《5》غَرَابَةُ الْوَاقِعْ
فِي بَهوِ الإِرَادَةِ.. هنَاك مَالا يقَالُ دائِمًا، لكِنّه يُكشَفُ فِي النهاية.
⭑₊˚˚.⋆.˚⭒⋆.˚⋆.˚⭒.⋆.˚⋆.˚⭒⋆.˚₊˚⭑
تُدخل يدها تحت السرير تتلمس كالأعمى شيئا ما تبتغيه، تحط يداها هنا وهناك حتى اهتدت أخيرا بعد عناء تمطيط مفاصلها لدرجة جعلت التشنج يفتك بها.
سحبت الصندوق ببقايا قوتها المتبقية واضعة إياه أمامها تحني أقدامها بقرفصاء تم عدلت جسدها تتخد وضعية أكثر راحة بينما تتقطق أصابع يدها و تهز الأخرى المتعبة من الوضعية المتخدة قبل قليل و التي استمرت عليها لبضع دقائق و هي تبحث عما وضع أمامها اخيرا.
فتحته تتأكد من محتوياته بدقة تحسب كم تكلفة هذا وذاك اذ اتخدت قرار البيع... مدت يدها تسحب قارورة استخلاص بسعة 800 مللتر تتفقدها بدقة متناهية كشفًا عن أي خدش صغير يؤثر على الجودة.
وهكذا ظلت تتأكد من جميع الدوارق الكيميائية التي استخدمتها لصناعة موادها بطريقة سخيفة كما خُيل لها لكنها بالطبع تتمتع بالذقة و الكفائة.
بعد كشفها لم يكن لها ما تبقيه هنا ستتخلص من كل ما احتاجته يوما، لكنها لن تستطيع التخلص من لعنة الخطيئة التي تُحفرة على كل خطوة تخطيها مهما بدة طبيعية... ما بيدها حيلة يجب لها إتخاد قرار حاسم.. توقن هيَ في قرارة نفسها بكونها المسبب الأكثر عُنوَتا لجذب المشاكل بقراراتها الفاشلة، الآن ستستمر فحسب بالإقتناع بأن أفعالها تأتي بثمار ناضجه متناسية بأنها لم تكن سوى بضاعة مضروبة مغلفة بإقتناع لامع.
وعلى بعدِ عدّة أمتار خروجا من هذه الغرفة مرورا بمحاداتها حيث تلك الشاردة جامدة على الوضعية منذ أمد مديد تحدق في السقف بتيه، استشعرت السخونة التي تغلغلة على كامل جسدها فرمت غطاء السرير بإمتعاض.. كل شيء سيء حتى هذه الوسادة الذي بدأ صوفها بالتكتل كأنما تنام على حصى قاسٍ، وتشعر بالكسل لترتفع بجذعها و تضرب الوسادة غرض تليينها و متابعة الغرق في النوم الذي قبض عليه فراغ موحش حاليا.
نقلت عيناها بهدوء وبحركة آلية كأنما تحريك بؤبؤها سريعا سيجعها تشعر بتعب عارم فوق هذا الخمول... حيث سهرت الليل كمحاولة ترقب و جدب الخيوط شيئا فشيئا، لكنها عجزت حتى على معرفت من الغبي الذي ارسل لها الصوَر.. هناك احتمالان :ان يكون من طلاب المدرسة التافهين فهذه ليست اول مرة يرسل بها رقم مجهول صورة غريبة لها أو يستهزئ بها.. او ربما تكون من جهة ما تتربص بها.. لكن لما؟! .. كونها تجهل السبب يجعلها في صراع بين الغضب و التوتر الطفيف.
في النهاية يجب عليها أخد الإحتمالان بعين الإعتبار.
اتضحت لها ملابسها الملقات بإهمال على الأرض.. تلك الفتاة الفوضوية استرخصت إعادة الملابس للخزانة بتنظيم... لكن لحظة!
هل ذهبت و تركتها، لما لم توقظها؟... هذا غريب هل بدأ العالم بفهمها أخيرا أو ان نتاليا امتنعت عن إيقاظها لأنها رأت التعب بها فقررت التغاضي عن إجبارها لرؤية أولاءك المجانين.
ابتسمت لتلك الفكرة، كم أن نتاليا لطيفة، ستبدأ بمعاملتها بلطف أكبر المرة القادمة..
عقدت حاجباها عند تسلل صوت تقتقات تشي بوجود شخص ما يشاركها هذه الشقة وهذا الوقت، الذي لا يكون به احد إلا بساعات دوامة، نهضت بجدعها بتأهب لما سيحدث.. فوالدتها تكون في العمل عند هذا الوقت.
لفت رأسها بحركة سريعة نحو النافذة، الشمس تصطع بضوءها الآن و ساعة الحائط لا تخطئ التوقيت، نهضت من السرير لتبتر الفضول بالحقيقة.. لكنها توقفت عند عتبة باب غرفتها بحذر.. الأصوات تأتي من غرفة والدتها التي تقبع بجانب غرفتها.
أيعقل أنه مارك؟!.
إزدردت ريقها ترجع بأقدامها تبحث عن سكينها الصغير، فتحت الدرج الذي تخبئه به دائما ناثرة اغراض الدرج بأصبعها عل عجل لكنها لم تجده فأغلقة بابه بقوة غضب.
بعد تذكرها بأن غبائها ازداد مفعولا في الآونة الأخيرة أخدت بحك شعرها مغتاضة من نفسها، لقد تركت السكين بجيب السترة الدراسية عند وضعها بالغسالة!.
تخطت عدم انتباهها لهذا الشيء، ستأجل فقرة عتاب ذاتها لاحقا الآن و أهم من كل هذا هو أخد سكين من المطبخ لنحر عنق من استباح دخول المنزل.. وهذا ما فعلته.
دخلت الممر تقترب بخطوات حثيثة بوجه محتقن بالغضب، تخبئ السكين خلف ظهرها و تحني جسدها عند حافة الباب، لا يظهر سوى جبهتها و عيناها التي رصدت اخيرا ظهرا رقيقا و جسد نحيل يحيطه قميص وردية ضيقة ثناثر فوقه خصلات ذهبية تعلم جيذا لمن تعود.
استراحت بظهرها على الحائط خلفها تغلق عيناها وتطلق تنهيده راحة لم تكن تعلم أنها تكبحها.. ذاك الشخص المجهول الذي لم ينكف عقلها عن تحليل مهيته و معرفة ما خلفيته، لم يكن سوى والدتها ليفيا، في الوقت الراهن!.
إستوفت الأخرى عملها تغلق الصندوق بشريط لاصق مصدرا صوتا حادا جعل آنيا تزم شفتيها بعدم إعجاب.
تحركت من مكانها أثر ذلك ودخلت الغرفة حاملتا فضولها الثقيل المهدد بإنهاكها... رفعت ليفيا رأسها على دبدبات الصوت الرتيبة التي هاجمت مسامعها كطلق رصاص.
تعلم إن هذا اليوم سيأتي لا محالة... يوم تفترق فيه عنها ولاترى ما أودع حب الحياة في قلبها مخطئ المسار منذ بداية طريقه.
ولأنها تعرف بما سيحدث لاحقا، أنزلت عيناها عن خاصة الأخرى، لن تتحمل النظر لعيناها الآن وبعد كل ما حدث.. إنها تشعر بالذنب يفتك بشرايينها و العجز يقطع أعصابها ببطء.
لكن آنيا لم ترض بذلك، ليس بعد ان رأة ما كان مرادا لها بالأمس، ذاك الصندوق قد أجمعت ما يكفي من الفضول لمعرفة ما بداخله.
اختارت الآن اول ما حث عليه عقلها، وهو الاستفسار من والدتها قبل كل شيء لمعرفة ما اذ كانت تخفي الحقيقة عمدا او أنها لا تخفي شيئا.
"أمي ما هذا الصندوق"
لم تكلف نفسها بصياغته بنبرة فضولية صادقة بل اردفت بكلماتها بحدة واضحة يغلفها استفسار مصطنع، كونها ستعلم ما بداخله شائت ام أبت والدتها العزيزة.
و تحت نظرات آنيا كالمثقاب، اجتاح ليفيا توتر عارم تقرب الصندوق منها وتلف دراعيها عليه.
"لاشيء.."
لم ترفع عيناها حتى... هذا واضح كالشمس بأنها تخفي شيئا...و استمرت ليفيا بمحاولة تمثيلها الفاشلة تلك.
لكن هدوء الأخرى جعلها تستجمع ثقتها الواهية وترفع عيناها لتقابل جمود آنيا التي وقفت هناك كالصنم تضع يداها بجيبها تحدق بها بأعين ذابلة لاتحمل شيئا سوى الفراغ.
"ما الأمر؟.."
كان هذا الوقت الذي احست به ليفيا بضرورة إبداء الحزم معها حتى إن بدى لها أن ابنتها متزنة.. إخفاء الأمر كان الضرورة الأكبر ولو اضطر الأمر معها إلى ابداء شيء لم تتجرأ يوما على الإقدام به.
استخفت آنيا منها بزفرة سخرية متخطية الأمر.. والدتها غريبة هذا واضح بل الأغرب أنها لم تهتم لموضوع الدراسة حتى الآن وعندما تبادر الأمر لذهنها أخيرا عقدت حاحباها وهي تحدق بوالدتها مما جعل الأخرى تتخد الصمت عاجزة عن فهم ما يدور ببالها.
"لما لم توقضيني صباحا.. أقصد أنك لم تتطرّقي للموضوع حتى الآن أمي، ألا تعتقدين أن هذا غريب..."
اقتربت بخطواتها من مكان جلوسها خلف الصندوق تقتل المسافة بينما، تلعب على أعصاب الأخرى بنظراتها و تصرفاتها، ما جعل ليفيا تغضب بسبب تقمص الأخرى دور المحقق الداهية الذي سينقدهم إن علم بشيء ناهيك عن النظرة التي ترمقها بها تلك الجامدة المفتقرة لبعض المشاعر.
تنهدت بهدوء و أعقبت: "ماذا أيضا.. تخفين عني حقيقة خروجك المبكر، وارتباكك الواضح حين أحادثك، ومارك الذي يتقفى أثرك كالقاتل المتربص، ما الذي تفعلينه أمي، ما هذا اللهو؟"
استنفرت ليفيا لصوتها الذي بدأ يتّخد منحدر العلو، شعرت بضرورة استلام زمام المبادرة و التصرف كأم واعية واثقة رغم عدم تأكدها تماما بكيفية معرفة مارك بهروبها ، لم تمنحه اهتماما بليغ الحدر.
