وضع القراءة:

《6》مُوَاجَهَةٌ غَيْرُ مُتَكَافِأَة

إنها الحاسة السادسة ما جعل من آنيا تشعر بأن هناك شخص ما يلاحقها وهي في طريقها للمنزل، إلتفت خلفها ولم تجد شيئا غير مألوف، أشخاص طبيعيين يمشون بالشارع كما تفعل.
هل بدأت تهلوس؟.
لا.. وأدركت ذلك يقينا عندما حط شخص ما يده على كتفها بقوة، فلفت رقبتها سريعا لدرجة جزمت بها أنها كانت على بعد شفة وتكسرها.
فتاة جميلة تقف أمامها وتضغط على كتفها بإبتسامة بشوشة ادركة زيفه من النظرة الأولى، شعر بني متوسط الطول وملامح بريئة لكنها تحمل شيئا غريبا، لاشيء مثير للريبة سوى الطريقة التي ظهرت بها... والذي لم تستطع فهمه آنيا هي تلك الأقراط الكبيرة حول أذنها شبيهة بموضة التسعينات!.
قطبت حاجباها بإنزعاج على ضغطها ناحية كتفها اليسرى فرفعت يدها تدفعها عنها، سقطت إبتسامة الفتاة وتحولت تقاطيع وجهها لأخرى حادة مخيفة.
سألة آنيا بصوت حاد: "من أنتِ؟"
حمحمت الفتات قبل أن تقترب منها أكثر لتجيبها بصوت هامس كالفحيح بجانب أذنها : "لم أكن نريد إيذائك، كنّا فقط نود الحديث و الاستفسار لكنك تجبريننا"
رمت آنيا بقدمها ناحية اليمين تم أكملت سيرها و كأن شيئا لم يكن، مما جعل الفتاة ترمش سريعا وتقبض على يديها بغضب... لم يكن لدى آنيا الوقت الكافي للإصغاء لترهات الحمقى أمثالها، ولم تعطي ذرة إهتمام لكلامها الذي تجهل معناه ولاتريد أن تعلم مامقصده.
ارتسمت إبتِسامة جانبية غامضة متوعدة على شدق الفتاة الأيمن، أما آنيا واصلت سيرها دهابا للمنزل لنيل قسط كافي من الراحة التي لم تتمتع بها ليومين... أولا بسبب تلك الرسالة من المستودع وتانيا بسبب قرار والدتها السريع الغير منطقي.
تمشت بتيهٍ على الرصيف، تيه عقلي يسبب لها صداع حاد لإستمرارها بالبحث عن مخرج لهذه المتاهة المغلقة.
طفت على ملامحها بعض الحيرة عند لمحها لأمرأة تتصرف بغرابة تلتفت لها كل مرة، في شارعٌ فارغ بأبنية متراصة و بعضه يثرك بينه فراغا كالأزقة... اكتست تلك المرأة بالأسود مع قبعة شتوية سوداء تضهر بعضا من خصلاتها الشقراء المألوفة وما إن لمحت المرأة آنيا بإلتفافة رأس سريعة حتى أسرعت بأقدامها تدخل أحد الأزقة لتختفي هناك.
تداركت آنيا الوضع وحركت بدنها لتلحق بها بينما أسئلة شتّه تعصف بها بضراوة، فكرة لوهلة أيمكن أن تكون والدتها تطمأن عليها بهذا الشكل متخفيتا لتتجنب أكتشافها؟... أو هي محاولة حمقاء من أحدهم ليستدرجها لمكان ما؟.
تضاربت الأفكار مع أنفاسها العالية، تم أدخلت يدها بجيبها تشد القبض على سكينها، تحفظا لأي طارء يطرء بغته.
دخلت معها تجري خلفها وتتبع معطفها الأسود، ولن تنكر أنها كانت سريعة جدا حتى كادت تفقد أثرها، وهذا ما يأكد الفرضية التانية، لكن لايجب عليها التراجع ها هنا... لأنها وأخيرًا توقفت عند دخولهم لأحد الأزقة المغلقة بحائط إسمنتي مرتفع.
"من أنتِ؟"
خرجت الكلمات بنبرة حانقة قوية من بين أنفاسها التي تحاول إلتقاطها.
رفعت حاجبها بإستنكار كون من أمامها راحت تطلق ضحكات صاخبة تردد صداها في هذا الزقاق العفن.
صوت لايشبه صوت والدتها بتاتا بل شبيه بصوت فتاة رقيقة حاد وناعم، وكم بدى هذا مثير للشفقة، فهل ظنت حقا بأنها استطاعة خداعها لذلك تضحك؟.
التفت لها الفتاة وهي تنزع المعطف كاشفتا عن نفسها، شعر ذهبي كخاصة والدتها وبشرة حنطية، لكن ما شدها هو لباسها المدرسي كالذي ترتديه هي.
وهذا يعني شيئا واحدا... انها ربما تكون الفتاة التي نسيت إسمها والتي توعدت لها بعقاب إن تخلفت عن حظور المهزلة التي تعدها والتي نست أمرها بالطبع ولا تهتم لها أساسا.
ألقت الفتاة المعطف جانبا وهي تتحدث:" كنت أعلم أنك غبية لكن لم أتوقع أن تكوني بهذا الغباء"
وما إن أطلقت ضحكة غريبة حتى انظمت لها تلاث فتيات أخريات من خلف آنيا يحيطونها في دائرة هي مركزها يرتدين نفس الملابس... استطاعت تمييز واحده من بينهن وهي ذاتها التي قبضت على كتفها في مقتبل طريقها.
قضمت وجنتها من الداخل و أطلقت زفرة سخرية على الوضع، تم رفعت ذقنها بتعالٍ؛ كل شيء توقعته إلا أن تكون بين حفنة مراهقين عاشقي التفاهات.
"أحسنت صنعا مايلا"
هتفت فتاة بشعر أسود قصير بصوت عالي وهي تلوح لها بحماس، بينما تحمل عصى حديدية صدأة في إحدى يديها.
"من أنتِ وما الذي تريدينه؟"
بعد أن أدركت أنه لا مفر من مواجهة هؤلاء الحمقاوات فستلقنهم درسا للتفكير في تشتيتها وتمويهها عن طريق استخدام والدتها.
تجهل حتى الآن كيف علموا بكل هذا!
مدة المدعوة مايلا يدها فإقتربت ذات الخصل البنية بطوع تمد لها هاتفا قبل أن ترجع خطوات للخلف، تقدمت مايلا من آنيا أكثر تفترسها بنظرات قاتلة مشتعلة بالكره الغير مبرر.
"أنت لا تعرفين من أنا لكنني أعرف جيدا من تكونين..." توقفت ترفع الهاتف بمحاذات بصرها وهي تطرق بأصابعها عن شيء ما بداخله، ثم أكملت بنبرة تقطر سما:
" وإن ملكت بعض الفضول تجاه تتبعنا لكِ، فأحب أن أقول أننا لا نملك ضغينة تجاهك بل تجاه أفعالك...و الآن سأبدأ بتلاوت فضائحك المشرفة... إبنت عاهرة قد تخلّت عنها بعد معرفة من هو والدها وعندما اتضح أنه يندرج تحت عائلة ثرية أسرعت بإلقاء إبنتها و الفرار.. والتي أتضح أن ابنتها أيضا تتشارك نفس القذارة والصنيع ذاته."
هوت بالهاتف على إحدى الصناديق المرمية بإهمال.
"هذا ما نُشر على صفحة المدرسة ليلة أمس وتوجب عليّ أن أقوم بتطهير قذارة رميت في حينا لأنني لا أرضى بهاذا أن يشوه سمعة مدرستنا... "
اكتسح الغضب كامل عروق آنيا واستبد بها الحنق حتى طفح على محياها سخطا، لم تأبه لأي ما تقوله بقدر إهتمامها بوصف والدتها بالعاهرة زورا.
لم تمنحها الأخرى ترف الفهم إذ رمت الفتات العصا الحديدية نحو ميلا فإلتقطتها بذقة واحترافية، رفعتها لتضرب بها رأس آنيا بقوة..
حنت آنيا رأسها للأسفل في الثانية الأخيرة بسرعة بديهة... كانت على بعد شفة وتلتحم تلك الحديدة بها مع احتمال فقدان فكها.
