعدما تذكّر لامبالاتها عندما دخل ينوي حكاية قصته لها، حرّك رأسه نافيًا ليعطيها الإجابة بمعنى "لا":
ـ لا تزال القصة طويلة بالفعل يا آنسة، لا تستعجلي!
أجابها ممازحا لتعتذر هي بعدما شعرت بالحرج لمقاطعته وسوء تعاملها معه سابقًا، لكنه أكمل متجاهلا اعتذارها:
ـ عشت في الميتم لأسبوعين فقط، إذ أن قضيّة عائلتي اشتهرت بفرنسا كلها، فلا تجد منزلا لا يتحدث عن مقتل والدتي وسجن أبي.. ذلك راجع لكون والدي رجل أعمال مشهور للغاية.. يعرفه الجميع بلا استثناء، كان له صديقٌ من الجامعة يدعى "كريستوف كروا"، هذا الرجل الذي لا أعرف كيف رمت به الطرقات تجاه والدي، درس الطب لكنه اشتغل كمقاول في النهاية، سمع بالخبر من إحدى القنوات الإعلامية وقد كان ذلك صادمًا بالنسبة له، لذلك بحث عنّي كثيرا إلى أن وجدني أخيرًا، كان والدي مدينًا للعم كريستوف بالكثير من الأموال، ورغم ذلك احتضن خوفي وأخذ بيدي نحو دفء عائلته فأصبحت منهم، كما بحث عن أختي قبل أن يستسلم عندما عجز عن إيجادها. كان من المفترض أن أحزن، إلا أنني كنت سعيدا بما فيه الكفاية لأنسى كل شيء، أمي، أبي وحتى أختي. عشت دونهم بلا مبالاة، لأنني كنت أفتقر لمعنى العائلة كما سبق وأخبرتك. في اليوم الأوّل الذي ذهبت معه فيه، اشترى لي الكثير من الأزياء حتى لا أشعر بالنقص وسطهم، ركبت سيارة مثل التي كانت لدينا واتجهنا نحو مدينة غير تولوز، نحو "سان كلو" التي اشتهرت بالثراء، حيث عشت بقية حياتي وأنا طفل.
ـ أهذه نهاية القصة؟ يعني أنها سعيدة! حمدا لله أشعر بالراحة!
صرخت رونا بسعادة وحماس لم تتحكم بهما ولم تستطع إخفائهما حتى، ليرمقها دانييل بنظرة ساخرة:
ـ نهاية القصة؟ عزيزتي، إنها البداية فقط.
جملته هذه أشعلت نيران الفضول في روح رونا التي يبدو أنها لا تتقن مهنتها حتى الآن كما أخبرها دانييل:
ـ أمتأكدة أنك خرّيجة علم النفس؟ لا يبدو عليك ذلك، حتى أنك مستمعة سيئة للغاية يا آنسة.
ـ لو كنت متحدثا جيدا لعلمت كيف تشد انتباهي.
نهض من مكانه متظاهرا بالمغادرة:
ـ ربما ما كان عليّ القدوم هنا من الأساس، سأتحدث مع مدير العيادة.
أثارت جملته الرعب في فؤادها:
ـ لا لا لا مهلا، مهلا، سأبذل جهدي أعدك! آسفة، آسفة!
ضحك لاعتذارها المكرر كلما انتقدها:
ـ إذا.. هل لي بالاستمرار؟
أجابت على مضض:
ـ طبعًا.
ـ وصلت رفقته لقصر يقع بخارج المدينة قليلا حيث سنستقرّ، ربّت العم كريستوف على رأسي قائلا:
ـ من اليوم أنت واحد منا ونحن كلنا ننتمي لك. عائلة سنكون!
كان كلامه لطيفًا ملأ فراغ فؤادي الذي استمرّ طوال السنوات التي لم يكن موجودًا فيها، كان يعرف جيدا عقدتي الوحيدة والسبيل لنيل ثقتي:
ـ شكرا يا عم، هذا يعني لي الكثير بحق.
ـ لا لا لا لا، عليك مناداتي بـ "بابا" من الآن فصاعدا.
ابتسمت ببلاهة كسجين يصله خبر إطلاق سراحه فجأة:
ـ شكرًا بابا.
