تحذير المحتوى

هذا الفصل من رواية مصنفة للكبار +18 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.

العودة
ما بين خطوتين.
ما بين خطوتين.
جزء 10 من 11
وضع القراءة:

عــلى ضفة البحر.

حل يوم الأحد، حاملا معه هدوءا افتقدوه طوال الأيام الماضية، فلا محاضرات تنتظرهم، ولا اختبارات، ولا خرائط عليهم تحليلها، مجرد يوم عادي.
يوم يعيش فيه كل واحد منهم حياته الطبيعية بدون أي التزامات تثقل كاهله.
كان لكل منهم طريقته في قضاء ساعاته، فمنهم من بقي في منزله حيث وجد في دفء العائلة ملاذًا من صخب الأيام.
أما إيما فقررت أن تجتمع مع عائلتها حول مائدة الفطور، يتبادلون الأحاديث وينسون مشاغل الحياة.
كانت تجلس بينهم بهدوء، تستمع إلى حديث والدها عن بعض الأمور اليومية، بينما تتدخل بين حين وآخر في الحديث، وتبتسم عندما تبدأ والدتها في سرد موقف طريف حدث لها خلال الأسبوع.
لم يكن هناك شيء استثنائي في ذلك الصباح، وهذا بالضبط ما جعل إيما تستمتع به، فهي لم تكن إلى يوم مليء بالأحداث حتى تشعر بالسعادة.
كان يكفيها أن تكون بين من تحب.
وفي جو غير مختلف عن السابق جلست أسماء بين عائلتها، والضحكات تتعالى، بينما كانت تحاوى الدفاع عن نفسها بعد أن اعاد أحد أفراد عائلتها ذكر موقف قديم لها.
قالت وهي تضحك:
"لقد كنت صغيرة حينها! "
جاءها الرد سريعا:
"صغيرة؟ كنت في الخامسة عشر من عمرك. "
ضحكت أسماء أكثر، ثم هزت رأسها باستسلام.
"حسنا، لن أتكلم. "
لكنها لم تصمت سوى ثوان قبل أن تعود إلى الحديث من جديد.
بينما آسر، فكان قد بدأ يومه بالطريقة التي يفضلها، خرج إلى مكان دراجته، وأخذ قطعة قماش وبدأ بتنظيفها بعناية، يمسح عنها الغبار، ويتفقد أجزاءها بين الحين والآخر.
كان يفعل ذلك بهدوء، وكأنه لا يرى في تنظيف دراجته مجرد عمل عادي، بل عادة لا يريد أن يتخلى عنها.
وعلى عكسه سامر يستغل الأحد للنوم، رغم ان الساعة تجاوزت العاشرة صباحا إلا أنه لا يزال مستغرقا في يومه، غير عابئ بمرور الساعات.
أما يزن فكان يقضي صباحه في أجوائه الرحة المعتادة، ينتقل بين الأشياء دون هدف واضح، يفتح هاتفه، يشاهد شيئا، ثم يتركه، قبل ان يعود إليه بعد دقائق.
خالد في هدوئه وعاداته الخاصة يستهل يومه في قراءة كتاب بهدوء في غرفته، لم يكن يحب الضوضاء، ولا الأماكن المزدحمة، يفضل ان يقضي ساعات في قراءة كتابه بهدوء تام.
أما صخر، فكان يقضي صباحه مع عائلته في جو مريح، بعيدا عن كل ما يتعلق بالجامعة. 
فجأة، اهتزت الهواتف معلنة وصول رسالة جديدة، أيقظت سامر من نومه وجعلت آسر يتوقف عن غسل دراجته.