"لا تخافي لن نؤذيك كثيرا .. نحن سنؤذبك فحسب"
نطقت ميلا بمرح مصطنع كشفته عيناها الحادة التي نطلق شرارات حقد... وفي ثانية رفعت بها العصى لتضربها بها لكنها تجنبتها أيضا.
ارخت ميلا يدها على العصى لأن قبضتها مؤلمة وخاصتا كونها صدِأة، لمحت آنيا هذا، ولم تكن تملك تكتيك مبهر لمواقف كهذه، اربع فتيات إحداهم آسيوية الملامح لن تشارك لأنها واقفة تحمل الهاتف وتصور العرض أمامها.
صاحبة الشعر القصير تقدمت لتشارك ومعها الفتاة التي قابلتها على الطريق... أخرجت سكينها بسرعة عندما تقدمت إحداهم لتلكمها، قبضت على يدها قبل أن تمسها ورفت سكينها تخدش وجنتها.
لم تكن تريد خدشها بل طعنها لكنها استطاعت التجنب.
شعرت بعدها بخصلات شعرها تُقتلع بسبب سحب إحداهم لها، أرادت التصرف بطعن يدها لكن من أمامها وجهة لها لكمة قاسية جعلتها تترنح وتسقط على حاوية قمامة مفرغة.
ابتسمت بوجع وهي تطلق نفسا مرتعشا، لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة قامت بنزال كهذا مع أحدهم، ولقد وجدت أخيرا أحد يستحق أن يكون ندا لها.. أحد؟ بل ثلاثة هذا ليس عدلا لكنه ممتع!.
كم بدى الأمر مسليا ومتعبا لها، لأنها الآن ليست بمكان يحمل قيودا كالمدرسة لدى ستلقي بأي مبدأ جانبا، وتقدم على أشياء خطرة فلن تسقط من أول لكمه.
انحنت ميلا أمامها تهمس :" توقعت أن تبكي أمامنا لقد فاجأتني حقا"
"إن كنت تريدين المفاجآت فخدي هذه"
همست في وجهها بصوت مبحوح قبل أن ترفع يدها القابضة على السكين وتدخله كاملا في نسيج بشرة يدها بقوة حتى أطلقت الأخرى صرخة عالية مدوية رجفت بسببها قطة كانت تنبش القمامة الملقاء على الجانب.
شهقة إحداهم بخوف غير متوقع، لكن أنيا لم تكتف بل ارتفعت ومعها الحاوية المستطيلة التي كانت أسفلها وألبستها لإحداهم تم ركلتها لتسقط على الأرض وتتدحرج بالحاوية.
و للأسف لم تعي آنيا بعد بتلك التي إنتهزة فرصة إلتهائها بصديقاتها وأخدت العصى الحديدية الملقى على الأرض حتى تهوي بها على آنيا التي التفتت بسرعة.. لترى العصى موجهة ناحيتها بسرعة مهولة.
سقطت أرضا بعينان مغبشة بسبب الألم الذي فتك بوجنتها نزولا ناخية الرقبة، بصقت الدماء مع المرارة التي تجمعت داخل فمها تم استطعمت طعمه الحديدي المزعج، التعب فتك بها وكانت هذه الضربة ما قسم ظهر البعير.
رأتها تقترب وهي تهتف بصخبٍ حانق وازدراء: "كيف تجرئين أيتها العاهرة الحَقيرة"
ضربت معدتها عدة مرات بكامل ما ملكته من قوة ساقها الغضب... فلقد ظنو أنهم سينهون أمرها بدقيقتين لا أكثر وها هم الآن أحداهم تنزف بشدة.
أغمضت آنيا عيناها تستقبل تلك المرارة وتتجرعها بقلة حيلة فلا هي تقوى على التفكير ولاجسدها يقوى على الحراك، ضغطت على جفناها بقوة لمذارات الألم الذي ترمي به تلك الهمجية على معدتها.
اندفعت صاحبة الكمرا نحو ميلا التي تنزف لتضمد جرحها رغم يداها المرتجفة بعد رؤية عمق الجرح والدماء الغزيرة التي تندفع كالشلال.
"يجب علينا إيقاف النزيف بسرعة هل اتصل بالإسعاف؟"
ارتعشت يداها بشدة أكثر كأن تيار كهربائي صعقها.
رفعت ميلا يدها تنفي بصعوبة وبنبرة عالية بسبب غباء الأخرى: "أيتها الغبية كيف سنتصل بالاسعاف هنا."
"إذا ماذا سنفعل؟." وضعت يدها على ثغرها تخفي شهقتها المذعورة.
"سننتضر ستنهي ميليرا أمر تلك اللقيطة الملعونة"
"لكن لما لا نذهب ونتركها تنهي الأمر"
رمقت ميلا تلك الآسيوية بعدم تصديق، تم صاحت بها: "هل تريدين مني أن ألوذ بالفرار ككارينا... على ذكر ذلك سألقن تلك الجبانة درسا يقتلع أسنانها"
كانت تقصد صاحبت الشعر البني التي ما إن رأت آنيا تطعن ميلا _أشرس فتاة في المدرسة والتي يهابها الكل_ بلا ذرة خوف، أدركت أن لا فرصة معها.. مع هذا الوحش القاسي وهي بالطبع تقصد آنيا، فآثرت اللذوذ بالفرار بدل المواجهه و التعرض لنفس المصير... بالطبع لا تريد العودة لوالدتها وهي تنزف بجرح غائر على ذراعها.
نقلت ميلا عيناها بين من بجانبها وبين ميليرا، تم نبست بإزدراء: " ما الذي تفعلينه هل انت حمقاء، ألم أقل أنه يجب عليك أن تصوري... لقد صورتي كل شيء إلا أهم جزء"
أشارت بذقنها نحوهم بينما تتنهد بإرتعاش، ألم ذراعها يلسع لكن رؤيت آنيا تُضرب أمامها كان أهم من مداوات أي ألم.
وقفت ميليرا تسترجع أنفاسها و طاقتها الخائرة بعد أن أفرغتها كاملتا على الملقاتِ أسفلها.
ثم جلست القرفصاء أمامها تشد شعرها لترفع رأسها، رمشت آنيا بسخط مرتان لمذارات الألم وهي تحاول فتح عيناه والحصول على بعض التركيز الذي يمنعه التعب، وكم كرهت هذه الوضعية، صحيح أنها لم تكن بكامل قواها، رغم ذلك لا تريد أن تتخد منه ذريعة لتبرر عجزها الآن.
لذلك وبكل ما تبقى لها من قدرة... بصقت لعابها مع دمائها على من أمامها... فتركت ميليرا شعر آنيا وتراجعت بصدمة لاتخلوا من التقزز، ارتفعت الأخرى ببقايا قوة خائنة بسرعة، ترى ميليرا وهي تمسح على وجهها بينما تتمتم بشتائم عدة في حقها.
ترنحت في وقفتها تفكر بحل ما وما إن حطت عيناها على الآسيوية وهي تحمل الهاتف تصور الحدث، ارتعشت يدها بقوة وانزلت الهاتف بسرعة البرق بتوتر هائج ودقات قلب تكاد تخرج من بيض أضلاعها.
"جبانة"
شخرت أنيا بإبتسامة جانبية، تم حركت بؤبؤها بحتا عن سكينها الحبيب الذي شق إحداهن... وعندها لاحظت وقوف ميليرا بنظرات غريبة ترمي بها لمن يمشي خلفها و وملامحها تحمل حيرة عارمة كبقيتهم.
احست آنيا بقلق طفيف لأن أجمع من أمامها يرمي صاحب الخطوات الرتيبة خلفها بنظرات حائرة.
لفت بدنها لتقابله وما إن فعلت حتى تيبست مفاصلها وعلق الهواء في حنحرتها، وسعت عيناها قليلا بحيرة تماثل حيرة الأخريات.
لكنها وعلى عكسهن تعرف تماما من هو هذا الفتى الذي يقترب بهالة طاغية وملامح جدية جامدة.
تحدث بصوتة العميق بشكلٍ عال ليحرص عل أن تطرق كلماته مسامع الجميع: " هذا يكفي، سيتوقف الجميع عند هذا الحد شئتن أم أبيتن، ولتعد كل منكن للمنزل حالا."
فغرت آنيا فاهها كما فعل الجميع... ياله من استعراض لامثيل له يقوم به ليونارد مورفاي ولأول مرة.. ومن أجل من؟..