و ارفقت على مسامع الخرى تصريحها الذي انتظرت لحظة إجماع قوتها و قدرتها على صياغته، رغم الألم الجم الذي يعتمل بصدرها، تحدثت بصرامة قاتلة لروحها بكلمات تنهدش دواخلها قبل ان تمس آنيا:
"لقد سحبت ملفاتك من المدرسة..."
توقفت تبتلع ريقها تبلل حلقها الجاف الذي يلسعها بغصة حارقة كالجمر: "ستنتقلين لأخرى.. ولا تقلقي ليست بولاية أخرى انه بالمدينة المجاورة"
تسمرت آنيا بمكانها واتسعد عيناها تطالع بذهول ليفيا التي تتلفظ بكلام غريب أمامها، قبضت على يداها بشدة داخل جيب بنطالها... شخرت بسخرية تهز رأسها: "أنتِ تمزحين، بالتأكيد تمزحين"
سريعا ما أتاها الرد صارما من والدتها التي تراقب كل تحركاتها بأعين لامعة من شدة الألم، ليس لأنها تخفي شيئا ولا لأنها ستنقلها لمكان آخر والذي بالطبع هذه الفكرة لم تعجب آنيا كونها تعودة على المكان ولا وجود لسبب مقنع حتى الآن يجعلها ترضى بالوضع.. بل لأنها لن ترافقها.
"أنا لا أمزح آنيا."
"لكن لما لما سننتقل مجددا، أمي هل تتعرضين لإبتزاز هل هناك من يضايقك؟"
حتى الآن تجهل خبايا هذا القرار المثير للقلق، إن كانت والدتها تتعرض لشيء ما فلما تتشبت بإستماته على كتمانها، انها ابنتها بالنهاية.. لما لا تشاركها الضراء ليتخطونها معا؟.
لكنها تعلم، منذ القدم وهي تلقي بنفسها أمام المدفعة لتجنب ابنتها عتيَّ الضربة، ولاتزال تستمر بإخفاء الأمور.. لأن آنيا ومنذ صغرها لم تكن تهتم كونها كسبت استقرارها النفسي بعد عناء ورغبة والدتها في الحفاظ على هذا الاستقرار بل تستمر بالتدخل في أشياءٍ تؤذي صحتها النفسية، وعلى ليفيا أن تجنبها هذا.
راقبت توتر والدتها الواضح على أسئلتها رغم كلامها الذي صاغته بنبرة واثقة، بدى جليا لها انها عانت لتتلفظ بذلك، أخرجت يداها تمسح وجهها و تتنهد بيأس على هذا الحال."لن أتزحزح من هنا دون سببٍ مقنع"
اشتدت قبضتها أكثر تراقب والدتها وهي تفتح فمها و تغلقه كل مرة، دفعت الصندوق جانبا و مررت اصابعها الرقيقة لترفع بها شعرها من عيناها.
"للأسف لقد اتخدت كل الإجراءات الازمة بالأمس و إتصلت بالمقاول لبَيع الشّقة.. وأيضا تصحيح لمعلوماتك السابقة، نحن لن ننتقل مع بعضنا بل ستنتقلين وحدك لبيت جدتك في آلفو"
شلت أطرافها هذه المرة، لدرجة كدبت بها اذناها على ما تلتقطه من كلمات سخيفة، تم والدتها تتحدت بجدية مطلقة كأنها تحاول ترسيخ الأمر وأنه لامفر ويجب عليها الرضى بالواقع الذي لاتفهمه... تم عن أي جدة تتحدت هي بالكاد تعرف شخصا ما يقربها غير والدتها وهو والدها لاغير.
هذا سخف بالقدر نفسه مما يحملُ من عبث.
عُقل لسانها وتهافتت الأسئلة في عقلها كالشلال.. أحقا ستتركها ،هل كلام مارك صحيح؟.. ستتخلى عنها من أجل رجل ما... هذا يبدو مستحيل، لايحب عليها ان تشكّ بوالدتها حتى إن بدى هذا صحيحا ولو بنسبة ضئيلة، الأمر كله أنها تخفي شيئا ما قد يبدو خطير لدرجة تستدعي التخلي عنها.
"حقا .. عن أي جدة تتحدثين؟"
نهضت الأخرى بعد فترة جلوسها الطويلة على الأرض تقترب من الطاولة الصغيرة بجانب سريرها واضعة الصندوق فوقه.
"جدتك أُم والدك"
حمحمت الأخرى لتجدب انتباه والدتها لها، لكن لا فائدة لم تستطع ليفيا لف نفسها لمراقبة صدمتها او ربما قد يكون برودها، خصت عيناها نحو ذاك الصندوق أمامها و تطأطأ رأسها للأسفل، وقفة غريبة لتجنب نظرات الأبنة الغامضة.
سكون عميق التف بالمكان بعد ما قالته وثقُل هواء الغرفة حولهم شيء ما يضغط على صدرها و يصعب عليها عملية التنفس، طفح الكيل، التفت تقابلها للمرة الألف بعد كل فشلِ تجنبٍ أرادت به الهروب من رؤية ردة فعل آنيا.
اتضح لها بدنها الجامد وهي تطالعها بخيبة و عتاب، لقد انتظرت تلك الفرصة بصبر حتى تستطيع إلقاء كلماتها وهي توجه عيناها على عينا ليفيا مباشرتا.
"لكن لما؟ ، لم يتبقى على الإمتحانات سوى اسبوعان تم اتخرج، ألم تعديني بدخول مركز تأهيل لعلاج الإدمان عند تخرجي من الثانوية، و وعدتك بدخول جامعة مرموقة، لقد افنيت ساعات شبابي بين الكتب لأستطيع الدراسة بمدرسة كهذه لم يتبقى الكثير حتى أفي بكامل وعدي ، أما أنت فماذا تفعلين، ارجوك لاتخربي الأمر ... أنا لا احاول استعطافك بل احاول إعادت رشدك لمكانه الصحيح."
ضربت القشعريرة جسد ليفيا عند استشعارها نبرة الألم التي تحادثها بها آنيا تلك النبرة التي لم تسمعها كثيرا تخرج منها والتي اعتادت تخبئتها خلف رداء القوة.
ليفيا الآن حائرة وحيرتها تلك جعلت عقلها يتخد قرار الصرامة بموقف ضعيف كهذا، من جانبها هي موقفها أكثر من ضعيف بالتأكيد.. تخفي عن آنيا أكثر مما تضهر و تريد رميها بمحيط أكثر شخصٍ أذاها وضلت تتعالج بسببه لعدة سنينٍ طوال خاضوهما معا حتى الوصول لهذه النقطة، تم تأتي هي و تهدمه بقرار عادي بالنسبة للجميع لكن ليس بالنسبة لآنيا.
تنفست الصعداء قبل نفتها لكلماتها بجفاء مصطنع تحت أنظار الأخرى المنتظرة بفارغ صبر ردة فعل والدتها على كل ما قالته:
"كفاك نواح كالأطفال آنيا، لم اعهدك ضعيفه... تم أنا لم انقض بوعدي بعد لدي بعض الأعمال لأستكملها فحسب ولا أريد تدخلاتك، لاتزالين شابة يافعة و لا اري_"
توقفت تدرك فداحة ما قالت، ثم أعقبت سريعا تغير موضوعها:"أقصد... لا تتدخلي فيما لا يعنيك فحسب ثم ... موضوع والدك، آنيا بربك..." بللت شفتاها كذريعة لإختيار كلمات مناسبة وتجنب زلة لسان أخرى:
"لقد مات منذ زمن لذا لاداعي للقلق"
"أعرف ذلك حق المعرفة، الآن ليس هذا ما احادثك عنه.. أريد أن أعرف لما ستتركينني بل اي ستذهبين على الأقل"
"قلت كفي عن النواح هذا ليس من شأنك.. بدأت تسببين لي الصداع لما لا تنفذين الأوامر فحسب.. الآن اذهبي ووظبي اغراضك"
فغرت آنيا فاهها على طلاسم الأخرى، من اخبرها أنها خائفة أساسا... في حقيقة الأمر هي لم تكن تحمل تجاهه خوفا بل كرها عارما كدسته السنين تكنه لكل ما يخصه.
تقدمت ناحية والدتها بخطوات يسوقها الغضب، أنفاسها متهدجة، دفعتها بقوة جفلت لها، وشرعت بشق اللاصق عن الصندوق وهي تتمتم 'انتِ تخفين شيئا' بعقل غائب جزئيا.
اتضحت لها ما إن مزقت اللاصق زجاجات كيميائية مرتبة بعناية، شخرت بسخرية تحمل واحدة تلوح بها أمام أعين الأخرى:
"أهذا هو الهراء الذي يجعلكِ ترمينني عند عجوز اجهل من تكون؟"
رفعت الدورق تم رمته بقوة على الحائط خلف ليفيا ليُحدث صدى انكسار يضاهي صوت طرقات قلبها التي علت، انكمشت ليفيا بفعل الصدمة تحدق بآنيا بعدم تصديق، تناثرة حبات الزجاج بكل مكان تملئ الغرفة.
لم تكتفِ آنيا بذلك بل أخدت آخر ناوية تحطيمه أيضا وفعل ذالك مع كل ما وجد داخل هذا الصندوق... وفي ظرف من التانية التف وجهها بقوة للجهة المعاكسة بفعل صفعة قوية مدوية.. انتشر ألم لاسع على طول نسيج بشرتها، وشكرت شعرها الذي تناثر ليغطي عيناها التي ترقرقت بالدموع.
كم تكره ان تكون هكذا.. ليس ضعفا فتعرضت لأشياء أهول من مجرد صفعة، بل كانت صدمة امتزجت بالحب و القلق العارم لكل ما يقترب من والدتها، حيث طبعة هذه الصفعة على وجنتها كأول صفعة تتلقاها من والدتها على طول حياتها التامنة عشر.
رمشت بسرعة لمدارات تلك الدموع التي ستخونها بأي لحظة، ضاغطه على زجاج الدورق بقوة كبيرة، رفعت عيناها بعد استعدادها للمواجه و إدعائها الصلابه.. ليفيا تلك الأم اللطيفة واقفة تحدق بها بأعين متسعة بعد ما فعلته.