كانت أسماء قد بعثت رسالة في مجموعتهم في تطبيق واتساب تخبرهم:
"من يريد الخروج؟ "
أرسل سامر:
"لا تدعون المرء ينام حتى. "
ثم ظهرت رسالة من يزن:
"منذ متى لم تكن نائم؟"
أجاب سامر:
"الأحد يوم مقدس للنوم. "
ضحكت أسماء وهي تقرأ الرد، ثم كتبت:
"حسنا، لن نطيل عليك. ما رأيكم أن نلتقي في المرفأ؟ "
جاء رد آسر سريعا:
"موافق. "
ثم كتب صخر:
"مناسب. "
أما خالد فاكتفى برسالة صغيرة:
"لا بأس. "
وبعد لحظات، ظهرت رسالة إيما:
"أنا موافقة. "
ثم ظهر اسم أوس.
"سأكون هناك. "
وصلت بعدها عدة رسائل متفرقة، إلى أن استقر الجميع على الموعد.
وقف أوس أمام مرآة غرفته، يتأمل هيئته للحظات، وقد ارتدى سروالًا قصيرًا وقميصًا صيفيًّا خفيفًا رماديا.
أخذ هاتفه ليشق طريقه نحو الطابق السفلي، مر بجانب غرفة الجلوس ليلمح والده يرتشف قهوته وعيناه منشغلتان بهاتفه.
توقف أوس للحظة، ثم تابع طريقه دول أن يقول شيئا، لكن صوت والده أوقفه قبل ان يغادر.
"إلى أين؟ "
التفت أوس نحوه.
"سأخرج مع أصدقائي. "
رفع والده عينيه عن هاتفه، وتأمله لثوان.
"متى ستعود؟ "
"لا أعلم، ربما بعد المغرب. "
أومأ والده برأسه، ثم عاد إلى هاتفه.
التفت أوس ثم غادر المنزل.
في الخارج، كان الصباح قد بدأ يزداد دفئًا، والشارع أكثر ازدحاما مما كان عليه قبل ساعة، وضع هاتفه في جيبه، ثم اتجه نحو محطة الحافلة.
لم يكن الطريق طويلا، لكنه هذه المرة لم يقضه وهو يفكر في الجامعة أو الاختبارات أو النتائج.
كان يحاول فقط أن يتستمتع بيوم عادي.
وبعد وقت قصير، بدأ مقهى المرفأ يظهر أمامه، حيث امتزجت رائحة البحر بأصوات السيارات وحركة المارة.
كان آسر أول الواصلين تقريبا، وقد أسند ظهره إلى دراجته، بينما كان يبعث بهاتفه بين الحين والآخر.
ضغط أوس على زر توقف الحافلة لينزل منها.
قال آسر بابتسامة جانبية فور أن لمحه:
"أخيرا وصلت. "
ثم أضاف وهو ينظر إلى ملابسه:
"لكنني توقعت أن تأتي وأنت تحمل خريطة في يدك. "
نظر إليه أوس لثوان، ثم قال:
"اليوم أحد. "
ضحك آسر.
"تطور ملحوظ. "
لم يجب أوس، اكتفى بالنظر نحو البحر.
وبعد دقائق، بدأ بقية أفراد المجموعة بالوصول واحدًا تلو الآخر.
كانت أسماء وإيما أول من ظهر، تتحدثات معا، بينما جاء صخر بعدهما بقليل، ثم خالد الذي بدا كعادته أكثر هدوءًا من الجميع يحمل كتابه في يده.
أما يزن، فوصل وهو يلوّح لهم من بعيد، وسامر كان يسير خلفه بملامح توحي بأنه لم يستيقظ تماما بعد.
قال يزن فور وصوله:
"أين بقية الناس؟"
نظر إليه سامر باستغراب.
"كلنا هنا."
أشار يزن بيده نحو المجموعة.
"أعرف، كنت أتحدث عن الأشخاص الذين يملكون طاقة للكلام، لا الزومبي. "
قال سامر:
"إذن لا تنظر إليّ."
ضحكت أسماء، بينما هزت إيما رأسها.
أردف صخر:
"هل نذهب إلى الداخل؟"
أومأت أسماء.
"نعم، لنترك سامر ينام على الطاولة."
نطق سامر بسرعة:
"أنا مستيقظ."