هم رأينه كرجل رائع وسيم جاء لينقد حبيبته وآنيا لم تره سوى كفتى أخرق مهووس يلتصق بها حيثما حلّت؟... فكيف سيعرف مكانها إن لم يكن مجرد مهووس بها؟!.
أقترب ليون منها عدة خطوات يخص نظراته على وجهها لاغير حتى بثر المسافة بينهم أما هي فقد رفضت أن تبتعد للخلف خطوة، فليست من تتراجع، رفعت ذقنها له رغم الصداع والتعب الذي يجعل من وقوفها أصعب شيء في الكون في هذه اللحظة.
تنهد ليون أمام وجهها بسبب أفعالها ورغبتها في الحفاظ على صورتها القوية رافضة إظهار الألم الذي يطيح بها.
أمسك معصمها أمامهم يقربها منه فترنحت بسبب جذبه القوي وكادت تسقط إلا أنه أمسك خصرها سريعا يمنعها من افتراش الأرض وكل ذلك تحت أنظارهم المتعجبة.
وسعت آنيا عيناها ومشاعر غريبه ضربت بها داخليا للمسته فأمسكت معصمه وأزالت يده بعيدا عنها.
"أستطيع السير وحدي"
هذا أول ما اردفت به لرؤيته هنا بشكل عجيب، همهم لها بإكتفاء كون الأمر زاد عن حده حول صدها المستمر.
"حسنا إذا" وما إن أنهى جملته قبض على يدها بسرعة وجرها خلفه قسرا، مر على صاخبة الهاتف التي أنزلته ما إن وقعت عيناه عليها... أقترب منها وأخد الهاتف من يدها بقوة وهي لم تستطع النطق بكلمة من شدة رعبها.
"ودّعي هذا الهاتف.. وحياتك أيضا إن وجدت أي شيء يخص ما حدث قد نشر."
أومأة له بإرتعاش تم ابتلعت ريقها بارتياح حين غاب عن نظرها أخيرا.
مررت بصرها على ميلا تجس نبضها وهل هي غاضبه من فقدان الهاتف أم لا لكنها تفاجأة من نظراتها التي ظلت تلاحق ظهر ليون لاغير ببريق إعجاب طاغٍ.
"تحري عن ذاك الفتى، أريد معرفة من يكون"
قبضت الفتاة حاجباها بشك، فإلتفتت لها ميلا بغضب على سكوتها صارخة بها: "هل تسمعين؟"
انتفضت الأخرى بخوف.
"حاضر."
قلبت آنيا عيناها بملل على مايفعله من ايتذال تافه، ماشأنه.. ثم من أين ظهر، هل هو ملاكها الحارس أم ماذا؟.
"ليون توقف"
لارد.. استمر بجذبها حتى خرجوا من الزقاق وهناك لاح لها سيارته المرسيدس مركونه جنب الرصيف.
"لقد أخبرتك أن تتوقف". سحبت يداها بقوة مهزوزة، لكنه لم يفلتها بل قبض على معصمها أكثر ثم توقف يوليها وجهه الذي لبسته ملامح ساخطة.
"من أخبركَ أنني أريد الذهاب معك"
استمرت بمحاولاتها الفاشلة بسحب يدها ومع كل محاولة كان هو يشد الخناق عليها أكثر.
هز كتفه يقول ببساطة:
"أنا أخبرت نفسي أنه يجب أن تذهبي معي"
ارتفع شدقها الأيمن بإزدراء... من يظن نفسه الآن؟؟
"اترك يدي"
"لن أفعل"
تشنج فكها من قوة الشد ورفعت يدها اليسرى الحرة لتلكمه، لكنه فهم نواياها وأوقفها في الوقت المناسب... ضل يمسك بيدها أمام وجهه وأخد يتجرع نعيم لون عيناها بنهم رغم أنها منطفئة ولاتحمل سوى الحقد والكره العارم... حركت شفتاها تحاول تشتيته و انتشاله من غرقه فهي لم تحبذ كثيرا طول تأملاته.
"لقد أفسدت الأمر ... كان يجب علي أن انهي ما بدأتُه لكن وبسبب تدخلاتك الرعناء فسُد كل شيء..."
حرر يداها الإثنين عندما استكانت واستشعر رغبتها في التحدث أو في عتابه وشتمه.
"كيف عرفت بمكاني، هل تراقبني أم ماذا؟"
رفع يده يحك ذقنه وهو يرمقها بهدوء استفزها ولم تظهر ذلك... تم تحدث يشرح موقفه : "لم أكن أراقبك، بل لنقل أنني كنت متّجه لشقتك ظهيرة الأمس للتأكد من صحتك كونك متغيبة وهذا ليس من عادتك... ووجدتك تخرجين من أحد الأزقة مسرعة وكان شكلك غريبا فتبعتك"
حدقت به بعدم تصديق، تم أخدت تمسح على وجهها بغضب... لقد رآها بالأمس وهي تبحث في القمامة لأجل الهاتف، هذا لا يهمها بقدر أنه قد عرف أين هي الآن.
"وكيف عرفت أني في ذالك الممر مع أولئك الحمقاوات"
تنهد يضع يداه في كلتا جيوبه: "لم تأتي اليوم فسألة أحد الأساتذة وقال لي أنه قد تم سحب ملفاتك ونقلك"
بلل شفتاه وحرك أقدامه يقترب منها أكثر، ضلت تلقي بنظرات حادة نحوه تجسّد بها بعض الكره لإقترابه الدائم بهذا الشكل.
"ألن تفسري أنتِ سبب انتقالك المفاجئ؟."
رفعت ذقنها له لتباشر النظر في عيناه عن قربٍ قاتل هذه المرة... "لما تفعل هذا؟".
ارتفع جانب شفتاه بإبتسامة تكاد تظهر.. لقد تجنبت سؤاله بسؤال أكثر متعته بالنسبة لليونارد..
"للحصول عليكِ ربما"
شخره صاخبه غادرتها على صراحته في تقديم إجابه مقنعه، طأطأة رأسها تهزه بعدم تصديق:" أنت واهم ليونارد.. تعلم أن الكثير قبلك حاولوا ولم يستطيعوا صحيح؟"
بلل شفتاه، بينما ارتاحت تقاسيم وجهه لرؤيتها أخيرا تسخر كعادتها بدل أن تكون غاضبة ومتوحشة.
"هل تتحدينني؟.."
ارتسمة ابتسامة تحد ماكرة على وجهه وهو يقف على مقربة ينتظر ردها... أو الفرصة التي سيقوم بها برده المفاجئ.
ارتفع حاجبها على ابتسامته ولاتعلم بما يفكر به هذا الأبله.. في نفس الوقت هي تتوق لمعرفة ما بإمكانه فعله لكسب روحها العصية.. فأختارت جملتها جيدا في عقلها قبل أن تصوغها على مسامعه بنبرة واثقة: "أرنا ما يمكنك فعله إذا.. ليونارد"
عض شفته بمتعة وأخد يقتنص عيناها بتثاقل تم اقترب أكثر كأنما قرارها هذا كان كمنحِه رخصة بعد عناء.. آنيا الآن من تخبره بكل ثقة أن يحاول التقرب منها.. تبا من كان يتوقع ذلك، إن أخبرها لعامل النظافة في مدرستهم فسيسخر منه ويدخل عصى المكنسة في مؤخرته ليتعلم ألا يكذب مجددا.
"أنتِ اخترت.. فتحملي اذا"
انتقلت عيناه إلى شفتاها في لحظة قصيرة ملحوظة.. لم يمنحها ترف فهم مقصده و في أقل من الثانية امتدت ذراعة تطوق خصرها بقوة يجدبها ناحيتها حتى ارتطمت بجسده بينما التحمت شفاههم في عناق ملحمي دافئ... تسمرت هي في مكانها توسع عيناها على تصرفه الغير متوقع، حسنا لم تتوقع أن يكون بهذه السرعة، لكنها لم تمنعه بل بشكل غير متوقع ابتسمت على جرأته.
عض شفتها السفلى بنهم تم مرر لسانه يتحسسها ويعمق قبلته أكثر، وفي حين ارتفعت يده لتتخلل خصلات شعرها الناعم ويمسدها برفق، قبل أن يبتعد عنها أخيرا بأنفاس متهدجة لاهتة بشدة وطرقات قلب تنافس صوت الإنفجرات كحالها.. عيناه كانت تفضحان رغبته بوضوح.
