وضع القراءة:

《3》خَطِيئَةُ المُخَلِّص

وقعُ حدث كرزم قنبلة بعد السقوط وشتات روحٍ تَوارت تغرقٌ في الظلام لذلك المسبب بشرخٍ فيه، فلا نحنُ نخفى عن الماضي ولا ننساه، رغم الإرادة الجامحة لنزعه من قدمِ أرشيف الذّاكِرة الملوث بدماءٍ أخدت تتجلط مشكلة طبقة بشعة....
بشعة للغاية.
ألا وهي عيوب شخصياتنا الناشئة من تجارب فاشلة ومؤلمة
نحن لا نرى تأثيرًا واضح لها لكنّ أفعالنا تفعل مخبرة الحياة عن عمق ما تعرضنا له ونحن في جوفها
فالتّجارب هي من تصنعنا تنتقي ردود أفعالنا و تنحت هويتنا، وفي نهاية المطاف لا نحن نختارها، ولا هي تختارنا.
تغدق قلبا في المجازي حتى الحضيض...
متحكمتا بأسلوبٍ وقرارات حدتَ و إتخدت بالفعل اثر تلك الازمات المتتالية الواقعة على القلب تلاها الروح.
مرفأ 'Elliott Bay Marina'
جنوب مدينة سياتل 'Seattle'
جفلت تنقل بصرها بينه وبين المكان، يبدو هادئاً تملأه السكينة حتى ضجيجه محبب والذي تصدره طيور النورس المحلقة فوق قوارب بيضاء مصطفة بترتيب مدروس، صوت صدى الأمواج المرتطمة على الرصيف يشعرك بجمال هذا العالم.
لم تتوقع أن هذا ما يعنيه رغم انه ليس بتلك الغرابة لكنه دافئ ولطيف تتمنى لو انه يذهب ويتركها هنا وحدها تختلي مع ذاتها وتناقش أمور يجب حلها.
هذا ما تفعله دائما.
أما هو فقد حدّق بها بفخر كان يملك شكاً بعدم إعجابها او على الأقل إخفائها له، لكنه ادثره لرؤية ابتسامتها الخافته، و كونه احسن الإختيار مرغما قلبها على نثر بعض المشاعر المتباينة على وجهها الآن شيء يُفخر به وهذا ما جعله يلفظ أخيراً ببعض الفخر الذي يعتري وجهه
"أعجبك؟!"
تبدّلت ملامحها فورا لتذكرها انها ليست بوحيدة هنا بل تملك دخيلا يغزو غزلتها.
قلبت عيناها بحنق تعود للخلف مستندة على ظهر كرسي السيارة تحني يداها على صدرها
"ليس إلى ذلك الحد"
كاذبة!.
لقد اعجبها وهي أكثر من يعلم بذلك لكنّ كبريائها كطفلها الصغير لا تستطيع رفض له طلب وجعله يبكي طوال الليل خاصتا ان كان اعترافا لرجل، تمنحه به بعض من الأمل معها.
"وما هو ذلك الحد؟"
استفسر يميل برأسه لتتضح له معالم وجهها الفاتن اما هي فخرجت من السيارة تخطو إلى الخارج تتجاهله كليا متمنية عدم لحاقه رغم ان ذلك يبدو مستحيلا.
ومنذ متى وهي سعيدة الحظ لدرجة تحقق امنياتها بهدة السرعة؟!
وقفت على الحافة واضعه يداها على سور الأمان الحديدي تغرق في تفاصيل البحر أمامها.
لم تمضِ مدة تذكر حتى سمعت صدى صوت حذائه الجلدي الضارب على الأرضية وهو يلحق بمكانِ تواجدها لم تعره انتباهها بل ضلت تحدق بلون البحر بأعين لامعة وهي ترمي بثقلها على الحديد
ناثرة الرياح الباردة خصلاتها الزرقاء الأمامية على وجهها... تبدو تجسيداً للهدوء و الجمال في هذه اللحظه مع انعكاس لون البحر على عيناها العسلية مكونا لونا مميزاً.
تمنت ان تبقى هنا فحسب.
"ألم تسأليني عن الموعد؟!" يبدو أنه يعرف ما يجول ببالها و برغبتها وقرر مغاضاتها
حاولت أن تصبح صماء ولو للحظه فحسب تفصلها عن ضجيج العالم، لا تريد سماع صوت البشر .
وسعت عيناها قليلا وهي تراقب السمكة الصغيرة قادمة نحوها بسرعة، لا تبدو واضحة فحركة الماء وحدها من تشي بوجودها وهنا رسم خيالها حياة أخرى تبدو أكتر حرية: ماذا إن كانت سمكة قرش تجوب في المحيط بحرية بدون قوانين تعيقها وتقيد حركتها
تتغاضى عن السلبيات وتفكر بكونها سمكت قرش بالطبع لايوجد أجمل من الحرية!.
لن تقيدها القوانين آنداك بل ستضل تجوب المحيطات بأريحية لا تزعجها مسؤولية و لا تثقلها وجوه البشر.
وهنا تدخل هو مخترق دجنة خيالها البسيط يستشعر بأنامله ظهر كفها قبل ان يمسكها.
اقشعرت لإحتضان يده بخاصتها فأبعدتها بقوة، لقد نجح فعلا في إفساد لحظتها، لم تشعر بها كلمسةٍبسيطة....كانت كضرب صاعقة خلخلت دواخلها وليس كمجرّد لمسة، ليس حبا، بل لذكرى عصفت بها فجئة بعد هذه الصاعقة.
رفعت عيناها تنظر إلى البحر تحديدا نهاية مدى رؤيتها
و حركت يدها تضعها في جيب بنطالها الواسع.
"لا احب هذا النوع من الرومانسية المبتذلة"
لم ينطق هو بحرف أكتفي بهمهمة بسيطة يقف عكسها يرمي بظهره على الحديد وينظر لها بإفتتان لم يرد التفكير بسبب رفضها، يخبر نفسه انه اسرع قليلا فهي لا تكاد تعرفه حتى
"تعالي معي"
تحرك من مكانه يخطو قبلها إلتفتت له تقابل ظهرة من مسافة بعيده شخرت بسخرية تعيد أنظارها نحو الأمواج بأعين دابلة تستمع لتحركاتها فحتى في صخبها تجد بها سكون دافئ كأنما الأمواج تضرب عقلها وتسحب معه ذكرياتها وافكارها المتعبة إلى عمق المحيط تدفنهم هناك.
احس هو انه يسير لوحده ليتنهد بيأس يعود أدراجه ناحيتها.
في ظل سرحانها احست فجأة بأن الأرض تسقط وهي تحلق لم تعد تشعر بأقدامها تلامس الأرض .... أهذا هو تأثير الغوص في التأمل؟!.
استفاقة عند شعورها بيده تضغط على خصرها وهو يحملها شهقت بخفة تتخبط بين ذراعيه ... من أين له بهذه القوة فجأة؟.
"هل تريدين ان ارميك في البحر؟!"
تحدث بمزاح يقربها من الحافة أكثر
"ليون انزلني أيها الغبي"
لبّ طلبها فورا ينزلها للأسفل.
التفتت له تضربه على صدره بقوة "حقير"
عدلت ملابسها و تحركة بدونه، لقد كان ذلك مفاجئاً،لما لم يتحدث معها وحسب ما هذه الطرق الغبية.... حسنا حتى وإن تحدث معها ليس وكأنها ستمنحه رداً يرضيه.
"لما تتجاهليني"
لا تشعر حقا بأنها تفعل ذلك فقط تريد تصفية ذهنها بما انها مُنحت الحق للترفيه في هذا اليوم لكن هذا الفتى يفسده، تريد اخباره بأنه المفسد الأكبر ليومها على رغم انه السبب بمجيئها!.
"حسنا إذن، إلى متى ستستمرين بهذا؟"
لارد
"تعالي من هنا"
أشر بإصبعه لتقوم هي بلحاقه إلى المكان الذي يريدها زيارته
لا تعلم إلى أين ولاتريد ان تترك أقدامها تسوقها نحوه كالطفل المطيع، لكنها فكرت، ربما تكون مفاجأة أفضل هذه المرّة.
توقفت خطواته تليها هي عند وقوفهم أمام باب متجر صغير لطعام الحيوانات، فتح الباب ليتحرك الجرس المعلّق مصدرا صوتا يعلن عن قدوم أحدهم...ضلت هي واقفه أمام الباب تلوي شفتها بعدم إعجاب.
حتى خرج هو ومعه كيس به طعام للحيوانات
"أهو طعامك المفضّل؟"
أشارت بدقنها ناحية الكيس.
تجاهل سخريتها هذه المرة كما تفعل معه واكتفى بالمشي وهي تابعة ورائه بسبب الفضول.
وصلو لبحيرة صغيره لامعه تخطف النظر يطليها اللون الرمادي تحت السماء الغائمة يطفو فوقها بعض البط.
