عائلة
ـ حسنًا يا آنسة "رونا" سأخبرك كل التفاصيل، لكن قصتي لها نهاية صادمة.. ستحتاجين زيارة طبيب نفسي بعد سماعها على الأرجح.
أنهى كلامه واثقا لكنها لم تصدّقه، إلا أنها شعرت بالحماس لمعرفة ما قد يجعله يعتقد بأنه سيصدمها:
ـ أتطلّع لذلك!
وضع "دانييل" قدمه فوق الأخرى وأمسك قلمًا وضع على المكتب يدوّره مستعملا يديه بهدوء مشتِّت:
ـ السّنة السابعة بعد الألفين، مدينة تولوز الفرنسية. كنت طفلا وحيدًا، بلا أصدقاء ولا إخوة. امتلكتُ عائلتي الصغيرة المكونة من أم وأب فقط، وكنت كئيبًا جدا، لأنّ طفلا في السابعة من عمره يكاد يعرف كيفية كتابة اسمه كان مدركًا للمشاكل العائلية أكثر من أغلبية البالغين.. طفلٌ قذفوه بالكلمات مرارا قد اعتاد سماع أحاديث من حوله بأنه المحظوظ الذي حصل على كل شيء من الحياة، بأنني ولدت بملعقة ذهبية موضوعة بين شفتاي، وصفوني بالجرذ القذر حين صرخت عاليا بأنني أحسدهم على امتلاكهم عائلة لم أحظى بها يومًا، حين صرخت بهم مرارا أنني أكره منزلي وثرائي وعائلتي، إذ حينها تعلمت أن الغنى لا يرتبط بالسعادة دوما، قد يوفر الملبس والمشرب وحياة فاخرة ربّما يضحي البعض بحريتهم لأجلها في سبيل التفاخر والتباهي وما يعتقدونه "عيشًا مريحًا" دون أن يدركوا ما في ثنايا السطور والحقائق المخفية خلف ستائر النوافذ. كلا.. لا يعرف أحد، ولن يفهم أحد ما لم يجرّبوا ما جرّبته أنا.. لذلك فلم أرغب بنفوذ عائلتي قط. تمنيت لو عشت في منزل بسيط أو كوخ صغير يفتقر للمال لكنه ثري بطريقته الخاصة، ثراء تجلى في عائلة من أم وأب وإخوة، منزل متوازن دون شجارات، دون ضرب وتعنيف، منزل أشعر فيه بالحب لا الإهانة، منزل ألوم نفسي على فراقه لا العودة إليه. طفل في السابعة يكاد يعرف كيف يمشي دون الوقوع أرضًا قد أدرك مسبقًا أن الأمان ومنزله كلمتان متضادّتان، قد تمنى لو بوسعه الهروب بعيدا وتناول القمامة بدل فطور موضوع في صحن ثمين، طفل مثل الصغير الذي كنت عليه لم يطلب شيءً باستثناء عائلة ومنزل بلا صراخ، أكان ذلك صعبًا تحقيقه؟ ألم أكن أستحقّه؟
دمعت عينيه قليلا فمدّت له رونا منديلا ليمسح المطر المتساقط من حدقتيه، تناوله منها وأكمل بغصّة واضحة من على صوته:
ـ كنا نسكن في منزل كبير يسميه البعض قصرًًا، امتلكنا خدمًا وحديقة كبيرة أمضيت فيها جلّ طفولتي، لم أشعر بالبرد يومًا طالما لديّ ما أرتديه، ولا الجوع مع امتلاك ثلاجة احتوت كل ما يمكن الرغوب به، كانت والدتي مشغولة تمامًا، تعمل طبيبة جراحة في مشفى تمتلكه بشراكة مع صديقة طفولتها، لذلك فقد كان من النادر رؤيتها خاصة مع عودتها المتأخّرة ليلا وخروجها المبكر صباحًا.. بالكاد وجدنا وقتًا في الأعياد لتناول الطعام بصمت فوق الطاولة ذاتها.. أما والدي، فهو رجل أكل الشيب شعر رأسه، لم يكن شخصًا جيدا على حد علمي، فقد اعتاد ضرب كل من لم يرق له حتى عند عدم تواجد سبب كافٍ، لم أدعُه بـ "بابا" قط، ربما لأنني لم أشعر بتلك الرابطة التي يخبرونني عنها، لكن وجوده في طفولتي قد كان ملحوظا عكس والدتي، فقد اعتاد اجباري على عزف البيانو وأبرحني ضربًا في كل مرة رفضت فيها ذلك، أخبرني أنني غبي في كل مرة عجزت فيها على حل معادلات رياضية أكبر من سنّي، كما أحاطني بأسراره الخبيثة وطرق نصبه على النّاس قائلا أنّني من سيحل محله عندما يأتي الوقت المناسب.. كان شخصًا سيئًا يفتخر بكونه شريرا.. قال أنّه يشعر بالفخر في كل مرة يفرض فيها سيطرته على أحد ما، ثم شيئًا فشيئًا، غلف السوء قلبه للحد الذي جعله عديم إنسانية، فقد أدمن الخمر والسهرات التي ينهيها بالعودة للبيت مخمورا دون وعيٍ يعنف كلا مني وأمّي دون أدنى مبالاة منه.. وفي كل مرة تم طرح سؤال "من تحبّ أكثر، أمك أم أباك؟" اعتاد الجميع على الشعور بالحيرة والامتناع عن الجواب كونهم يحبون الاثنان بالقدر ذاته، وحدي الذي امتنعت عن الإجابة كوني لم أعثر على هذا الحب الذي يتحدثون عنه في فؤادي.. عندما فكّرت مجددا بالأمر، اعتقدت أنني ربّما كنت أميل لوالدتي أكثر.. فهي لم تؤذني أبدًا، لكنني لم أحبّها كما لم تحبّني بدورها، كان وجودها مثل عدمه، كما لو أنها مسمارٌ مهترئٌ معلق على حائط منزل مهجور، لن تغير أي شيء في هذا الكون الشاسع، ولا في عالم طفلها حتى.. لقد كنت طفلا خائفًا إن وجب عليّ وصف الشخص الذي كنت عليه حينها، اعتدت الرعب كما لو ولدت به، كان الجبن رفيق لياليّ الوحيد، كنت أهاب الظلام والضيق والوحدة والأماكن المكتظّة، خفت من الحشرات والحيوانات والبشر.. من كل شيء.. لطالما كنت متناقضًا أيضًا، إذ لم أحبّ الجلوس وحيدًا لكنني لم أرغب بالتواجد وسط الناس أيضًا.. لأنني لم أشعر بالأمان بينهم يومًا، حيث أن كل مشاكلي سببها البشر، أو له يد فيها على الأقل.. لم أستطع الشعور بجانبهم الجيد مطلقا، لكنني لم أشعر بالأمان عند التواجد بمفردي أيضًا، فقد كان عقلي عدوًّا لي بدوره، التهمني منذ ولادتي، كان تفكيري ندًّا لي منذ الأزل.. هذا ما جعل تعرّفي على عائلتي صعبا للغاية، إذ لم أبذل أي جهد للاختلاط بهم ولم يملك والداي الوقت لمحاولة التعرف عليّ بدورهم، كانوا يجهلون من أكون رغم تواجدي في البيت ذاته معهما، رغم تشاركنا الدم الجاري في عروق كل منا.. كل ذلك لم يليّّن قلبهم اللامبالي، لذلك فقد كنا عائلة بالاسم فقط، عائلة ساكنة تجلس معا تحت السقف ذاته وبالكاد ندرك أسامي بعضنا بعضا، لا نتحدّث مطلقا ولا ننتمي لبعضنا بعضا، كنا أبعد بكثير من أن نكون أسرة.. على الأرجح أن علاقتنا قد تصنف مثل رابطة الغرباء.. فُرض علينا مشاركة الاسم العائلي نفسه فقط، لكننا عاجزون عن إدراك من نكون.. لذلك تمنيت لو أحصل على عائلة غير تلك التي كنت أمتلكها.. عندئذ تحققت أمنيتي بطريقة لم أكن أرغب بها، بطريقة لم أفكّر فيها قبلا حتى..
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!