سريعا ما ابتسم عند رؤيتها تفعل، لم يكن يتوقع هذا كما لم تتوقع هي قبلة مباغتة منه.
رأى صدرها يرتفع وخرجت منها قهقهات قصيرة عالية، تم دفعته بقوة عنها لأنها تكره أن يلمسها أحد خاصة من خصرها في الجهة اليمنى، كان لها هذا غريب لأنها لم تنفعل بشدة على هذا فور وضعه ليده... تأثير قبلته أنساها أنه يجب عليها صفعه بقوة.. وبدلا عن ذالك قالت:
"أنت سيء في كسب القلوب"
وللمرة التانية هو كان يتوقع أن تشتمة كأول كلمة بعد فعلته أو على اقل تقدير توقع أن تنفعل أو ربما تتوتر، تخجل.. لكن أن تسخر منه بهذه الطريقة!
هذا عجيب!.
وما إن لمح ابتسامتها الصغيرة التي تدل على بعض الصدمة ارتفعت ابتسامة نصر على وجهه لتشعل أوسع حيز وتزين وجهه بوسامة طاغية.
"لقد أريتكِ ما يمكنني فعله..."
طالعته من أعلاه إلى اسفله بغطرسة قبل أن تعلق على كلامه: "كنت أتوقع شيئا أفضل من هذا... أهنا فحسب تقتصر قدراتك... محاولة فاشلة"
"كفاك لقد أعجبتك القبلة وإلا لما لم تمنعينني؟"
أقترب منها يرفع يده ليطوق خصرها مرة أخرى بنظرات رغبة جشعة متثاقلة لم تراها منه قط.
تداركت نواياه فضربت يده تبعدها عنها قبل أن يضعها. تنهد هو على ردها الساخط، لقد منحها قبلة للتو ما خطبها؟.. هذا مافكر به لأنه يظن بأن مجرد السماح له بقبلة سيسهل عليه عبور سكة متعرجة للوصول لنقطة الاستقرار معها.
"لم أمنعك.. لقد منحتك فرصة لا أكثر لأنني من تحدّيت، لذا أتمنى أن تتحسن أساليبك مستقبلا"
التفت نمنحه ظهرها لتكمل سيرها.. فقاطعها بصوت عالٍ قبل أن تختفي من أمامه: "انتظري ألا تريدين أن أوصلك"
لوحت له من بعيد برفض قاطع :" لا.. "
توقفت فجأة تتذكر أمرا مهما، التفت له من يعيد ترميه بنظرات تحذيرية، تجعلك تعلم بأن ما ستقوله بعدها أمر لايجوز رفضه: "ليون إياك أن تخبر أحد عن موقعي حتى نتالي.. أياك للمرة التانية"
اومأ لها بنظرات مستغربة لكنه لم يعارض أو يسأل لأنه سيكون كالأخرق الذي ينتهز أي فرصة لفتح حوار مُطول لايجدي بالنفع لأنها لن تخبره ما نواياها المخفية تجاه عدم رغبتها بمعرفة أحد بمكانها.
لم تكن تريد محو نتاليا من خريطة معارفها فهي فتاة قد كسبت ودها بأكثر الطرق غرابة، وآنيا كانت محبة لذلك ولاتريد خسارتها داخليا لكنها تنكر هذا التقرب العاطفي من أحدهم وتحاول بإستماته بثره نهائيا لِألى يتكرر مجددا.. تريد أخد فترة من الراحة البعيدة عن ازعاجها المستمر.. فإن كان اخبارها سيأتي بالنفع أكثر من مجرد تضييع وقت فأخبرتها، تم اخبار ليون لها سيكون مزعجا لكلاهما، كأنه يوصل رسالة خاطئة عن عدم رغبتها في نتالي وهذا غير صحيح البته... لذا ان شعرت بأن الوقت مناسب ستخبرها بنفسها.
سلكت طريق آخر يبعد قليلا عن مكان الفيلاّ خاصة العجوز.. أوصلها إلى أمام مركز شرطة صغير على الجانب.. سيارة دورية حطة الآن أمامه قبل أن ينزل منها رجلان يرتديان بدلة الشرطة المحددة، يجرون رجلا يتداعا بغير اتزان إلى المركز، أو شاب يرتدي ملابس شبيهة بالموضة الممزقة وسلاسل عدة تغطي رقبته ويداه .. بنيه توحي بأنه رجل، لكن اي رجل سيرتدي هذا بحق الجحيم؟... تجاهلة هذا وتقدمت تدفع الباب الزجاجي، جفلت قليلا للبرودة التي وغزت أصابعها أثناء لفهم على مقبضة الفضي المصقول.
رائحة القهوة المختلطة ببعض العطور والدونات استولت على الهواء الثقيل حولهم.. كل شخص يدثر أنفه بين الأوراق أمامهم على الطاولات بتركيز مفرط وآخرون يردّون على الإتصالات أو يجلسون بتأهب لأي طارئ.
تقدمت من أحد المكاتب الصغيرة، تموضع خلفها رجل هادء يبدو علية القوة و الحدة من ملامحه،و ما إن استشعر وجودها رفع رأسه يقابلها بملل واضح.
جلست على الكرسي البلاستيكي على الجانب ثم حطت بإهتمامها له توضح بسبب مجيئها: " أريد تقديم بلاغ عن مفقود"
هز رأسه لها، و أخدت يداه تلملم الورق فوق بعضه ويمرر يداه عند الحواف ليجعله متطابقا و متناسق تم فتح أحد الأدراج يبحث عن شيء ما.. حتى وصل إليه، مشبك ورق.. وضعه على الأوراق برفق حتى لا تميل إحداها وتخرج بعدم اتساق.
تتبعت كل ما قام به، كل حركة حتى طريقة تنفسه الرتيبة المنتظمة بغير ملل، بشيء أشبه الفراغ أو ربما كانت تهرب من شيء ما... كأفكارها أو قد يكون أعمق في روحها ولاتستطيع تحديده بوضوح.
رمى الورق الذي غدى مجلدا بجانبه، وتحدث أخيرا بكلمات استفهامية آلية قد كررها آلاف المرات وطقّت على مسامعه مليارات المرات: "هل مضى على إختفائه أربع وعشرون ساعة؟.."
لم تنزعج لهذا... رغم انه لم يسأل حتى عن ماهية الشخص الذي إختفى وما السبب وكيفية الإختفاء.. كأنما أهمية المرء تقتصر على ساعات معدودة ثم يبدء البشر بالقلق عليه، وبالطبع قلق مهني وليس عاطفة، انهم يتقاضون أجرا على هذا فلن يقدمو أهمية روح شخص على حسابٍ مادي بالطبع... لهذا تصرفه يبدو مقبولا يمكن تبريره بالنسبة لها.. رغم كونه غير إنساني!.
"أجل منذ الأمس ربما الساعة الواحدة أي ضل نصف ساعة على يومٍ كامل"
بدء يعطيها اهتماما حقيقيا.
كانت تعرف ما تفعله توجهها هنا بهذا الوقت تحديدا كان مخطط له من قبلها... نصت خطة ' ب ' خاصتها على التوجه للإستعانة بسلك الشرطة اذ فشلت بإختراق هاتف ليفيا... مع التأكد من احتمالان وهما:إما أن تكون في خطر فعلي يهدد حياتها أو أن تكون تقدم على شيء اخرق سيؤدي بها للجحيم.
والاثنين يؤدون لطريق واحد... طريق مسدود بمخاطرة متباينة على هامش غير واضح؛ أن تضع ليفيا في دائرة المفقودين سيؤدّي للبحث عنها واعتقالها أن كانت تقدم على شيء غير قانوني أو إنقاذها أن كانت في خطر.
ضحت بالحذر الذي ينذر به نتائج الإحتمال الأول .. وذلك بسبب استنتاج بسيط قد يكون احمق في جوهره، وهو أن ليفيا تخاف من المخاطرة لأنها تحب حياتها اليائسة أكثر مما قد يتصوره شخص مجهول رآها لوهلة.. هذا يعني أنها لن تقدم على فعل غبي لكنه يعني أنها بخطر وكذلك رميها لآنيا عند شخص ما وابعادها عن محيطها كان سببا آخر وكافيا بما فيه الكفاية لتتوجه دون تردد إلى هنا.
