تحذير المحتوى

هذا الفصل من رواية مصنفة للكبار +18 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.

العودة
ما بين خطوتين.
ما بين خطوتين.
جزء 8 من 11
وضع القراءة:

علــَــى المـَـــحـك.

مر أسبوع التسجيل أسرع مما توقع الجميع، خلال تلك الأيام، لم تعد الجامعة كما كانت.
في كل ممر تقريبا، كان الحديث عن فريق الاستكشاف حاضرا بطريقة أو بأخرى، بعض الطلبة كانوا يتحدثون عنه بحماس، وآخرون يتعاملون معه وكأنه مجرد نشاط جامعي لن يستمر طويلا، بينما كان هناك من بدأ يتراجع عن فكرة المشاركة بعدما عرف أن عدد المسجلين تجاوز المئة طالب، وأن المقبولين لن يتجاوز عددهم اثني عشر.
أما المجموعة، فقد أصبح لكل واحد منهم موقفه الخاص.
أسماء كانت تتحدث عن الاختبارات وكأنها تتحدث عن رحلة طال انتظارها، أما آسر لم يتوقف عن السؤال عن طبيعة الاختبارات وكلما سمع معلومة جديدة، ازداد حماسا بدل أن يتراجع.
يزن كان يدعي أنه لا يهتم، ثم يعود في اليوم التالي ليسأل عن تفاصيل جديدة، بينما سامر كان يرى أن الاختبارات ستشكل عذرا مثاليا للنوم لساعات طويلة بعد انتهائها.
صخر لم يكن يتحدث كثيرا، لكنه جهز حقيبته قبل موعد الاختبارات بيوم كامل، خالد بقي الأكثر تحفظا بينهم، لم يكن يخشى الاختبار.
اما إيما، فكانت تراقب الجميع أكثر مما تتحدث.
وأوس... اتخاذه لقراره لم يعني أن القلق اختفى.
في صباح يوم الاختبارات، كانت السماء ملبدة بسحب رمادية خفيفة والهواء أكثر برودة.
امتلأت الساحة القريبة من المبنى المخصص للاختبارات بالطلبة منذ وقت مبكر، حتى بدا المكان أشبه بتجمع كبير لم تعرفه الجامعة من قبل.
وقف عشرات طلبة الجغرافيا وعلوم الحياة والأرض في مجموعات متفرقة، كان العدد كبيرا إلى درجة جعلت أسماء تتوقف للحظة عند المدخل وتنظر حولها.
قالت وهي ترفع حاجبيها:
"كل هؤلاء مسجلون؟ "
اجاب يزن، الذي كان يقف بجانبها:
"لا، بعضهم جاء ليشاهد فقط كيف نفشل. "
ضحك سامر.
"إذن جاؤو إلى المكان الصحيح، انا شخصيا سأفشل بكل تأكيد. "
التفت إليه أسماء.
"انت لم تبدأ الاختبار بعد. "
"ولهذا أستطيع أن أختار طريقة فشلي مسبقا. "
ضحكت إيما، بينما هز صخر رأسه في هدوء.
قال:
"ركزوا فقط. "
كان خالد يقف بعيدا قليلا عنهم، يراقب الطلبة، قال بعد  لحظات:
"هناك عدد كبير من طلبة السنة الثانية والثالثة. "
نظر أوس إلى المكان.
"وأغلبهم يبدو مستعدا. "
رد خالد:
"هذا ما يجعل الاختبار مثيرا للاهتمام. "
لم يعلق أوس.
كانت عيناه تتحركان بين الوجوه، كأنه يحاول تقدير حجم المنافسة.
أكثر من مئة طالب... اثنا عشر مقعدا فقط.
كان الرقم كافيا ليجعل أي شخص يعيد التفكير في فرصه.
لكن آسر لم يكن يفكر بالطريقة نفسها، كان يقف مستندا إلى الحائط، وذراعاه معقودتان أمام صدره، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي تظهر كلما شعر أن شيئت مثيرا على وشك الحدوث.
اقتربت منه أسماء.
"انت متحمس جدا. "
ابتسم أكثر.
ابتسمت له.
"أخشى أن تكون متحمسا لدرجة تجعلك تنسى أن هذا اختبار. "
"وأخشى أنك ستتفوقين علي. "
رفعت أسماء كتفيها.
"احتمال وارد. "
لم يكن بينهم شيء أكثر من تلك المنافسة الخفيفة.
وقبل أن يحدث شيء، ظهر الدكتور محمد عند مدخل المبنى.
توقفت الأصوات تدريجيًا.
لم يحتج إلى رفع صوته حتى ينتبه إليه الجميع.
كان يحمل ملفًا أسود في يده، ويرتدي ملابس عملية بسيطة، وكأنه لم يأتِ لإلقاء محاضرة، بل ليقودهم إلى مكان ميداني.
وقف أمام الطلبة، ثم نظر إلى العدد الكبير الموجود أمامه.
"صباح الخير."
رد الجميع تقريبًا بصوت واحد.
"صباح النور."
فتح الملف.
"أولًا، أريد أن أوضح شيئًا قبل أن نبدأ."
ساد الهدوء.
"وجودكم هنا لا يعني أنكم ستُقبلون. والتفوق في اختبار واحد لا يعني أنكم ستُقبلون أيضًا."
بدأ بعض الطلبة ينظرون إلى بعضهم.
تابع:
"لدينا عدد ضخم، و سنختار اثني عشر فقط."
كان يعرف أن الرقم سيخلق توترًا، لكنه لم يتوقف.
"لن نبحث عن الطالب الذي يعرف أكبر قدر من المعلومات، ولا عن الطالب الأقوى جسديًا، ولا عن الشخص الذي يستطيع أن يجيب عن كل سؤال."
رفع عينيه عن الملف.
"نحن نبحث عن أشخاص يمكن الاعتماد عليهم عندما لا تسير الأمور كما خُطط لها."
ساد الصمت.