نظر إليه يزن.
"هذا أكثر شيء مشكوك فيه سمعته اليوم."
دخلوا إلى مقهى المرفأ، واختاروا طاولة واسعة قريبة من النافذة، يستطيعون من خلالها رؤية البحر.
جلس أوس في أحد الأطراف، وإيما إلى جواره، بينما جلست أسماء مقابل آسر، وجلس صخر إلى جانب خالد، أما يزن وسامر فاختارا المقاعد الأخيرة.
جاء العم وأخذ طلباتهم، وبعد أن ابتعد، ساد بينهم صمت قصير.
لم يكن صمتًا ثقيلًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يحدث عندما يجتمع عدد من الأشخاص بعد أيام طويلة من الانشغال، ولا يعرف أحد من أين يبدأ الحديث.
كسر يزن الصمت قائلًا:
"أشعر أننا منذ أسابيع لا نتحدث إلا عن الجامعة."
قال سامر:
"لأن الجامعة تلاحقنا."
رد خالد بهدوء:
"نحن من نسمح لها بذلك."
نظر إليه سامر.
"لا تبدأ."
ضحك يزن.
"دعه، ربما سيحول هذا اليوم إلى محاضرة أخرى."
قال خالد:
"لن أفعل."
ثم فتح كتابه الذي كان يحمله معه، حدقت أسماء فيه باستغراب.
"هل أحضرت كتابًا إلى هنا؟"
رفع خالد عينيه عن الكتاب.
"نعم."
"حتى هنا؟"
"لماذا لا؟"
تدخل آسر:
"لأننا خرجنا لنرتاح."
أغلق خالد الكتاب بهدوء.
"وأنا أرتاح بالقراءة."
قال يزن:
"أعتقد أن هذه أول مرة أعرف فيها شيئًا منطقيًا عنك."
ابتسم خالد ابتسامة صغيرة.
"وأنت؟"
"أنا؟"
"كيف ترتاح؟"
فكر يزن للحظة، ثم قال:
"بإزعاج الآخرين."
ضحكت أسماء.
"هذا واضح."
بعد لحظات، وصلت صينية الشاي وبعض الأطباق من الحلوى إلى الطاولة، فعاد الحديث من جديد.
كانت أسماء أول من بدأ الحديث هذه المرة.
قالت وهي تنظر إليهم:
"بما أننا بعيدون عن الجامعة اليوم، لدي فكرة."
رفع سامر حاجبه.
"هذا مخيف."
"اسكت."
ثم نظرت إلى الجميع.
"لماذا لا نتحدث عن أنفسنا قليلًا؟"
قال آسر:
"ماذا تقصدين؟"
"أعني... نحن نقضي وقتًا طويلًا معًا، ومع ذلك هناك أشياء كثيرة لا نعرفها عن بعضنا."
أردف يزن:
"مثل ماذا؟"
"مثل حياتنا قبل الجامعة، الأشياء التي نحبها، الأشياء التي نكرهها، أحلامنا..."
قاطعها سامر:
"أنا أستطيع اختصار كل شيء."
نظرت إليه.
"كيف؟"
"أحب النوم، وأكره الاستيقاظ، وحلمي أن أنام دون أن يوقظني أحد."
انفجر يزن بالضحك.
تنهدت أسماء.
"هذا ليس حلمًا."
"بالنسبة لي هو كذلك."
هزت إيما رأسها مبتسمة.
نظرت أسماء نحو الآخرين
"حسنًا، لنبدأ بشخص آخر."
أشارت إلى آسر.
"أنت."
رفع آسر حاجبه.
"أنا ماذا؟"
"تحدث عن نفسك."
"لماذا أنا أولًا؟"
"لأنك الأكثر اعتراضًا."
علق يزن:
"منطقي."
تنهد آسر، ثم أسند ظهره إلى الكرسي.
"حسنًا... ماذا تريدون أن تعرفوا؟"
فكرت أسماء للحظة ثم أردفت:
"لماذا تحب الدراجات إلى هذا الحد؟"
نظر آسر إليها لحظة، ثم ابتسم.