عاينت عيناه هيئتها المبهدلة، شعر متناثر أشعث قليلا، وبعض الخدوش البسيطة تناثرة على وجهها بآثار دماء طفيفة جافة، أثر أحمر غامق طويل تباينت الدماء اسفله ينبض بألم، امتد على جانب رقبتها حتى القليل من فكها ووجنتها سببتها تلك العصى الحديدية.
شعر بالريبة ولولا القلق الذي استبد به بسبب مهنته لما اهتم حقا، فحمحم ينظف حلقة تم صرح عن سؤاله ببعض القلق الواضح على وجهه مع تقطيبه لحاحباه الكثيفة: " هل تعرض لك أحد ما؟"
أغلقت عيناها بغيض موضوعها هنا عن ليفيا ما شأنه بها!، أحست بضرورة إعادت الحديث لمساره المرغوب، فنفت قطعا:
"كلا...
ألا تحتاج بعض المعلومات الإضافية عن المفقود اسمة مثلا؟"
لم يكن سؤالا بل كانت تؤنبه على تقصير واجب قد أجله لبعدِ أن يحصل على إجابة منها ترضيه وتُأكد أنها ليست بخطر، فخبرته بعمله وربما خبرته في رؤية كافة آثار الضربات والجثث أيضا جعلت منه يتأكد من أن ضربتها قد تبدو خطيرة نظرا لشكلها الذي يوضح بشدة أنه قد تم ضربها بأداة حادة طويلة ... رجح أنها عصى.
رفع عيناه يترك تأمل هيئتها.
تنظر إليه بإنتظار واضح يشع من مقلتاها وشفتها متقوسة أسفلا، فتدارك نفسه وحمحم بحرج طفيف.
"إذا ما الذي يعنيه لك الشخص المفقود.. وما إسمه وعمره وكيف اختفى؟.."
"إنها والدتي، تدعى ليفيا براون..."
توقفت لحظة تستذكر عمرها .. من المخزي أن تنسى شيء كهذا يخص والدتها، ليس وكأنها لا تعرف تقدير عمرها نسبيا فهي تعلم أنها ببداية الأربعين، لكن هذا ليس كافي لها.. كان يجب عليها أن تعرف بالضبط كم بلغت من العمر لسبب أو لآخر.
"لقد بلغت عقدها الأربعين على حسب ما اذكر"
ضغطت أصابع الضابط بسرعة مهولة على لوحة مفاتيح حاسوبه، تانيتان استغرقها شريط التحميل قبل إظهاره لملف معلوماتها كاملا أمام بصره، شرع في قراءة معلوماتها بسرعة يمر عليها بهمس ومن حين لآخر أرتفع صوته مقصدا اسماعها لبعض الأشياء كعمرها الذي اتضح أنه إثنين وأربعون عاما .. وتخصص عملها.. وأيضا
موضوع تعاطيها!
"لقد تم القبض عليها تتعاطى في أحد المرات لكن تم الإفراج عنها لعدم كفاية الأدلة لإدانتها بتجارة المواد الممنوعة..."
كانت كلماته التي تلاها برسمية مشوبة بالملل بالنسبة لها كما لو قصد بها أن والدتها ليست شخص بذاك الأهمية؛ متعاطية ستنتهي حياتها إما بجرعة زائدة أو انتحار بائس.
"كيف اختفت؟"
هذا السؤال بالتحديد سيحدد ما إن كانوا سيتحركون أم لا.. آنيا لم تكن متأكدة من القصة التي سترويها له، أتخبره الحقيقة أم تروي قصة أكثر إثارة وغرابة حتّى يستدعي الأمر التحرك بسرعة..
لكن لا رفض عقلها صياغة شيء يتنافى مع الحقيقة لسبب تجهله: "لقد طلبت مني الإنتقال لآلفو مؤخرا.. لم تعطي سبب مقنع بل بدت متوترة جدا حتى أنها قامت ببيع الشقة.."
انحت أكثر على الطاولة التي أمامه تضع مرفقيها على سطحها
"أنت تضن أن هذا ليس غريب لكن.. سأخبرك أنها لاتملك أحد في هذه الحياة غيري.. هذا يعني أن هناك أحد ما أجبرها وإلا لما ستترك حياتها التي بدءة تتحسن أخيرا؟."
ليست على ثقة تامة من لفظ 'تتحسن'.. لأنها كانت ستتحسن بالفعل لو أن ليفيا دخلت مركز معالجة الإدمان بعد أشهر وينتهون من هذه المحنة أخيرا.. لكن حدث ما حدث وعكر عليهم أسلوب الحياة المدروس التي رتبت له آنيا بعناية.
لم يبدو على الضابط أنه مقتنع بكلامها هذا واضح من ارتفاع حاجباه الذي يكاد يُرى، فأردف بإعتيادية..
" أعتقد أن هذا طبيعي جدا ربما إختارت بدء صفحة جديدة، إنها بالغة، حسنا.. ونحن نتلقى آلاف البلاغات عن نفس الموضوع يوميا وعند البحث نجد أنهم يعيشون بمكان آخر و بحياة أفضل... لكن هذا لا يعني أننا لن نبحث عنها"
ضغط على شيء ما في حاسوبه قبل أن يكمل: " سنخصص فرقة تحقيق وبحث، سنبدأ بالبحث عنها كونها متعاطية لربما أيضا تورّطت مع تاجر ما.. لذا سنأخد الموضوع بجدية لأنه لربما تصلنا لشيء ما"
رفع لها إصبعه بتدكير "لكن هذا لا ينفي الإحتمال الأول.. لايجب عليك أن تقلقي كثيرا إبنتي.."
أخد ورقة ملونة من حاملة الورق بجانبة، واتجهت يده لإلتقاط قلم ثم وضعهم أمامها مصدرا صدى باهت وسط هذا المحيط الذي بات هادئا فجأة: " أنا الضابط فالمونت والآن أريد منك أن تكتبي رقمك للتواصل معك أن توصلنا لأي مستجدات تهمك"
ضابط متفهم، لم يجادل كثيرا ولم تضطر للصراخ في وجهه، ابتسامة صغيرة تكونة على جانبي شدقيها وأخدت القلم سريعا تكتب رقمها تم مدت الورقة له، حملها يدقق بالرقم، تم وضعها جانبا...
"هل توصلت لأني أشياء غريبة مؤخرا... هذا سيساعد، كزلة لسان، تصرف غريب، شيء ما وجدته؟.."
شردت لتواني تفكر بآخر ما حل بينهم، لن تستطيع إخباره بذلك، فلا تراه بتلك الأهمية التي تستدعي إخباره فورا... لكن الهاتف.
تبا الهاتف كذلك لن تستطيع التصريح عن وجوده لديها، آثار الاختراق والحواجز النارية للأنضمة التي اخترقتها لم تمحى أثرها كاملتا، خطوت غبية أن قدمته الآن ستكشف شخصيتها الأخرى فورا، لذلك ستتجنب هذا كذلك.
"لاشيء مجرد ما أخبرتك به"
"تعلمين أن هذا ليس كافي_"
قاطعه زميلة بتدمراته الصاخبة، يتنهد بعلو، يتمتم بشتائم، ويرتب هندامة المبعثر أثر جره لذاك الرجل إلى زنزانته، تطلب الأمر منه قوة غير معتادة فرأس الرجل كان كالصخرة رفض الحراك وأخد يردد بتكبر أن الزنزانة لم تخلق له بل للجرذان القدرة... ويهدي بأشيا أخرى لا معنى لها.
"لقد عانية مع هذا الأخرق، ليكن الرب في عوني"
تجرع من كأس المياه بشره، التفت أعين فالمونت المضيئة بالفضول له.
"ماذا حدث؟"
وضع الآخر الكأس بقوة على الطاولة التي دوي عالي.
"شاب أرعن تلقية بلاغ من مجهول ربما يكون قد تنمر عليه ..من صوته الحاقد استنتجت هذا، لا أعلم ، وقال انه يريد التبليغ عن فتى يتاجر بالمخدرات خلسة عن الإدارة في أكادمية قريبة تدعى كلودن.."
أشار للزنازين خلفة حيث يربض الفتى الذي يتحدث عنه بتقاسيم وجه ملاها القرف والإشمئزاز
"انه منتشٍ لقد عانية حقا في احضاره إلى هنا انه كالثور الهائج... شباب هذا الجيل مشكلة عويصة في زمانهم لم أكن أعلم حتى ماذا تعني ممنوعات.. أتذكر أنني بعمره كنت أشرب الحليب وأغمس به البسكويت الذي ساعدت أمي بإعداده بينما أشاهد سبونج بوب"
احتج فالمونت على مبالغت الآخر في تصور الأمور..