في تلك الأثناء فتح الخدم باب القصر وخرجت امرأة حسناء ذات شعر ذهبي مفرود يصل لأسفل كتفيها، لها عيون زرقاء تلائم بياض بشرتها، ربما كانت في أواخر العشرينات آنذاك أو منتصفها، جاءت نحونا راكضة:
ـ أنت دانييل؟ دانييل برتان؟
كنت أكثر خجلا من أن أجيب بصوت مرتفع لذلك اكتفيت بتحريك رأسي بدل قول نعم، صدمتني ردة فعلها عندما دفنت رأسي في حضنها قائلة أنّها كانت تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر:
ـ أن يكون لدي ابن، لطالما حلمت بهذا!
سقطت دمعة منها لتقع على فروة شعري، ذلك اليوم عرفت معنى العائلة، يومها أحسست بالانتماء وأيقنت أنك لا تحتاج لرابطة دموية أو التواجد بالشجرة العائلية ذاتها لتكون عائلة.. العائلة التي حلمت بها دائمًا، أصبحت لدي!
ـ أنا جولييت، جولييت كروا، زوجة كريستوف..
صمتت قليلا صمتًا مفاجئًا قبل أن تستأنف حديثها:
ـ هل يمكنك أن تناديني "ماما"؟
قالت جملتها الأخيرة بينما تجثو على ركبتيها حتى نصبح في الطول ذاته:
ـ بالطبع!
قلتها مبتسما فأردفت وهي مبادلة إياي البسمة:
ـ لطالما أردت سماعها من ابنٍ.
وافقت فرحًا بكل تأكيد، ومع طلبهم الشيء ذاته لي وحماسهم لحصولهم على ابن اعتقدت أنهما عقيمان أو ما شابه، سرعان ما خرجت طفلة بذات سنّي أو ربّما أصغر من ذات القصر تركض صارخة:
ـ ماما، بابا، لقد حفظت الرقصة أخيرًا!
ـ بحيرة البجع؟ حقًّا!!؟
سألت السيدة جولييت متفاجئة لترد عليها الفتاة:
ـ نعم!!
كنت أحملق فيهما مندهشًا، فتاة؟ بمثل سنّي؟ وبحيرة البجع؟ أتعرف هذه الصغيرة تشايكوفسكي؟ حقا؟
أعطاني ذلك شعورا بالحماس كوني أعرف الكثير بالموسيقى فوددت بدأ حوار معها لولا معرفتي بعدم إيجادي الحديث لمن هم في مثل سنّي، إذ أني أثناء تواجدي في الميتم اعتدت على الانعزال في زاوية الغرفة أتدرب بيدي على العزف دون بيانو حتى اعتقد الجميع أنني ملبوس وتم نبذي. لم أكن أنوي التقرب منهم على أية حال، لكن النبذ لم يرق لي بالطبع! شردت بذهني إلى أن أعادتني السيدة جولييت مقدمة الفتاة لي:
ـ عزيزي دانييل، أعرّفك على مارين، إنها أصغر منك بسنة وبضعة أشهر، يقولون أنّها موهوبة بالباليه!
ـ يقولون؟ من؟
استغربت من استعمالها لصيغة المجهول لذلك سألت بفضول، فردّت:
ـ نعم، اكتشفت معلمتها بالمدرسة ذلك عندما كان عليهم أداء رقصة باليه لطيفة وسهلة، لكن مارين أبهرتهم بإتقانها للحركات الأصلية!
ـ واو!! تشرفت بمعرفتك مارين!
كانت الطفلة خجولة للغاية حتى أنها اختبأت خلف والدتها كما لو كنت وحشًا ما، ضحكت لردّة فعلها تلك. ولسبب لا أدركه، خرجت من قوقعتي الانطوائية محاولا بدأ أول محادثة لي في حياتي مع شخص يقارب عمره عمري:
ـ أتحبّين الباليه؟
أومأت برأسها دون إجابة، أردفت:
ـ إذن لا بدّ أنك مهتمة بالموسيقى الكلاسيكية. صحيح؟
نفس الإيماء مجددا:
ـ أي المؤلفين أحب إليك؟
خرجت من صمتها أخيرًا لتقول بحماس:
ـ تشايكوفسكي!!
ـ يا للصدفة! أنا أيضًا، حتى أنني أجيد عزف معظم موسيقاه!
سمعتني السيدة جولييت عندما ذكرت العزف فاقتحمت حديثي ومارين:
ـ أقلت أنّك تحب العزف حقًا؟
ـ أجيده فقط.