أطلقت آنيا نفس طويل أمام وجه والدتها قبل وضعها للدورق على الطاولة بعنف كاد يهشمه.
"حسنا لكي ما تريدين."
اختفت من أمامها سريعا كالشبح، تدخل غرفتها تغلق الباب بقوة، ارتمت على كرسي المكتبة الدراسية خاصتها وحطت رأسها عليه بقلة حيلة.. انها تدور بحلقة مفرغة كلما أرادت فهم شيء يأتي آخر لينسف توقعاتها، ليس من الممكن بالنسبة لها أن تتركها والدتها من اجل رجل تواعده.
رفعت يداها تنتر شعرها بعبثية أثر تلك الفكرة الغبية التي داهمتها.
لم يدم وقت إلا واستمعت لصوت فتح باب الغرفة ودخول والدتها تباعا... لم ترفع رأسها وتقابلها؛ لاتريد، اكتفت بالتمتمه أسفل أنفاسها أمل أن تسمعها الأخرى:
"هل ستنسينني... تم هل ستزورينني؟.."
فتحت والدتها خزانتها تأخد رزمة ملابس وترميها داخل الحقيبة.. لكامل علمها ان آنيا لن تشرع بالقيام بشيء كهذا.
وجدتها كما تخيلتها تماما، ترمي بنفسها على كرسي و تستهلك عقلها بالتسائلات التي لاتنتهي وأيضا لايمكن لأحد أن يوقفها غيرها، تعلم بذلك يقينا، لكنها لاتريد اخبارها، لا تريد توريطها.. لقد عانت هذه الفتاة بسببها بما يكفي.
"أين ستذهبين .. حسنا لا تزوريني أنا سأفعل، لكن على الأقل اخبريني"
قلبت ليفيا عيناها بضجر، على تمتمات الأخرى التي تصلها، بل تتعمد هي ان تُصلها لها.
"ارجوك آنيا كفي عن التصابي، أعدك كل شيء سيكون بخير بحلول شهر، انت ركزي على دراستك فحسب"
بالطبع لم يعجبها منادات والدتها لها بالمراهقة التافهة كلما سنحة لها الفرصة، لإظهار أن الخطأ منها لأنها استفسرت.
رمت جميع الكتب امامها بعنف من فوق المكتبة.
"الدراسة .. تبا لها"
مالت ليفيا برأسها تضغط على القميص بيدها
"آنيا هل تأخذين مهدئاتك"
ارتسمت على وجه الأخرى ملامح تقزز من هذا السؤال، وهي تمنحها نصف وجهها:
"هل هذه إحدى محاولاتك الفاشلة لتغيير المواضيع"
انحنت ليفيا تغلق الحقيبة بينما تمنحها ردا على سؤالها
"لا..ألم تلاحضي ان انفعالاتك ازدادت، تم كفي عن الترترة سيارة الأجرة ستصل بعد بضع لحظات"
شخرت بسخرية على كلامها، لقد ظنت أنها ستتجاهلها.
"أنتِ ماهرة بذلك حقًا"
تقصد تهربها الدائم.
خرجت من الغرفة تجر الحقيبة خلفها، تنهدت الأخرى بضيق ثم بدأت بجمع كتبها المهمه، فتحت أحد أدراج المكتب الذي خبئت به وعدها الصغير مع ذاك الرجل الغريب أثناء مكوتها بالمشفى.
أقراط على شكل نجمة زرقاء قدستها على مدار العشر سنوات.
تم نزلت الدرج سريعا، قد كانت السيارة تنتظرها بالفعل، وضعت لها والدتها الحقيبة بالسيارة.. فحركت بدنها آنيا لركوبها تجنبا لأي كلام آخر، لكن صوتها اوقفها:
"آنيا تعالي"
نبرتها تحمل شيئا غريبا لم تعتد عليه يوما، انزلقت يدها من على مقبض الباب بضعف، لاتستطيع به تجنبها مهما حاولت:
"ماذا"
اقتربت منها ليفيا و كورت رأسها بيديها، تتحدث بنبرة وداع حاولت اخفائها قدر المستطاع: "انتبهي لنفسك، ابنتي"
ابعدت آنيا يداها بإعتراض:" هذا قرارك تحملي مسؤولية نفسك أمي"
قضمت شفتاها تحرك رأسها سريعا بالموافقة.. سمعت تحمحم السائق على هذا العرض الدرامي العاطفي فإبتعت تسمح للأخرى بالركوب.
ركبت تلك تغلق الباب بقوة انتفض لها السائق، هذا فحسب لأنه قاطع والدتها بحمحمته.
تحركت السيارة من أمامها تحرك الهواء حولها جاعلا من خصلاتها تتطاير تزامنا مع دموعها التي بدأت بالهطول بعنف.
"وداعًا إنتيا"
تخطت الدرج تدخل المنزل بخطوات وئيدة، انحنت على الباب بعجز تضع يداها على وجهها وتبكي بحرقة، زحفت بظهرها عليه حتى حطت بالأرض تشد شعرها بقوة.. ربما ستراها بعد شهر لكن هذا مؤلم.. هي أكثر من ارادة حضور معها حفلة التخرج، و كانت أفعالها ما منعت هذه الإرادة من التحقق.
مجرد التفكير بذلك جلها تصرخ بألم بينما تضغط على مفرش عتبت الباب بأصابعها، قربت ركبتها تم رمت برأسها عليه وما لبثت حتى وصلها إشعار هز لهُ الهاتف الموضوع بجيبها... توسعت عيناها قليلا. أخرجت الهاتف بأصابع مرتعشة وانفاس متهدجة عاليه.
'هل نفذتِ ما طلب؟'
زين ذلك الاستفهام شاشة الهاتف مما جعلها تعلي بصراخها وشتائمها، وترمي الهاتف على طول يدها حتى ارتطم بطاولة الصالة التي أمامها...
☆☆☆☆☆
تجلس تلك الشقراء بهدوء على غير العادة بينما تحدق في النافدة بجانبها بملل، أنزلت عيناها لصحن الطعام الخاص بالكفيتيريا... أرز مع خضار وعلبة عصير.. لاشيء رائع كما اعتادت على فعله بهذا الوقت.
لن تنكر تأثير تلك المشعودة عليها، آنيا كانت حريصة المواظبة ملتزمة بحضورها أكثر من إلتزامها بمواعيد غذائها.
لم تعتد نتالي الجلوس هنا منذ فترة تعارفهما، حيث دائما ما تجدها بالسطح لوحدها فتصعد بدورها لتزعجها..كم أحبت ذلك، أو هروبها من الضجيج عند ما تسأم منها أو من الحصص تتجنب حظور الحصص الأخيرة.. لقد كانت تغنيها عن البشر حقا.. فتلك المغامرة الصغيرة تشعل الأدرنالين في اجسادهم، لأن عليهم تخطي ذاك الحارس المتأهلب الواقف أمام الباب وخلف الكاميرات.
كان شبيها بالهروب من سجن وليس مجرد مدرسة.
أما الآن عليها حضور كامل الحصص وتفويت ذاك المرح الذي حظت به معها، و سماع أصواتهم العالية وضحكاتهم المقرفة التي ملئت جو الكفتيريا.
خطواتٌ ما اقتربت من مكان جلوسها وهو ذاته المكان بجانب النافدة الذي احبته آنيا يوماً.
جلست رونا أمامها تعكر صوف الجو الهادئ بمحيطها الصغير عند هذه الطاولة: " هل اشتقتِ لتلك المنبوذة"
جحضت نتاليا عيناها بقزز على تلميحات الأخرى قبل ان تمنح الأخرى ابتسامة جانبية و في غرور تحدثت:"و لما أراك تتحدثين عنها كثيرا رونا.."
وضعت يدها تغطي ثغرها وتطلق صوت صدمة مصطنعة " أيعقل؟"
شدة رونا على فكها حتى برزت عروقها، لكنها تداركت وضوحها سريعا فحمحمت بثقة تضع قدم فوق الأخرى:
" لا ليس كما تتصورين أنا فحسب أراك متأثره بها جدا، أعتقد أنها تستخدمك لصالحها، أي كعبدتها المخلصة، لذا اشفق عليك حقا، انتِ لطيفة جدا نتاليا"
عبرت بشفتاها تتصنع الأسى..يا لها من ماكرة لقد قلبت الطاولة بدهاء، إلا أن نتاليا لم تتأثر بل لم يحرك كلامها شعرة.
لكنها بالطبع لن تتجاهل هذه الإهانة العظمى بحقها وبحق آنيا، بل سترد الصاع بخمسين لكن بطريقة لطيفة_كما بدة لها_ حيث انتزعت الأنبوب الملزق من على علبة العصير تحت أنظار الأخرى الحائرة ووجهتها نحوها مباشرة تم ضغطت على العصير بقوة تفرغ محتواه وتغسل به جسد وملابس رونا.
انتفضت الأخرى بفزع تقوم من الكرسي بسرعة بينما تلقي شتائمها مع طلباتها بتوقف الأخرى واضعة يداها أمام وجهها، محاولة منها لتجنب إفساد مستحضرات التجميل التي تضعها بطبقات لتغطي بشاعة بشرتها.
اتجهت كل الأنظار نحوهم وتعالت الهمسات المختلطة بشهقات الفتيات وبعض الضحكات.
"ما خطبك هل جننتِ؟"
هسهست بخفوة من بين أسنانها فهزّة نتاليا كتفاها بعدم مبالاه ترمي العلبة عليها : "اوبس لقد خرجت يداي عن السيطرة"
قالت بصوت عالٍ متعمدة اسماع الجميع، فالستشاطت الأخرى غضبا واقتربت منها تشد على ياقة سترتها وتلفها جادبة إياها نحو وجهها.
أنزلت نتاليا عيناها نحو يدها قبل ترتفع بها مجددا ناحية وجهها بتحدٍ.
"من تضنين نفسك؟...و كيف تسمحين لتلك اللقيطة ان تفرق بيننا؟"
غمرة يدها بالأرز الموضوع بصحن نتاليا تكوره بيدها ناوية إلقاءه على الأخرى، وفي لحظة أغلقت بها نتاليا عيناها تنتظر قديفة الأرز التي ستزين .. لكن لم يحدث شيء رغما سماعها لأنفجار صغير قرب أذنها.