أما آنيا كان أكثر ما شدها اسم المدرسة وهي ذاتها التي انتقلت لها مؤخرا.. جميع من يتحدث عنها لا يبدي سوى الجودة العالية والكفائة التي تتمتع بها لكونها مدرسة عريقة درس بها أشخاص مسهمين بالمجتع والجميع يحلم بدخولها بمنحة أو بغيرها.
أهذا ما يفعله طلابها؟.
عبست شفتاها بعدم إعجاب سواء لترثرت هذا الضابط المغتاض من جيلهم أو من المدرسة الغريبة التي وضعت بها .. فقامت من الكرسي تتجنبهم جميعا، إن كان ذاك الضابط سيفعل شيئا سيتصل بها، ما غرضها من البقاء أكثر!..
استمعت لصوت شهقة انثوية حادة ما إن فتحت الباب الزجاجي للمركز، فإلتفّ رأسها بغريزية؛ قابلتها فتاة ضئيلة الحجم شديدة النحافة تجحضها بأعين زرقاء واسعة وشعرها الأسود القصير يلتصق بوجهها بسبب آثار عصير أو طعام_ لم تستطيع تحديده بالضبط_ منسكب عليها.. ترتدي اللباس الموحد ذاته خاصة آنيا.. بالنظر إليها لا تبدو مرسلة من قبل أولئك الغبيات لتتبع خطواتها، نظرة آنيا الخاصة تخبرها أنها هنا لغرض آخر... فالفتاة تبدو كمن تم التنمر عليها او شيء مت هذا القبيل.
لكن صاحبة الأعين الزرقاء ضنت آنيا ضابط شرطة ففزعت..
رمشت الفتاة بلؤلؤتيها الزرقاء سريعا.. تم أنزلت وجهها تقبض شفتاها بخجل.
مختلة ربما، هذا ما اعتقدته آنيا من تصرفاتها، هذه البلاد تعج بالمختلين هذا السبب المقنع الوحيد و الأكثر إعتمادا.
على الرصيف وهي تتمشى لمحت من طرف عيناها وبدون اكتراث سيارة غطاها السواد كاملتا مسرعة قادمة بعكس اتجاهها تتخطى الحد المسموح به للسرعة المستخدمة على الطرقات المعبدة بجانب الأحياء السكنية... لم يكن الأمر مثيرا .. فيبدو انه احد الشبان الطائشين.. اثار حنقها الهواء البارد الذي لفح جسدها بسبب حركة السيارة السريعة وهي تحرك الهواء مماجعل خصلاتها الزرقاء تتراقص بحرية كالأمواج المتلاطمة بصخبٍ تداخل مع صوت المحرك.
أدركت غبائها الذي حث على عدم ارتداء شيء ما فوق السترة المدرسية بإعتقاد أن اليوم دافئ.. ماكانت ليفيا لتتركها تذهب هكذا حتى إن كان الجو ليس بتلك البرودة التي تستدعي التدثر بكثرة، شعرت ببعض الحرية لكسر تلك القاعدة كون أعين ليفيا لا تلاحقها ولم تكن هيَ من محبي الأشياء الثقيلة فهي تعيق حركتها... غباء على كل حال.
في ظل انتدامها على فعلها، ضغط صاحب السيارة المكابح ليرجع بها للخلف ثم أوقفوا على بعد مترات قليلة فاصلة بين تلك الشاردة بمعاتبة نفسها وهذا الرجل الذي نزل سريعا بحلته المهيبة... خصلات شقراء قصيرة وبنية ضخمة بطول فارع ..شبيهة بخاصة المصارعين، تقدم بأقدامه نحوها تحديدا، بعينان كأنما تطلق علامات حمراء يحدد بها فريسته.
أستشعرت الخطر بسرعة وما إن قررت الإلتفات لتتكأد وُضع على وجهها منديل بيد ضخمة قد غطت نصف وجهها.
مدة معدودة لم تستطع بها حتى المقاومة و انهارت بين ذِراعيه كالهولام، فحملها على ظهره كأنما يحمل ريشة، بينما راحت عيناه فوق الأبنية تبحث عن أي أثر لكامرات مراقبة في الأرجاء.
⭑˚₊˚.⋆.˚⭒⋆.˚⋆.˚⭒.⋆.˚⋆.˚⭒⋆.˚₊˚⭑ 
اسدلت الستار عن جفنيها المثقلتين من جديد لتغط في نوم لانهائي غاضة الطرف عن صراخ تلك المرأة بنبرة عجائز حادة كالسيف... ولولا كونها مرتمية بإنهاك على هذه الكنبة لذهبت بدون تردد أو مواربة لقطع لسانها ورميه في المرحاض.
المرحاض؟... لما قد تفكر به كوجه أولية، كان بإمكانها التفكير في إطعامه للضباع مثلا... ثم أي ستجد الظباع!..
إنها تشعر بالغثيان وهذا سبب تفكيرها بالمرحاض، زجاجتان... ربما ثلاث زجاجات شمبانيا تجرعتها بفجاعة ليلة البارحة في أحدِ الحانات.
بعد صرخة مدويه جعلت من كل أفكارها الغبية تختفي سريعا حتى أن جفناها أُفرجت تلقائيا ببعض الفزع، رفعت رأسها تستشعر ثقله كأنها ترفع فيلاً وليس رأس بوزن خمسِ كيلوغرامات.. هذا ليس طبيعي كل شَيئ أمامها يتداخل ويتمايل ببط، رمشت عدة مرات تواري صداع رأسها تم حكت عيناها بقبضتيها لإضاح الصورة.
انسحب الغطاء عن جسدها ليكشف عريّ بشرتها العلوية، أنزلت رأسها تتأمل بشرتها المحمرة المتعرقة قليلا بسبب الحرارة والدفئ الذي يبعته المنزل، لم يكسوا جزئها العلوي سوى حمالة صدر رمادية بسيطة، أما ملابسها التي كانت تسترها فهي ملقاء على كل جانب من المنزل وعلى طول الممر أيضا مرورا بهذه الكنبة... نتالي تعريف للفوضى بأبهى حلتها... النظام لم يندرج تحت قائمة أولوياتها الحياتية البتة.
عادت حانقة بالأمس يتطاير منها الغضب بشرار مخيف لم تحتمل بقائها بالملابس حتى، فإنتزعتها بعجل لتتنفس براحة.. وعلى ذكر تلك اللحظات داخليا قضمت وجنتها من الداخل، متمنية أن ما تفكر به غير صحيح، أغمضت عيناها تم رفعت الغطاء عن قدماها بترجي داخلي لألاتكون قد انتزعت الجزء السفلي من ملابسها وهي ليست بوعيها!.
أفرجت عن عيناها الناعسة ببطئ، كل شيء تمام لم تطء يداها هذا الجزء، رغم غبائها لاتزال تتمتع ببعض الحياء... تنهدت براحة لم تدم طويلا بسبب حروف زوجة أبيها التهكمة بنبرة عالية:
"منذ ساعة وأنا أحادثك... هل متِّ أم ماذا.."
ناظرتها من الأسفل للأعلى مإشمئزاز متجلٍ على محياها تم تمتمت: "أتمنى ذلك حقا".
لفت رأسها لها وأخدت تبحلق بها ببعض الملل.. هل هي متأكدة حقا بأنها كانت تحادثها منذ ساعة وليس طوال الليل؟... هذا مرجح جدا، الثرثرة تجري فى عروقها بدل الدماء.
"انهضي لتستحمي.. أنا لا أعلم لما تستمرون انتم الشبان بالهروب من الواقع داخل زجاجات خمر.. لمتى سيستمر هذا العبث نتاليا حياتك تهدر هنا وهناك على التفاهات من بسنك بدؤا بمشاريع ليكوّنوا بها مستقبلهم أما انتِ انظري إلى نفسك."
أشارت إليها حانقة... فأنزلت نتاليا عيناها لترى نفسها..
مابها إنها لا تفهم؟.. صحيحٌ كونها مجرد كائن بشري تافه يبحث عن دوبامين مستهلك داخل أيٍ مما هو سهل للهروب من التفكير والمستقبل، لكنها تدرك على الأقل أن هذه ليست النهاية فلا ضرر باللهو في سن الشباب، لاتريد ان تكبر وتتذكر بأنها كانت تحشوا رأسها بين الكتب والحاسوب طيلة الوقت فقط لضمان مستقبل مضمون بالنسبة لها، لذلك ستكون ممتنة لكونها حصدت بعض المتعة في شبابها بدل من التعفن بين الكتب.