صُدمت تقريبا من جمال المنظر و بساطته جلبُها إلى هاذا المكان كان ما تريده فهي من ظنت انه سيحضرها لمطعم فاخر للحصول على موعد غرامي مبتذل و بالحديث عن الموعد لا يبدو مثل المعتاد حقاً انه أقرب لنزهه بين الأصدقاء.
تبّتت نظرها على البطة الأم في اول الطابور مع أبنائها
يتحركون بتزامن مكونين خط واحد.
المشهد بدا لطيفا وكم أرادت ان تحصل على انتباههم و يأتون تجاهها، جلست القرفصاء تتلمس الماء الذي غبّش صورة وجهها العاكس له.
حينئذٍ مد ليون يده لها كان يحمل بعض البذور والحبوب
ابتسم لها ثم أخد يشرح " ارميها لها وسترين كيف ستأتي تجاهك"
رفعت عيناها نحوه في ثانية تم ارجعتها ليده ربما هذا الفتى خرج من داخلها هذا التفسير الوحيد الذي وجدته لقرائته أفكارها.
قرب يده أكثر يشعر بتشنج مفاصلة على وضعيته لمدة و لطول تحديقها؛ اخدت من يده الحبوب ترميهم للبط لكنها لم تصب الهدف و رمتها بعيداً
"ليس هكذا فقط أنظري و تعلمي"
زفرت الهواء من فمها بملامح كسى عليها التجهم لتبجّحه.
انتظرت لترى مواهبه في الرمي... هو فعلا ماهر كونه لاعب تنس ماهر و احتل المركز التاني في المسابقات التي تجري بين المدارس.
اصاب الهدف فعلا وحطت البذور أمام البطة لتنحني هي واطفالها يلتقطونها
ظل يرمي لهم لتلاحظ البطة مصدر الطعام وتتجه لهم، ظهرت ابتسامة طفيفة لا تكاد ترى على شفاهها.
وقفت بسرعة مع بعض الحماس تأخد الكيس من يده بقوة تلتقط منه بعض الطعام و تطعمه للبطة التي أقتربت
أخدت تربت على رأسها وتطعم صغارها.
ليون شعر ببعض الغرابة لتصرفها، تبدو لطيفة جدا معهم على عكس تعاملها معه ببرود وجفاء، تمنى لو يكون مكان البطة...انه لشيء غريب ان يشعر ببعض الحسد من بطة، كم ان هذا يضحكه بحجم ما يجعله مستنكر لأفكاره.
طلب منها البعض و اعطته اقترب أكثر من البط، لاحظ أحد أطفالها يخرج من الطابور أتجه ناحيته أكثر بحذر ألا يسقط في البحيرة يريد إرجاعه ،وضع يده على ظهره و رفعه برفق يعطيه لوالدته لكنها شكرته بطريقتها الخاصة اقتربت منه ظنا منها انه يخطف صغيرها وعضت يده وشدة قميصة بمنقارها محدثه بعض البلل لملابسة رمى الصغير من يده يهسهس بألم يرجع بخطواته.
يبدو أن الوالدة المفرطة للحماية لم تكتفي بعد بل ضلت تقترب منه؛ حسنا هو لم يتوقع هذا النوع من الثناء.
لم تستطع آنيا حبس تلك الضحكة التي تهدد بالخروج فسمحت لها بالهرب تقهقه بقوة على شكله المبهدل.
إلتف هو على صوتها لقد بدت جميلة جدا لدرجة أنه لم يعي على نفسه وهو سارح في تفاصيلها حتى لاحظ إنخفاض ضحكتها تدريجيا حتى تلاشة تنظر له بملامح مستغرِبة، ليننطق هو سريعا مع ابتسامة واسعة.
"لأول مرة أراك تضحكين هكذا"
"ضحكت لأنك أحمق"
إعتدلت بوقفتها تنفض يداها من التراب و بقايا البذور تحدق به و السخرية تشع من ملامحها بوضوح، شكله بدا مضحكا لم تتوقع رؤيته وهو يصارع بطّة.
"إذا سأتخد من التفاهه صفة رسمية ان كان المقابل رؤية ضحكتك هذه"
لا يزال متعجب من ضحكتها، كون انسان يضحك هذا هو المألوف لكن ان تخرج ممن ظن انها باردة تواجه صعوبة حتى في منحك ابتسامة صادقة لغريب فعلا؛ ربما هذا نجاحٌ آخر يضاف إلى قائمته الصغيره.
"من الأفضل ألا تفعل" تحدتث بنبرة خافته تلقي نظره اخيره على البط قبل الرحيل لقد أرادت ان تجلب كتاباً ما وتقرأه ريثما تجلس هنا تطالع جمال الطبيعية السجية ....مبتعدتا عن صخب البشر.
ستعود لهذا المكان يوماً.
احست بظلٍ ما خلف أحد الأشجار وراء مسارات المشي المخصصة للعامة كأنما شخص ما يراقبهم من بعيد، كونها تصيب بظنها و إمتلاكها فراسة يجعلها تشك حقا ولا تكتفي بتكذيب نفسها، لكنها اختارته بالفعل، يمكن ان يكون أحد المارة وهي فحسب من توسوس.
"ليون"
لم تكن نبرتها حادة او ساخره هذه المره بل الطريقة التي خرج بها اسمه كونت بعض الفراشات داخله، هذه الفتات تستمر بمفاجأته...لم يشعر قط بأن اسمه سيخرج بهذا الجمال من فتاة يوما.
إلتفت لها سريعا تلتقي عيناه بخاصتها في حضن دافئ وقد بدءت الشمس بالغروب بالفعل ليجعلهم كلوحة لرسام ماهر .
"تأتي إلى هنا كثيرا صحيح؟"
لاتزال نظراته متبته على مقلتيها يدرس لونها المميز الذي عكس عليها أشعت الشمس البرتقالية، إكتفى بإمائة فحسب ينتهز الفرصة لإطالت التحديق بها.
لقد كان هذا أطول تواصل بصري بينهم من يوم رآها بها!.
أدارت رأسها تحرك جسدها للأمام تحادثه
"أعلم أن عيناي فاتنة فقط توقف عن التحديق كالأبله الشمس بدأت بالمغيب"
استقفاق أثر صوتها يتبعها و يتمتم "ماكرة"
"لون عيناك جذاب حقا"
"لست اوّل من يقول هذا"
جملتها بدت مريبة ومثيرة للشك وليون بالطبع لم يستطع إخفاء فضوله
"أكنت تملكين حبيبا قبلي انا؟"
استدارت توليه نصف وجهها تريه ملامحها المتقززة من كلامه
"و من عيّنك حبيبا لي؟"
وفوق كل ذلك يسألها عن شيء لاشأن له به، أسيظهر الآن غيرته و يريها رجولته بطريقة مبتذله؟...إن فعل فلن تتردد بالجري كمجنون هارب من إحدى الجزر النائية وصولا للمنزل.
"أنا من فعلت" تحدت يعدل ياقة ملابسة بثقة مبالغة ثم أكمل يسترسل كلامه" و بالطبع اريد لأطفالي ان يمتلكوا نفس لون الأعين "
لم يعجبها كلامه لكنها اخفته بجداره، لن تضل تشرح له طول اليوم، سيفهم هو بنفسه مع الوقت أن هذا ضرب من المحال.
"ولم تجيبيني، اتحاولين التهرب كعادتك؟"
'التهرب كعادتها' هو صادق فعلا فبطبيعة الحال هي من تهرب دائما ومنذ الصغر كعادة متوارثة من والدتها...إنه وسيلتها للبقاء بسلام لكن ذلك يظهرها ضعيفة بعض الشيء وهذا ما تعتقده فعدم قدرتها على إيجاد حلٍّ يجعلها تظهر أمام نفسها كالعاجزة.
فما الذي يعرفه حتى ينطق بشيء كهذا؟!...لا شيء حرفيا انه مجرد استنتاج من احمق، لكنه أثار شعورا بالضعف داخلها
أهي واضحة لتلك الدرجة؟!.
لم تكن تتهرب، فقط لا تريد منحه شيء لا يخصه.
"هذا ليس من شأنك" إجابته بصوت حانق تضغط على فكها بقوة، فهم ان الأمر يزعجها و لا تريد الحديث عنه ظناً بأنها تملك تجربة مؤلمة
في الحقيقة لم تملك آنيا رفاهية خوض تجربة عاطفية من قبل...دائما ما تعتبر هذا مضيعة للوقت فحسب.
"أنتظري" لفظ هو بسرعة عند وصولهم لمكان السيارة.
"هناك مطعم قريب من هنا مختص بالأطعمة بالبحرية يقدم وجبات رائعة...ما رأيك بزيارته، بالتأكيد انتِ جائعة فلم تأكلي شيء منذ الصباح، او انك تشاركت البط طعامه خلسة؟"
هو لن يكف عن تفاهته اليوم.