قال أحد الطلبة من الخلف:
"هل الاختبارات فردية أم جماعية؟"
أجاب الدكتور محمد:
"كلاهما."
ثم أضاف:
"وستمرون بأكثر من نوع من الاختبارات. بعضها ستخوضونه وحدكم، وبعضها مع أشخاص لا تعرفونهم."
تبادل أفراد المجموعة النظرات.
قال يزن بصوت منخفض:
"مع أشخاص لا نعرفهم؟"
أجابه سامر:
"حتى لا نساعد بعضنا ونغش."
أكمل الدكتور محمد:
"في الاختبارات الجماعية، لن تختاروا أعضاء فرقكم. سيتم توزيعكم عشوائيًا."
تغيرت ملامح أسماء قليلًا.
أما أوس فبقي هادئًا.
كان هذا منطقيًا بالنسبة له.
إذا كان الهدف اختبار قدرة الشخص على العمل مع الآخرين، فمن غير المنطقي وضعه مع أصدقائه الذين يعرف طريقة تفكيرهم مسبقًا.
قال الدكتور محمد:
"لا تحاولوا إظهار شخصية ليست شخصيتكم. المراقبون لن ينظروا إلى النتيجة فقط."
ثم أضاف:
"سنراقب كيف تستكشفون المنطقة، وكيف تحددون مواقعكم بدقة، وكيف توثقون ما تصلون إليه. لن نهتم بالنتيجة وحدها، بل بالطريقة التي تتبعونها للوصول إليها."
توقفت عيناه لحظة عند مجموعة من الطلبة.
"وأحيانًا... الطريقة التي تفشلون بها أهم من الطريقة التي تنجحون بها."
كانت الجملة كافية لتزيد الصمت.
ثم أغلق الملف.
"الاختبار الأول يبدأ بعد عشر دقائق."
دخل الطلبة إلى القاعة الكبيرة على دفعات.
كانت القاعة مجهزة بعشرات الطاولات، وعلى كل طاولة ورقة بيضاء، وقلم، وملف صغير مغلق.
توزع المراقبون بينهم.
لم يجلس أفراد المجموعة الثمانية بجانب بعضهم.
وضع أوس في منتصف أحد الصفوف.
كانت إيما في الصف المقابل له، على مسافة بعيدة.
خالد في جهة أخرى.
صخر قرب النافذة.
أسماء في الصف الأخير.
آسر في الجانب المقابل.
أما يزن وسامر فقد جلس كل واحد منهما في جهة مختلفة تمامًا.
نظر سامر حوله وقال بصوت خافت:
"لقد فصلونا عن بعضنا."
دخل الدكتور محمد.
"يمكنكم فتح الملفات."
فتح الجميع الأوراق، كانت بداخل كل واحد منها خريطة طبوغرافية مفصلة، وبوصلة صغيرة، وورقة تحتوي على مجموعة من الإحداثيات والتعليمات.
يقول الدكتور محمد:
"أمامكم خريطة للمنطقة، وإحداثيات لنقطة البداية والهدف. مهمتكم تحديد موقعكم، ثم الوصول إلى الموقع المحدد بأفضل مسار ممكن."
رفع أحد الطلبة يده.
"هل يمكننا استخدام الهواتف؟"
"لا."
تجولت عيناه بين الصفوف.
"كل ما تحتاجونه موجود أمامكم."
أوس لم يحتج إلا إلى ثوانٍ قليلة حتى يتغير تركيزه.
اختفى كل شيء من حوله.
لم يعد يسمع همسات الطلبة، ولا صوت الأقلام، ولا حركة المراقبين.
أصبحت أمامه الخريطة فقط.
حدد موقع البداية من خلال الإحداثيات، ثم انتقل إلى نقطة الهدف، وضع البوصلة فوق الخريطة، وحركها ببطء حتى استقر الاتجاه.
رفع عينيه للحظة، ثم عاد إلى الورقة.
كان السؤال الأول يطلب اختيار الطريق الأنسب للوصول إلى نقطة مرتفعة مع أقل قدر ممكن من الانحدار.
أجاب.
ثم انتقل إلى السؤال الثاني، والثالث.
في أحد الأسئلة، كانت هناك ثلاث طرق تبدو مناسبة، قرأ أوس المعطيات مرة أخرى، ثم لاحظ شيئًا صغيرًا، المسار الأقصر لم يكن بالضرورة الأسهل، كان يمر بمنطقة شديدة الانحدار.
كتب ملاحظته.
وفي الجهة الأخرى من القاعة، كان خالد قد وصل إلى السؤال نفسه، لكنه لم ينظر إلى المسألة بالطريقة ذاتها، كان يركز على الفروق الصغيرة بين خطوط الارتفاع، لاحظ أن أحد المسارات يمر بالقرب من مجرى مائي، ثم استنتج أن احتمال تغير ظروفه في الواقع أكبر من المسارين الآخرين.
كتب إجابته.
في الصف الأخير، كانت أسماء تعمل بسرعة، لم تكن تقرأ الخريطة بالطريقة التي يقرأها أوس أو خالد، لكنها كانت جيدة في الربط بين المعلومات، كانت تتخيل المكان في ذهنها، الطريق، المنحدر، النقطة المرتفعة.
ثم انتقلت إلى السؤال التالي.
أما آسر، فقد كان ينظر إلى الخريطة بتعبير أقل حماسًا.
تمتم:
"أنا لا أحب هذا النوع من الأشياء."
لكن بعد لحظات، بدأ يجيب، لم يكن ضعيفًا كما توقع، إلا أن سرعته لم تكن ثابتة، كان يتوقف عند بعض الأسئلة، ثم يجيب بسرعة على أخرىفي إحدى اللحظات رفع عينيه عن الورقة.
نظر إلى الساعة، ثم عاد إليها.
أما صخر فكان يعمل بهدوء، لم يكن سريعًا، لكنه لم يتوتر، كلما انتهى من سؤال، راجعه مرة أخرى قبل الانتقال إلى الذي يليه.