"لأنني أحب الحركة."
"هذا جواب مختصر جدًا."
"لأنني لا أحب البقاء في مكان واحد طويلًا."
علّق سامر:
"واضح."
تابع آسر:
"منذ أن كنت صغيرًا وأنا أحب الخروج، اكتشاف أماكن جديدة، الذهاب إلى أماكن لم أزرها من قبل. الدراجة جعلت الأمر أسهل."
سكت للحظة.
"وأشعر معها أن الطريق مفتوح أمامي."
كانت أسماء تنظر إليه باهتمام.
"هذا يفسر الكثير."
"ماذا؟"
"أنك أول شخص يتحرك قبل أن يفكر."
ضحك يزن.
أما آسر فاكتفى بالنظر إليها.
"وأنتِ؟"
"أنا؟"
"أنت أكثر شخص متحمس لكل شيء. لماذا؟"
ابتسمت أسماء.
"لأنني لا أحب أن تمر الأيام دون أن يحدث فيها شيء."
نظرت إيما نحوها.
"حتى لو كان الشيء الذي سيحدث مشكلة؟"
ضحكت أسماء.
"حتى لو كان مشكلة."
قال صخر معقّبًا:
"وهذا ما يجعل وجودك معنا متعبًا."
"لكنكم تحبونني."
رد يزن:
"لم نقل ذلك."
رمقته أسماء بنظرة حادة.
"يزن."
رفع يديه مستسلمًا.
"حسنًا، نعم."
بعدها التفتت أسماء إلى إيما.
"والآن دورك."
فكرت إيما قليلًا.
"لا أعتقد أن لدي شيئًا مميزًا."
"الجميع يقول ذلك ثم يكتشف أن لديه الكثير."
ابتسمت إيما.
"حسنًا... أحب الهدوء، والقراءة أحيانًا، وأحب قضاء الوقت مع عائلتي ومع من أحب."
"هذا متوقع منك."
سألها آسر:
"وماذا عن المستقبل؟"
نظرت إيما إلى البحر من خلال النافذة.
"لا أعرف تمامًا."
سكتت للحظة.
"لكنني أريد أن أفعل شيئًا أشعر أنه يستحق."
قال أوس بهدوء:
"هذا هدف جيد."
التفتت إيما نحوه.
"وأنت؟"
نظر إليها.
"ماذا عني؟"
"ماذا تريد من المستقبل؟"
ظل صامتًا للحظات، وكأنه يفكر في الإجابة أكثر مما يحتاج السؤال.
"أريد أن أفهم الأماكن."
قال يزن:
"الأماكن؟"
"نعم."
ثم أضاف:
"كيف تتشكل، لماذا تتغير، وما الذي يمكن أن تخفيه."
استدرك خالد:
"هذا يفسر اهتمامك بالخرائط."
عقّب سامر:
"حسنًا، بدأنا نقترب من محاضرة أو اعترافات آخر الليل. "
رمقته أسماء بنظرة جانبية.
"حسنًا، دور خالد."
رفع خالد عينيه.
"ماذا عني؟"
"أنت أكثر شخص غامض بيننا."
أضاف يزن:
"وأكثر شخص يمكن أن تجده يقرأ كتابًا في منتصف مكان مليء بالناس."
رد خالد:
"هذا ليس غموضًا."
"بالنسبة لنا هو كذلك."
فكر خالد قليلًا.
"أحب القراءة، وأحب الأماكن الهادئة، وأحب أن أفهم الأشياء بدلًا من أن أكتفي بمعرفتها."
نظر إليه أوس، وكأن الجملة لفتت انتباهه.
أضاف خالد:
"لا أحب أن أصدق شيئًا لمجرد أن الجميع يصدقه."
قال آسر:
"إذن أنت تشك في كل شيء؟"
"تقريبًا."
شهق يزن.