ـ نفس الشيء! بما أن لديك موهبة كهذه أيضًا، يمكنني تسجيلك في معهد موسيقي وتطوير موهبتك، كما أن لدينا بيانو في غرفة الرقص التي تخصّ مارين، يمكنك التدرب هناك معها.
كانت تتحدث بحماس جعلني أهاب الرفض.
قاطعته رونا:
ـ الرفض؟ لماذا كنت سترفض عرضًا مثاليا كهذا؟
ـ لأنني لم أحبّ البيان قط!
ـ ولماذا بدأته إن كنت لا تحبه؟
ـ كان والدي يجبرني حتى أصبح عازفا وأجني مالا، كنت مجرد استثمار بالنسبة له، إدخالي نادٍ ما، إجباري على العزف، ثم تعنيفي إن رفضت التدريب أو الاستمرار. في الحقيقة، لطالما كرهت البيانو، والموسيقى وبقية الفنون.
ـ كان عليك رفض اقتراح جولييت إذا، تبدو طيبة ولن تجبرك على فعل ما لا تحب.
ـ كان جانب مني خائفًا من أن يتم تعنيفي إن رفضت كما فعل والدي سابقا، وجانب آخر كان.. كان..
صمت دانييل لفترة مترددا:
ـ أكمل، جانب آخر ماذا؟
ـ وجدته الوسيلة الوحيدة للتقرب من مارين!
ـ مارين؟ هل يعقل أنّك..
قالت تمازحه لكنه احمر خجلا وقاطعها:
ـ توقّفي، لا أحب هذا النوع من المزاح! وذلك لأنني لا أملك طريقة أخرى لتكوين صداقات!
ـ التبرير دليل على كذبك.
ـ لست أبرّر!
ـ حسنا حسنًا، أكمل القصة.
ـ من الواضح أنني كنت أبلها حين فكرت في القدوم إلى عيادتك.
ـ شرف لك أن تكون أول زواري!
رمقها دانييل بنظرات حادة جعلتها تهابه لجزء من الثانية قبل أن يعود جانبه المرح للظهور:
ـ سأكمل، لا تقاطعيني!
ـ حاضر!
ـ آمل أنك تعرفين مدى ضآلة حس فكاهتك.
صمتت رونا بانتظاره أن يكمل، فهم صمتها كما يجب فعاد ليروي أحداث ماضيه على مسامعها:
ـ بعد ذلك صرنا نتدرب معا، أعزف مقاطع بيانو وهي تتدرب على الباليه أمامي، استمررنا على هذا المنوال لسنوات بعدها، نشارك في المسابقات الدولية والعالمية بانتظام، نفوز، ونصنع التاريخ سويًّا.
ـ مهلا، أنتما.. الأخوين بالي بياس؟
سألته رونا غير مصدقة لكنه اكتفى بالإيماء كإجابة فأردفت:
ـ اعتقدت أنكما شقيقين، اتضح أن الأمر ليس كذلك..
أومأ دانييل مجددا بينما شرد ذهنه قليلا، لكنه عاد للواقع سرحان ما طرحت رونا سؤالها الموالي:
ـ لماذا توقفتما؟ ولماذا طالت استراحة مارين؟ أحقا اعتزلت كما تقول الشائعات؟
ـ هل يمكنك الاستماع لي بهدوء كما يفعل أي طبيب نفسي غيرك؟
استشاط دانييل غضبًا من كلامها مما جعله يفقد السيطرة على أعصابه ويرمي بكأس مياه فارغ وضع على المكتب أمامه ثم تابع الحديث ببساطة بعدما صمتت رونا خوفًا من جانبه هذا:
ـ "بالي بياس" كان اسمًا كفيلا بجعلي أبتسم كلما سمعته، لكن ذكره يجعلني غاضبا الآن بقدر سعادتي آنذاك.. كبرت وهي كإخوة تمامًا، تشاركنا المدرسة والفصل والزملاء. لم يكن لنا أي أصدقاء لأننا لم نكن بحاجتهم أساسًا، وقد كان ذلك راجعا لكوننا غير راغبين لأي أحد باستثناء كتف بعضنا بعضًا، عندما تفهم معنى الصداقة، ستصبح مستعدا لخسارة الجميع مقابل صديقك ذاك.. لكن مارين لم تكن بمجرد صديق عادي، كانت عائلتي، ملاذي، وكل شيء أملكه..
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!