يزن كان يعض طرف القلم بين حين وآخر، ثم يعود إلى الورقة، وفي إحدى المرات رفع حاجبه وكأنه اكتشف شيئًا، كتب الإجابة، ثم ابتسم لنفسه.
سامر، على عكس كل توقعاتهم، لم يكن نائمًا، كان مركزًا، صحيح أنه بدأ الاختبار بتثاقل واضح، لكنه بعد السؤال الأول أصبح أكثر جدية، كانت عيناه تتحركان بين الخريطة والأسئلة بسرعة.
وفي أحد الأسئلة، لم يجد الإجابة مباشرة، وضع القلم، أسند ظهره إلى الكرسي، ثم نظر إلى الخريطة مرة أخرى.
قال في نفسه:
"إذا لم أعرف الطريق... أعرف على الأقل أين لا يجب أن أذهب."
ثم كتب.
في منتصف القاعة، كانت إحدى الطالبات قد انتهت تقريبًا، وضعت القلم جانبًا وانتظرت، وفي الجهة الأخرى، كان طالب آخر يراجع إجاباته بسرعة، لم يكن أحد يعرف من الأفضل، وهذا ما جعل الاختبار حقيقيًا، لم يكن هناك بطل واضح، ولا طالب يمكن أن يضمن مكانه.
قال الدكتور محمد فجأة:
"انتهى الوقت."
توقفت الأقلام، بدأ المراقبون بجمع الأوراق، تنفس عدد من الطلبة براحة وبدأ بعضهم يتحرك في مقعده مستعدا للمغادرة.
لكن قبل أن ينهضوا، أردف الدكتور محمد:
"لم ينته الاختبار بعد. "
توقفت الحركة، انتشرت الهمسات في القاعة.
تفرق المراقبون بين الطلبة، ووضعوا أمام كل واحد منهم خريطة جديدة، كانت للمنطقة نفسها، لكنها خالية من العلامات التي أضافها كل متقدم على خريطته الأولى، وممثلة بطريقة مختلفة تجبرهم على إعادة قراءة التضاريس من جديد.
أكمل الدكتور محمد كلامه وهو يدرس ملامح الطلبة:
"والآن، أروني مرة أخرى أين كنتم، وأين كان هدفكم، والمسار الذي اخترتم."
نظر بعض الطلبة إلى الخرائط بارتباك، لم يبقَ أمامهم سوى خمس دقائق.
عاد أوس إلى الخريطة، لم يبحث عن العلامة التي رسمها، بحث عن المنطقة نفسها، خطوط الارتفاع، المجرى المائي، النقاط الثابتة، بدأ يعيد بناء المكان في ذهنه.
في الجهة الأخرى، كان خالد يفعل الشيء ذاته، أما إيما، فأغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحاول استعادة صورة المنطقة كاملة.
كان الاختبار الآن مختلفًا، لم يعد السؤال: هل تستطيع حل الخريطة؟ بل هل فهمت المكان فعلًا؟
انتهت الدقائق الخمس، رفع الدكتور محمد يده.
"توقفوا."
وضعت الأقلام، جمع المراقبون الأوراق، هذه المرة لم يتحدث أحد، كان كل واحد منهم يحاول معرفة إن كان قد نجح.
خرج أوس من القاعة بهدوء.
في الخارج، بدأت مجموعات الطلبة تتشكل من جديد.
اقتربت منه إيما.
"كيف كان؟"
"جيد."
"فقط؟"
نظر إليها.
"لم ينتهِ بعد."
ابتسمت.
"أعرف."
في الجهة الأخرى، كان آسر يقترب منهما، قال:
"لم أتوقع أن يفعلوا ذلك."
نظر أوس إليه.
"لاحظت."
"لكنني لم أفشل."
"لم أقل إنك فشلت."
"طريقة كلامك توحي بذلك."
تدخلت إيما:
"لا تبدأا."
رفع آسر يديه.
"أنا لم أقل شيئًا."
جاء خالد من خلفهم.
"المرحلة الأخيرة كانت غير متوقعة."
التفت أوس إليه.
"بالضبط."
نظر آسر إليهما.
"هل تتحدثان عن الإختبار المفاجئ الذي جعلني أندم على التسجيل؟"
ضحكت إيما.
"نعم.'
قال آسر:
" إذن لا أريد أن أعرف."
بعد استراحة قصيرة، انتقل الطلاب إلى الساحة الخلفية للمبنى التي أُعدّت مسبقًا على هيئة موقع ميداني مصغّر، أدوات، عينات، صور، سجلات، آثار أقدام، قطع صخرية، قياسات، وملاحظات متناثرة.
كان الاختبار الثاني فرديًا أيضًا.
مُنحوا دقيقتين فقط للملاحظة، دون لمس أي شيء أو تدوين الملاحظات.
وقف الطلاب على مسافات متباعدة، بينما تحركت أعينهم في أرجاء الموقع.
لم يكن المطلوب منهم معرفة وظيفة كل أداة، ولا تفسير كل عينة، بل حفظ أكبر قدر ممكن من التفاصيل، أماكن الأشياء، عددها، ترتيبها، الألوان، الأرقام، وحتى التفاصيل التي قد تبدو غير مهمة.
كان أوس يمر بعينيه على الموقع ببطء في البداية، ثم بدأ يقسمه ذهنيًا إلى أجزاء، من اليمين إلى اليسار، ومن الأمام إلى الخلف.
إيما ركزت على السجلات والصور، تحفظ ترتيبها قبل أن تنتقل إلى بقية الأشياء.
أما خالد، فكان يثبت نظره على التفاصيل الصغيرة؛ حجر بجانب أداة، رقم على ورقة، وآثار أقدام تنتهي عند طرف الساحة.
أسماء لم تحاول حفظ كل شيء دفعة واحدة. كانت تربط الأشياء ببعضها، فكلما حفظت شيئًا ربطته بما يجاوره.