"حتى نحن؟"
نظر خالد إليه.
"خصوصًا فيك."
أردف يزن بحزن مصطنع:
"كنت أعرف."
ثم أشار إلى نفسه.
"والآن أنا."
قالت أسماء:
"تفضل."
أسند يزن ذراعه على الطاولة.
"أنا أحب أن أضحك، وأحب أن أجعل الآخرين يضحكون، وأكره أن أرى أحدًا حزينًا."
تغيرت ملامحه قليلًا.
"لذلك ربما أمزح كثيرًا."
قال صخر:
"واضح."
نظرت أسماء نحو صخر.
"صخر، أنت هادئ طوال الوقت. ألا يوجد شيء تحبه؟"
ابتسم صخر.
"بلى."
"ماذا؟"
"العائلة."
كانت إجابته بسيطة، لكنها بدت صادقة.
"أحب قضاء الوقت معهم، وأحب الأماكن التي لا تحتاج إلى الكثير من الكلام."
قالت إيما:
"أعتقد أنك أكثر شخص يفهم معنى الهدوء."
أومأ صخر.
"الهدوء ليس سيئًا دائمًا."
ثم نظر إلى المجموعة.
"خصوصًا بعد أسبوع مثل هذا."
تنهد سامر.
"أتفق."
كان الحديث قد أخذهم إلى مكان لم يتوقعه أحد.
بدأوا بالخروج من الجامعة، وانتهوا بالحديث عن أنفسهم، عن الأشياء التي يريدونها، وعن الأشياء التي لا يعرفونها بعد.
وبينما كانت الشمس ترتفع أكثر في السماء، كانت أصواتهم تختلط بأصوات الميناء من خلف النافذة.
بعد فترة، أسند يزن ظهره إلى الكرسي.
"حسنًا، أعتقد أنني اكتشفت شيئًا."
تساءلت أسماء:
"ماذا؟"
"أننا لا نعرف بعضنا كما كنا نظن."
قالت إيما:
"ربما لأننا كنا مشغولين طوال الوقت."
نظر يزن إلى البحر.
"إذن علينا أن نصلح ذلك."
"وكيف؟"
ابتسم يزن.
"بأن نقضي اليوم معًا."
سخر سامر.
"نحن بالفعل نقضي اليوم معًا."
"أقصد خارج المقهى."
سأل صخر:
"إلى أين؟"
نظر يزن إلى البحر.
"إلى هناك."
فهمت أسماء فورًا.
"البحر؟"
أومأ.
"لماذا لا نذهب إلى البحر؟"
نظرت أسماء إلى البقية بحماس.
"أنا موافقة."
أضاف آسر:
"وأنا."
ثم صخر:
"لا بأس."
رفع خالد كتابه.
"طالما لن نبتعد كثيرًا."
تنهد سامر.
"أنا موافق، بشرط ألا يكون هناك مشي كثير."
ضحك يزن.
"أنت تريد أن تصل إلى البحر دون أن تتحرك."
قال سامر:
"هذا هو المطلوب."
التفتت أسماء إلى إيما.
"وأنتِ؟"
ابتسمت إيما.
"أنا موافقة."
ثم التفتت إلى أوس.
"وأنت؟"
نظر أوس إلى البحر للحظات، لم يكن لديه سبب للرفض.
"سأذهب."
صفقت أسماء بيديها بحبور.
"إذن اتفقنا."
خرجوا من المقهى بعد أن دفعوا حسابهم، واتجهوا نحو البحر.
كان الهواء أكثر برودة بالقرب من الشاطئ، وحركة الأمواج أكثر وضوحًا كلما اقتربوا.
كانت أسماء تسير في المقدمة، تتحدث مع آسر عن الأماكن التي تتمنى زيارتها يومًا.
قالت:
"أريد أن أذهب إلى أماكن كثيرة."
"مثل ماذا؟"
"الجبال، الصحارى، الغابات... أي مكان لا أعرفه."
"هذا يشبهني."
التفتت إليه.