فتحت عيناها لتلتقي بزوج من الأعين البنية واضع ذراعة الملطخة والمتناثر عليها حبيبات الأرز مقابل شعرها.
"رونا ابتعدي"
جاء صوته آمرا وحادا حتى أن نتاليا تقسم بأنها لم تسمع هذه النبرة منه قط، مما جعل الأخرى تمتتل و تفك يدها عن سترة نتالي تشتم بين أنفاسها.
"هل أراك تدافع عنها ليونادر .. ألا ترى مافعلته بي"
مرر ليون عيناه على هيئتها و قطرات العصير التي نتزلق من شعرها مبللة ملابسها ووجها الذي بدأ يلتصق به بعض من الخصلات.
وما إن تحدثث رونا بصياح حتى اندفع ناحيتها صديقاتها الأخريات يربتون عليها.
"أجل.. لكن ألا ترين أنه من الأفضل لك ان تغسلي وجهك وتمسحي هذا"
انطلقت كلمات ليون بهدوء يحاول خفض حدة النزاع قبل ان يتحول إلى مجزرة تتحدت عنها الولاية بأكملها.. بأقوال مثل: متنمرتان هجموا على بعض حد الموت أو من صداقة إلى حماقة أدة بفاجعة...
أما نتاليا تلك لم تأبه بشيء بل استمرت برمي نظراتها الحادة مع تلك الإبتسامة الحانبية المستفزة تمنحها نحو رونا التي تشدها صديقتها من يديها خوف المبادرة بشيء خطير.
"كلام ليون صحيح رونا تعالي لنحفف ملابسك في الحمام أولا"
أستمرت من بجانبها في محاولات سحبها لكن الأخرى أبت ترك حرب العيون والإمتثال، حتى أخيرا ملّت بسبب عناد نتالي الأشبه بالألماس الصلب غير قابل للتحطيم... النحنت الأخرى تحمل العلبة الملقاء بجانب حذائها.
لتصبح نتالي:
"واو يالكِ من محافظة.. هل تم تعيينك بدل عامل النظافة"
قضم ليون شفتاه لمنع ابتسامته.
لم تهتم الأخرى لها بل رمت العلبة سريعا ناحيتها، وبسبب سرعة بديهة نتاليا استطاعت تجنبها بسهولة، فإرتطمت العلبة بظهر كرسي الكفيتيريا حافًا وجهها وإرتد يسقط بحجرها.
"سأردها نتالي.. لن يمر هذا بسلام"
أخرجت نتاليا اصبعها الأوسط مع لسانها تهزه بعبث فضرب ليون اصبعها برفق متحدثا: "توقفي"
أكملت رونا طريقها ولم تلقي لها بالا وعاد جميع الفضوليين لما كانو يفعلونه قبل سماعهم للأصوات العالية.
أنفض ليون بقايا الأرز المعلق بملابسة يجلس بجانبها.
"ما الخطب ليون ماذا تريد؟"
وضعت مرفقاها على الطاولة تحني بتقلها على قبضتها بينما تميل برأسها نحو الآخر محاداتها.
تحمحم هو يضيق عيناه: "أهاكذا يتم الترحيب بصديق!"
قلبت عيناها تجيب على عتابه السخيف: "واه... أوو ليون كيف الحال لقد مضت مدة طويلة تقدر بعشر ساعات لم أرك فيها لاتصدق كم اشتقت حقا"
عبست شفاهه على سخريتها الواضحة، ازدرد ريقه قبل نطقه بالكلمات التي أتت بأرجله لهذه الفتاة.
"أتعلمين أين آنيا"
أولة اهتمامها له سريعا .. متخطية تحديقها بذاك الفتى الشره وازدراءه في عقلها.
"إنها متغيبة اليوم، ماذا هل تريد إهداء لها شيئا ما..." أكملت تلوح بيدها محدرة "لا أنصحك حقا إنها ليست من محبي الأساور أو غيرها سترميه على وجهك ولن تراها مرة اخرى، ربما افضل ما تقدمه لها يوما هو كتاب يتحدث عن الأكواد وكيفية التشفير الإلكتروني"
من الجيد أن له صديقة تعلم بإهتمامات من يريد الحصول عليها بشدة إلا أن تقطيبة صغيره تكونت بين حاحباه عن غرابة اهتمامات آنيا، كلما أراد معرفة شيء عنها تفاجئ أكثر.
ومن الصحيح إنهم لا يتشاركون نفس الاهتمامات لكنه لن يجعل هذا عائق لما يريده، فلن يهتم لهذا أساسا ويتركه يحدّ من بين رغباته.
"هذا غريب"
تكزته نتالي تتحدث بمكر :" ماهو الغريب أيها الغبي؟.. أم انك فحسب اشتقتَ لها"
تحسس مكان النكزة بألم فتلك الهمجية تضن بأن مرفقها آلة تدليك، أما عن كلامها الذي يحمل في طياته بعض الحقيقة لم يبدي ردة فعلٍ عليه ، كل ما في الأمر أن نتاليا ولسبب غير معلوم تريد إلصاق الإتنان معا، فكلما سنحت لها الفرصة تجدها تتحدث عنهما.. حتى أنها لم تترك أحدا إلا وحرصت على أن يسمع بخبر العلاقة التي تتطور شيئا فشيئا بينهما، وخاصتا إيصال الأمر لحبيبة ليونارد القديمة حتى تتوقف تلك المزعجة التي كما ظنها وكما أهبرهم هو أنها مهووسة به رغم عدم رصدهم لأي شيء كهذا.
على كل حال هي فعلت هذا من أجل ليونارد فهو صديقها أيضا في النهاية.
"حسنا إن كان هذا ما اردتَ الحديث عنه، فقد حصلت على جوابك"
همهم لها فنهضت من المقعد تستعد للخروج وتركته هناك وحده.. أدخلت يدها بجيب تنورتها بحثا عن هاتفها، تحسست شيء آخر غيره شيء مكور غريب وقفت أمام باب الكافيتيريا بإستغراب بادٍ سحبت داك الشيء الغريب ليتضح لها أنه لم يكن سوى حلوى مصاصة.
شخرت بسخرية على هذا ورغم ذلك لن تنكر أحساسها بالفرحة لوجود هذا الشيء، فمزقة غلاف الحلوى وضعتها في فمها بينما أغلقت عيناها تستشعر مذاق الليمون الحلو.. تداركت نفسها عندما ضرب شخص ما كتفها وهي تقف عائق على الباب.
"حمقاء"
فغرت فاهها حتى كادت الحلوى تسقط، كيف يجرأ، تحركت بقهر لعدم رغبتها الآن بحشر حدائها في فمه بينما شرعت في إكمال السبب الذي استوقفها.. فتحت منصت المحادثات مع آنيا، قلبت المصاصة في فمها بعبث تفكر كيف ستصيغ لها الرسالة.
"تبا سأكتب ما يدور بعقلي فحسب"
ضغطت على الكيبورد بسرعة ولم تتأكد إن كانت الرسالة إملائيا صحيحة أم لا.
☆☆☆☆☆
وقفت أمام الباب حائرة بين طرقها لباب المنزل أمامها أو أن تعود ادراجها وتتحرى عن ليفيا التي تغتاب رداء الحقيقة بتخفياتها؛ مضت نصف ساعة أو أكثر منذ تحرك السيارة وربما سيكون هذا كافٍ لتفِرّ ليفيا مع سرها المجهول.
تنهيدة تقيلة غادرة ثغرها، تضع تفكيرها وتحليلاتها على جانب ما ستعود إليه لاريب، أما الآن لديها عجوز يجب أن تلتقي بها لأول مرة وعلى حسب علمها تصنف هذه الكتلة من ضمن أقربائها من الأب... شخرت بسخرية وهي تطالع الباب والمنزل عامتا، إنه ضخم بتصميم حديث مبهر حيث ارتفعت أعمدة حجرية على جانبي الواجهة، تتخللها نوافذ زجاجية شاهقة، بينما امتد فوق المدخل سقف مقوّس أنيق ،يشي بمدى تروة أصحاب المنزل.
حي آلفو حيث يجتمع الثراء بالجريمة المنظمة، لاريب في أن والدها القدر أفنى عمره هنا متعاطيا هو الآخر، بل ما تستنكره الآن هو خلفيته الثرية بينما هي أفنت حياتها في شقة صغيرة نتنه.
"هذا الحقير البخيل على الرغم من إمتلاكه للمال قام بحَبسي أنا ووالدتي في شقة أشبه بالغرفة"
تمتمت بقهر طفيف حاولت مداراته و بتر تلك الذكرى المؤلمة قبل أن تتفشى أكثر... قد تستغربون عدم تفاجئها بحقيقة والدها لكن في الأمر حقيقه غريبة .. هي لم تكن لتهتم له ولكل ما يخصه لولا ليفيا التي رمت بها هنا، لاتدرك حتى ما طبيعة شغل والدها المتوفي أو عائلته.
بل ما تعرفه أنه مات بجرعة زائدة من المخدرات عندما كانت بسن التانية عشر، وبالطبع وقتها لم تكن معه بل هُجر من قبلهن هي و والدتها منذ كانت بسن التامنة.
رفعت إصبعها أخيرًا وضغطت على جرس الباب الإلكتروني، فانبعث منه رنين قصير معلنًا عن وصولها.
أنتظرت تم أنتظرت لكن لاشيء حدث.. ماخطب سكان هذا المنزل؟.
لاضير في أن تكون هي مزعجة أحيانا، رفعت يدها ناوية الضرب على الباب بكل ما تملك من قوة لإقاظ قاطني هذه الفيلا من سباتهم أو غيبوبتهم أو أيا يكن مايفعلونه.. وفي الحظة التي كانت فيها يدها ستلتحم بالباب بهمجية.. فتح بسرعة فهوة يدها بقوة تضرب كَتِف العجوز.
ياله من ترحيب تتلقاه جدة عجوز من حفيدتها.
ترنحت العجوز خطوتين للخلف في صدمة، أما آنيا فقد وقفت متصنمة كالفزاعة ولم تنطق بكلمة.. بالطبع لن تعتدر لم تقصد إيذائها، قضمت شفتاها بسبب استمرار الأخرى بالصمت وهي تدلك كتفها بألم.