آسر نظر إلى الموقع كله دفعة واحدة، ثم بدأ يراجع في ذهنه ما رآه، وكأنه يخشى أن يفلت منه تفصيل.
أما سامر، فظل صامتًا على غير عادته، يحرك عينيه بين أجزاء الموقع دون أن يثبت طويلًا على شيء.
مرّت دقيقة، ثم دقيقة أخرى.
قال الدكتور محمد:
"انتهى الوقت."
أُخرج الطلاب من الساحة، وأُغلقت الأبواب خلفهم، بعد دقائق، وُزعت عليهم أوراق جديدة.
قال الدكتور محمد:
"لن تعودوا إلى الموقع. أجيبوا اعتمادًا على ما رأيتم فقط."
كانت الأسئلة في البداية مباشرة، عدد العينات، لون إحدى الأدوات، رقم مكتوب على سجل، موقع صورة معينة.
ثم بدأت الأسئلة تصبح أدق.
"ما الشيء الموجود إلى يمين العينة الثالثة؟"
"أي سجل كان مفتوحًا؟"
"كم خطوة تقريبًا امتدت آثار الأقدام قبل أن تختفي؟"
"ما الشيء الذي كان منفصلًا عن بقية الأدوات؟"
توقفت بعض الأقلام، رفع أحد الطلاب رأسه محاولًا استعادة المشهد في ذاكرته.
لكن الاختبار لم ينتهِ.
بعد أن أجاب الجميع، أعاد الدكتور محمد فتح أبواب الساحة، هذه المرة، كان عليهم الدخول مرة أخرى، نظر الطلاب إلى الموقع، ساد الصمت.
قال الدكتور محمد:
"أمامكم دقيقة واحدة."
تبادلوا النظرات، كان الموقع كما هو تقريبًا، لكن ثلاثة أشياء تغيّرت، أداة نُقلت من مكانها، إحدى الصور استُبدلت، وسجل اختفى من الطاولة.
"اكتشفوا ما تغيّر."
انطلقت عيونهم في أرجاء المكان.
وهنا لم يعد الأمر متعلقًا بما يستطيعون تذكره فقط، بل بقدرتهم على ملاحظة ما يختلف عن الصورة التي احتفظوا بها في أذهانهم.
لاحظ صخر الأداة التي كانت موضوعة فوق الطاولة، ثم أدرك أنها لم تعد في مكانها.
أما يزن، فوقع بصره على الصور في الخلف، تذكر مواضعها جيدًا، لكنه لم يجدها حيث كانت قبل قليل.
وفي الجهة الأخرى، كانت إيما قد بدأت بتعداد التغييرات في ذهنها واحدًا تلو الآخر.
أداة تغيّر موضعها، صورتان استُبدلتا، وسجل اختفى من فوق الطاولة، لم تقل شيئًا، واكتفت بالنظر إلى الموقع مرة أخرى، تتأكد من أنها لم تُغفل تفصيلًا آخر.
رفع الدكتور محمد ساعته.
"انتهى الوقت."
توقفت الحركة في الساحة.
ثم قال:
"لن أطلب منكم ذكر ما تغير فقط. أريد أن أعرف كيف عرفتم أنه تغير."
نظر بعض الطلاب إلى بعضهم.
أما إيما، فكانت قد كتبت في ذهنها الإجابة منذ اللحظة الأولى.
بعد انتهاء الاختبار، تجمع الطلبة مرة أخرى، كان التعب قد بدأ يظهر على الوجوه.
قال سامر وهو يجلس على أحد المقاعد:
"أعلن انسحابي."
ضحك يزن.
"من ماذا؟"
"من كل شيء."
جلست أسماء بجانبه.
'لم يمر سوى اختبارين."
'وهذا هو سبب انسحابي."
قال صخر:
"لا تزال هناك اختبارات أخرى."
نظر سامر إليه.
"أنت لا تساعد."
ابتسم صخر.
أما إيما كانت تسند رأسها على كتف أسماء بأريحية قبل أن يبدأ الاختبار الثالث.
كان الجو أخف قليلًا من الصباح، لكن التوتر لم يختفِ، كان الجميع يعرف أن الاختبار التالي مختلف.
ظهر الدكتور محمد مرة أخرى.
"الاختبار الثالث جماعي."
ارتفعت بعض الأصوات.
تابع:
"سيتم تقسيمكم الآن إلى مجموعات صغيرة."
بدأ المراقبون بتوزيع الأرقام، كل طالب حصل على رقم، ثم بدأت الأسماء تُنادى.
أوس لم يكن مع إيما، ولا مع أسماء، ولا مع خالد، أُرسل إلى مجموعة تضم خمسة طلاب لا يعرفهم.
آسر وجد نفسه مع أربعة طلاب آخرين، أسماء في مجموعة مختلفة، إيما مع مجموعة أخرى، خالد مع أربعة طلاب من سنوات مختلفة، صخر مع طلاب لا يعرفهم، يزن وسامر أيضًا تفرقا، نظر يزن إلى سامر من بعيد.
رفع يده.
"إذا فشلت، لا تعرفني."
صرخ سامر:
"وأنت كذلك."
قال الدكتور محمد:
"أمامكم ثلاثون دقيقة."
تبادل الطلاب النظرات.
أكمل:
"أمامكم حالة استكشافية افتراضية. فقد فريق ميداني الاتصال بالمركز أثناء وجوده في منطقة جبلية، ولا نملك معلومات كافية عن موقعه الحالي."
ثم أشار إلى الملفات.
"كل واحد منكم سيحصل على ملف مختلف."
بدأ المراقبون بتوزيع الملفات.
"لا يُسمح لكم بتبادل الملفات أو النظر في ملف شخص آخر. يمكنكم فقط مشاركة المعلومات التي تجدونها مع بقية أفراد مجموعتكم."
رفع أحد الطلاب حاجبه.