خلفهما كان يزن وسامر يتجادلان حول من يستطيع الوصول إلى الشاطئ أولا، بينما كان صخر يراقبهما بصمت.
علّق خالد:
"سيسقط أحدهما."
أجابه صخر:
"أغلب الظن."
قالت إيما وهي تضحك:
"لماذا لا تمنعونهما؟"
نظر صخر إليهما.
"لا يمكن."
كان أوس يسير إلى جانب إيما وينظر لشعرها الذي يتطاير مع الهواء، بقي صامتًا لبعض الوقت.
لاحظت إيما.
"أنت هادئ اليوم."
نظر إليها.
"أليس هذا أمرًا جيدًا؟"
"بلى."
ثم ابتسمت.
"لكنني اعتدت أن يكون هدوؤك مرتبطًا بشيء تفكر فيه."
نظر أوس أمامه.
"اليوم لا أفكر في شيء."
"حقًا؟"
"أحاول."
سكتت إيما، ثم أردفت:
"إذن استمتع."
نظر إليها لحظة، ثم أومأ.
وصلا مع بقية المجموعة إلى الشاطئ، وجلسوا على الرمال.
كان صوت الأمواج يطغى على بقية الأصوات، والنسيم يحرك شعرهم وملابسهم بخفة.
جلست أسماء بالقرب من آسر وهي تعدل شعرها المجعد، بينما اختار سامر مكانًا بعيدًا قليلًا ليستلقي عليه.
سخر يزن.
"ها هو الرجل الذي جاء إلى البحر لينام."
أجابه سامر:
"أنا أستمتع بالطبيعة."
"وأنت مغمض العينين."
"الاستمتاع لا يحتاج إلى فتحهما."
ضحكت إيما.
جلس خالد وهو ينظر إلى البحر، بينما بقي صخر واقفًا للحظات قبل أن يجلس معهم.
استنشقت أسماء هواء البحر.
"أشعر أننا لم نفعل هذا منذ زمن."
قال آسر:
"لأننا كنا دائمًا مشغولين."
"لهذا يجب أن نفعلها أكثر."
"أتفق."
سأل سامر دون أن يفتح عينيه:
"هل تقصدون الخروج؟"
"نعم."
"موافق، طالما لا يوجد اختبار."
علّق خالد:
"ستأتي الاختبارات في النهاية."
فتح سامر عينيه ونظر إليه.
"لماذا تذكرني بها؟"
ضحكوا جميعًا.
نهضت أسماء وتوجهت نحو البحر، لتتوقف عند حافة الشاطئ، ونظرت إلى الأمواج وهي تتقدم نحو الرمال ثم تتراجع عنها.
قالت بحماس:
"هيا، إلى البحر."
نظر سامر إليها باستنكار.
"أنا ظننت أننا جئنا لنرتاح."
ضحك يزن.
"أنت جئت لتنام، ونحن جئنا لنعيش."
خلعت أسماء حذاءها وحملته بيدها.
"من سيأتي معي؟"
نظرت إلى إيما، ثم مدت يدها نحوها.
"إيما، انهضي!"
ابتسمت إيما وهي تنظر إلى يدها.
"لماذا أنا؟"
"لأنك ستترددين لو تركتك تفكرين كثيرًا."
ضحكت إيما، ثم أمسكت بيدها.
"وأنتِ لا تعطين أحدًا فرصة للتفكير أصلًا."
"بالضبط."
سحبتها أسماء معها، وبدأتا بالنزول نحو الماء.
كان الماء باردًا، فتراجعت إيما فور أن لامسته قدماها.
"أسماء!"
ضحكت أسماء.
"ماذا؟"
"إنه بارد!"
"ستعتادين عليه."
ثم رشّت قليلًا من الماء باتجاهها.
شهقت إيما وهي تتراجع.
"أسماء!"
ضحكت أسماء بصوت أعلى.
"الآن لن تستطيعين العودة."