لم تلتفت لكلامه رغم شعورها بتوقفه عن السير، تنهدت بيأس تنزع ربطت شعرها التي ازعجتها لكن ليس بقدره، لملمت شعرها بها سريعا في ديل حصان.
"لا، رأيت كشك قريب من هنا تستطيع أن تبتاع منه شيئا بينما نأكل في طريق العودة"
"انتِ متأكدة "
"لما سأخبركَ إن لم أكن؟!" اردفت تزامنا مع وصولهم للمكان المركون به السيارة.
"حسنا اذا انتظريني هنا" اخرج مفتاح السيارة من جيبه يرميه لها ثم إلتف يهرول ناحية المكان.
التقطته ببراعه تفتح السيارة ما ان كادت تفتح الباب حتى استشعرت ثقل نظرات ما لترفع رأسها تقابل بعيناها بضع المتاجر المتناثره حتى التقطت رجل ما بذا شكله غريبا يضع قلنسوة سترته ويكسوه الأسود بالكامل... والأغرب من ذلك انه يبادلها النظر بكل جرائة
ما الذي يريده؟.
اما في الجهة المقابلة تحدث هو بهمس في السماعة المثبتة على اذنه بصوته الرخيم الأجش
"لقد وجدتها"
اتاه الرد من الجهه المقابلة بصوت هادء ينطق
"حسناً إذن فقط استمر بمراقبتها"
ظلت تبحلق بعدم فهم...وأخيرا قررت التحري عن الأمر اتجهت نحوه بسرعة، قد يبدو الوضع خطيرا وقد يكون فخ لإستدراجها لكنها قررت المجازفة
لاحظ الآخر تحركها نحوه ليفعل المثل يدخل لإحدى الممرات بجانبه يتوغل مختبئا خلف سور منزل مهجور
"ما الأمر رينو" عاد ذلك الصوت ناطقا من جديد من خلال السماعة ، ليرد رينو عليه
"إبنة العاهرة تلك ليست بهينة"
في الجهة المقابلة، خلف سماعة الهاتف...كان يجلس ذاك المتحدث خلف مكتبه الفخم يلقي بسكين يحمله على الحائط لتصيب الهدف المرسوم بدقه.
ابتسم بخبت يضرب بأصابع يده الأخرى سطح الطاولة.
"لا تقلق"
تلك الكلمات كانت كافية لينهي الشخص المجهول حديثة هنا و يغلق الخط.
لم يكن رينو خائف لتلك الدرجة من احتمالية كشف هويته لها لذلك كان واضح بظهوره، لكنه ينتظر الأوامر فحسب.
دخلت آنيا إحدى الأزقة البعيدة عن مكانهم تبحث عن ذلك الرجل، وقفت خلف حائط ما تختلس النظر من خلفه بحذر حتى لا تُكشف لاكنها لم تجده.
رفعت كتفها بعدم اهتمام تكمل سيرها، شيء ما يرن بعقلها يخبرها بأن هذا الرجل يتربص بها لكنها رفضت الأمر تخبر نفسها بأنها ليست شخصية مهمه لهذا الحد بينما تلعن فرط يقظتها.
ركبت السيارة تلتقط هاتفها الملقى في السيارة لتدفع به ملل انتظارها لِليون، فتحته، جفلت لكمية الإتصالات من قبل والدتها...انها قلقه كون آنيا لا تخرج في يوم العطلات إلا مع نتاليا ولا يطول الأمر كثيرا، لم تعد تفهم قلقها الزائد ليس وكأنها تعيش بحديقة حيوانات مفترسة.
كانت جاهلة بالخطر الذي ينتظرها على أحرِ من الجمر.
أغلقت الهاتف تضعه بجيب بنطالها لرؤيتها انعكاسه على المرآة.
"تفضلي يا آنسة...أي شيء آخر؟!"
مد الكيس لها يركب بجانبها يشرع في السير للعودة إلى حيهم.
"لا"
الأحمق كان ينتظر منها شُكراً على لباقته، لكنها اكتفت بكلة واحدة جافة مجردة من اي اثر للمشاعر.
ركن سيارته و لوح لها بيده أمام باب شقتها، لم تولي اهتماما كبيرا لردها له.
تحركت للداخل تجر أقدامها بتعب حتى وصلت أمام الباب مخرجه المفتاح من جيبها تدخل للمنزل.
سرعت خطواتها لتجنب تصادمها مع والدتها وفتح ملف تحقيق معها، لا تستطيع الكدب ولا تريد الحديث في الموضوع لأنها تعرف ردة فعلها مسبقا... سترفض بقطع فكرة المواعدة تلك بحجة الدراسة.
وجدتها تضع الطعام على الطاولة ولقد لاحظتها بالفعل لاكنها أكملت طريقها نحو غرفتها.
فجأة وقع على مسامعها صوت والدتها من وراءها
"أين كنت؟. ليس من عادتك الخروج في أيام العُطل، هل ستهملين دراستك اخيرا؟!"
شعرت بكم هائل من البؤس و التعب حاليا رغم عدم نبسها بحرف ففكرة تفسير لوالدتها وحدها مرهقه.
"لا تخافي لن افعل كأمثالك"
اردفت بنبرة حادة توضح لها انعدام رغبتها في الحديث، لم يكن انتقاء آنيا للكلمات جيداُ وهي تدرك ذلك بالفعل
جعلت تلك الكلمات قلب الأم يلتوي بألم لتستفسر منها متمنية ان تتأسف او تخبرها بأنها زلة لسان لا أكثر
"ما الذي تقصدينه؟"
خرج صوتها مهتزا بنبرة ألم واضحة سقطت الملعقة من يدها مصدرة صوت ارتطام لا يضاهي صوت دقات قلبها اثر ارتطام كلمات ابنتها به.
دلكت آنيا صذغها بملل ترفع رأسها للأعلى تستنشق اكبر قدر من الهواء ثم اردفت تعبس بملامحها.
"هذا يكفي لقد أصبح الموضوع مزعجا أمي، ألا تلاحظين، انت تضغطين علي كثيرا لم أعد طفلةو أعرف تماما ما أفعل"
لم تشعر بأنها تبالغ فوالدتها هي من تفعل وتغلق الخناق عليها ،فمند سنواتها دراستها وهي تنوح فوق رأسها وتثرتر بمدى أهمية دراستها، لذا فبضع كلمات منها هي لن تشكل فارقًا، علها تستشعر قليلا ضيق السلسلة المزركشة بالحب والقلق التي تضغط بها حولها.
"لم تعودي طفله لكنك لا تزالين طفلتي انا آنيا، و هذا لمصلحتك تذكري ما كنتي تقولينه في صغرك.... بإرادتك لتحقيق حلمك الصغير"
تأفأفت بضيق يبدو أن كلماتها لم ولن تغير شيئاً.
"بربك، لقد بدأت افقد القدرة على العد من كثرة المحاضرات التي تلقينها علي و من نفس الموضوع دائما حتى أنني بدأت اتوقع كلماتك التالية، الوضع أصبح شبيه بمسرحية هزلية اعيد عرضها ألف مرة، وهل يتلاشى حلمي لمجرد الترفيه ليوم واحد؟!"
تنفست بصعوبة و صدرها يعلو ويهبط بسبب بزقها لكن ما يجول بخاطرها منذ مدة.
جفلت الأخرى على انفعال ابنتها المفاجئ لم تعتد عليه كثيرا كونها كتومة وتحب تحمل كل شيء وحدها، لا تعلم هل تكون ممتنه لذلك ام لا.
"انتبهي لإنفعالاتك عزيزتي"
لم تكن نبرتها آمره أو حتى مغتاضة بل صوتها غدا حانيا، أمالت برأسها وشبه ابتسامة لطيفة تكونت تريد إرسال ان فكرتها وصلت وهي تفهمها و تفهم ما تشعر به.
استرقت النظر لوالدتها ويا ليتها لم تفعل وجهها اللطيف مع تلك الإبتسامة كافٍ لتهدءت اعصابها في تانية، لكنها لا تريد للموضوع ان يهدء، أصبح يؤلمها أكثر كلما شدة الخناق عليها...تعلم أن والدتها ستعود للحديث في الموضوع مرة أخرى.
"وانت كذلك انتبهي لإنتقاء مواضيع جديدة بكلمات أخرى"
أغلقت باب غرفتها بقوّة خلفها وارتمت على السرير.
هي لا تعرف في هذه الحياة و لا تثق بغيرها لذا تسعى لإرضائها بأي الوسائل لكن هذا اصبح يضيق بها بقدر ما كان يسعدها قبلا...