تابع الدكتور محمد:
"أحدكم يملك معلومات عن التضاريس، وآخر عن حالة الطقس، وآخر عن الموارد المتاحة، وآخر عن الغطاء النباتي، وآخر عن المخاطر المحتملة، وآخر عن آخر موقع معروف للفريق."
توقف لحظة.
"لكن أياً منكم لا يملك الصورة كاملة."
ساد الصمت.
"مهمتكم هي وضع خطة للتعامل مع الحالة، وتحديد الأولويات، واختيار القرار الذي ترونه مناسبًا. لا أريد عدة قرارات. أريد قرارًا واحدًا تتفق عليه المجموعة."
نظر إلى الساعة.
"يمكنكم البدء."
كان أول ما حدث بعد تلك الجملة هو الصمت.
لم يتحرك أحد في اللحظة الأولى، وكأن كل طالب كان ينتظر من الآخر أن يبدأ.
ثم بدأت الملفات تُفتح واحدًا تلو الآخر.
رفع أوس نظره إلى أفراد مجموعته.
خمسة طلاب لا يعرف أحدًا منهم.
لم يحاول أن يفرض نفسه قائدًا، ولم يتحدث مباشرة، بل قال:
"قبل أن نقرر أي شيء، لنستمع إلى المعلومات التي يملكها كل واحد منا."
نظر إليه أحد الطلاب باستغراب.
"نبدأ بك؟"
هز أوس رأسه.
"لا، من يملك آخر موقع معروف للفريق؟"
رفع طالب يده قليلًا.
"أنا."
فتح ملفه وبدأ يقرأ.
"آخر اتصال كان من منطقة جبلية، على بعد عدة كيلومترات من نقطة الإمداد، الإحداثيات ليست كاملة، لكن آخر موقع معروف يقع بالقرب من وادٍ."
رفع طالب آخر رأسه.
"أنا لدي معلومات عن التضاريس."
وضع الورقة أمامه.
"المنطقة محاطة بانحدارات صخرية، وهناك ممران يمكن الوصول عبرهما إلى الوادي، الأول أقصر، لكنه أكثر انحدارًا."
تحدث طالب ثالث:
"وأنا لدي حالة الطقس."
قرأ بسرعة.
"انخفاض في درجات الحرارة خلال الساعات القادمة، مع احتمال تشكل ضباب في المناطق المرتفعة."
ساد صمت قصير.
قال طالب رابع:
"لدي معلومات عن الموارد، الفريق يملك كمية محدودة من الماء، لكن معه معدات اتصال احتياطية."
أما الخامس فقال:
"وأنا لدي معلومات عن المخاطر."
رفع عينيه عن الورقة.
"هناك احتمال لانزلاق الصخور في الممر الأقصر."
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال أحدهم:
"إذن نأخذ الممر الثاني."
لكن طالبًا آخر اعترض:
"الممر الثاني أطول، وإذا كان الفريق عالقًا فعلًا، فقد نضيّع وقتًا."
رد الأول:
"لكن الممر الأقصر أخطر."
بدأت الأصوات ترتفع قليلًا.
لم يتدخل أوس مباشرة.
كان يستمع.
راقب المعلومات التي ظهرت أمامه، ثم قال:
"لدينا ثلاث مشكلات، وليس واحدة."
توقفت المجموعة.
"أولًا، لا نعرف الموقع الحالي للفريق بدقة، ثانيًا، الظروف الجوية ستزداد سوءًا، ثالثًا، لدينا طريق أسرع لكنه يحمل خطرًا أكبر."
قال الطالب الذي اقترح الطريق الأقصر:
"إذن نتحرك بسرعة."
رد أوس:
"إلى أين؟"
صمت الطالب.
أكمل أوس:
"إذا تحركنا دون تحديد موقعهم، قد نبتعد عنهم بدل أن نقترب."
قالت إحدى الطالبات:
"إذن نحدد المنطقة أولًا."
هز رأسه.
"نعم، لكن ليس بالضرورة أن نبقى في مكاننا."
أخرج أحد الطلاب قلمه وبدأ يرسم على الورقة.
"يمكننا تحديد نطاق البحث اعتمادًا على آخر موقع معروف، ثم استبعاد المناطق التي لا يمكن الوصول إليها."
اقترب الآخرون من الورقة.
بدأت المعلومات تتجمع.
ولأول مرة، لم تعد الملفات المنفصلة ملفات منفصلة.
أصبحت أجزاءً من صورة واحدة.
في مجموعة أخرى، كان الوضع مختلفًا تمامًا.
وقفت أسماء أمام أربعة طلاب لا تعرفهم، وكان أحدهم قد بدأ بإعطاء الأوامر قبل أن يقرأ الجميع ملفاتهم.
"أنت اقرأ، وأنت دوّن، وأنت ركز على الطريق."
رفعت أسماء حاجبها.
"لحظة."
نظر إليها.
"ماذا؟"
"نحن لم نسمع المعلومات بعد."
قال بثقة:
"ليس لدينا وقت."
أجابته:
"لدينا ثلاثون دقيقة، وأول دقيقة منها لا تكفي لاتخاذ قرار."
تدخل طالب آخر:
"دعونا نستمع أولًا."
جلس الجميع، وبدأ كل واحد يشارك ما لديه.
كانت معلوماتهم متناقضة في البداية.
الطقس يشير إلى ضرورة الإسراع، لكن معلومات المخاطر تحذر من أحد المسارات.
المياه محدودة، لكن الفريق المفقود قد يكون قريبًا من مصدر طبيعي.
آخر إشارة كانت في منطقة منخفضة، بينما الطريق الأسرع يمر عبر ارتفاعات شديدة.
قال أحدهم:
"أعتقد أننا يجب أن نذهب مباشرة إلى آخر موقع."
قالت أسماء:
"إذا كانت الإشارة قديمة، فقد لا يكونون هناك الآن."
"لكن هذا أفضل من الانتظار."
"لم أقل أننا يجب أن ننتظر."
سكت.
أشارت إلى الخريطة.