يبدو أن الضربة كانت قوية، ومن الغريب أن العجوز لم تبدي ردة فعل تُذكر، لما لاتتحدث، تصرخ متلا، أو تعاتبها.. أنتظرت آنيا ذلك غير أن الأخرى لم تقم بأي مما أستنتجته، بل ما قامت به تاليا جعل الأخرى تتصنم حرفيا كأنما صب أحد عليها الإسمنت منذ مدة.
أقتربت تربت على رأسها وتمسح على خصلاتها برفق محبب للجميع غير آنيا، التي اشتعلت قرفا وصفعت يد العجوز تبعدها عن شعرها.
لا للمسِ في قاموسها و من ضمن ذلك خصلاتها الزرقاء، حدقت في العجوز بنظرة إستفهامية تختصر عليها الكلام، بما أن الأخرى تتجنبه .. رأة عيناها التي تطلق حنية غريبة وشعور بالألفة و مشاعر لم تستسغها.
انتهيت الفرصة لتحلل هيئتها.. عجوز ببعض التجاعيد تلملم شعرها الأسود المتغلغل الشيب بينه إلى الخلف، وقميص راقٍ بلون سماوي مع بنطال بيجي.
أحست بعد مدة بأن هذه العجوز قد غرقت في عيناها وبشدة فرفعت يدها تطرق بإصبعها الإبهام و السبابة أمام وجه العجوز.
مررت المرأة عيناها على أصابعها بعدما تردد صدى الطرقة على مسامعها وأخدت ترمش سريعا، لكنها أعادة تظراتها الحانية نحو الأخرى.
هذا ماكان ينقصها أن تعاني كهلا يعيش أيامه الأخير بشيخوخة مأثرة على عقله، أمالت رأسها تدقق بملامحها أكثر.
وضعت آنيا يداها بجيب بنطالها الجينز الأسود تقلب مقلتاها حول الصالة وتنهدت بوضوح في وجه الأخرى علها تفهم ضجرها من هذا التصرف و الإستقبال الغريب، سمعت صوت خافت للغاية فردت مقلتاها نحو الأخرى التي بدى واضحا عليها الصراع من أجل تكوين جملة.
"أ..أن.. أنتِ.. ت..تشبهينه"
ضيقت عيناها على كلامها، هل تهدي؟.
أضافت آنيا مجنون آخر لقائمتها العزيزة والتي ترفقها في حيز ما داخل عقلها تسميه 'رؤوس الأناناس' .. في الحقيقة لايوجد سبب مقنع لهذه التسمية إلا أنها آثرة تغير إسم هذا القسم المهم ، فقط لأنه أضحكها وهي تكره هذه الفاكهة، ثم أليس الأناناس يشبه روؤس البشر.. ورق حبة الأناناس الواحدة من فوق شبيه بشعرهم ومظهره_
حسنا هذا ليس وقت التفكير بذلك الأهم هو، هل هذه السيدة ترى فيها إبنها، سيزعجها حقا إن كان هذا صحيحا.
تحمحمت بإنزعاج لوقوفها أمام الباب لدقائق وأشارت بدقنها نحو الداخل فتداركت العجوز الأمر سريعا مبتعدا عن الباب تفسح للأخرى المجال.
يسهل إدراك من أول نظرة أن منازل مثل هذا يكون داخله أجمل من خارجه بمراحل؛ كنبات موزعة أمامها وديكور يبعث على الراحة من مجرد نظرة بألوان رمادية وبيضاء متداخلة بتصميم حديث يسرق النظر، ورائحة زهور ياسمين تعبق في المكان.
"ليفيا من أخبرتك بمجيئي صحيح."
رمت سؤالها بينما تدقق المظر في المنزل ،حتى حصلت على مرادها عن طريق همهمات الأخرى، فإستطردت:
"منذ متى وأنتِ تعرفينها؟"
اتسعت عيناها بعد تصديق حين سرقت يدها بسرعة تجرها ناحية الصالة وتجلسها على أحد الأرائك الموضوعة.. لا تكاد تصدق أن هذه عجوز حقا لولا تجاعيدها الدالة على خبرة السنين لقالة أنها شابة ثرية ما تعيش في المملكة المتحدة.. مررت عيناها عليها وهي تبتعد ناحية المطبخ و يدها التي أمسكتها بقوة.. ابتسامة جانبية ظهرت على شفاهها لمعرفة أنها قد تجنبت سؤالها بحجة الضيافة، بدى جليا أنها تعلم شيئا وتخفيه أيضا .. اتظن أن لها مهرب!، أنيا لها بالمرصاد.. وستنتهز فرصة سخب الكلمات من الشخص الأضعف.
أراحت ظهرها على مسند الكنبة الطري جاعلا من عيناها تنغلق مستمتعة بهذا الهدوء الظاهري أما بعقلها فكانت مدينة بأكملها تحتفل.
أفرجت عن مقلتاها بضجر من أفكارها، أخرجت هاتفها لتعبث به قليلا و تضيع به الوقت، لاحظت إشعار قد وصلها من نتالي فضغطت عليه:
'هل انت بخير أيتها الغبية؟..'
زمت شفتيها قليلا، تفكر بهل يجب عليها أن تخبر نتالي بإنتقالها أو لا، في كلا الحالتين ما الذي قد تفعله تلك المزعجة، بل ولما تفكر بهذا حتى، إنها حياتها واخبارها غيررضروري البتة.
أغلقت المحادثة دون إرسال شيء وذلك لسرقة إنتباهها من قبل تلك العجوز الذي أتت تحمل بين يديها صينية فضية لامعة تتوسطها فناجين فوخارية بيضاء تقاطع بها بعض الخيوط الذهبية اللامعه.
وضعت هاتفها جانبا، تلتقط أحد فناجين القهوة من العجوز، لطافة هذه المرأة لاتتمتل بملابسها الراقية وحنيتها البادية من عيناها _والذي بدى غريبا لها أن هذه أم والدها_ بل أيضا في رسمة الدبدوب الصغير الذي شغل حيزا جميل وسط الفنجان يجعل المرء كاره القهوة يحبها ويتجرع منها غصبًا جتى إن كان غير محب لِلّطافة المبالغة كآنيا.
كشرة ملامحها على الذوق المر و الساخن الذي أنساب على طول بلعومها، سمعت قهقهات خافته فرفعت عيناها بدهشة، هل شكلها مضحك لتلك الدرجة وهي تبدي إستيائها؟
في الواقع لا ،لكن الجدة أول مرة ترى فيها هذا القالب يتشكل على وجهها فكل ما أظهرته لها حتى هذه اللحظة هو الجمود.
"بالمناسبة أيتها العجوز، لم تجيبيني على سؤالي!"
أستخدامها للفظ عجوز لم يكن عبث بل لإرسال تنبيهات أولية لعقل الأخرى بأنها لم ولن تعترف بها كجدة مهما فعلت ومهما حدث.
وضعت قدمها على الأخرى تضرب اللباقة على عرض الحائط: "هل تعلمين شيئا عن والدي؟"
تصلب جسد الجدة على وضعيته واتسعت عيناها لوهلة قبل أن تتدارك الوضع وترتفع بيدها ترتشف بعض من القهوة متجنبه كلام الأخرى كليا.
لم يخفى عن آنيا إرتباكها الذي رصدته بدقة، لقد إعتادت على هذا فهي من عاشت مع منبع المشاعر الواضح 'ليفيا'.
"لما لا تجيبي؟"
ترقرقت عينا الجدة بالدموع لشدة حيرتها وأخدت تهز رأسها يمينا وشمالا بنفي قاطع، فما تريده منها هذه الشابة أمر يستعصي النطق به.
"لا أ...ست..طيع"
تحدثث بتمتمة، قطبت آنيا حاجباها تحني ظهرها بإهتمام.
"ما الذي لا تستطيعي، لا أفهم"
أشرت نحو رأسها بأصابع مرتعشة جاهدت لتتبيتها، تم نطقت بصعوبة:
"أعا.. أعاني.. من.. ح.. حبسة.. كلامية"
هل تعاني من حبسة كلامية حقا أو أنها تتخدها ذريعة لتجنب أسئلة آنيا التي لم تصدقها أبدا ،فأخرجت هاتفها سريعا تبحث عن أعراض هذا المرض.
' الحبسة الكلامية: قد تحدث بعد سكتة دماغية أو بسبب أمراض عصبية تؤثر في مناطق اللغة في الدماغ، بحيث يستعصي على مريضها إخراج جملة بصورة سليمة وواضحة، رغم إمكانيته على فهم ما يقال له، وبإمكانه تكوين إجابة صحيحة بعقله لكن الكلام الخارج منه يكون متقطع أو غير مفهوم'
الآن فهمت لما تأشر على عقلها!.
هذا المرض العين سيصعب عليها أمر إستخراج المعلومات منها.
شتمت تحت أنفاسها على هذا الوضع تعود بظهرها لتستند بدنها بينما تمرر عيناها على الصالة بقلة حيلة؛ توقفت عيناها على صورة سرقة نظرها، وجدت بين مجموعة من التحف فوق رف زجاجي على أحد الجوانب، مصونة بإيطار خشبي فاخر، لكن ليس هذا ما جذب إنتباهها بل الأشخاص الموجودين بها.
خمس رؤوس إستطاعت تمييز واحد منهم لاغير؛ إنها والدتها، قامت بدافع الفضول تدقق في الصورة عن قرب..
من الصورة يتضح أنهم أصدقاء ثانوية يرتدون الزي الموحد باللون الأبيض متداخل به الأحمر و الأسود في التنورة، مررت عيناها على الباقي وما إن لمحت مظهره إنقبض قلبها بغضب، نفس الأعين الذهبية الامعة تتشاركتها معه ونفس الشعر القاتم و الملامح، لطالما كرهت تشابههم هذا وتمنت لو كانت تشبع خنزير بري بدلا عن هذا القذِر.
والدها العزيز بالطبع يقف في المنتصف يشغل حيزا كبيرا في الصورة تقف بقربه أمرأة ما ذات خصلات ذهبية ناحية اليمين أما فوقهم وقف فتى وسيم بإبتسامة واسعة حجبت عيناه بينما يسند يده على ليفيا بحرية متخطي الحدود الشخصية، بدى لها أنهم مقربين وكم كان هذا الفتى بالنسبة لذاكرتها مألوف، لقد رأته لكن صغر سنه يعيق التذكر لديها.