قد كانت وحيدة منذ الأزل...طفل صغير فتح عيناه لتقابله زوج من العيون الزمردية اللطيفة، هي فحسب من عاملها بحنان فارط في عالم ينبذها بقسوة.... وبين اربع حوائط كقفس يحدق به طائر صغير يشم رائحة الحرية ولا يتذوقها يرى غيره يطير وهي بأجنحة ملوثه نازفة ببشاعة صورٍ تلتقط بعيناها الصغيره، لم تجد سندًا او داعم يضمد جروح اجنحتها ليجعلها ترفرف بهما غيرها، ورغم كمية الجروح و الألم رفرفت بهم لتريها أنها قادرة
و ان تضحياتها و إنتزاعها للقوة من نفسها لتستطيع رؤيت ابنتها تطير بحرية كغيرها لم تذهب سدًا....
حتى حلمها الصغير كان متعلق بوالدتها بالكامل كما لو كان خاصتها، من أجلها لا غير، ومن أجل رسم حياة خاصة بهما.
لذا لن تجعل هذه الإنفعالات تسيطر عليها مجددا حتى ترى والدتها بعينان لامعه كما شهدة عليها قبل الحادثة.
صدح صوة المنبه في اذنها لتنتفض من نومها...لقد نست ان اليوم دوام ويبدو ان والدتها من عدلت لها المنبّه، استقامت بجدعها على السرير بتعب.
لا تزال تريد النوم لما لا تتغيب فحسب، هذه الفكرة ليست جيذه بتاتاً بالأمس استطاعت التملص من أحد المحاضرات تلك.
قامت بغضب تشتم سلالة من قام بأختراع شيء يسمى المدرسة.
ارتدة ملابسها المدرسية التي لطالما تذكرها بأنها مجرد جزء من قطيع ما، وهي عبارة عن قميص ابيض مع تنورة وسترة زرقاء غير انها لا تفضل ارتداء التنانير في مكان كهذا لذا اختارت بنطال ليسهل عليها الحركة او بالأحرى ليسهل عليها توجيه ركلاتها بحرية وبدون قيود.
خرجت من غرفتها تحمل حقيبتها رأة والدتها تحضر شيئا في المطبخ...ليس من عادتها ان تستيقظ في هذا الوقت!
"أمي... ماذا تفعلين؟" اتجهت نحوها تلقي نظرة عليها، وقد كانت تحضر شيئا ما لتأكله.
انتبهت لها الأخرى توسع عيناها بفزع أخرجت ما في فمها بسرعة تسعل بقوة.
"آنيا سأذهب اليوم لدي عمل ما انتبهي لنفسك"
تحدتث بعجل تلقي ما بيدها و تخرج من المطبخ متخطية الأخرى.
علمت على الفور ان هناك شيء غير طبيعي هنا فإرتباكها واضح للغاية، قطبت حاجباها بشك تنطق بسرعة:
"امي انتظري...أي عمل تقصدينه هذا؟!"
توقفت ليفيا أمام الباب بأصابع مرتجفه تقبض بها على المقبض.
"شيء مهم فحسب" فتحت الباب تخرج بخطوات مسرعة لاتحب إخفاء شيء عن ابنتها إذ كانت مهتمة فستخبرها...لكن الآن الأمر صعب عليها فحسب.
حاولت آنيا تخطي الأمر ربما تكون مفاجأة ليس هناك داع للقلق.
خرجت هي الأخرى بعد اكل سلطة وجدتها في التلاجة... وضعت السماعات لتلتهي بشيء ما ريثما تصل الحافلة، مسحت على جبهتها بإرهاق لرؤيتها الحافلة المزدحمة...شكلها لا يبشّر بالخير بتاتاً.
حاولت تخطي اجسادهم بحثا عن مقعد غير شاغر لكنها لم تجد فظلت واقفة تزفر بضيق لوقوف رجل سمين ملاصق بها، جعدت ملامحها بقرف على رائحته المزعجة لتسحب ياقة قميصها تغطي بها انفها.
هذا سبب كاف بالفعل ليعكر مزاجها منذ الصباح.
انسحبت ببطء من بين اجسادهم المتراصة لكي تنزل وتكمل سيرها للمدرسة، كانت لاتزال تضع السماعات على اذنها متجنبة ضجيج المارة....أخدت حقيبتها من خلف ظهرها تفتح السحاب تخرج منها عطرها برائحة ورود الغاردينيا رشت منها قليلا لتزيل رائحة الرجل التي إلتصقت بأنفها...أغمضت عيناها تستنشق براحة رائحة العطر العذبة التي تسللت لأنفها، وضعتها بالحقيبة بعد بضع رشات لتحافظ على بقائها فهي ليست بمبلغ بسيط.
وقفت أمام باب مدرستها حيث ارتفع المبنى أمامها شامخًا، بواجهته الزجاجية التي تعكس سماء الصباح الرمادية، وأعمدته الحجرية المصقولة التي منحت المكان هيبة أقرب إلى الجامعات العريقة منها إلى مدرسة ثانوية. امتدت الممرات النظيفة بين حدائق مشذبة بعناية، بينما اصطفت سيارات فارهة على جانبي الساحة الأمامية في مشهد يعلن منذ اللحظة الأولى أن هذه المدرسة لا تستقبل الجميع.
لم يلفت انتباهها شيء من ذلك. بالنسبة إليها لم يكن المكان سوى قفص أكبر، أكثر أناقة وأغلى ثمنًا.
لم تكن هذه المدرسة تستقبل سوى أصحاب النفود المقتدرين ماديا او الطلاب النخبة المتمتعين بقدر من الذكاء،  ولأنها كانت من الصنف التاني استطاعت وضع قدم في هذه المدرسة الراقيه...لم يكن مرحب بها لتك الدرجه من قبل الطلاب عدا المعلمين لكنها استطاعت ان تتبت جدارتها و الإتباث في عقولهم الصبّية انها ليست بلعبة سهلة البته.
نزعت سماعاتها لوصولها إلى الممر الطويل..إذ كان يحتوي على العديد من الطلاب الواقفين أمام خزائنهم يمينا وشمالا يستعدون لأول حصة...فتحت خزانتها ملتهية بنفسها، اخدت بعض الكتب متجهه لفصلها لقضاء هذا اليوم كأي يوم آخر ثم الحصول على جائزتها الصغيرة والنوم حتى الغروب.
لمحت بين خطواتها ذات الشلة الغبية من فصلهم ونتاليا التي تقف تضحك معهم بصخب...أطلقت صوت ساخر من أنفها تتجنبهم لكن صوت نتاليا الصارخ اوقفها، تلوح لها بعجل.
"هِيي آنيا تعالى إلى هنا"
توقفت الأخرى لوهلة تم أكملت سيرها للفصل متجاهلة أصواتهم المناديه.
"انه موضوع مهم"
ما ان سمعت بضع كلماتها حتى التفتت لها تهز رأسها بإستفهام...ليست متأكده ان كانو يستدرجونها فحسب بكلامهم لكنها لم تستطع منع فضوله، فإن فكرت بالأمر ما الذي سيجعل بعض الحمقى يتناقشون في شيء مهم و يريدون مشاركته معها!.
ساقت اقدامها بخطوات سريعة متجهه نحوهم متجنبه الأجساد المعاكسة حتى وصلت لمكان وقوفهم..كانت نتاليا تقف بجانب فتى اسمر البشرة لم تستطع تذكر اسمه ترمي هي بثقلها على الحائط ترفع قدما اليسرى عليه وتخفي شيئا ما في يدها الموضوعة خلف ظهرها.
مررت بصرها نحوهم إنهم المجموعة المعتادة التي لا تنكف نتاليا عن تضييع وقتها معهم...رونا الفتاة الماكرة اكبر متنمرة في المدرسة و ذاك الفتى الأسمر الذي عجزت عن تحديد موضعه بالضبط بينهم وايضا بايثون صاحب أطول جثة هنا بشعره الخفيف المطلي بالأحمر و...التفت تبحت عن الضفدع البشع الناقص هنا ...حتى وجدته عيناها أخيرا يقف بعيدا عنهم منشغل بتدخين سيجارته الإلكترونية بشراهه.
سايمون داك النحيل التافه صاحب السمعة المشوهه لايوجد مشكلة هنا ولا يكون اسمه يزين أعلى القائمة.
لاحظت نظراتهم نحو خصلاتها الأمامية المطلية بالأزرق
"صبغة رائعة"
تحدث بايثون صاحب الشعر الأحمر بإعجاب، واومأت له بدورها.
اسهبت عيناها نحو نتاليا تنتظر تفسيرا لإعاقتها الدائمة لها وافساد استجمامها مع نفسها.
اعتدلت الأخرى بوقفتها، ولاتزال تخفي داك الشيء خلف ظهرها، اقتربت أكثر من آنيا تفلت ابتسامة جافة خالية من المرح.