"نحدد أولًا الأماكن التي يمكن أن يكونوا قد وصلوا إليها منذ آخر اتصال."
بدأ أحد الطلاب ينظر إلى الخريطة.
"هذا يعني أننا نحتاج إلى حساب الزمن والمسافة."
ابتسمت أسماء.
"بالضبط."
وفي مجموعة إيما، كان الاختلاف أكبر.
كان أحد الطلاب يركز على الطقس فقط.
"إذا بدأ الضباب، فالأولوية هي التحرك قبل أن تصبح الرؤية ضعيفة."
ردت طالبة أخرى:
"لكننا لا نعرف مكان الفريق."
"نعرف آخر موقع."
"وهذا لا يعني أنه موقعهم الحالي."
كانت إيما تستمع إلى الطرفين.
ثم قالت بهدوء:
"ماذا لو كانت المشكلة ليست في اختيار الطريق؟"
نظر إليها الجميع.
"ماذا تقصدين؟"
"نحن نفترض أن علينا الوصول إليهم مباشرة. لكن ماذا لو كان القرار الصحيح هو محاولة الاتصال بهم أولًا، ثم التحرك بناءً على أي معلومة جديدة نحصل عليها؟"
قال أحد الطلاب:
"لكنهم فقدوا الاتصال."
"الاتصال بالمركز فُقد، وليس بالضرورة أن كل وسائل الاتصال لديهم تعطلت."
فتح الطالب ملفه.
"صحيح... لدي معلومة عن جهاز احتياطي."
رفعت إيما نظرها إليه.
"هل يعمل؟"
قرأ السطر.
"لم يذكر ذلك."
قالت:
"إذن هذه أول معلومة نحتاج إلى التحقق منها."
في مجموعة خالد، كان التحليل يأخذ اتجاهًا مختلفًا.
لم يكن أحدهم متفقًا مع الآخر.
كل شخص كان يرى جزءًا من المشكلة فقط.
قال أحد الطلاب:
"نحتاج قائدًا."
رد خالد:
"لا نحتاج قائدًا يقرر وحده."
نظر إليه الطالب.
"إذن ماذا نحتاج؟"
"شخصًا ينظم المعلومات."
وضع خالد الأوراق أمامه.
"كل واحد منكم يملك جزءًا من الصورة. إذا بدأنا بالجدال قبل أن نجمعها، سنضيع الوقت."
هدأ الجميع.
ثم بدأوا بترتيب المعلومات.
لم يكن خالد الأسرع في اتخاذ القرار، لكنه كان يعرف كيف يمنع الفوضى من السيطرة على المجموعة.
أما آسر، فكان في مجموعة أخرى تمامًا.
لم يكد الاختبار يبدأ حتى قال أحد الطلاب:
"نحن نحتاج إلى التحرك فورًا."
قال آسر:
"لماذا؟"
"لأن كل دقيقة تأخير قد تكون مشكلة."
ابتسم آسر ابتسامة قصيرة.
"أتفق."
ثم أضاف:
"لكن ليس قبل أن نعرف إلى أين."
نظر إليه الطالب باستغراب.
"أنت لا تبدو من النوع الذي يحب الانتظار."
"أنا لا أحب الانتظار."
أشار إلى الملفات.
"لكنني لا أحب التحرك بلا سبب أيضًا."
نظر إلى المعلومات الموجودة أمامهم.
بدأت المجموعة تعمل.
ومع مرور الوقت، بدأت الفروق بينهم تظهر، بعض المجموعات كانت تجمع المعلومات أولًا، أخرى كانت تتجادل حول القيادة، بعضها اتخذ قرارًا سريعًا ثم بدأ يبحث عن أدلة تدعمه، وأخرى كانت تراجع كل معلومة قبل أن تتقدم خطوة.
كان الدكتور محمد يتحرك بين المجموعات بصمت، لم يقدم أي مساعدة، كان يراقب فقط، راقب من يتحدث كثيرًا، من يستمع، من يقاطع، من يتراجع عندما يعترض الآخرون، ومن يغيّر رأيه عندما تظهر معلومة أفضل.
في إحدى المجموعات، ارتفع صوت أحد الطلاب:
"قلت لكم إن هذا هو الطريق الأفضل!"
ردت طالبة:
"لكنك لم تقرأ معلومات المخاطر."
"قرأت."
"إذن لماذا تتجاهلها؟"
تدخل طالب ثالث:
"توقفوا."
ساد الصمت.
ثم قال:
"المطلوب قرار واحد، وليس أن يفوز شخص برأيه."
سجل المراقب شيئًا في ورقته.
في مجموعة أوس، اقترب الوقت من نهايته.
قال أحد الطلاب:
"لدينا خياران."
نظر أوس إلى الورقة.
"لا."
رفع الطالب حاجبه.
"لا؟"
"لدينا خياران إذا تجاهلنا معلومة الطقس."
أشار إلى الملف.
"لكن الضباب سيقلل الرؤية، والطريق الأقصر يمر بمنطقة مرتفعة."
قالت الطالبة:
"إذن الطريق الثاني."
فكر أوس لحظة.
"ليس مباشرة."
نظروا إليه.
"نحدد نقطة مراقبة آمنة بالقرب من الوادي، ونحاول إعادة الاتصال بالفريق من هناك. إذا لم نحصل على استجابة، نبدأ البحث ضمن النطاق الذي حددناه."
قال أحدهم:
"لكن هذا يعني أننا لن نصل مباشرة."
"صحيح."
"وقد نضيع وقتًا."
"وقد نكسب معلومات."
ساد الصمت.
ثم قالت الطالبة:
"أنا موافقة."
تبعتها بقية المجموعة، بدأ أحدهم يكتب القرار النهائي.
في مجموعة أسماء، كان القرار مختلفًا، بعد نقاش طويل، اتفقوا على تحديد آخر موقع معروف، ثم اختيار الطريق الأقل خطورة، مع ترك نقطة عودة واضحة إذا ساء الطقس.