"أين رأيته آنيا"
تمتمت تغلق عيناها تفكر بعمق وما لبثت حتى سمعت صوت خطوات تليها سحب قوي مصدر صوت مزعج لإكتكاك الخشب بالزجاج... أفرجت عن مقلتها لتقابل فراغ المكان الذي كانت تربض به الصورة.
لقد سحبتها تلك العجوز التي تقف محاذاتها وخبأتها خلف ضهرها... أمالت أنيا رأسها بعدم تصديق و تعمدت إضهار قالب منزعج على ملامحها، لتبرر الأخرى فعلتها.
لكنها سرعان ما إلتفتت تدخل إحدى الغرف بسرعة وبيدها تلك الصورة.
ذلكت آنيا صذغها بملل على أفعال العجوز المريبة.
"ما هذا اليوم الغريب؟"
لا تكمن الغرابة في اليوم بل في تصرفات البشر حولها أولا تصحى على خبر إنتقالها لحي راقٍ، ثم هذه العجوز التي لم تسمح لها بالتحديق بصورة أصدقاء والدها.
وعلى ذكر ذلك، لايزال لها اليوم بطوله لإختراق هاتف والدتها وتتبع موقعها، إبتسمت لتلك الفكرة وتوجهت سريعا تتخطى تلك الصورة الغبية، فإن كانت مهمة لها فعلا لأخدتها من يد العجوز رغم أنفها وليس فقط الاكتفاء بالتحديق حتى سمحت لها بالهرب.
فمهما كان ما تخفيه الجدة عنها ستكتشفه.
بعد جلوسها أربع ساعات متتالية على شاشة حاسوبها المحمول، توصلت أخيرا لموقع هاتف والدتها، و من الغريب حقا أن تجد أن الموقع قريب جدا من مكان شقتهم.
وهي تجلس الآن وتتحرك على مقعد سيارة الأجرة بصبر ضائع، تحدق في هاتفها الذي يشع ببقعة حمراء صغيرة زينة شاشته تارة و بالطريق تارة أخرى.
فمنذ إختراقها لنظامه ومعرفة مكانة لم يتغير من موضعه البته، وهذا يعني إما أنها واقفة بمكانها منذ فترة وهذا مستحيل أو أنها قد نست هاتفها بمكان ما وهذا مقلق.
خفف السائق سرعته، ووضع يده على المكابح ينوي إيقافها بجانب شقتهم، وما إن توقف فتحت تلك الآنسة الصغيرة الباب بقوة تركض نحو المكان بنفاذ صبر مما جعل السائق حائرا و جفل لثانية بصدمة ظنا منه أنها هربت دون أن تمنحه أجرته.
ساقتها أقدامها نحو المكان الموضّح على الشاشة فدخلت زقاق يبعد عن الشقة بعض المترات، الأكثر غرابة أيضا أن هذا الممر المغلق لايحتوي غير حاويات النفيات التي تأتي البلدية كل نهاية أسبوع لتفريغها!.
أدركت حينها يقينا أن والدتها تخلصت منه في إحدى هذه الحاويات، إقتربت من إحداهم التي تظهر الشاشة أنه قد وجد بها، ترددت حينها بين تركه أو التجرء على فتح هذه القمامة بيديها وأخده.
"هذا مقزز"
عبست شفتاها وإنكمشت ملامحها بقرف.
" ماهذا المستوى الذي وصلت إليه آنيا"
تنهدت تعاتب نفسها بينما تقترب من الحاوية، أزالت غطائها العلوي فإنبعتت رائحة نتنه جعلتها تتراجع عدة خطوات تعيد حساباتها.. أعادت خصلاتها المزعجة للخلف واضعة إياها داخل سترتها حتى لا تتساقط وتتلوث بهذا القرف.. تقدمت مرة أخرى بتردد قربت يدها من إحدى الأكياس تم تراجعة مرة أخرى.
تحركت في الزقاق كالمجنونة دهابا وإيابا تضع أصابعها تحت ذقنها تفكر بحل يغنيها عن لمس هذا القرف بأصابعها.
"تبا... يجب علي أن أشتري قفازات"
دلكت صذغها تم توجهت لتخرج متجهه نحو أقرب مكان تستطيع أن تبتاع منه ما تريده.
"هييي أنتِ"
توقفت بعد رؤيتها للمخاطب بنبرة عالية بين لهاته، توقف يلحق بأنفاسه يضع يداه على ركبته يستمد منها الراحة.. وبسبب نباهتها المفرطة بالطبع، تركت السائق المسكين يجري ويبحث عنها حتى وجدها أخيرا.
"يا إلهي"
قلبت عيناها لتذكر الأمر، فأخرجت المال من جيبها سريعا وتقدمت تعطيه إياه... تقل بصره بين المال بيدها ووجها كما لو أنه ينتظر تفسيرا... لكن ليس وكأن آنيا ستقدم له تبريرا، رفعت حاجبها بعدم إعجاب وفي تانية كانت سترمي بها المال على وجهه أخدها منها بقوة حتى كاد يمزقها.
"ما الذي تفعلينه هنا"
أشار بدقنه نحو الحاويات خلفها، فأجابته بنبرة حادة:
"لا أحب المتطفلين"
مرر أنظاره نحوها من الأعلى للأسفل: "لا يبدو من مظهرك أنك مشرده"
"وهل هذا يعنيك بشيء"
أجاب سريعا ينفي بيده "ليس كذلك"
تقدمت أكثر تتخطاه لتخرج من المساحة الضيقة بجانب جسده، فقط لأنها لاتريد أن تطلب منه أن يبتعد: "هل أستطيع مساعدتك بشيء"
توقفت برهة بدون أن تلتفت له، ما الذي يريده رجل حقا من مساعدت فتاة على شيء يجهل ماهيته، بعض الأجابات المقززة تهاوت على عقلها .. ضغطت على قبضة يدها بقوة: " وما فائدتك من هذا"
"بعض المال ربما"
إلتفت له لأن الموضوع بدأ يأخد منحنى يعجبها:" ما المبلغ؟."
هز كتفاه مع إبتسامة جانبية لم ترق لها وهو يجيبها بنبرة مرحة:" حسب الخدمة"
عرض مغري أن يدخل أحد بدل عنها يده في هذه القذارة مقابل بعض الأوراق، لم تتردد تانية في ذلك، أشرت بسبابتها نحو الحاوية المفتوحة: " ماذا إن طلبت منك البحث عن شيء أريده في تلك الحاوية، كم المبلغ"
ضرب جدار وجنته بلسانه وأخد يفكر بتمعن يضع يداه بجيب سرواله الواسع بينما أقتحمت نظراته بعض المكر وهو يوجهها لها: "مئة دولار"
لم تستغرب طلبه المبالغ به على عرض كهذا، وأيضا آنيا ليست بفتاة يستهان بها، فما عليها الآن سوى إستغلال حاجته لصالحها وإظهار أنها ليست بحاجه لعرضة: "هذا كثير يا رجل، شكرا على عرضك السخي"
قضم شفتاه بضياع، من وجهت نظر رجل كبير في الأربعين من عمره و يحتاج المال لأسباب كالقمار أو اللهو، الفوز ببعض المال مقابل خدمة بسيطة كهدة يبدو جيدا.
فتح فمه وأغلقه يعيد التفكير جيدا بمبلغ مناسب بينما هي لم تتحرك لكامل معرفتها أن المفاوضة معه ستأتي بمنفعه.
"خمسون دولار"
انتظر ردها فأومأت هي بإيجابٍ، تعد خمسون أفضل من مئة، تحرك هو يفرغ محتوى الأكياس بيديه ووقفت آنيا على مقربة مسندة ظهرها على الحائط تحدق بالسماء وترفض إنزال عينيها على هذا القرف... بينما أخد القمر يسارع السماء للحصول على وقته و الليل بدء يرمي بظلاله على الأفق.
"ألا يمكنك أن تسرع"
توقف عن نبش القذارة وحدق بها بأعين متسعة، هذه الفتاة ليس كما توقع، أراد إستغلالها فستغلته هيَ، تمتم بشتائم يرمي أحد القارورات الموجودة بالكيس بجانبها، لم تمنح انفعاله ذرة إنتباه بل إستمرت بالنظر نحو السماء.
"أيمكنك إخباري أي كيس بالضبط وجد به لعنة الهاتف الذي تريدينه"
أجابة بهدوء يناقض دواخلها ونبرة أشبه بالهمس:" لوكنت أعلم لأخبرتك منذ مدة"
غادر ثغره صوت ساخر يداري به وضعه المقرف.. ولم تمر تانية أخرى حتى لاح أخيرا لنظره مجسم مستطيل الشكل... أخرجه سريعا بفرحة عارمة تم تنفس الصعداء.. يتمتم ب'أخيرا'
أخد يلفه يدقق النظر في علامته التجارية وبدت على ملامحه بعض الحزن: "من العاقل الذي يرمي هاتف كهذا في النفايات؟"
رمت بكل أفكارها جانبا عند سماعها لترترثه، ضيقت عيناها تحلل بتمعن إن كان خاصت والدتها أم لا، رمته بعدها بنظرة إمتنان قبل أن تأمره بإكمال عمله: "ضعه في كيس"
حمحم الرجل بغضب على تعاملها الدنيء هذا، هل تضن نفسها أميرة أم ماذا؟... رفع يده ليرميه على وجهها كما كانت ستفعل بالمال سابقا، لكنها تداركت الأمر وأخدته بسرعة من يده تحت نظراتها الحادة.
ورمت هي الخمسين دولار بوجهه فسقطت على الأرضية ثم منحته إبتسامة جانبية مستفزة والتفت بسرعة تهرب من أمامه أما هو لايزال واقف تحث تأثير الصدمة.
ياله من حظ بالنسبة لها لقد أختصر ذلك الأخرق الطريق عليها.. و تجنبت الرجوع معه بسيارته فقد أثارت حنقه بما يكفي لمنحة تبريرا لخنقها بسيارته ورميها على حدود الولاية.
.
.
.
خرجت من الحمام ووجهها ينطق بقلة الاكتراث نحو تلك الحلة الجديدة؛ سترة بيضاء بأزرار متراصة، تنهمر تحتها تنورة حمراء تشابكت فيها خطوط سوداء رفيعة في هيئة تفتقر إلى الأناقة.