" أنت هنا تنامين بكل راحة ولاتتذكرين حتى ما جرى البارحة... والدك لم ينم الليل بسببك أتعلمين لما؟"
تيبست يدها التي تتخلل خصلاتها الشقراء تداعبها، وقضبت حاجباها بحيرة.. عدم تذكرها لما حصل البارحة سبب لها بعض القلق، وآخر ما تعرفه أنها شربت الكثير من الكحول مع شلتها من الحمقى. ليس هناك حدث يذكر أو هذا ماتتمناه؛ ألاتكون قد أقدمت على شيء طائش أحمق وهي ليست بوعيها الكامل.
أو ربما عادة زوجة والدها لتجسيم الأمور كما هي العادة.
دلكت صذغها بقوة لتخفيف الصداع الذي يمنعها من التذكر لكن دون جدوى، فالستطردة مستفسرة بأول كلمة بنبرة تحمل بحة ثخينة أثر نومها: "لما؟.."
لوحة الأخرى بيدها تلاها كلماتها الاذعة الذي تخللها الغيض العارم: "رائع... لاتتذكرين أنه لولا أصدقائك لكنا تبهدلنا في مراكز الشرطة"
"م...ما الذي تقولينه؟."
استبد بها رعب تجهل مصدره؛ مهما كانت نتالي لتفعل لن يصل الموضوع لمراكز الشرطة أبدا، من عادة هذه الشمطاء أن تهول كل أمر تقوم به نتالي مهما بدى بسيطا في جوهرة، وهي لاتعلم هل يتوجب عليها القلق الآن حقا أو لا... لكن ليس قبل أن تتذكر حقا ما حصل..
وإن كان الأمر يستدعي عدم نوم والدها و تدخل الشرطة فهذا يعني أنها قد أقدمت حقا على فعل غبي حقا.
"كنت على بعد شفة من محاولة اعتداء رجل عليك بالحانة."
رفعت رأسها من الأرض تمنحها عيناها المتسعة تطالبها بها بتفسير لما تتفوه به من هراء.
"لاتنظري إلي هكذا.. لولا تصرفاتك الصبيانية التافهة الخاصة بالمراهقيين لما حدث ما حدث... بتصرفاتك هذه ستؤدي بالعائلة نحو الحضيض، إن لم تحصلي على تربية جيدة في صغرك فهذا يتوج_"
"لا أفهم ما التصرف الصبياني الذي ارتكبته بالذهاب للحانة.."
قاطعت استرسالها بحدة، رمت الغطاء جانبا وعدلت وضعيتها على الكنبة تتخد وضعيت الجلوس، تنهيدة مضطربة غادرت ثغرها بإرتعاش، مسحت براحة يديها على وجهها الذي اتخد الشحوب به موطنا برفق، والذكريات بدأت تنهار عليها بلا هوادة.
ليلة البارحة رفضت الرجوع للبيت.. الإمتحانات التي تعد أهم مرحلة بالنسبة لهم الآن تمهيدا للدخول الجامعي لم تكن تهمها بقدر ما اهتمت للهرب من المنزل وتضييع الوقت خارجا بقدر الإمكان؛ ذاك الوالد الناجح الذي يعتبر مثال للقهوة الحسنة يرفض ان تكون ابنته ان تكون متالا للقذارة والفشل والضياع بل يريد منها ان تستقبل ثروته بنفسها وان تديرها بدكاء يعتمد عليه، خاصتا انه لايملك غيرها، ورفض ان تأخد امها حضانتها حتى بعد زواجه من أخرى..مما خلق على نفسها الصغيرة التي لا ترضى الخضوع و التماشي مع رغبات الغير بحجة الأصلح لها شعور بالضيق... فإرتادت الحانات هربا
اقترحت الأمر على الثلاثي خاصتها بايثون و رونا وأيضا سايمون وكما توقعت لم يفلح أي منهم في محاولة إظهار بعض التردد أو الندم لترك التحضير لأي امتحان.
وفي غضون الساعة الحادية عشر مساءا وجدت نفسها داخل إحدى الحانات الراقية، ولم تمضي مدة حتى وجدت بدأت وعيها يتلاشى تدريجيا... أخر كأس وضع أمامها، زجاجهُ، لم تكن متأكده ان كانت السائل داخله أو أنه منكب في الهواء وياخد وضعية الكأس المقعر، كونها تشعر بالدوار فحتى الزجاج غدى عدما بالنسبة لها... رمشت مرتان تتلمس المجسم ببعض الغرابة التي تتضح من حاحباها المفقودين... تم رفعت الكأس بأصابع مرتعشة تروي ضمأها المتعطش بسمومه بشراهة تناثرة لها بعض قطرات النبيذ على بشرت وجهها الناعمةو المحمرة، وراحت بإنسيابية تنزلق وتلطخ أعلى سترتها المدرسية.
تركت الكأس لتنجرف مع الإيقاع الصاخب الذي يرغم القلب و العقل غصبا على النبض بعلو والتحرك بين الأجساد بحركات عشوائية عبثية.
تلتصق الأجساد أحيانا، يرقصون بطريقة فجة.. تجد نفسها أحيانا ترقص مع إمرأة مجهولة، شاب، رجل.. لا يهم، إنها هنا لتفريغ شيء لا تدرك ماهو يلتف ويلتف بقوة على صدرها.. هذا الذي يسميه الغالب عبثا ولهو كان له ثأثيرا خاصا على نفسيتها!
كان مهربها المفضل.
وجه جديد يتماهى أمامها ويرقص معها، لم تستطع تمييز وجهه جيدا بسبب تأثير الكحول الذي التهم عقلها، كل شيء ضبابي مغبّش وغير واضح.
هذا الرجل لم تكن لتريد تحديد ملامحه لولا أنه مقترب جدا منها، ولوقاحته أيضا سمح ليديه أن تتجول بحرية على كامل جسدها يتحسسه بروية.
انتفضت نتاليا، حاولت أن تبعده بلا جدوى، اقترب يلف ذراعيه القوية حول خصرها يسحبها نحوه انزلقت يداه لتواني أسفل خصرها مما جعلها تأن بعدم إعجاب.
قرّب رأسها فإمتتلت ووضعته على كتفه بينما استمر هو يُراقصها ويداعبها أحيانا، لم تكن بوعيها، فلم يستطع تحديد إن كانت الأنّات التي انفلتت منها عن استمتاع أم رفض... في الحالتين لن يهتم.
سحبها الرجل من يدها فتبعته بوعي يكاد يكون منعدم إلى أحد الغرف وهناك استفرد بها لنفسه.
في الوقت ذاته كان الفتى سايمون خارجا يدخن سيجارته ويطالع من أمامه بملل، السيجارة على شفته قاربت على الإنتهاء وبسبب ملله رماها ودعس عليها تم توجه للداخل لينضم لباقي الأصدقائه.
رونا مستلقية على كنبه ترمي بقدميها على حجر بايثون ذا الخصلات الحمراء بأريحية، تحمل كأس بيدها ترتشف منه أحيانا بمضض بسبب قوة تركيزه.
تقدم نحوهم بتسائل: " أين نتالي؟.."
أشارة رونا نحو مكانها والكلمات خرجة من فمها متثاقلة بطيئة: " لقد كانت هنا"
مرر الجميع انظارهم نحو المكان وهي كذالك، لم يجدها أحد فإلتف سايمون نحوها بحاجبان منعقدان.. وهي لاتزال تؤشر ناحية المكان وتحاول أن تتذكر.
تقسم أنها كانت هنا، لقد رأتها ما رجل ما اقترب منها بطريقة_
"يا إلهي نتالي!.."
اتعسعت عيناها بفزع فارط، أنظار سايمون وُجهة إلى الآخر بتسائل فهز بايثون كتفاه ينقل له بهما عدم معرفته وفهمه أيضا.
انتفضت رونا من موضعها والقلق استحود على تصرفاتها، هرولة تبحث عنها وتدفع الأجساد جانبا، أحد يشتمها وآخر يرد الدفعة بدفعة أقوى تزعزع تباثها.