"تريدين تلقين أستاذ الكيمياء درسا لن يضطر لمراجعته مرة أخرى؟"
بالطبع هم وكل طالب هنا يملك حقدا دفينا لا يمكنه للكون بأكملة إستعاب كميته...لطالما استمر بإغاظت الطلبة بكلماته و يبالغ في إصدار احكامه كعقاب لأفعالهم، خاصتا ان وجد المخطئ من خلفية غنية، فهو يرى إنهم الأكثر استفزازا و تكبرا، حتى ظن البعض انه يغار من مجرد طلبه ولم تقتصر أفعاله على هذا بل يضع أكثر الأسئلة تعجيزا مدعيا انه لمصلحتهم وهو ادرى بما يفعل.
و على عكس المتوقع لم يجد الطلبه من شكواهم سوى الرفض سواءا من الأهالي او المدير، لذا الإعتماد على أنفسهم هو الحل الأكثر ترجيحا بالنسبة لهم.
فكرت آنيا ان كانو حقا سيلقون به جثة هامدة أمام باب المدير بعد إبراحة ضربا!.
اقتربت منها نتاليا أكثر تكشف عما كان خلفها وتخمد نيران فضولها المتفاقم، امسكت علبة بإصبعها السباب و الوسطى تقربها وتحركها امام وجهها حتى اتضح لها من الرسمة على العلبة ما الذي يربض بداخلها....نقلت عيناها نحو نتاليا التي تضغط على وجنتها من الداخل بملامح ماكرة.
بلعت آنيا ريقها محاولة استعادة تباثها الذي فقد بضعا من قطراته...لرؤية ما تحمله.
ألعاب نارية على هيئة قنبلة تطلق شرارات نارية حارة قبل الإنفجار!.
انزلت نتايا العلبه تضعها بجيب تنورتها الزرقاء.
"إذا...أتريدين الإنضمام، انت ايضا تملكين حقدا تجاهه"
ضيقت عيناها تنتظر ردها الواضح وضوح الشمس وقت المغيب، بأنها لن تشارك.
"هل سترمونها عليه"
ترددت قليلا قبل اظهار نفسها مهتمة لكنها نتقط قبل تحليل الكلمات في عقلها فلن تنكر انها تملك بعض الحقد تجاهه ولكن ليس لدرجة إيذائه.
"هذه مفاجأة"
صدح صوت انثوي رقيق
نقلت عيناها للجهه الأخرى حيث تقف رونا، قضبت حاجباها بحنق ترمقها بسخط و قرف لعلمها و كالعادة هي لن تكون مرحبا بها هنا وبينهم إلا من قبل نتاليا.
بللت شفتاها ترد عليها بهدوئها المعتاد عليه بينهم تسلط عيناها الحادة نحو نتاليه عمداً.
" أولم تريدوني ان أشارك معكم...و الآن تخبروني بأنها مفاجأة، وللمعلومية فحسب انا اكثر كرهه للمفاجآت"
التفت نتاليا تتمتم بشيء ما لرونا لم تستطع اذناها التقاط حروفه.
"كفاك يا نتاليا من تقمص دور محام الدفاع، نحن لا نريد جبناء بيننا"
إندفاعها كان مبالغ به قليلا، دفعت نتاليا من جانبها ثم
مررت عيناها على آنيا من الأعلى للأسفل بحقد مشع من ملامح وجهها الشريرة...نكزتها نتاليا بمرفقها ترسل لها نظرات عتاب على كلماتها.
لم تبدِ آنيا اي رد فعل على محاولاتهم المعتادة لإستفزازها ببضع كلمات فمهما حدث لن يرف لها جفن أو تهتز لمحاولة بث شعور زائف داخلها.
"على حسب ما اتذكر فأنا لم أوجه حديثي لكي، حتى أنني لا أتذكر اسمك، الهذه الدرجه تسعين بإستماتة لكسب انتباهي يا لكِ من معجبه."
أنهمت حديثها تضع يديها بجيوب بنطالها بثقة مفرطة.
رمشت الأخرى بقهر...وضعت نتاليا يدها على فمها لإسكات ضحكتها من هذه الإهانة الأسطورية.
هل وصفت رونا بالمعجبة؟!.
"لا أفهم ما سبب وجودك معها إلى الآن يا نتاليا انها حقيرة وليست من مستوانا....حرباء تتلون بألوان عدة فقط لكسب الإنتباه و لخدمة مصالحها."
"ان كنا سنقسم البشر إلى مستويات فلا أظنك ستكونين في القائمة رونا"
رفعت حاجباها على التوالي بحركة استفزازية.
ما تقصده أنيا انها لن تكون من ضمن البشر....انفجرت تناليا ضحكا تضرب كتف بايثون الذي ابتسم على العرض أمامه.
أنزلت نتاليا يدها من فمها أخيرا تطالع رونا بإستغراب، لما كل هذا الحقد تجاه فتاة لم تؤذها قط...وهل ولادتها في عائلة ذات خلفية بسيطة يجعلها أقل منهم شأناً؟!.
بالطبع هي تغار منها لا غير...لم تجد نتالي تفسير غيره فإنفعالات رونا و طلبها الدائم اكثر من غيرها لدفع آنيا وإبعادها عن نتاليا يوضح ما تخفيه من بشاعة نفسها
"أنت تغارين منها أليس كذلك..."
رفعت يدها أمام وجه الأخرى تعد بإستفزاز يقطر من نبرتها الحادة
"إنها أجمل منك و أفضل منك أكاديمياً و معضم الأساتذة يكنّون لها الإحترام وانت بكل ما يملكه والدك لم تستطيعي ان تحصلي على الإهتمام الذي تملكه....أليس هذا صحيحا؟"
قبضت رونا على يديها بقوة لدرجة توقف الدماء عن السريان في شرايينها تطالع نتاليا بقهر مزج ببعض الغضب
"أنتي معي ام ضدي نتاليا؟"
"أنا مع الحق فحسب"
أطلقت كلماتها من بين شفاهها الباسمة.
"هذا يكفي يا فتيات"
تدخل بايثون يرفع يداه يحاول إخماد النيران قبل ان تلتهمهم أجمع ويتحول العرض إلى حرب شد شعر أمامه...لم يعره أحد اهتماما.
اهتزت خطواتها بعدم تباث تخطو للخلف خطوتين تلف أحد ضفائرها بإصبعها و تضحك بصوت عالٍ تهز رأسها يمينا وشمالا
"لا أصدق كيف انطلت عليك حيل هذه الماكرة...انها حرباء تتلون على حسب استفادتها نتاليا افتحي عيناك جيدا...تدعي الأدب و تتخد منه واجهه لامعه لإخفاء مكرها"
ما هذا التبلّي الآن؟..لقد صنعت منها شمطاء كشخصيات العجائز الكرتونية في أفلام ديزني!.
تجاهلت أنيا حديثها تخطو بجانبها تضرب كتفها بكتف الأخرى بقوة جاعلة منها ترتد أكثر للخلف...من وجهة نظرها، نتاليا قامت بالواجب فلا داعي لقص لسانها وصنع منه لجاما حول فمها والتورط مع حمقاء غيورة؛ انها اكثر من يقدس الهدوء ولا تتورط إلا عند الحاجه القصوى وهذا ما دفعها لتجاهل ندائهم و المضي قدما راميتا بفضول انتقامهم الذي يلف حولها عرض الحائط.
دخلت تزامنا مع رن جرس الإعلان عن أول حصة وهي بالطبع حصة الكيمياء...جلسة بمقعدها في المنتصف، لم يمض الكثير حتى تردد على مسامعها صوت الطلاب يدخلون الفصل بهمجية.
أخرجت زجاجة المياه خاصتها لتشرب منها تزامنا مع دخول الإستاذ...ابتلعت ما بجوفها بصعوبة تتحسس طعم الماء بقزز و كأن دخولة و رؤية هيئته فحسب كفيلة بتغير طعم الماء.
دخل هو بثقة يضع نظاراته الدائرية الكبيرة الشبيهة بقهر الكأس مع صلعته الامعة تحت الضوء الفلوري الأزرق من سقف الصف العالي...يرتدي سترة باللون الوردي الخافت يفتح اول ازراره ليظهر صدره البشع المليئ بالشعر مع بنطال باللون البيج، و الذي سيكون وجهة أحدهم بعد قليل.
لا حظت ملامح البغض و الحقد متشكلة بوضوح على ملامح جميع الطلبة..دخلت نتاليا تقلب عيناها في وجه الإستاد متعمده ضرب شعرها الأشقر بوجهه؛ انحنت قليلا عند وصولها لمقعد آنيا تطلق صوت انفجار بفمها قرب وجه آنيا قبل ان تجلس خلفها.
تبدو عابثة جدا اليوم!.
ألقى المعلم على مسامعهم تعاليمهُ المعتادة و التف ليشرع بالكتابة على السبورة، كانت عيناها تلتفت لهم بين الفينة والأخرى تنتظر ما سيفعلونه بترقب و فضول شديد، بدا لها الأستاذ حينها الغزال الغافل عن القطيع الذي سيتغذوا علية كفريسة من نوعٍ آخر.