لم يكن الزي غريبًا عليها؛ فقد أبصرته من قبل في صورة قديمة لوالدها برفقة رفاقه، ما يعني أنها تستعد للوطء بقدميها نحو المدرسة ذاتها التي جمعت والدها ووالدتها يوماً. أهي مصادفة عابرة، أم أن والدتها دبرت هذا الانتقال بعناية استناداً إلى أثرٍ من ماضيها؟
رجّحت الاحتمال الثاني، فهو الأقرب إلى المنطق؛ فالمدرسةُ صرحٌ باذخ لا يلتحق به إلا أبناء الطبقات المخملية، أو أولئك الذين يتمتعون بعقول فذة تؤهلهم لنيل منح دراسية تجعل منهم صيداً ثميناً لإدارة الأكاديمية التي تستقطب النخبة من بسطاء الحال لترتقي بهم إلى أرقى الجامعات أما ما تذكره عن والدتها "ليفيا"، فهو أنها لم تلتحق بالمكان عبر منحة رغم عبقريتها المشهود لها، بل رفض والداها ذلك قطعاً لأنهم مقتدرين ماديًا و لوقايتها وإجتناب المضايقات أو التنمر الذي من الممكن أن تتعرض له من قبل بعض المراهقين المدللين.
أسدلت شعرها ليترسل بحرية على ظهرها؛ إذ لم تملك من الطاقة ما يكفي لجمعه، بعد ليلة طائلة قضتها في محاولة اختراق هاتف والدتها دون جدوى.. فلم تستطع الوصول لشيء حرفيا، كان السجل ممسوحاً بدقة فائقة شملت المكالمات والرسائل، كأنما مُحي بأيدٍ احترافية يصعب على غير شركات الاتصالات فك شفرتها وإستردادها، ناهيك عن أن فكرة اختراق مؤسسة بتلك الضخامة لاسترجاع بعض الرسائل من قبل آنيا وحدها كان ضربا من المحال.
اعتصرها الندم على سهرٍ أهدر طاقتها في يومها الأول لهذه المدرسة؛ كانت الدوخة تداور رأسها، ورغبة العزوف عن لقاء هؤلاء الأثرياء تملأ جوانحها، غير أنها مسوقة بحكم الضرورة، فالامتحانات على الأبواب، ولم يتبقَ سوى أسبوعين فحسب من التركيز الشديد تم تبدأ مرحلتها الأخيرة المنتظرة بعد طول عناء، وتتخلص أخيرا من عبء الثانوية.
تخطت غرفتها المبعثرة قاصدة الخروج، لكن تلك السيدة المسنة استوقفتها بإشارة من يدها وهي تجلس تداعب خيوط اللاما الزرقاء بإبرتها، اتجهت الجدة نحو المطبخ ما إن تأكدت من وقوع بصر آنيا عليها وفهمها لإشارتها، لـتتبعها الأخيرة على الفور.
"ماذا؟" تساءلت بنبرة مقتضبة.
ردت الجدة بوضع طبقٍ يفيض بالخضراوات والبيض أمامها على الطاولة، ثم أشارت برأسها نحو الطعام... أطلقت آنيا تنهيدة ثقيلة، فلم تكن ممتنة لهذا الفعل؛ إذ خمنت أن ليفيا هي من أوصتها بحثها على الأكل حتى وإن أبدت الامتناع..هذا واضح، فكانت والدتها تترك لها الطعام في الثلاجة حتى تأكله، وإن، وإن تخطته ستتعرض للتوبيخ خمس ساعات متتالية عن ضرورة الطعام لصحتها وغيرها من الهراء.
لقد مقتت هذا التدخل منذ يومها الأول.. فإشراف أي شخص على شؤونهم الخاصة كان يثير حنقها لسبب تجهله.
ردت ببرود: "شكراً، لا شهية لي."
لم يكن هناك ذاعٍ حتى تخبر والدتها هذه الجدة بأنها تعاني من فقدان للشهية.
إلتفت تتجاهلها لكن الجدة أمسكة بمعصمها توقفها، وقبل أن تبدي أي ردة فعل، أمتدت يد العجوز وهي تحمل تفاحة حمراء ناضجة وتضعها أمامها.
أخدتها منها بدون أن تنبس ببت شفة، بالنسبة لها هذا أفضل من تلك الخضروات غريبة الشكل.. خس!.. ماهذا بحق الجحيم يريدون منها أن تتناول شيء شبيه بورق الأشجار، شكله فحسب يبعت على القرف.
لم تكن رؤية العجوز وهي تستيقظ باكرًا لترتيب الإفطار أمراً يدعو للقلق أو الإمتنان، بل بدا هذا كعادة متأصلة لدى كبار السن، لكن المحزن حقاً كان الباعث خلف ذلك؛ فقد كانت المرأة تكابد وحدة ثقيلة تتوق لمن يؤنس وحشتها على الرغم من الثروة التي ملكتها .. وكانت فكرة وجود حفيدة فتاة تذكرها بابنها الراحل هي الشعلة التي أعادت بعض الضوء إلى حياتها المظلمة والكئيبة.
ركوب الحافلة اللعينة الجزء الأكثر مقتاً في يومها، حيث تلتقي بأنواع شتى من البشر عديمي الحياة والخصوصية، ولأنها متعبة للإبقاء على عقليتها يقظة تجنباً للمضايقات طول الطريق، فضلت بدلا عنه الترجل على أقدامها، قطعت المسافة وهي ترمق القصور المتناثرة في حي آلفو حيث لا تخلو باحة منزل فيه من سيارات فارهة من الطراز الرفيع الذي لايملك منهم سيارة بعلامة أقل من مرسيدس أو بنتلي.
وبعد فترة وجيزة و على بعد أمتار قليلة ظهرت بوابة ضخمة يستبق إليها طلاب يرتدون زيها ذاته... كم كرهت هذه النمطية التي تجعلها تشعر كلما رأتها بأنها مجرد فرد في قطيع! رفعت رأسها لتتأمل البناء الشاهق واللافتة التي حملت اسم "أكاديمية كلودن".
بناية عالية بأربع طوابق يتداخل بها اللون الأحمر كبناية قديمة وعريقة للمدارس في زمن التسعينات تحمل جزء مبهر بين الحداثة و الطراز القديم.
تخطت البوابة نحو الساحة الأمامية، المكان الأكثر قرفا حيث يتجمع به الجميع منهم من يتباهى بسيارته الفارهة التي على الأغلب سرق مفاتيحها ما والدهومنهم من بديتقرب عبثا من أخرى تصده وآخرين من بعض الفتيات التي تري صديقاتها تسريحة شعرها الجديدة... تفاهة مراهقين لاتمت لها بأي شكل من الأشكال، مظهره المقرف هذا جعل أقدامها تشغل ماطورها وتتحرك بهما سريعا إلى الداخل حيث الردهة المكتظة بالكلاب وتريد تخطيهم سريعا وصولا لمكتب المدير للحصول على إحداثيات المكان.
حثتها تلك المشاهد على التعجيل بخطواتها نحو الردهة المكتظة، رغبةً في الوصول سريعاً إلى مكتب المدير للحصول على الجدول.
سرت شهقة خاطفة تلتها همسات مبهمة، مثل: "إنها هيَ!"
صوت صفير بعض الطلاب وشتائم تلوح في الأفق لاتعلم لمن توجه . التفتت بدافع فضول عجزت عن استئصاله، فتسمرت في مكانها من هول العيون الموجهة نحوها، لم يكن الخوف ما تملكها، بل المققت لكونها محط الأنظار، والغضب من غموض ما يدور حولها. جالت بنظرها لتلمح فتاة تهمس في أذن صديقتها وهي تشير إليها.
هذا جعلها تتسائل داخليا: ما خطبهم هل يرون كائن فضائي نزل أمامهم من صحن دوار آتٍ من المريخ!.. لما يناظرها أغلبهم وحتى من لم يكن يلقي بالا أجحض بعيناه نحو جتتها المتيبسة بفضول، الموضوع مربك قليلا كون المدرسة كبيرة وتضم أغلب الطلاب الأغنياء وليس من المعقول أنعم يحفظون وجوه بعضهم عن ظهر قلب ليشعرو بالغرابة لوجود دخيل كآنيا.. لكنها آنيا وترفض إبداء مشاعرها بوضوح فرفعت ذقنها بكبر ترميهم بنظرات قاسية تم التفت عند ما رن الجرس فجأة معلنا برنينه الهادئ بداية أول حصة وينهي طول اللحظة الغريبة التي وُضعت بها ولاتفهم سببها، تحرك تدالأغلي يتجنبها وأخرون ظلوا يرمونها بنظرات حقد وكره غير مبرر على طول طريقها نحو مكتب المدير إلى الفصل.
استوقفها صوت الأستاذ أمام عتبة الفصل :" أنتظري سأعرف بك.... على الرغم من أنهم قد علموا بحظورك مسبقا"
عقدت حاجباها هلى تمتماته الأخيرة، علموا بحظورها؟.. من أخبرهم، ليست أبنة رئيس الولاية ليعلم الجميع بحظورها حتى من الأستاذ الذي أمامها، يرميها بنظرات متأسفه منذ أن رآها.
حمحمت تريد سؤاله لكنه قاطعها عاجلا:" تفضلي الآن بالدخول"
زمت شفتاها وشدت على الحقيبة بقبضتها تتبتها على كتفها وخطت بحثيثية، وتساؤلات عدة تنهش فكرها تغيب وعيها عن رؤية من أمامها حتى وعجزت عن سماع أي صوة يردف به الإستاذ وهو يعرف بها للطلبة، قطع شرودها صوة ساخر شديد النبرة، فنقلت عيناها من أرض الفصل الامع نحو مصدر الصوت:
"سُمعتك تَسبق فِتنتك أيتها الجميلة"
فتى يجلس بالمقعد الأخير يملك أعين حادة تجرح الناظر بها كتقاطيع فكه، وشعر شديد السواد والقصر بالآن داته، رماها بغمزة وقبلة طائرة وهو يناظرها من رأسها حتى أخمص قدماها بدون حياء.
كشرت ملامحها بقرف، تشعر برغبة عارمة بالإستفراغ وتعب سهر الليلة الماضية لايساعد بل يزيد الأمر سوءا عليها.