تبعها الآخران يبحثان عن نتالي
والتي كانت مع ذاك الرجل في غرفة لاتبعد عنهم سوى بضع مترات.. هناك تماما كانت نتاليا ملقاء على السرير بملابس مكشوفة وأزرار قام بفتحها، استغلت الفرصة لتحصل على قيلولة، المسكينة ضنة نفسها جُلبت لبيتها وكأن ليس هناك رجل ما يسكب الشمبانيا في الكأس ويلتهمها بنظرات قذرة.
فتح ساعة يده تم رماها بغير استعجال، ضن أن أمامه ليلة طويلة للغاية سيقضيها مع هذه الجميلة، وشربها للكثير أكد له أنها لن تعارض أبدا أفعالة المجنونة التي يتخيل تطبيقها عليها.
لكن أولئك الشباب سيخربون عليه متعته بمتعة أكبر.. فتح باب الغرفة بقوة كبيرة لدرجة ضرب الباب بالحائط خلفة وارتد ناحيتهم فدفعته رونا مرة أخرى وهي تمرر حدقتاها على الغرفة.
شهقت بخوف لرؤية نتالي ملقاء على السرير بإهمال، مجردت من ملابسها، تنام بسلام كأن العالم أجمع لا يعني لها، اتجهت هي ناحيتها لتوقظها، بينما تغلق أزرار سترتها.
صفعتها بلطف "نتالي أيتها الغبية استفيقي أرجوك"
لاتزال نائمة وبعمق .. وجهة لها صفعة أقوى أحمر لها نسيج وجنتها فإنتفضت تفرج عن عيناها بضعف... أول ما تبين لها هو صورة مشوشة لخصلات شعر رونا البنية الفاترة.
"حبة بطاطا"
"حبة بطاطا ماذا بحق الجحيم؟"
صفعتها رونا مرة أخرى برفق لتستفيق من حالة الهذيان هذه.. تنهدت بيأس وتركتها لتجمع بقية ملابسها الملقاء على الأرض... تم رجعت لها، أحاطة كتفها من الخلف بذراعها الفارغة لتسندها عليها.
"نتاليا هيا ساعديني لن أستطيع حملك"
خرجت منها الكلمات بصعوبة لثقل الأخرى وفوقها لاتساعدها بأي شيء بل جسدها مرخى تماما مما صعب الأمر أكثر.
"شُده جيدا.."
أومأ بايثون الذي يشد ذراعا الرجل من الخلف ويتبته جيدا لسايمون.. يعاملونه ككيس ملاكمة، وجه الرجل أصبح مغطى بالدم، أنف انكسر لهاثه عالٍ، لا يستطيع أخد انفاسة بحرية فمى لبث لأقل من ثانية حتى شعر بكلمة قوية توجه ناحية وجهه تلفه للجهة الأخرى.. حتى خارت قواه وفقد وعييه، رماه بايثون على الأرض تم ركل مؤخرته بقوة.
حرر وقبض سايمون أصابعه عدة مرات لإقاف الألم والتشنج الذي حل عليهم بسبب لكماته المتتاليه.
التف لرونا التي مازالت تعاني لرفع نتالي من السرير.
"انظروا لمن سيموت قلقا.. ألم تتشاجرا بالأمس؟"
قلبت رونا عيناها بإزدراء :"ذاك شيء تانٍ... لاشأن لك، ثم أنها صديقتي في النهاية كيف لي أن اتركها تتعرض لشيء كهذا، سأكون أشدهن حقارة إن تركت هذا يحصل لها"
ظهرت ابتسامة خبيثة على وجهه.. دار في رأسه أنه لا بأس من استفزازها الآن.
"أنت كذلك بالفعل"
قبضت على ذراع نتالي بقوة غير مقصودة فأطلقت تلك أنين خافت بسبب الألم...
"غبي،أستطيع ترجيح أنك أنت من ستتركها هنا فقط لمجرد شجار تافه، شرير حقير عديم الإنسانية وق_"
قاطع بايثون انفعالها " هذا ليس وقت خوض شجارات تافهة... ابتعدي سأحملها أنا "
امتلت له وعينها لاتزال تطلق شرار حقد تجاه سايمون الذي يقهقه على شتائمها كما لو كانت تدغدغه لا تشتمه... لكنها تعلم أنه فقط يستفزها فلولا سؤاله عن نتالي لما كانت ستنتبه أصلا.
مسحت نتالي وجهها بقرف لتذكرها ما كان سيحدث لولاهم..
"تبا لقد أصبحت مدينة لهم"
تمتمت لنفسها متجاهلة كليا نباح زوجة والدها المستمر لربما سيستمر لدهر كامل... فنهضت بجدعها ورمت الغطاء على وجهها لتصمت قليلا فصوتها أصبح بمتابة إعدام لمسامع نتالي.
وقع الغطاء بحانب أقدامها تحت صدمتها التي لجمة لسانها، هي لها ساعة تعاتبها ونتالي غير مبالية تماما، ورمي الغطاء كان بمثابة البنزين الذي صب على نيران قد كانت فاترة النار.
"أتعلمين أيتها الملعونة، لقد أخبرت والدك بفكرة إرجاعك لكندا لتمارسي قمامتك مع والدتك الغير مهتمة، لن أكون مسؤولة عليك للأبد انت ليست أبنتي في النهاية"
تصلبت أقدام تنالي على الدرج، يدها قبضت على الدرابيزين تشد عليه لتفريغ غضبها الذي أصبح يتفاقم.
"اخبريني هل هجرك والدي بالأمس في الفراش لأنه شعر بالقلق علي"
أطلقت شخرة ساخرة "مسكينة .. سيعوضك لا تخافي.. أشفق عليك حقا انتِ تغارين لكونه يهتم بي أكثر منك، تافهه، ارسالي لكندا؟ ..لو أراد تركي لفعلها عندما طالبت والدتي بالحضانة"
"ما هذا الهراء نتاليا؟.."
قبضت على أسفل سترتها تعتصرها بألم، وعينيها تهربان فجأة إلى غرفتهم بخوف ان يسمعهم، وسرعان ما تحولت ملامحها من حانقة إلى أخرى حيادية.
"أنتِ تفهمين الموضوع بشكل خاطئ تماما أن_"
قاطعتها نتالي مستنكرة بصوت كالوعيد
"هراء؟... حسنا ما افعله هراء ربما " ارتفعت ابتسامتها أكثر وهي تحدق بالمنزل الفخم حولهم "لكن تذكري حتى إن بلغة التاسعة عشر بعد أشهر سأضل هنا... لا تنسي والدي سيترك لي ثروة، غباء أن ذهبت وتركتها لأمثالك... سأبقى عالقة كالشوكة في رقبتك للأبد."
أخرجت نفس مرتعش ينسل منها ببطء كأنما كلماتها لم تكن مجرد حروف مجمعة بل كلمات تطعن بحدة أشد من السيوف.
"نتاليا عزيزتي أنت تفهمين بشكل خاطئ، كنت فقط قلقة عليك وما قلته" انحدرت نبرتها قليلا لتصبح أكثر رقة " لقد كان مجرد انفعال أنا خفت أن يحدث شيء انت بمتابة ابنه لي أيضا"
قلبت نتاليا عيناها بملل.. ليت هناك عادة أفضل من قلب الأعين تعبر عن مشاعرها حاليا، كالإختفاء فجأة مثلا، هذه ليست عادة لكنها بالطبع ستكون أفضل.
لوحت بيدها بعدم إهتمام.
"إن الأمر سيان فوجودك هنا كعدمه لا تلعبي دور الأم العطوف أعرف نواياك أكثر من معرفتي بأن لون العشب أخضر"
انهت حوارهم تجر خطواتها للطابق التاني.. هناك مواضيع أهم من صرف دقائق حياتها الثمينة في خوض حوار مع هذه التافهة.. كالبحث عن موضوع إختفاء آنيا المفاجئ!.
ربما هي تلتصق بها أكثر من اللازم.. و أنها احتاجة فترت للتحضير للامتحانات، تلك الفتاة دودة كتب، لذا بالنسبة لنتالي كان هذا الإحتمال الأكبر.
تنهدت تغلق باب غرفتها بقوة.
"أين أنت يا فتاة؟."
⭑˚₊˚.⋆.˚⭒⋆.˚⋆.˚⭒.⋆.˚⋆.˚⭒⋆.˚₊˚⭑
ملاحظة: آلفو ليست منطقة حقيقية بولاية سياتل بل من تأليفي.
66 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.