و في لحظه فُجائية قامت نتاليا من خلفها بوجهَه معلومة، نكزت الأستاذ بخفة تتمتم بشيء ما في اذنه ليومأ هو، من الواضح انها تقوم يإلهائه...وبعد عشر تواني التفت لدوى صوت عالي ضرب مسامعها لترى تلاث فتية معهم رونا قد قامو في نفس الثانية.
لقد بدو كجماعة الشعب الثائر ضد الحكم والمسبب للشغب في البلاد!.
بدت ملامح الإستغراب تشق طريقها مكونة عقدة على حاجبي آنيا...كان بإمكانهم رميه بتلك المتفجرات، فلما هذا الاستعراض العسكري حاليا؟!.
تقدم الشبان بخطوات رتيبة متزامنة جعل اعتقادها بأنهم عساكر تتأكد...وقبل التفات الأستاذ قبضوا على ذراعيه لتثبيتها ناحية الحائط وتراجعت نتاليا تترك الساحة لهم...وفي ظرف تانية لم يتمكن الإستاذ حتى محاولة الدفاع بها ألقت نتاليا المتفجرات التي أشعلت فتيلها ناحية سايمون الذي تسللت يده ناحية بنطال الإستاذ من الخلف يضعها و يتراجع مع البقية عدة خطوات للخلف، تاركين الآخر يقفز و يترنّح في جميع الاتجاهات محاولا نزعها لكن محاولاته بائت بالفشل، عند انتهاء خيط الفتيل أُعلن عن انفجار تردد صوته في ارجاء المدرسة و اروقتها لدرجةٍ اهتزت لها النوافذ....وفي تالية اللحظة الفائتة اتضحت صورة الإستاذ حيث كان بنطاله يكشف عن شرخ كبير مبرز ما تحته ريثما كان هو يحاول ستره بيداه في محاولة بائسة لاستعادة ما تبقى من كرامته المزعومة.
تعالت ضحكات الطلاب في الخلفية بصخب فحتى من لم يشارك انفجر مع القنبلة بهستيرية ضحك بلا توقف...حتى آنيا التي لم تستسغ الأمر بالبداية رمت تهوي برأسها ناحية المقعد تشد على بطنها من الضحك، لتخيل شكل الأستاذ يتربع مواقع التواصل الإجتماعي بعناوين رنانة 'أستاذ يعبث مع طلبتة فيقومون بشوي مؤخرته'
يالي اطفاله المساكين!.
قرب ذاك الفتى الأسمر كاميرا هاتفه أكثر لتظهر للعيان بوضوح في ذاك البث المباشر، يهتف بصوته الأجش بعلو بين ضحكاته وهو يضرب الطاولة بعنف
" انظرو جيدا أيها الحمقى...لقد احرقنا مؤخرته اللعينة ذات الطبقات ليكون عبرة لغيره"
صرخ الأستاذ بجنون يربط سترته الملقية على الكرسي حول خصره قبل خرورجه من الفصل بسرعة البرق.
رفعت رأسها بعد مدة، لإنخفاض صوت الضجيج لينجلي على عيناها المدير بشحمه ولحمه واقفا بشموخ يغلف جسده المشدود بدلة سوداء يرميهم بنظرات خيبة تتخللها بعض الغضب بدا في عقده الأربعين بالشيب المطلي ببعض خصلات شعره، تقدم ببطء إلى أن استقر خلف طاولة الأستاذ ،تقف بجانبه المشرفة تحاول كتم بقايا ضحكاتها الفارّة بدون قصد.
أمر الجميع بالجلوس والعودة لمقاعدهم، تحركت نتاليا والباقي يتراجعون بخيبة أمل و ملل بادٍ على وجوههم، لكامل علمهم بالمحاضرة السلوكية التي ستلقى على مسامعهم حاليا و ستستمر طيلة الحصص إلى وقت الفسحة غالباً.
تنهد المدير بقوة يكشر ملامحه، لاد بعيناه على الجميع حتى تبتت على آنيا التي قطبت حاجبيها بعدم فهم مع آثار تلك الضحكات التي تأبى مغادرتها.
تحدث بصوته الأجش:
"أتعلمين من المسؤول عن هذ؟!"
لقد كان يوجه سؤاله لها فعلا وهذا ما جعلها تتسائل الايوجد غيرها بالفصل ام لهذه الدرجه هو يتق بها؟.
لفت رأسها تحدق بكل واحد بهم لجزء من الثانية بملامح لعوبة.
"لا أعلم من صاحب الفكرة"
حاولت بكل ما تملك من مقدرة على منحهم واجهه رسمية و كبح بقايا ابتسامتها المستمتعة، لكنها لم تستطع فكل كلمة تخرج تذكرها بمظهر الأستاذ المفجوع من قوة الصدمة...أما عن مظهر مؤخرته المحروقة التي تُنبأ بعدم استطاعته على الجلوس لدهر فكان موضوع آخر.
"لاشأن لآنيا بما حدث"
انطلق صوت نتاليا بإندفاع
"اصمتي وايلدر، لايحق لكي الحديث..ألا اذا كنت انت وجماعتك المتسبّبين في هذه الفوضى، فمن غيركم أكثر اثارتا للمشاكل و أكثر من يكن كرها للأستاذ ألبرت."
لم تجادل بالحديث معه اكتفت بالتمتمة ببضع شتائم نابية، أكمل هو حديثه ضنا به سيغاير طريق غرورهم ويزرع تمرة الندم بتأنيبة....لكن بالنسبة لهم، كأنه يلقي ببضع تراتيل دينية مملة معتادة.
"ما هذه المسخرة التي تحدثونها...أين اخلاق هذا الجيل و أين احترامكم الا ترون كم يكبركم بسنة؟...بتصرفاتك الصبيانيه هذه ستلطخون سمعة هذه المدرسة العريقة...اريد ان أعلم متى ستعقلون؟."
أطلق زفيرا متقلا بالخزي قبل ان يضرب الطاولة بقوة يكمل كلامه بصوت يصم الآذان" وتتفاخرون بنبائتكم أمام الجميع.اي جيلٍ هذا؟ ...الا تخافون ان يرفع دعوى قضائية ضدكم ،التهجم على كادرٍ ناشر للعلم، وبكل بجاحه تصورونه في بث مباشر الا تخافون من وقوف الرأي العام ضدكم الآن؟"
"انه لن يفعلها لانه ايضا مخطأ وهو يعلم...ثم عائلتي سترشو عائلته حتى لا تكبر المشكلة وسيتم حذف البث واسدال الستار عن القصة...أرجح كونه كلب لاهث طلبا للمال وهذا سيساعد....فكل شيء يمكن شرائه بالمال أليس كذلك ايها المدير؟!"
جعلت رونا من المدير حائرا، تلاشت كلماته أثر نبرتها الواثقة.فما قالته سيحدث سواء أراد ألبرت ام لا، فلن يفكر اهاليهم مرتين قبل تهديده من أجل سمعة اطفالهم...لن يقفو في صف غريب مهما بلغ حجم إساءة أبنائهم.
"وجِد للتدريس ما كان يجب عليه حشر انفه الكبير"
أضاف سايمون مظهرا حنقه من تصرف الأستاذ معه دات مرة حين وقع بمشكلة ما فطلب هو من المدير ان يزيد له العقوبة لتصبح من جز عشب الحديقة في الباحه الأمامية للمدرسة إلى تنظيف الحمامات مع صالة الرياضة الكبيرة...بالطبع لم يفعلها لكنه أجبر على بعضها.
"انه يفعل ذلك لمصلحتكم"
لوحت نتاليا بتعليقها بلا مبالاه "لا أحد ادرى بمصلحتنا أكثر منا"
"مراهقين لا يعون شيئا"
تحدث يهز رأسه بيأس، شعرت آنيا بأنه زاد عن حده في تقمص دور شيخ القبيلة الذي يلقي بخُطبة و حكمه على الجيل الأصغر سناً، بدا لها مزعجا خاصتا ان لا علاقة لها بالأمر وفوقها مجبرة على تحمل حديثهم.
"لمصلحتنا؟!...تستمرون في التبرير له، انه فحسب مغتاض منا كوننا لانهتم لشيء وهو من افنى حياته للحصول على مجرد وظيفة لعينة، هل ظن بأننا ستعيش حياة تافهه كأمثالة مثلا؟"
"انتبهي لألفاظك رونا و لا تتجاوزي الحد اعلمي جيدا مع من تتحدثين"
ان كان لديه ذرة صبر فقد تلاشت حاليا بسبب لامبالاتهم ضغط على حافة الطاولة بقوة مرغما نفسه على السكون والحفاظ على هدوءه المهني وعدم الإنفعال و كسر أنف أحد منهم الآن.