أما مجموعة إيما، فاختارت محاولة الاتصال أولًا، ثم التوجه إلى أقرب نقطة آمنة تسمح بتوسيع البحث.
خالد ومجموعته وضعوا خطة أكثر تفصيلًا، قسمت المنطقة إلى نطاقات، وحددت الأولويات وفقًا للطقس والمخاطر والموارد.
أما آسر، فقد ساعد مجموعته على الوصول إلى قرار سريع، لكنه لم يكن القرار الأكثر تفصيلًا بينهم؛ كان واضحًا أنه اعتمد على المعلومات الأساسية ثم اختار المسار الذي يمكن تنفيذه دون تأخير كبير.
بدأت الدقائق الأخيرة.
قال الدكتور محمد:
"خمس دقائق."
ارتفعت وتيرة العمل.
"دقيقتان."
بدأت الأقلام تتحرك بسرعة.
"ثلاثون ثانية."
رفع بعض الطلاب رؤوسهم.
"انتهى الوقت."
توقفت الأقلام.
وقف المراقبون بجانب كل مجموعة، وجمعوا أوراقهم.
قال الدكتور محمد:
"لن أطلب منكم الآن شرح القرار."
نظر إليه بعض الطلاب باستغراب.
"سأطلب من كل مجموعة أن تختار شخصًا واحدًا يشرح لنا لماذا اتخذتم هذا القرار."
ساد الهدوء.
بدأت المجموعات تتبادل النظرات.
وهنا ظهرت المشكلة الجديدة.
لم يكن المطلوب أن يكون القرار صحيحًا فقط، بل أن تكون المجموعة قادرة على الدفاع عنه معًا.
في مجموعة أوس، نظر الجميع إليه.
قال أحدهم:
"أنت تحدثت أكثرنا، اشرح."
نظر أوس إلى الأوراق.
ثم قال:
"لا. القرار للمجموعة."
رفع الطالب حاجبه.
"لكننا اتفقنا عليه."
"إذن يجب أن نستطيع شرحه جميعًا."
راقبهم المراقب من بعيد.
وفي مجموعة أسماء، اختاروا أحد الطلاب.
أما أسماء فقالت:
"إذا سأل عن سبب القرار، يجب أن يعرف الجميع الإجابة."
نظر إليها أفراد المجموعة.
أومأوا.
وفي مجموعة إيما، تولت إيما الشرح، لكن بقية أفراد المجموعة ظلوا مستعدين لإضافة أي معلومة إذا طلب منهم ذلك.
أما خالد، فترك زميله الذي اقترح الخطة يشرحها، وتدخل فقط عندما نسي نقطة مهمة.
ثم بدأت العروض القصيرة.
مجموعة بعد أخرى.
لم يكن الدكتور محمد يعلق.
كان يستمع.
يسأل سؤالًا واحدًا أحيانًا.
"لماذا اخترتم هذا الطريق؟"
"ماذا لو تغير الطقس؟"
"ماذا لو لم تجدوا الفريق في آخر موقع معروف؟"
"ما أول شيء ستفعلونه إذا فشلت الخطة؟"
وفي كل مرة، كان ينظر إلى بقية أفراد المجموعة بعد الإجابة، كأنه يريد أن يعرف إن كانوا متفقين فعلًا مع ما قيل.
وبعد انتهاء جميع المجموعات، أغلق الدكتور محمد ملفه.
"انتهى الاختبار الثالث."
تنفس الطلبة براحة.
لكن الدكتور محمد أضاف:
"ولا أحد منكم سيعرف نتيجته اليوم."
بدأت الهمسات.
"الاختبارات لا تقيس من حصل على أكبر عدد من الإجابات فقط."
نظر إليهم.
"أحيانًا الطالب الذي أخطأ في معلومة واحدة، لكنه عرف كيف يصحح خطأه، يكون أكثر فائدة من طالب لم يخطئ لأنه لم يجرؤ على اتخاذ قرار."
ساد الصمت.
"سنكمل الاختبارات غدا. "
ثم غادر.
بقي الطلبة في الساحة، بعضهم يتحدث عن الأسئلة، وبعضهم يحاول معرفة ما إذا كان قراره صحيحًا.
لم يبتعد أفراد المجموعة كثيرًا عن الساحة، فقد وجدوا مكانًا هادئًا بالقرب من الدرج المؤدي إلى المبنى، واجتمعوا هناك كما اعتادوا بعد كل يوم طويل.
جلس سامر على الدرجة الأولى، وأسند ظهره إلى الحائط.
قال وهو يحدق في الفراغ:
"أعتقد أنني فقدت جزءًا من ذاكرتي في اختبار الملاحظة."
ضحك يزن، وجلس إلى جواره.
"جزءًا؟ أنا متأكد أنك فقدتها كلها."
رفع سامر رأسه إليه.
"على الأقل أنا لا أتظاهر بأنني تذكرت كل شيء."
"أنا لم أتظاهر."
"إذن لماذا كنت تبتسم لنفسك طوال الاختبار؟"
ابتسم يزن.
"لأنني تذكرت شيئًا."
"وما هو؟"
صمت يزن لحظة.
"نسيت."
انفجر سامر بالضحك، وضحكت أسماء وهي تهز رأسها.
قال صخر بهدوء:
"كان اختبارًا جيدًا."
نظر إليه سامر.
"أنت تقول هذا لأنك لم تتوتر."
"توترت."
"لم يظهر عليك."
رفع صخر كتفيه.
"ليس كل شيء يظهر."
ساد صمت قصير، قبل أن يقول خالد:
"الاختبار الجماعي كان أصعب."
التفتت إليه أسماء.
"بسبب المعلومات؟"
"بسبب الأشخاص."
قالها خالد ببساطة.
نظر يزن إلى بقية المجموعة.
"صحيح. عندما تكون مع أشخاص تعرفهم، تعرف كيف سيفكرون قبل أن يتحدثوا."