نظرت إليها إيما لحظة، ثم انحنت والتقطت بيديها بعض الماء ورشته نحوها.
توقفت أسماء لثانية، وكأنها لم تتوقع الرد.
ثم قالت:
"إذن هكذا؟"
ركضت نحوها، فضحكت إيما وبدأت تبتعد عنها، بينما أخذت المياه تتطاير حولهما.
من بعيد، وقف يزن يراقبهما.
"يبدو أن إيما تعلمت بسرعة."
قال سامر:
"لا، أسماء هي التي أفسدتها."
ضحك صخر، بينما اكتفى خالد بالنظر إليهما بهدوء.
أما آسر، فابتسم وهو يراقب أسماء وهي تضحك.
وأوس يجلس بهدوء ويراقب إيما وهي تضحك.
بعد دقائق، جلست إيما وأسماء على الرمال القريبة من الماء، وقد ابتلت أطراف ملابسهما قليلًا.
أسندت أسماء ذراعيها خلفها، ونظرت إلى إيما.
"أتعلمين؟"
"ماذا؟"
"أشعر أنك مختلفة عندما تكونين معي."
نظرت إليها إيما باستغراب خفيف.
"كيف؟"
ابتسمت أسماء.
"أكثر عفوية."
صمتت إيما لحظة، ثم ابتسمت.
"ربما لأنك لا تتركين لي فرصة لأكون غير ذلك."
ضحكت أسماء.
"هذه موهبة."
ثم ساد بينهما صمت قصير، قبل أن تقول أسماء:
"أحب وجودك معي."
نظرت إليها إيما، ثم قالت بهدوء:
"وأنا أحب وجودك أيضًا."
ابتسمت أسماء، وأسندت رأسها للحظة على كتف إيما.
"إذن لا تبتعدي عني."
نظرت إيما إلى البحر، ثم إليها.
"لن أبتعد."
وفي تلك اللحظة، لم يكن بينهما حديث عن الجامعة، ولا عن الاختبارات، ولا عن المستقبل.
كانتا مجرد صديقتين تجلسان أمام البحر، تستمتعان بيوم لم يكن يحمل في ظاهره شيئًا استثنائيًا.
لكن بالنسبة إليهما، كان ذلك كافيًا.
مرّ الوقت بهدوء.
تحدثوا عن أماكن يرغبون في زيارتها، عن مدن لم يروها من قبل، وعن أشياء يتمنون تجربتها يومًا.
قالت أسماء إنها تريد رؤية الصحراء عن قرب، قال آسر إنه يريد قيادة دراجته لمسافة طويلة دون وجهة محددة قال يزن إنه يريد السفر مع أشخاص لا يعرفهم، فقط ليرى كيف ستكون النتيجة، أما خالد، فقال إنه يريد زيارة أماكن قديمة وقراءة تاريخها بنفسه، صخر كان حلمه أبسط، أن يسافر يومًا مع عائلته سامر قال إنه يريد أن ينام في فندق مطل على البحر، فضحك الجميع.
قالت إيما إنها تريد زيارة أماكن هادئة، لا يعرفها الكثيرون، أما أوس، فبقي صامتًا حين وصل دوره.
قالت إيما:
"وأنت؟"
نظر أوس إلى الأفق.
"أريد أن أرى مكانًا لم أره من قبل."
تساءلت:
"هذا كل شيء؟"
أجاب:
"بالنسبة لي، نعم."
نظروا جميعًا إلى البحر.
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وانعكس ضوؤها على سطح الماء، بينما أخذت السماء تتغير تدريجيًا.
وقف آسر والتقط صورة للمجموعة.
اعترض يزن.
"انتظر، أنا لم أكن مستعدًا."
قال آسر بسخرية:
"هذه مشكلتك."
اقتربت أسماء.
"التقط واحدة أخرى."
اصطفوا جميعًا أمام البحر.
هذه المرة لم تكن الصورة مرتبطة بجامعة، ولا بمشروع، ولا باختبار، كانت مجرد صورة لثمانية أصدقاء في يوم عادي.