"صدقوني سأراجع كمرات المراقبة وسأحرص على ألا يكون عقابكم يسيراً هذه المرة، ولا يهمني وصولكم إلى حل ما مع الإستاذ ألبرت، سأحرص على تأذيبكم بنفسي"
رمى كلماته الأخيرة بهدوء مصطنع قبل خروجه، تبعته المشرفة تغلق الباب خلفهم...انطلقت بعض الشتائم و الكلام الساخر من أفواه الطلاب.
التفت رونا لنتاليا تضرب بكفيهما و تصرخ "لقد كان رائعا"، انضم لهم فتى يريهم التفاعل الذي حصده البث بعد نصف ساعة فحسب...و التعليقات انقسمت نصفين أحد يؤيد فعلتهم وآخر يؤنب و يصف الأمر بالفاجعة.
كانت ستقوم تخرج من الفصل لكن جسم شخص ما قام بوضع يديه على كلا كتفيها واعادها للجلوس..من سيكون غير نتاليا بإبتسامتها البشوشة المعتادة وقفت تحدق بها، ثم رمت بثقلها على طاولة مقعد آنيا.
"مارأيك؟!"
"لا تخبريني انك صاحبت الفكرة"
راقصت نتاليا حاجباها كتأكيد متنظرة رد فعل الأخرى، لكن آنيا لم تنصدم او ما شابه، كون نتاليا من حفنة متنمرين...أسندت ظهرها على الكرسي تطلق تنهيدة خفيفة.
"ويحكِ يا فتاة"
أنزلقت يد نتاليا إلى خصلاتها الزرقاء تلفها بإصبعها
"اعترفي ان العرض اعجبك...ألم تكوني غاضبة منه على كل حال"
"لن استغرب ان استيقظت بالغد على خبر انتحاره"
تركت خصلتها و تحولت ملامحها لأكثر جدية....احست آنيا بالغرابة من تغير مزاجها المفاجئ
"ستسوء الأمور اكثر حينها"
شخرت آنيا بسخرية قبل ان تطمأن الأخرى بنبرة حادة
"لا داعي للقلق حقا، أظنه شخصا عاقلا وايضا لديه اطفال"
ضربت بسبابتها جبهة نتاليا تم اتجهت لتخرج من الفصل، لكنها لاحظت ان أحد الفتيان يتم صده من أمام الباب وهذا يعني انهم محبوسين هنا...قطع حبل افكارها دخول المشرفة إلى الفصل، أغلقت الباب خلفها بهدوء تستند عليه بينما تخاطبهم بنبرتها الرسمية المعتادة.
"ليعود الجميع إلى مقاعدهم سأنقل إليكم أوامر المدير"
عادة انيا بخطواتها للخلف، ان اتخد المدير إجراءً بحجزهم جميعا هنا فيجب عليها البحث عن طريقة للهرب لايوجد لدهم حصص اليوم فمن الأستاذ الغبي سيقترب من هذه المنطقة المحضورة...بالتأكيد يتوق لتفجير مؤخرته.
"وفقا لما توصلنا إليه من كمرات المراقبة، لم نجد ان الفصل بأكمله مشارك في الحادثه...لذا سيسمح للبعض بالمغادرة اليوم اما الباقي سيحتجزون هنا إلى موعد إنتهاء الساعات المحددة للدراسة...و أيضا لن يسمح لكم بالمغادر حتى يأتي أولياء اموركم لإصطحابكم و عندها سيتم اخبارهم بالأمر."
تمتمت بصوت مسموع نهاية حديثها "هذا ان لم يسمعو منذ الآن"
اخرجت ورقة من جيبها تضعها صوب عينيها" الآن...كل من يسمع اسمة سيسمح له بالخروج اما الباقي سيضل هنا"
انتظرة وصول اسمها إلى مسامعها بفارغ صبر،لانه إن لم يحدث ستحلق شعر نتاليا و تصنع منه كرة تتسلى بها تيشي...لكن هذا لن يحدث ليس بعد ان استمعت لإسمها الكامل ينطق بروية، قامت من الكرسي بعجل، كم انتظرت هذه اللحظة لأنها لم تكن تريد المجيئ منذ البداية.
سمعت احتجاج بعض الطلبة وصوت ضرب الكراسي بقوة لكنها لم تأبه حتى بكم شخص استطاع الخروج معها بل أكملت سيرها عودتا للمنزل.
رن الجرس يدبدب على مسامعهم صوت نغمته الهادئة تعلن عن بدء الفسحة...خرج الطلاب كقطيع ثيران بهمجية، من يراهم يظن ان لهم دهرا لم ينالوا بعض الطعام، لم يكن السبب هذا في واقع الأمر، بل لإصطياد بعض الأخبار حتى تشبع فضولهم.
سرّعت خطواتها اكثر حتى ارتطمت بصدر ما جاء من العدم.
"تبا"
تمتمت بسخط، رفعت عيناها لينجلي لها بشريان من صنف الإناث نظراتهم تحمل كما من الفضول
"هلا تخبرينا ما الذي حصل؟!"
تحدثت احداهم بحماس، تجعدت ملامح وجه آنيا تطالعهم بحدة، لم تلقي لهم بالا، انعطفة لليسار تكمل سيرها تتجاهلهم بالكامل حيث سمعة بعض الشتائم تلقى حولها وقحة من قبل الفتاتين.
لايوجد شيء يستدعي الغضب حتى الآن كل شيء على حاله سترجع لتكمل نومها بسلام او ستخرج مع تيشي للتنزه...هناك في بقعة انغماسها بأفكارها المسالمة احست بيدٍ ما توقفها و تلفها بقوة، عرفت عندها من هو صاحب هاذا الجسد لكن ما لم تفهمه هو إلتصاقه بها بهذا الشكل رفعت رأسها وكانت هذه أول مرة تتيح لها الفرصة لرؤية وجهه الوسيم عن قرب قطعت تواصلها مع عيناه البنية و راقبت تطاير خصلات شعره الكستنائية بفعل الرياح، ابتعدت عنه عند ملاحضتها تقضيبة حاجبيه، بضع خطوات للخلف تلعن نفسها داخليا، وضعت خصلة تمردة على وجهها بسبب قوة جذبه لها خلف اذنها.
"آنيا لقد كنت أناديك...أتتجاهلينني؟"
احست براحةٍ ما لبدئه الحديث وقتل تلك اللحظة المربكة بالنسبة لها.
"ماذا الآن، ما الذي تريده؟!"
"ما الذي اريده؟!" اعاد استفهامها بنبره لا تقل عنها استغراباً، لكنه اعاد شرح الموضوع لها
"لقد كنت أناديك هل تتجاهلينني عمدا ام أصبحتِ صماء؟"
رمشت عدة مرات، على الرغم من مخرج الكلمات القاسي نوعا ما لكنها عجزت عن إلتقاط اي سخرية منه...لما لا يغضب هذا الفتى من تصرفاتها بل لما لا ينفر من عدائيتها كالأغلب، انه يجعل الأمر صعبا عليها فحسب، ستعترف بأنها معجبه به حقا لكنها انتظرة منه سلوكا ما يجعلها تنسى امره انه لا يعطيها سوى اسباب لتفكر به على الأقل...لقد بدأت تشعر ببعض الشك حول انه يكن شعورا تجاهها.
"اختصر الأمر علي ليون، ماذا تريد؟!"
اومأ لها تم أخد يحك مؤخرة رقبته ببعض التردد، ضيقت عيناها على تصرفاته وقد شعرت ببعض الفضول تجاه ما يبتغيه.
"كنت أريد أن اطلب منك بعض المساعدة"
مساعدة؟!
امسك هو سقف الأسئلة الذي سيقع على رأسها بإجابته السريعة.
"في الحقيقة..." بلل شفتيه يحاول استجماع بعض الجمل الصحيحة التي ستجعلها تقبل ولو بنسبة ضئيلة.
"أنا لست جيدا في الأدب كثيرا و انت تعلمين الإمتحانات تقترب...وبما انك الوحيدة من اعرفها جيدة في الأمر قررت ان اطلب منكِ بعض المساعدة، فهل يناسبُك اليوم مساءا"
وسعت عيناها قليلا، أهو بكامل عقله حتى...هي بالكاد تتحمل ان تدرس لنفسها، لذلك قررت الرفض داخليا فلا شيء يجبرها، وقبل افصاحها برفضها، قاطعها ليون بنبرة مترجية.
"آنيا ارجوك، سأقدر لك هذه المساعدة حقا"
تساءلت داخليا ،هل يحاول الإقتراب منها بحجة الدراسة؟...على كل حال يبدو مصرا ولانه قام بترجيها حاليا يجعلها تعيد النظر بحساباتها، ارتفعت زاوية فمها بابتسامة جانبية ماكرة لا أحد يعلم ما سرها
"سأفكر بالأمر، ان كنت غبي و لا تفهم بسرعة فلن أكمل الشرح"
اقتربت منه تربت على كتفه تكمل كلامها "ولا شيء بدون مقابل مورفاي"
ليس بمدركٍ عن غرابة خطبها الآن وما الذي تقصده بالمقابل لكنه قرر التغاضي مبتسما لقبولها مساعدته.