ربت الأستاذ على ظهرها برفق وحادثها بحنية:" لاتهتمي لهم إبنتي.. حسنا، إذهبي وإجلسي هناك".
أشر لها نحو مقعد فارغ قبل أن يوبخ الفتى على جرأته :"إنتبه لألفاظك ستيفن"
قبل كل شيء، من أخبر الأستاذ بأنها ستتأثر من كلام بعض الأوغاد تم لفظ ' أبنتي' هذا ضايقها،فهي ليست من عاشقي المعاملة برفقة فمهما كان ما يعلمونه وتجعل به لايضعهم في مرتبت أن يشفقو عليها بل هي اساسا تكره أن ينظر إليها أحد بإهتمام مبالغ أو شفقة.
من أخبر المعلم أنها ستتأثر بأقاويل بعض الأوغاد؟ ثم إن كلمة "ابنتي" أزعجتها؛ فهي لا تطيق معاملة الشفقة، وما يعلمونه من شائعات تافهة كما بدى لها، لا يمنحهم الحق في وصايتها.
تخطتهم لتجلس سريعاً، ثم سحبت سماعاتها على عجل لتتجنب خوض أي حوار قد يستفزها في يومها الأول، وتنفعل لدرجة إحراق أحدهم.
صاح ستيفن مجدداً بنبرة جامحة: "هل تغار يا استاذ؟"
تحدث ستيفن مجددا يلقي بفضيحة كارثية ستجعل الطلاب يتحدثون بها لدهر كامل لأنهم و بالطبع يبحثون عن زلة يتخدونها موضع نميمة عندما تنتهي أحاديثهم، والآن وجدو فريستهم آنيا التي تجر خلفها جرارا من الفضائح التي نشرت على منصة الطلاب طيلة الليل.
قبض على أصابعه حتى إبيضت مفاصله غيضا عندما تعالت شهقاة بعض الطلاب يسايرون بها الفتى بإبدائهم ردة فعل ترضي غرورة حتى لايجدو نفسهم يبرحون ضربا فوق هذه البناية الشاهقة ولايمكن لأحد سماع إستنجادهم.
"ماهذا الهراء"
ابتلع ريقة بتوتر تفشى على أصابعه لدرجة نسى ما موضوع درس اليوم، تجنب نظرات الطلبة المتشككة، وأخرج كتبه بيد مرتعشة.
تابع ستيفن بوقاحة:
"أجل هذا صحيح فما تفعله أيها الأستاذ الفاضل هو الهراء بأم عينه، لقد رأيت نظراتك لها وخاصتا بعد ما عرفت من تكون... حسنا سأخبرك بشيء، أنا حجزتها قبلا... أياك يا أستاذ، إياك والعبث مع أشيائي"
لقد أضاع هذا الفتى التافه دقيقة كاملة من ساعات حياته الثمينة بهراءه التافه، ولايوجد سبب آخر للتعامل مع الأمر سوى الحزم: "ستيفن لقد أضعت من الحصة مايكفي بكلام لايمت بصلة بالدرس، لذا تفض بالخروج من صفي لو سمحت"
قهقه ستيفن بعلو ينهض من الكرسي ويخطوا ببطء شديد، مستفزا الآخر تم رمى قنبلته التي جعلت الفصل بالكامل يضحك: " لكنه يمت بصلة لسحاب سروالك"
لف البعض منهم رؤوسهم نحو المعنية بالحوار، ليجدوها تحدق في النافدة بكل راحة وإسترخاء كأن كل إهانه ناسفة للكبراء والكرامة لا تأثر بها ولو بمقدار ذرة، منهم من رأى تصرفها هذا تتبيتا لمعتقداتهم ومنهم من رآها مسالمة أو خائفة من الرد، لكن كل إعتقاداتهم لم تُصب لأنها لم تكن تفكر إلا بليفيا وتحلل كل ما تبادر لذهنها بهدوء بينما تستمع لموسيقى هادئة تجعلها تشعر بالنعاس.
نقلت عيناها من النافدة إلى المجموعة التي تزامنت النظر نحوها في تانية منتظرين ردها ومستغربين فعلها، رأت آنيا شفاه أحدى الطالبات التي تجحضها بنظرات جارحة وهي تتحرك ب'حقيرة'... لكنها لم تهتم.
صفق الأستاذ ليجدب انتباههم له، ويذكرهم بإلتزام الهدوء ليشرع بشرح درسة، فإتضح لآنيا حينها من الكتابات على السبورة أنه أستاذ تاريخ، لم تكن تكره التاريخ ولم تكن تفضله أيضا، لذلك رمت رأسها في تعب على طاولة المقعد، للحصول على بعض راحتها الضائعة.
ولم تعي على نفسها ألا لسماعها صوت الجرس يضرب يهفوة على مسامعها، فتحت جفنيها بتثاقل، ترى الجميع يغادر الفصل ويختفي من أمامها، لتدرك برهتا أنه وقت الفسحة وأن لا أحد تترق لإيقاظها طيلة الحصص، ما خطبهم بحق.
دوار ضرب كامل جسدها لوقوفها فجأة بعد نومها الطويل فإستندت على حافة المقعد بوهن، تشد الإغلاق على عيناها لتستعيد بعض التركيز، من الأفضل أن لايهتموا لها ليقضوها كطلاب لكن المعلمين، لما لم يهتموا!.. أنهم غريبين بل والأغرب هو عند دخولها كافتيريا الأكاديمية الفخمة، تستطيع تسمية المقاعد أرائك بدل كراسي من جودة القماش الأحمر المصنوع منه.. حسنا الغرابة ليست بهاذا بل في الأشخاص الذين كلما مارت بجانبهم يسلكون طريقا آخر مبتعدين عنها، هل هي مرعبة لهذا الحد، أم أن رائحتها كريهة؟.
على حد علمها أن أي من هذا غير صحيح، تخطتهم تبحث عن مقعد فارغ لكن لايوجد؛ فركت عيناها بقبضتها تضغط لتزيل النعاس الذي لازال يلاحقها... رأة فتاة تجلس وحيدة وقررت أنه لاضير بمشاركتها لبعض الوقت، رغم عدم حبها مشاركت غريب.
رأتها الفتاة المجهولة تقترب منها فإرتعدت بمكانها وتيبست يدها التي تحمل ملعقة الطعام، ابتلعت ريقها بتوتر تنقل بصرها بظرف ثانية بين الجميع.
لاأحد يهتم لكن إن رئوها تتحدث معها فسيحدت شيء لن تحمد عقباه، وقفت فجأة كالمجنونة، أخدت صحنها معها تم هرولة بحثا عن مكان آخر لايوجد به آنيا.
فغرة آنيا فاهها بصدمة.. "غريب كيف عرفت أنني لا أريدها"
كم اراحها هذا حقا وعلى العكس مما كانوا يظنونه بأنها ستتأثر بذلك وتبكي لأن الجميع ينبذها، مجرد طلاب تافهين يظنون بأن العلي يكون ببضعة ورق ورثوه من أجدادهم.
ليست بجاهلة عما يدور حولها من حقد وكره بل غير مكترثة تماما، وقبل بدأها بأخد أول رشفة من قهوتها، ظهرت فتاة أمامها من العدم أجفلتها، وكم أرادت أن تغسل وجهها بهذه القهوة الساخنة لظهورها المفاجأ، ومساحيق التجميل التي تشكل طبقات على بشرتها زادت من رغبتها في فعلها.
ما الذي تريده؟.
تسائلة داخليا تضع الكأس الورقي أمامها بهدوء وترمي الأخرى بنظرات حادة، أخرجت تلك الفتاة هاتفها تقرء نصا أجبرت على إيصاله بحذافيره وشرعت بتلاوته على مسامع آنيا ببطء كما لو كان الخطأ فيه خطيئة تتوجب العقاب:
"من، ميلا... الحمقاء العاهرة التي انتقلت مُأخرا يجب عليها أن تتوجه للحمام في الطابق السفلي، كالحمار المسير لأنه وإن لم تطبق المراد منها ستتحمل ما سيحدث لها."
لم تركز على أي شيء غير 'يجب عليها' ... ما اللعنة؟.
رمشت آنيا مرتين تحلل هذا الكلام، رفعت رأسها تناظر الأخرى بسبب طولها وهي ترتدي كعب عالي يقدر بسته أنش، بادلتها الفتاة النظر بإستحقار وتمسد على خصلات شعرها الأشقر القصير بتكبر.
تنهيدة غادرت تغر آنيا وهي ترفع كوبها ترتشف القهوة بهدوء غريب، على عكس ما توقعته من نفسها، فهي في هذه الحالات غالبا ما تقوم وتغرس كعبها الذي تتباها به داخل جمجمتها لتستطيع تقديم عرض أزياء جيد وإستثنائي بهذه الحلة الغريبة الملفته.
"هل سمعتي؟"
هتفت بصوت عالي جذب الإنتباه نحوهم، وضربت بكفها على الطالة أثناء إنحنائها لتحاذي وجه آنيا مباشرتا.
"هل تقصدين طلاسم الماغول التي ثرثرتي بها قبل قليل"
أشارت آنيا على حديثها بإستحقار جعل الأخرى تقبض على فكها بقوة.
شخرت آنيا بسخرية أمام وجهها ورفعت الكأس ترتشف منه حتى تزيدها غضبا.
"هراء"
لا تصدق حقا.. هل سقطت في جحر مراهقين أقل ما يقال عنهم تافهين أغبياء في وقت لايسمح لها بالتهاون بتاتا لأن لديها ما أهم منهم، فخيرت التجنب بكامل قواها العقلية وبقرار حكيم رأته هي لنفسها.
"أنا لن أتشاجر مع أمثالك، سأترك الأمر لميلا.. هذا إن لم تفري هاربة كالحشرة"
جعدت أنفها بإشمئزاز تم ارتفعت بجذعها العلوي تختفي من أمام آنيا تتلوى وتحرك خصرها بإغراء، بعد إلقائها لكلامها الطفولي.
مسحت على وجهها من شدة القرف الذي رأته، آثرة بعدها على تجنب الجميع حتى الحصة الأخيرة إلى أن صدح صوت الجرس معلننا عن إنتهاء يوم آخر من العبودية التي تمارس عليهم.
جرت خطواتها نحو الخارج، متانسية أمر من يقف خلفها ويلتهمها بنظرات متوعدة قاتله.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!