بعد أن التقط آسر الصورة، نظر إليها للحظات، ثم أرسلها إلى المجموعة، بدأ الجميع يعلقون عليها، حتى خالد ابتسم عندما رأى الصورة، أما أوس، فاكتفى بالنظر إليها.
ثمانية أشخاص، كل واحد منهم يحمل شيئًا مختلفًا في داخله، أحلامًا مختلفة، ومخاوف مختلفة، وحياة لم يعرفوا عنها سوى القليل، ومع ذلك، كانوا هنا، معًا.
تمتمت إيما وهي تنظر إلى السماء:
"يجب أن نعود قبل أن يحل الظلام."
نهض صخر.
"صحيح."
بدأوا بجمع أشياءهم، بينما بقيت أسماء للحظات تنظر إلى البحر.
اقترب منها آسر.
"ماذا هناك؟"
قالت:
"لا شيء."
ثم ابتسمت.
"فقط أشعر أن هذا اليوم كان جميلًا."
نظر آسر إلى البحر.
"كان كذلك."
التفتت إليه.
"أحيانًا نحتاج إلى أيام كهذه."
من بعيد، ناداهم يزن:
"هل ستأتون أم سنترككم هنا؟"
صاحت أسماء:
"قادمان."
عادوا جميعًا معًا، وفي طريق العودة، لم يكن أحد منهم يتحدث عن الاختبارات، ولا عن النتائج، ولا عن من سيُقبل ومن سيُستبعد، كان الحديث هذه المرة أبسط من ذلك، عن الطعام، عن المواقف التي حدثت لهم في الجامعة، عن سامر الذي كاد ينام على الرمال، وعن أسماء التي لم تستطع البقاء صامتة حتى لدقائق.
كان يومًا عاديًا، يومًا لم يحدث فيه شيء يستحق أن يُكتب في ذاكرة أحدهم.
لكن بعض الأيام لا تحتاج إلى أحداث كبيرة حتى تترك أثرًا، يكفي أن تجمع الأشخاص المناسبين في الوقت المناسب، ويكفي أن تمنحهم الحياة ساعات قليلة دون خوف، ودون اختبارات، ودون أسئلة عن الغد، عاد كل واحد منهم إلى منزله في ذلك المساء، يحمل معه صورة جديدة، وضحكة جديدة، وذكرى صغيرة لم يكن يعلم أنها ستصبح يومًا من أكثر الذكريات التي سيتمنى لو استطاع العودة إليها.
لم يكن أيٌّ منهم يعرف أن الهدوء الذي عاشوه في ذلك الأحد لم يكن دائمًا.
وأن الأيام القادمة لن تمنحهم الهدوء نفسه، فبعض اللحظات تبدو عادية حين نعيشها...
ثم ندرك قيمتها بعد فوات الأوان، وربما كان ذلك الأحد… آخر يوم عادي قبل أن تبدأ حياتهم في اتخاذ طريقٍ آخر.
───────────𓆩♡𓆪───────────
انتهى الفصل التاسع.
الفصل جميل ومليء بالذكريات الجميلة 🥹
علاقتهم قوية، تعرفتوا على شخصياتهم الآن، أليس كذلك؟
أتمنى أن تبقى الأيام القادمة بمثل هذا الهدوء والراحة 🫠🫠
بالنسبة للمغرب، عطلة نهاية الأسبوع هي الأحد، الأحد آخر أيام الأسبوع، أردت أن أوضح الأمر ❤
ترقبوا الفصول القادمة.
𓆩 : فَـقْــــــرَةُ الأسـْـــئـِلة 𓆪
أوس؟
آسر؟
إيما؟
أسماء؟
يزن؟
صخر؟
سامر؟
خالد؟
حياتهم الشخصية؟
المرفأ؟
البحر؟
أحاديثهم؟
التحديثات في قناتي في أنستغرام:
novelist_salma
دمتم في رعاية الله.
> مع حبي.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.