"شكرا لك حقا"
رفعت ذقتها للأعلى ترمقه بتعالٍ
"يمكنك المجيء اليوم مساءا فقط لأنني أملك وقت فراغ ولا اعلم متى سأنشغل بالأيام المقبلة لذا اريد التخلص من امرك بسرعة"
انها تستمر بإهانته جاعلتا منه يحترق بين نارين...اهي تقصد التخلص من أي التزام يعيقها او هي بالفعل تراه كقمامة يجب التخلص منها و للأسف ليون لن يجد هذه الإجابة إلا برأس تلك الفتاة امامه، التي التفت تكمل طريقها مبتعدتاً عنه.
ضمت سترة المدرسة لجسدها أكثر تستشعر بعض الدفئ وسط هذه الرياح العاتية. رفعت رأسها تحدق في السماء التي بدأت تختفي خلف الغيوم المتكتلة.
إنها ستمطر.
اسرعت بخطواتها، لا تريد ركوب الحافلة رغم هذه الأجواء، لا بأس بالمشي وصولا للمنزل، لكن شيئا ما استوقفها.
أمامها على حافة الرصيف تقف قطة هزيلة وسط البشر المتناثرين كالرماد الباهت الذي يجدبه التيار بعيداً، كل منهم يجري او يهرول وسط هذا الضباب للوصول إلى منزله إلى حضن زوجٍ او زوجةٍ دافئ يتشاركون شرب القهوة مستمتعين برؤية قطرات المطر المنزلقة على النوافذ، كقطرات الدم المتساقطة على فروها الأبيض.
روح غريبة ضعيفة لا أحد يلتفت لها.
لا تعلم لما توقفت خطواتها كأن اقدامها آلة خارجة عن طوعها، ضربت الأرض بقدمها بغضب قبل ان ترجع بخطواتها إلى أحد المتاجر...دفعت الباب تم اتجهت إلى جهة منتجات الألبان أخدت بعض من الجبن لتبتاعها.
وقفت أمام منصة البيع، أنزلت حقيبتها و فتحت السحاب، أدخلت يدها داخلا متأمله ان نجد بعض المال هناك...امسكت آخر ما تبقى لها، ليست متأكدة تماما مما تفعله لكنها ارادَة و ستنفد مطالبها الخاصة.
خرجت من المتجر سريعا تلتفت يمينا و شمالا حتى اهتدت عيناها إلى تلك القطة تدخل احد الأزقة، تبعتها تقص الطريق بسرعة تجعل أحد السيارات المارة تطلق أبواقها بغضب على تهورها.
وجدتها مرتمية هناك في تعب، وما إن اقترب منها قليلا حتى نهضت القطة من مكانها تكشر عن انيابها...إنها خائفة وبالطبع ستكون كذلك لان شكلها لا يبشر بالخير ابدا.
قد لاحظت آنيا عند اقترابها أنها بعين واحدة و عينها الأخرى بداخلها شيء ما، تجهل ما هيته، وفروها يلطخه الدم من جرح في ساقها الذي على ما يبدو أن أحد ما عضها بوحشية.
أخرجت الجبنة من الكيس و فتحتها لها بدت القطة خائفة كانت تلهث بصعوبة وترتعش بفعل الرياح، وأنفاسها تتقطع كخيط رفيع يوشك أن ينقطع.
لم تمض مدة حتى استكانت القطة لها و اقتربت تشم الرائحة تم أخرجت لسانها تلعق.
جلست القرفصاء أمامها تحدق في عينيها الزجاجيتين اللتين بدأ الضوء يغادرهما ببطء ، لم تشعر بالشقة بل بشيء اشبه بالإرتباك حيث بدء عقلها في إكمال رسم سلسة التساؤلات خاصتها.
هل تستحق الحياة كل هذا التشبث؟
تمتمت في داخلها:
"غريب...كيف يتعلق الجميع بالحياة، حتى وهي تمزقهم!"
أليس الوجود هو أول ما فُرض علينا؟
لم يختر أحد أن يولد، ومع ذلك يُطالَب الجميع بالدفاع عن هذا الوجود حتى آخر أنفاسهم، وكأن الحياة هبة مقدسة لا يجوز ردها، مهما امتلأت بالألم.
ففرض الوجود على المخلوقات يبدو كفرض جحيم حتمي بلا الشعور بالذنب...اوليست هي غرائز البشر؟.
لن يشعر اي احد منهم بالذنب لكون أبنائه ينامون على التعاسة و يصبحون على البُأس، واهمين انها سنة الحياة وان فرضها عليهم لا يعد جرما يحاسب عليه.
أغمضت عينيها لحظة...ثم عادت تحدق بالقطة.
"لو كانت تملك القدرة على الكلام... هل كانت ستختار النجاة فعلًا؟ أم كانت ستطلب نهاية أسرع؟"
كم من المرات يبكي البشر لأن روحًا غادرت، بينما لا يسألون أنفسهم سؤالًا واحدًا:
'هل كانت تلك الروح تريد البقاء أصلًا؟'
ربما نحن لا نحزن على الموت.
ربما نحزن لأن الموت سرق منا شيئًا كنا نريده لأنفسنا.
هذه القطة التي امامها ما الذي ستجنيه من هذا الألم السحيق الذي يفتت روحها ببطء؟...نظرة بتسائل صادق لغرابة الكون، ما الإستفاذه التي تقدمها هذه القطة للحياة؟!...لاشيء، صحيح؟! فما فائدة وجودها هنا سوى لشعورها بالألم.
بعض الأشياء وجودها عبث نعجز نحن البشر عن تحديد وظيفته.
وضعت يديها حول رأسها تحاول خفض حدة التوتر داخله و بتر تلك الأفكار السوداوية...
أنزلت يديها تقترب من القطة أكثر، سحبت كم قميصها الداخلي ليغطي يديها تم حملت القطة برفق...كانت ترتجف ارتجافها الآن لا يشبه الخوف بل يشبه استسلام الجسد حين يدرك أن المقاومة لم تعد ذات جدوى، دققت النظر بجراحها، قد بدت عميقه لها و لا تملك ما تقدمه لها، تحدتت للقطة من جديد.
"أيهما أكثر رحمة؟ أن أتركك تموتين ببطء... أم أختصر الطريق؟"
سؤال لا يملك جوابًا، لأن البشر هم من اخترعوا الأخلاق...
ثم اختلفوا عليها.
اضلمت عيناها و خفى بريقها، أدخلت يدها لجيب سترتها تخرج سكينها الصغير
"لن ادعكِ تتألمين بعد اليوم"
خاطبت القطة بنبرة جافة.
ربما يكون ما تفعله خاطئ لكنها تدرك أن تخليص كائن من عذاب فرض علية ليس بخطأ بل خلاص.
خفضت نصل السكين ببطء.
ولأول مرة شعرت أن الحياة والموت لا يفصل بينهما إلا قرار صغير يتخذه شخص يظن أنه يفعل الصواب.
لربما يكون ما تفعله يحمل مسمى:
...خطيئة المُخلِّص.
لامس نصلها رقبت القطة، ثم وفي لحظه ضغطت هناك و مررت السكين، انفجرت الدماء تلوث المكان.
لحظات فحسب انتظرتها حتى فارقة روحها المسكينه هذه الحياة ولفظت آخر أنفاسها..آخر رسالة لهذه الحياة الظالمة.
مسحت السكين على فروها و القته بجيبها، وقامت بسرعة تخرج من هاذا الزقاق.
رمت السماء بأول قطراتها الخافتة و ازداد الجو صقيعا، هبة موجه رياح جعلت شعرها يتطاير بحرية، حركت اقدامها بسرعة شديدة قبل ان تزداد غزارة المطر...مدة قصيرة حتى وجدة نفسها أمام باب شقتهم، دخلت من الباب المؤدي للدرج و استدنت على الحائط تجمع أنفاسها.
صعدت اول الدرجات تم توقفت لحظة تقبض على اعمدة الدرج بغضب لما لاح على عيناها...كان يضرب باب شقتهم بغضب و يزفر كالثور بين الحين والآخر
ما خطبة؟!.
رصت على أسنانها
"ما الذي يريده هذا الأحمق؟!"
*---------*---------*---------*---------*--------*
الفصل طويل أعرف 🙊
لكن...
هل انفجرت عقولكم كما انفجرت الألعاب النارية في مؤخرة أستاذ الكيمياء؟.
ماذا عن ضياع آنيا و هلاكها في افكرها؟ *°••°*
هل ترون ان تصرفها صحيح ام ان لكم رأي آخر؟....
17 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.