أضافت إيما:
"أما مع الغرباء، فلا تعرف إن كان اعتراضهم بسبب معلومة ناقصة أم لأنهم يرون الأمر بطريقة مختلفة."
قال آسر، الذي كان واقفًا بالقرب من السور:
"وأحيانًا يكون الشخص واثقًا من شيء خاطئ، ولهذا يجب أن نستمع قبل أن نقرر."
رفع يزن حاجبه.
"من أنت؟ وماذا فعلت بآسر؟"
ضحكت أسماء.
ابتسم آسر.
"لا تقلق، سأعود إلى طبيعتي غدًا."
قال سامر:
"أرجوك لا تعد."
ضحكت المجموعة من جديد.
راقبهم أوس للحظة، ثم قال:
"لم يكن الاختبار سيئًا."
التفتت إليه أسماء.
"هذه شهادة كبيرة منك."
قال يزن:
"اكتبوا التاريخ."
حتى أوس ابتسم ابتسامة خفيفة.
لكن خالد لم يشاركهم الضحك هذه المرة.
كان ينظر إلى الساحة التي بدأت تخلو من الطلبة.
قال:
"لا أظن أن الاختبار انتهى بالنسبة لهم."
سألته إيما:
"تقصد الدكتور محمد؟"
"نعم."
نظر أوس إلى المبنى.
"كان يراقب أكثر مما كان يسأل."
أومأ خالد.
"وهذا ما يقلقني."
قالت أسماء:
"لماذا؟"
أجاب خالد:
"لأننا لا نعرف ما الذي سجله."
ساد الصمت.
نظر كل واحد منهم إلى الآخر.
للمرة الأولى منذ بداية اليوم، لم يكن أحد يملك تعليقًا ساخرًا.
قال سامر أخيرًا:
"أتمنى فقط أنه لم يسجل عدد المرات التي فكرت فيها بالانسحاب."
قال يزن:
"إذن أنت انتهيت."
ضحكت أسماء.
وعاد الجو أخف قليلًا.
لكن أوس ظل صامتًا، وكأنه يعرف أن ما جرى اليوم لم يكن مجرد سلسلة اختبارات.
كان كل واحد منهم قد ظهر أمام أشخاص لا يعرفهم، دون أن يستطيع الاعتماد على وجود أصدقائه إلى جانبه.
وربما كان ذلك هو الجزء الحقيقي من الاختبار.
بعد دقائق، بدأ أفراد المجموعة يتفرقون واحدًا تلو الآخر.
تقدم يزن وسامر معًا نحو بوابة الجامعة، بينما حمل صخر حقيبته واتجه خلفهما.
توقف خالد لحظة، نظر إلى أوس، ثم قال:
"غدًا سيكون أصعب."
أجابه أوس:
"أعرف."
ثم غادر.
بقيت أسماء وإيما وحدهما.
سارتا ببطء في الممر المؤدي إلى الخارج، وكانت أصوات الطلبة من حولهما تخفت شيئًا فشيئًا.
قالت أسماء:
"هل أنتِ متعبة؟"
"قليلًا."
صمتت أسماء لحظة، ثم ابتسمت.
"أنا لا."
نظرت إليها إيما.
"أعرف."
ضحكت أسماء.
"أشعر وكأننا بدأنا شيئًا أكبر مما توقعنا."
نظرت إيما نحو الساحة خلفهما.
"أنا أيضًا."
"هل تندمين على التسجيل؟"
هزت إيما رأسها.
"لا."
ثم أضافت بعد لحظة:
"لكنني بدأت أفكر في شيء آخر."
"ماذا؟"
"ماذا سيحدث لو لم نُقبل جميعًا؟"
اختفت ابتسامة أسماء قليلًا.
كانت تلك الفكرة قد مرت في ذهنها من قبل، لكنها لم تقلها بصوت واضح.
قالت:
"لم أفكر في ذلك."
سارتا بضع خطوات في صمت.
ثم قالت أسماء:
"تعرفين ما الغريب؟"
"ماذا؟"
"أنني في البداية كنت أريد أن أنجح فقط."
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"الآن أريد أن ننجح جميعًا."
نظرت إليها إيما، ولم تجب مباشرة.
ثم قالت:
"أنا أيضًا."
توقفتا عند البوابة.
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، والسماء تحمل ذلك اللون الهادئ الذي يسبق نهاية النهار.
قالت أسماء:
"مهما حدث في النتائج..."
نظرت إليها إيما.
أكملت:
"لا أريد أن يجعلنا هذا الاختبار غرباء عن بعضنا."
ابتسمت إيما.
"لن يفعل."
قالت أسماء:
"واثقة؟"
أجابتها إيما بهدوء:
"سنرى."
ضحكت أسماء.
"إجابة إيما المعتادة."
ثم تابعتا طريقهما، دون أن يعرفا أي منهما أن نتائج ذلك اليوم ستفصل بينهم أكثر مما توقعوا.
───────────𓆩♡𓆪───────────
انتهى الفصل السابع.
الفصل طويل هذه المرة 🥹
الاختبارات كانت صعبة وغير متوقعة 😭😭
أشعر بالأسف عليهم 😭😭 لكنني أحببت عمل المستكشف 😭😭
الدكتور محمد يدربهم على الحالات الاستثنائية فقط، أما بالنسبة لعمل المستكشف الطبيعي فيجب أن يكونوا تمكنوا منه بالفعل 🫠
من يريد أن يصبح مستكشف بعد قراءة الرواية؟ 😂
ترقبوا الفصول القادمة.
𓆩 : فَـقْــــــرَةُ الأسـْـــئـِلة 𓆪
أوس؟
آسر؟
إيما؟
أسماء؟
يزن؟
صخر؟
سامر؟
خالد؟
الدكتور محمد والمراقبين؟
الإختبار الأول؟
الإختبار الثاني؟
الإختبار الثالث؟
توقعاتكم لاختبارات الغد؟
التحديثات في قناتي في أنستغرام:
novelist_salma
دمتم في رعاية الله.
> مع حبي.
2 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.